أخبار عاجلة
الرئيسية / الكل / أبيض وأسود وملون / المصور الفوتوغرافي الأوروبي # تانكرد دوماس (Tancrede Dumas (1830-1905.. وهو إيطالي من أصول فرنسية..من أعلام التصوير الغربي المبكر في الشرق – مشاركة : هاني حوراني ..
المصور الفوتوغرافي الأوروبي #  تانكرد دوماس (Tancrede Dumas (1830-1905.. وهو إيطالي من أصول فرنسية..من أعلام التصوير الغربي المبكر في الشرق – مشاركة : هاني حوراني ..

المصور الفوتوغرافي الأوروبي # تانكرد دوماس (Tancrede Dumas (1830-1905.. وهو إيطالي من أصول فرنسية..من أعلام التصوير الغربي المبكر في الشرق – مشاركة : هاني حوراني ..

تانكرد دوماس:من أعلام التصوير الغربي المبكر في الشرق

موكب الحج الشامي

لم يكن فيليكس بونفيس المصور الفوتوغرافي الأوروبي الوحيد الذي ارتحل إلى الشرق الأوسط وأقام في بيروت، في ستينيات القرن التاسع عشر، إقامة دائمة إلى أن توفي (1885-1831)، فقد فعل الشيء نفسه تانكرد دوماس Tancrede Dumas (1830-1905)، وهو إيطالي من أصول فرنسية، إذ حل في بيروت في ستينيات القرن التاسع عشر، وافتتح هو الآخر استديو خاصًا به في بيروت، يقال إنه أقامه في باب إدريس، الحي الذي أقام فيليكس بونفيس فيه استديو التصوير الذي حمل اسم العائلة: Maison Bonfils.

ولد دوماس عام 1830 من أبوين فرنسيين عرفا كنصيرين للبونابرتية، وقد رحلا عن فرنسا إلى ميلانو، حيث نشأ تانكرد دوماس الشاب، وباشر فيها حياته المهنية كمصرفي. وبرغم قلة المعلومات عن حياته المبكرة، فإن القليل المتوفر يفيد بأنه تعلم حرفة التصوير الفوتوغرافي في استديو الإخوة أليناري Alinari Brothers في فلورنسا.


دوماس المصور والمصرفي

قبل حلوله في بيروت كان دوماس قد انتقل إلى القسطنطينية، العاصمة العثمانية أولًا، حيث افتتح مع آخرين استديو للتصوير، غير أن إقامته هناك كانت قصيرة لأسباب غير معروفة، ومن ثم انتقل في عام 1866 إلى بيروت ليقيم استديو للتصوير خاصًا به في الحي الذي يضم القنصليات الأجنبية، على الواجهة البحرية لبيروت. وخلال الفترة المبكرة من عمله في بيروت جمع دوماس ما بين مهنته كمصور فوتوغرافي وخبرته كمصرفي، حيث عمل كوكيل لبنك روستان، بل إنه قام بأعمال تجارية أخرى مثل بيع وتأجير البيانوهات للعازفين.

وبالإضافة إلى عمله كمصور بورتريهات للأشخاص الذين يرتادون الاستديو، قام دوماس بالتقاط صور لمشاهد من بيروت ودمشق في السنوات الأخيرة من ستينيات القرن التاسع عشر. وهي صور وجد بعضها موقعًا من قبل نده فيليكس بونفيس. وفي ما بعد (1872) نشر دوماس كتالوغًا طبع في ميلانو، يتضمن 260 مشهدًا من دول عديدة، من بينها مصر، الهند، فلسطين، بعلبك، دمشق، اليونان، وبلاد ما بين النهرين. ويعتقد البعض أن جزءًا من صور الألبوم لا يعود له، وإنما لمصورين آخرين، مستندين إلى أن دوماس نشر إعلانًا يطلب فيه شراء أو تبادل النسخ السالبة للصور مع مصورين آخرين، وهي ممارسة كانت شائعة، في وقت لم تكن قد ظهرت فيه حقوق الملكية الفكرية للصور الفوتوغرافية.

صانع “الألبومات”

في 14 تموز/ يوليو 1878، أعلن دوماس من خلال مجلة “النحلة”، الصادرة باللغتين الفرنسية والعربية، عن عرض لبيع أربعة ألبومات صور له عن طريق نظام الاشتراك، وقد كانت هذه الألبومات تضم أشهر صوره التي باتت معروفة اليوم، وتضم مشاهد من مصر، فلسطين، سورية، الأناضول، اليونان، القسطنطينية. وكان كل ألبوم يضم مئة صورة مطبوعة بثلاثة قياسات مختلفة.

