العين كاميرا بدقة 576 ميجا و 1000 صورة فى الثانية

تخيل أنك تصطحب عائلتك فى أجازة تزور فيها أماكن سياحية فى بلادنا الجميلة، وأردت التقاط صورًا لتلك اللحظات السعيدة بالكاميرا الخاصة بك، ولكن ماذا لو كانت الكاميرا ليست معك؟ واللقطة «خاطفة»، يصعب تفويتها. فما هو الحل؟
الحل هو كاميرا العين البشرية. فقد وهبنا الله القدرة على أن نستطيع تسجيل لقطة مما نراه بأعيننا مباشرة دون الحاجة إلى كاميرات أو أى أجهزة أخرى. تخيل ماذا لو كان بإمكانك إرسال هذه اللقطة إلى وحدة ذاكرة Memory Card أو طابعة صور أو أى وحدة تخزين عبر منفذ USB مثلا فى الرأس يتسلم الصورةمن العصب البصرى، ويمررها للطابعة؟

576 ميجا

تخيل مرة أخرى أن هذه الصورة التى ستلتقطها بعينك البشرية ستكون بجودة فائقة الدقة تصل إلى 576ميجا بيكسل / لقطة، وهى دقة لم تصل لها أعتى الكاميرات المعقدة الباهظة الثمن حتى يومنا هذا. وبسرعة التقاط ألف صورة فى الثانية الواحدة.
وعندما نتحدث عن “البيكسل” Pixel، فإننا نقصد تلك النقاط الصغيرة التى تحدد دقة الصور وجودتها. فمثلا دقة أغلب الهواتف الذكية حاليا 1080 بيكسل، وتطمح الشركات المصنعة للهواتف الذكية للوصول إلى دقة 1440 بيكسل. بينما نجحت الشركات المصنعة للتليفزيونات الذكية فى الوصول لدقة 4 آلاف بيكسل. أما قدرة الحساس الموجود داخل العين فتصل إلى mm22 وتصل درجة الآيزو إلى ISO 800-1. أما سرعة نقل البيانات داخل العين فتصل إلى 600 ألف بت فى الثانية بالألوان، وعند انقباض الحدقة واتساعها فهى توازى عدسات 16 مللى و 24 مللى، ويتراوح البعد البؤرى للعين ما بين 22 إلى 35 مللى. أما مساحة الألوان المرئية فهى 3D–RGB وتتم موازنة اللون الأبيض (الوايت بالانس) بشكل أوتوماتيكى، ويمكن للعين البشرية تمييز 500 درجة مختلفة من اللون الرمادى، فيما توجد ألوان أكثر تعقيدا، لا يمكن للعين معالجتها، تسمى «ألوانا مستحيلة»، وتعتبر عضلات العين هى أكثر عضلات الجسم حركة، ويبقى حجم العينين ثابتا منذ الولادة.

نيوتن والضوء
عندما قام العالم الكبير إسحاق نيوتن بوضع منشور زجاجى فى مسار ضوء الشمس الذى يمر عبر شق طولى فى غرفة مظلمة وتم استقبال الأشعة الناتجة على شاشة بيضاء ظهر شريط من الألوان يتراوح من الأزرق الداكن، إلى الأحمر القاتم ولأن ضوء الشمس معروف انه أبيض وزجاج المنشور شفاف لا لون له، فقد استنتج نيوتن أن الألوان كانت عناصر أو أجزاء من الضوء الأبيض وأن المنشور قد قام بتحليل الضوء إلى سبعة ألوان وهى الأحمر، البرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجى.

الضوء

أثبتت الدراسات العلمية حدوث الإبصار نتيجة سقوط شعاع من الضوء على الجسم، ثم ينعكس من الجسم ليسقط على العين، وعملية الانعكاس تتم للون واحد (طول موجى واحد) وهو جزء من الموجات الكهرومغناطيسية، وهو من ألوان الطيف السبعة المكونة لشعاع الضوء المرئى. ومن ثم فوجود شعاع الضوء أساسى لحدوث عملية الإبصار، ولهذا لا يمكن الإبصار فى الظلام.

كيف نرى؟

لا يتعدى وزن العين 8 جرامات، إلا أنها تعتبر معجزة من الله سبحانه وتعالى. الجزء الأمامى للعين شبيه بالكاميرا، ثقب ينفذ منه الضوء يسمى الحدقة. فى الضوء الخافت تتسع الحدقة لإدخال أكبر كم من الضوء، وفى الضوء الشديد تنقبض لتقليل كمية الضوء الداخلة، فيما يشبه ضبط الإضاءة إلكترونيا. بعد ذلك تسقط أشعة الضوء على عدسة يمكنها أن تضبط المسافات حسب البعد والقرب أوتوماتيكيا، أو ما يسمى الضبط البؤرى الإلكترونى. وتقوم العدسة بإرسال الضوء إلى الشبكية. التى تمتلك ما يزيد على 500 مليون خلية بصرية Rods and Cons Photoreceptors  أو ما يشبه الكاميرات. فهناك كاميرات للصور الملونة، وأخرى للصور غير الملونة. وكل كاميرا لها محطة تقوية للإشارات خاصة بها. كاميرات خاصة للضوء الخافت، وكاميرات للضوء الشديد، كاميرات للرؤية الليلة، وكاميرات للرؤية النهارية. تقوم هذه الكاميرات، وأجهزة الاستقبال الإلكترونية بتحويل الصورة إلى نبضات كهربائية يتم إرسالها لمحطة تقوية للإشارات، ومن ثم يتم توجيهها إلى العصب البصرى، ومنه للمخ. ثم يتم تحليل الشفرة الكهربائية، وترجمتها إلى صورة. وبالتعاون ما بين مركز الإبصار، ومركز الذاكرة فى المخ يتم التعرف على صاحب الصورة.
وتحدث كل هذه العلميات والمتغيرات، وتبادل، ونقل وتحليل البيانات فى أقل من 1 على مليار من الثانية. حيث يخرج من قاع العين العصب البصرىOptic Nerve  المؤلف من نصف مليون ليف عصبى (كابلات من الألياف الزجاجية السائلة). ويقوم العصب البصرى بنقل الإشارات التى تصله من مختلف الخلايا إلى مركز البصر فى الدماغ، والذى يحولها إلى صورة مرئية.

