أخبار عاجلة
الرئيسية / Top News / يخوض مغامرة السينمائي السوري # طلال ديركي .. تجمع بين أولوية السينما في إنجاز فيلم وثائقي، والتوغّل في أحوال اليوميّ الخاصّ بسيرة أصوليّ منتمٍ إلى “جبهة النصرة”، في “مدينة إدلب السورية”- مشاركة الناقد: نديم جرجوره
يخوض مغامرة السينمائي السوري # طلال ديركي .. تجمع بين أولوية السينما في إنجاز فيلم وثائقي، والتوغّل في أحوال اليوميّ الخاصّ بسيرة أصوليّ منتمٍ إلى “جبهة النصرة”، في “مدينة إدلب السورية”- مشاركة الناقد: نديم جرجوره

يخوض مغامرة السينمائي السوري # طلال ديركي .. تجمع بين أولوية السينما في إنجاز فيلم وثائقي، والتوغّل في أحوال اليوميّ الخاصّ بسيرة أصوليّ منتمٍ إلى “جبهة النصرة”، في “مدينة إدلب السورية”- مشاركة الناقد: نديم جرجوره

 "عن الآباء والأبناء" لطلال ديركي: شطارة الكاميرا بواقعيّتها
 “عن الآباء والأبناء” لطلال ديركي: شطارة الكاميرا بواقعيّتها

20 أبريل 2018

التجربة صعبة، إنْ لم تقترب من استحالة التحقّق. مع هذا، يتمكّن السينمائي السوري طلال ديركي من خوض مغامرة، تجمع بين أولوية السينما في إنجاز فيلم وثائقي، والتوغّل في أحوال اليوميّ الخاصّ بسيرة أصوليّ منتمٍ إلى “جبهة النصرة”، في “مقاطعة إدلب” (شمال سورية)، من دون السقوط في فخّ الدعاية أو الإدانة.

المغامرة مُغرية. اللعبة السينمائية أيضًا. مقاربة سيرة أصوليّ، بكل تشدّدها وتزمّتها وأفكارها وحروبها وانفعالاتها ـ غير المتوافقة مع كثيرين، والمتوافقة مع كثيرين أيضًا في الوقت نفسه ـ رحلةٌ في مجهولٍ، وتحدٍّ لمعلومٍ. طلال ديركي، في الأحوال كلّها، متنبّهٌ تمامًا. يُنجز “عن الآباء والأبناء” (2017) انطلاقًا من رغبة شخصية في مواجهة كوابيسٍ، يُخبره والده، منذ سنين بعيدة، بأهمية كتابتها كمحاولة للتحرّر منها. الكتابة تتّخذ، هنا، لغة الصورة، والتصوير السينمائي أبرع في تحرير الذات من أي لغة أدبية وفنية أخرى.

يوميات

السلفي أبو أسامة شخصية حاضرةٌ في الاجتماع، قبل أن تنخرط في حربٍ، بكل ما تعنيه الحرب من أهوال وأفكار ومواجهات وخراب. الصراع الفعلي كامنٌ في مكان آخر: مقاربة الكابوس واختراقه للتحرّر منه ولمنعه من العودة، كما يقول الأب لابنه طلال ديركي. هذا مبنيٌّ على مواجهة أصوليٍّ عبر السينما، من دون تحويل سرد الحكاية إلى تعظيم وتفخيم، ومن دون الاستناد إلى “أحكام مسبقة وجاهزة” (وإنْ يملك السينمائي ديركي مواقف وانفعالات إزاء بلده وناسه وخرابه الكبير)، بل بالتزامٍ سينمائيٍّ بأولوية حماية السياق البصري والصورة الوثائقية من كل فخّ سياسي أو فكري أو تنظيري، وبضرورة تحويل النص المتكامل، لغة وحوارًا ومتابعة وهواجس، إلى مرايا تكشف وتعرّي وتُفكِّك.