يذكر هنا أن دوماس رافق الدوق الكبير لمكلنبيرغ (Mecklenburg، ولاية في شمال ألمانيا)، في رحلته إلى الشرق الأوسط، ما أهّله للحصول على حق الإعلان عن نفسه كمصور في الديوان الإمبراطوري الملكي لبروسيا. على أن أبرز أعمال تانكرد دوماس كمصور محترف تحققت إثر التحاقه ببعثة جمعية الاستكشاف الأميركية – الفلسطينية (APES) التي كانت قد وصلت إلى بيروت في 19 آب/ أغسطس 1875، في طريقها إلى فلسطين، بهدف إجراء مسح جغرافي وأنثروبولوجي هناك، وإعداد خارطة كبيرة ومفصلة لمنطقة المشرق العربي الجنوبي.

قبل ذلك كانت الجمعية الأميركية المذكورة قد اتفقت مع “صندوق استكشاف فلسطين” البريطاني Palestine Exploration Fund على إجراء المسح المشار إليه أعلاه، والتعاون على نشر نتائج المسح وخارطة لمنطقة جنوب سورية، حال انتهاء بعثة الجمعية الأميركية من أعمالها. وهكذا استخدمت عام 1872 كلًا من الليفتنانت إدجار ستيفر من الجيش الأميركي والبروفسور جون بين الذي كان أركيولوجيًا وعالم طبيعة. غير أن الجمعية استبدلت الإثنين، في عام 1875، بالكولونيل جيمس لان ود. سيلاه ميريل. كما وقعت عقدًا مع مصور فوتوغرافي هو هنري رومبو ليرافق البعثة التي كانت ستستغرق ما بين 30 و75 يومًا، إلا إن المصور رومبو تراجع عن الاتفاق، وحل محله تانكرد دوماس الذي اتصلت به البعثة الأميركية عند وصولها إلى بيروت.

استمرت عمليات المسح من جانب البعثة الأميركية نحو عامين، حيث انتهت في آب/ أغسطس 1877. لكن نتائج المسح الأميركي والخرائط المنتجة لم تحظَ برضى اللجنة المسؤولة عن صندوق استكشاف فلسطين البريطاني (PEF)، إذ اعتبرتها “غير ملائمة بصورة كبيرة”، كما رفضت نشر الخرائط المنتجة من الفريق الأميركي. ولم تلبث الجمعية الأميركية أن تم حلها في منتصف 1880.

وهكذا لم يبق من جهود بعثة جمعية الاستكشاف الأميركية – الفلسطينية سوى صور تانكرد دوماس، حيث قام هو باختيار 99 صورة من إجمالي الصور التي التقطها، خلال مرافقته للبعثة، ونشرها في ألبوم ضخم القياس، مع تعليقات وشروح للصور.

ومؤخرًا قامت الأميركية ريتشل هالوت Rachel Hallote واثنان آخران من الباحثين بنشر كتاب ضخم القياس تحت عنوان “صور جمعية الاستكشاف الأميركية – الفلسطينية”، ويقع في 368 صفحة (قياس القطع 215*280)، ويضم الكتاب المذكور أكثر من 150 صورة فوتوغرافية لم تنشر من قبل، ومؤرخة بتاريخ 1875، وهي في أغلبها من تصوير تانكرد دوماس، وتظهر فيها الأماكن الأثرية الأبرز في كل من الأردن، فلسطين، سورية ولبنان.

وإضافة إلى الصور، يروي الكتاب تاريخ الجمعية الأميركية – الفلسطينية للاستكشاف في سبعينيات القرن التاسع عشر، بما في ذلك تعاونها في تلك الفترة مع “صندوق استكشاف فلسطين” البريطاني.

وإلى جانب هذا الكتاب الحديث، كُشف النقاب مؤخرًا عن كتاب وضعه دوماس نفسه باللغة الفرنسية مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وحمل عنوان “الدليل الجديد للرحلة إلى فلسطين، سورية والجزيرة العربية”. ويحتوي الكتاب، الذي يقع في 216 صفحة، على ملاحظات تاريخية و24 صورة فوتوغرافية. وقد نشر لأول مرة في بيروت، عام 1880. وهو الآن متوفر بنسخته الرقمية في مواقع البيع على شبكة الإنترنت.