الصراع الفعلي كامنٌ في آلية المواجهة والاشتغال: اختيار أصولي لجعله شخصية سينمائية، ومرافقته في أحواله اليومية، وتقديمه كما هو، في مقابل تحصين الفيلم الوثائقي في عالمه السينمائي البحت. الاختبار صعب. لكن “عن الآباء والأبناء” يتمكّن من السير في حقل ألغامٍ من دون أن ينفجر أي لغمٍ به، على نقيض واقعة حقيقية، تتمثّل بانفجار لغم في أبي أسامة، فتُبتر قدمه اليُسرى، وينجو من الموت.

الابتعاد عن التنظير الكلاميّ مفيدٌ. “عن الآباء والأبناء” لن يبقى أسير أصوليٍّ، ولا أسير عالمه، ولا أسير حكاياته. العنوان يشي بمعاينة سينمائية واضحة لعلاقة قائمة بين أبٍ وأولاده الصبيان؛ وبمعاينة سينمائية مبطّنة لعلاقة السينمائيّ نفسه بأبٍ ينصحه بضرورة مواجهة كوابيسه، والكوابيس كثيرة، خصوصًا مع اندلاع الثورة السورية العفوية والمدنية والسلمية، قبل أن يُحوّلها النظام وحلفائه إلى حربٍ طاحنة.

سيرة العلاقة بين المخرج ووالده مخبّأة في طيات الرحلة التي يقوم بها السينمائي إلى منطقة نفوذ أبو أسامة. سيرة العلاقة القائمة بين أبو أسامة وأولاده الصبيان نواة حبكة تُروى بهدوءٍ يحمل في ذاته غليان اللحظة وخفاياها. السيرتان متداخلتان، وإن بشكلٍ خفيّ يكاد لا يُرى، لأن الأهمّ كامنٌ في أن تكون للسينما مكانتها في رواية قصّة أبي أسامة وأولاده، رغم أن “عن الآباء والأبناء” يتجاوز سؤال العلاقة بحدّ ذاتها، إلى ما هو أبعد بقليل عنه: الحياة اليومية، والنظرة إلى المستقبل، والسلوك المعتَمَد في التربية وإنشاء العلاقات الإنسانية بين أصوليين، وكيفية تفكيرهم وعيشهم.

 

والحكاية تبدأ، أيضًا، من التسمية. أحد أبناء أبو أسامة مولودٌ في 11 سبتمبر/ أيلول 2007، أي في الذكرى الـ6 لـ”الاعتداء الإرهابي” ضد الولايات المتحدّة الأميركية. إنها مناسبة تليق بقناعات الأصوليّ، وبإيمانه. المولود في تلك اللحظة محكومٌ عليه برغبات أبٍ يرى العالم بؤر فساد وانحطاط وكفر، ويجتهد لتحسين أحواله عبر الخلافة الإسلامية. المولود في ذاك اليوم خاضعٌ لابتزاز تاريخٍ وتبدّلاتٍ ووالدٍ هائمٍ في صراعاتٍ وحروب، يقتنع بانتصاره ـ وانتصار تفكيره وثقافته وإيمانه ـ فيها. إذاً، ليكن اسم المولود في تلك اللحظة أسامة. وليكن اسم شقيقه أيمن، لأن الأب يُحبّ أيمن الظواهري أيضًا.

حكايات

هذا فيلم يروي حكاية أبناء أيضًا. أحد هؤلاء (أسامة) “مُتمكّن” من الانخراط في مسار أبٍ متلهّف، رغم بتر قدمه اليُسرى أثناء بحثه عن الألغام، إلى نصرٍ يراه مؤكّدًا. أيمن مختلف عن شقيقه أسامة، بل نقيض له. شروده يجعله عاجزًا عن مواكبة اللحظة، ويكون ـ بالتالي ـ سببًا لـ”خلاصه” من عالمٍ غارقٍ بالقسوة والقتل والدم والعنف، ومن عالمٍ فاقدٍ سويته. الكاميرا (مدير التصوير: قحطان حسون) متمكّنة من اختراق الهامش والمبطّن، عبر التوغّل في الظاهر. الهامش والمبطّن لن يكونا مخبّأين. إنهما جوهر المطلوب في فيلمٍ يبني عالمه البصري على تبيانٍ لأنماطِ عيش أناسٍ يمتلكون عقائد وإيمانًا، ويمارسون عيشًا وفقًا لهذه العقائد ولذاك الإيمان. العالم القاسي مُترجم، أحيانًا، بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها أبو اسامة وعائلته ورفاقه وناسه. الحقول ـ المفتوحة على ما يُفترض به أن يكون خَضارًا وبهاءً ـ “تعجّ” بألغامٍ تقول بموتٍ، أو بتشويهٍ وإعاقة.