لم يحظ دوماس في حياته بالشهرة والانتشار الذي عرفته عائلة بونفيس، ما يفسر ربما استمرار انشغاله بمهن أخرى غير التصوير الفوتوغرافي، أبرزها عمله كمصرفي لسنوات متأخرة من حياته (1900 – 1904). على أن موجة الإقبال الكبير على صور العالم العربي والشرق الأوسط أعادت تسليط الضوء على أعمال دوماس الفوتوغرافية الثرية والمتنوعة، كما نشطت المضاربات على صوره الفوتوغرافية وألبوماته التي باتت تتداولها الآن بورصات الفن ومواقع البيع الإلكترونية بنشاط ملفت.

شأنه شأن بونفيس والآخرين من المصورين الغربيين الذين جاؤوا إلى الشرق محملين بالأفكار النمطية المسبقة عن هذه المنطقة، فقد ترواحت أعمال دوماس ما بين صور تعد نموذجًا لفن التصوير الراقي، وبين صور أخرى نزعت إلى الطابع التجاري، فكانت أقرب إلى التصوير التنميطي للشرق والشرقيين، بغية إرضاء الذوق الأوروبي الشعبي السائد حينذاك.

من صوره التي باتت جزءًا من تاريخ التصوير المبكر للمشرق العربي، توثيقه لصورة المصلين في جامع في دمشق، والحجاج المسيحيين وهم يتعمدون في مياه نهر الأردن، مسجد الصخرة، وكذلك الصور النادرة والمبكرة للمواقع الأثرية في الأردن.

دوماس في شرقي الأردن

من خلال مرافقته لبعثة الاستكشاف الأميركية في شرقي الأردن، التقط دوماس مجموعة رفيعة المستوى من الصور لأم الجمال وقصر المشتى، جرش، وبيلا، وعمان وعراق الأمير والسلط وحسبان وغيرها من المواقع. وتشكل صور دوماس للمواقع الأثرية الرومانية في جرش توثيقًا شاملًا للمدينة الأثرية، ولا سيما قوس (بوابة) هيدريان، شارع الأعمدة، الساحة البيضاوية، معبد زيوس، المسرح الجنوبي، سبيل الحوريات، معبد أرتيميس، إضافة إلى بانوراما مؤلفة من سبع صور، تكمل بعضها بعضًا، للمدينة الرومانية في جرش.

وإلى جانب ذلك، التقط دوماس صورًا بانورامية لعمان من جبل القلعة تظهر المدرج الروماني ومجرى سيل عمان والجسر الحجري المقام فوقه، وفي الخلف من السيل أطلال قصر الحوريات، والمسجد الأموي الذي أقيم عليه المسجد الحسيني الكبير في ما بعد. أما السلط فقد صور دوماس مناظر بانورامية عامة للبلدة تظهر البيوت والتلال المحيطة بها، إضافة إلى  صور أخرى لقلعة السلط مأخوذة من غرب البلدة.

ويصنف البعض أعمال دوماس الفوتوغرافية، أثناء مرافقته لبعثة الاستكشاف الأميركية في شرقي الأردن 1875، باعتبارها من أفضل أعماله، حيث تمتعت بتكوينات متينة وتضمنت عددًا من الصور البانورامية المدهشة. وتوجد لدى صندوق استكشاف فلسطين البريطاني نسخ ورقية من ألبومات دوماس التي كانت قد نسخت عن مجموعة بعثة الاستكشاف الأميركية APES في شرقي الأردن، والتي نشرت مؤخرًا في الكتاب المشار إليه آنفًا.

أما الصور ذات الطابع التجاري فهي غالبًا الصور المأخوذة في الاستديو، وتعد بالعشرات لنساء أو رجال من المشرق العربي، تمثل فئات ومناطق مختلفة في ثيابهم التقليدية. على أن بعض الصور الاستشراقية، مثل صورة حواة الثعابين، التي التقطها دوماس في طنجة في المغرب، تعد من روائع التصوير الفوتوغرافي الاستشراقي.

ومهما يكن تقييم صور دوماس ذات المسحة التجارية – الاستشراقية، إلا إن هذا لا يلغي مكانته كأحد رواد التصوير الفوتوغرافي الغربي التوثيقي للعالم العربي وخاصة للمواقع الأثرية والحضارية في فلسطين والأردن ولبنان وسورية. كما أن صوره حفظت في ذاكرة التاريخ مشاهد مبكرة عن الحواضر العربية والحالة الاجتماعية والثقافية لتلك الحواضر.

* مصور وباحث في الفنون البصرية