لن تظهر النساء. ستبقين غائبات، حتى عند عودة أبي أسامة إلى منزله من المستشفى، إثر بتر قدمه اليُسرى. تعلو أصواتهنّ قهرًا على مصير الرجل، لكنهنّ تبقين في الغرفة المجاورة. يصرخ أبو أسامة بهنّ طالبًا منهنّ السكوت. الإصابة قدرٌ، وهو المؤمن قابلٌ بها. لكنه، قبل ذلك بوقتٍ، سيجلس داخل متراس محصّن، كي “يصطاد” أحدهم، والمخرج نفسه قابع خلفه يستمع إلى شيءٍ من سيرته الحياتية، وعينه في منظار البندقية، والكاميرا تلتقط حركاتهما وانفعالاتهما وأقوالهما من جانبيهما الأيمن من دون حراك تقريبًا، كأنها تترك للمشهد أن يروي نفسه، سينمائيًا، كما هو. عندما يفشل أبو اسامة في “اصطياده”، يُلحُّ على رفيقه إعطاءه بندقية أخرى (لأن بندقيته تتعطّل) للإجهاز على المُصاب، من دون جدوى.

الإيمان صنو الفعل الذي يرتكبه الرجل. يبحث عن الألغام في حقول خطرة، ويُصرّ على رفاقه التنبّه أثناء تجوالهم معه. لكنه يُصاب بلغم، فيخسر قدمه اليُسرى في حربٍ يراها مقدّسة، ويجتهد للانتصار فيها. يجلس في غرفته محلّلاً بل قارئًا مسار الزمن وفقًا لإيديولوجيته الدينية. لعبة الإضاءة متمكّنة من رصد تفاصيل محيطة بأبي أسامة، وبناسه وأحواله. تفاصيل تتشكّل، توليفيًا، كي تقول ما لن يقوله أبو أسامة، أو يتغاضى عن قوله، أو غير راغبٍ عن البوح به. تفاصيل متعلّقة بيومياته وأسلوب عيشه وتفكيره، وايضًا علاقته بذاته وأبنائه أيضًا.

يُحافظ أبو أسامة على سخرية وضحك في مزاجه العام، رغم إعاقته الجديدة. لكنه، قبلها، يُظهر صرامة في التعاطي مع أبنائه، عندما يتعارك اثنان منهم، أحدهما مع الآخر: “هذا جزاء من يضرب أخيه”، يقول أحد رفاق أبي  أسامة أثناء “تكليفه” بقصّ شعر الصبي المعتدي بالضرب. نوعٌ من سلوك تربوي يُحرِّض على العقاب عند الخطأ، ويُنْهِي الاعتداء على الأخ، لكنه يرتكب فعل القتل قنصًا لمن يراه في المقلب العدو. يمازح أصدقاء وهو مستند على عكّاز، ويُفكِّر بتنفيذ ما تُحِلّه الشريعة (الزواج من 4 نساء)، فيتلقى نصائح وإرشادات من أحد المقرّبين إليه وهو يمضغ طعامه الذي يتناوله رفقة أبي أسامة المعطوب. عاطفته قويّة إزاء أبنائه، لكنه لن يتردّد عن تدريبهم على كيفية قتل عصفور بسكين، قبل أن يذهب أسامة مع مجايليه إلى معسكر للتدريب العسكري، ولتلقّي دروس في الجهاد.

عين الكاميرا

كاميرا قحطان حسّون واضحةٌ في كيفية اشتغالها. التقاط التناقضات لحظة وقوعها، وإتاحة العمل للتوليف (آن فابيني) كي يرسم ملامح أفراد ومعالم بيئة. الأصل كامنٌ في النص (طلال ديركي): مرافقة أصوليّ في أحوال يومياته. هذا كافٍ للذهاب بعيدًا في عالمٍ محفوفٍ بمخاطر جمّة، إلى درجة أن السينمائيّ لن يعترف لزوجته بوجهته، ولن يعترف للأصولي أبي أسامة بما يبغي اشتغاله، مُقدِّمًا نفسه إليه بصفته مُصوِّرًا صحافيًا، ومُعلنًا حبّه للجهاد والجهاديين كي لا يكون عرضة للخطف. “التسلّل” السينمائي إلى المكامن المبطّنة/ المخبّأة في العيش اليومي يؤدّي إلى “تلصّص” سينمائي على خفايا، أو على الظاهر في الحكايات، وليس كل الظواهر مترابطة بمتتاليات متشابكة، ما يجعل مهمّة التوليف أصعب. أليس “التلصّص” إحدى أجمل فضائل السينما؟ أليس التوليف صانع الفيلم؟

في جديده هذا شيءٌ من “العودة إلى حمص” (2013)، لديركي نفسه. إعلاء الهمّ الذاتي في مقاربة الحكاية والمكان وتحوّلاتهما، ومعاني الارتباط بهما قديمًا وحديثًا. في تقديم فيلمه السابق، يقول ديركي عن حمص، المُلقَّبة ذات يوم بــ”عاصمة الثورة السورية”، إنها “المدينة التي مررتُ بها آلاف المرات في طريقي إلى دمشق، من دون أن أفكّر مرة واحدة في أن أدخلها”. يقول أيضًا إنها “المدينة التي أصبحت أغلى ما أملك. المدينة الأسطورة خلفي، ولا شيء بعد اليوم يعوِّض هذه الخسارة. لا قدرة لي على إطلاق الأحكام. هل كان ما فعلناه صوابًا؟ ألقي نظرةً أخيرة على المكان. ربما لن أعبر مجددًا، وإن عبرتُ سيكون ذلك أشد وحشةٍ من دون أحبَّتي”. أم أن هذا كلّه مذكورٌ على لسان بطل فيلمه؟ ألن يكون بطل فيلمه السابق انعكاسٌ له؟

هذه ميزة طلال ديركي. لن يُطلق أحكامًا، وإنْ يكن موضوعه التالي أصوليًّا سلفيًّا، ربما يكون أحد كوابيسه الأثقل والأعنف. هذا يجعل الوثائقيّ أبرع وأجمل وأهمّ. هذا يضع السينما أمام أحد تحدّياتها الكثيرة: كيف يكون “الحياد” مدخلاً إلى الفضح والتعرية والتفكيك، من دون تنصّل نهائيّ من أي موقف ذاتي للسينمائيّ؟ فالحياد لن يكون طمسًا لموقف، أخلاقي وإنساني، قبل أي شيء آخر. “العودة إلى حمص” و”عن الآباء والأبناء” يتكاملان معًا في تأكيد موقفٍ، أخلاقي وإنساني، لطلال ديركي إزاء بلده وهذا مهمّ، وإزاء ناس بلده وهذا مهمّ أيضًا. لكنهما، أساسًا، انعكاسٌ له، كفردٍ وإنسانٍ، وكسينمائيّ يطمح إلى أن تكون سينماه الوثائقية لغة قول، وأداة توثيق، وفعل مواجهة؛ وإلى أن تكون سينماه نتاج اشتغالٍ ـ فكري وتأملي وحرفي ومهني ـ على أسئلة راهنة تُلحّ عليه. ذلك أن المُشاهدة، وحدها، كافية، وهي تأكيدٌ لصوابية السينما في اختراق المخاوف، وتعرية الهواجس، وفضح المبطّن. أو بالأحرى: في صوابية أن تكون لغة وانفعالاً وجماليات.

ناقد سينمائي من أسرة “العربي الجديد”