الضوء من أشكال الطاقة

يعتبر الضوء شكلا من أشكال الطاقة الكونية، فهو جزء من الموجات الكهرومغناطيسية  Electromagnetic waves التى تنطلق فى الكون. تستطيع العين البشرية رؤية موجات محدودة من الضوء، وهو ما يسمى بالضوء المرئى، أو الطيف المرئى. ويتراوح طول موجاتها ما بين 400 نانومتر (النانومتر يساوى 1 / مليار من المتر) للضوء البنفسجى إلى 700 نانومتر للضوء الأحمر. ولا تستطيع العين رؤية الموجات الكهرومغناطيسية المتبقية، وهى ما فوق البنفسجية، وما تحت الحمراء، والأشعة الكونية، وأشعة جاما، وأشعة أكس، أشعة الرادار، والموجات الدقيقة الصغرى، والأشعة الراديوية.

الأرض مسطحة

ينحنى سطح الأرض خارج مجال الرؤية عند مسافة 5 كيلو مترات بالنسبة للعين البشرية، ولكن حدة البصر لدينا تمتد لأبعد من الأفق الذى لا نراه بسبب تحدب الارض. ولو افترضنا أن الأرض مسطحة وليست كروية، فسيمكنك مشاهدة مساحة أكبر من المعتاد للأرض، ويمكنك أن تميز الأضواء الساطعة على بعد مئات الأميال، وفى ليلة مظلمة، وفى أجواء مثالية، يقرر العلماء أنه يمكن للعين البشرية أن ترى لهب شمعة يومض على بعد 48 كيلو مترا.

48 كيلو مترًا

تتوقف قدرة العين البشرية على الرؤية على عدد جسيمات الضوء أو الفوتونات التى يبثها الجسم البعيد، فأبعد شىء يمكن رؤيته بالعين المجردة، هو مجرة أندروميدا  Andromeda galaxyوالتى تقع على بعد 2.6 مليون سنة ضوئية من الأرض. وأثبتت التجارب التى أجراها عالم الإبصار سليج هشتSelig Hecht  وزملاؤه من جامعة كولومبيا الأمريكية على مجموعة من المشاركين أنه إذا أخذنا بعين الإعتبار العتبة المطلقة للرؤية، وسطوع لهب الشمعة، والطريقة التى يخفت بها التوهج وفقا للإبتعاد، عنها بمربع المسافة بين العين والشمعة، لوجدنا أنه يمكن للعين أن ترى بصيص خافت من لهب شمعة تبعد نحو 48 كيلو مترا. ويؤكد العلماء أن درجة الوضوح للأشياء تكون ملحوظة عندما تكون الأجسام على مسافة أقل من 3 كيلو مترات، ففى هذه المسافة سنكون قادرين فقط على تمييز مصابيح السيارات الأمامية.

العين والطب

على مدار سنوات، حاول العلماء اعتراض إشارات العصب البصرى، والبحث عن أسرار تكوينه للصور بواسطة الكاميرات، أو الخلايا العصبية. وتوصلوا إلى نتائج هائلة فى هذا الشأن، حيث نجحوا مؤخرا فى زراعة عين آلية، تتيح تكوين صورة بواسطة كاميرا دقيقة، تنقل الإشارات للمخ مباشرة دون الحاجة إلى وجود العينالبشرية. وتمكن العلماء من تركيب عين آلية لمريض، مكنته من التعرف على الألوان بشكل خفيف، وتمييز الأشكال بعض الشىء، لكنها بالتأكيد لم توفر الرؤية الواضحة التى تقدمها أعيننا.

كيف تعمل هذه العين الآلية؟

أوضحنا أنه فى العين الطبيعية تقوم الخلايا العصبية باستقبال الضوء، وتحويله إلى إشارات كهروكيميائية يتم إرسالها عبر العصب البصرى إلى الدماغ. حيث تتحول إلى صور، لكن عند المصابين بالعمى، تكون معظم هذه الخلايا عاطلة عن العمل، مما يعنى أن الخطوة الأولى فى عملية الرؤية ستفشل.
وبالتالى لن يتم إرسال الإشارات الكهروكيميائية إلى الدماغ، ولن تتم رؤية أى صورة. إلا أن “العين الآلية” تمكنت من تجاوز هذه المشكلة بتجاوز دور الخلايا العصبية المستقبلة للضوء كليا.
وتقوم الكاميرا المثبتة إلى نظارات المريض بالتقاط المشهد المتحرك الذى يراه، ويتم إرسال هذا الفيديو الذى تم تصويره إلى جهاز كمبيوتر محمول صغير يحمله المريض، حيث يتم استقباله، ومعالجته، وتحويله إلى أوامر يتم إعادتها من جديد إلى النظارات الإلكترونية للمريض، ثم ترسل هذه الأوامر إلى مستقبل حساس يتم زراعته فى العين، فتنتقل هذه الأوامر إلى قطب كهربائى يصدر نبضات كهربائية صغيرة تحمل التعليمات التى أرسلها الكمبيوتر الصغير المحمول. وهذه النبضات تتجاوز الخلايا المستقبلة المصابة، وتحفز خلايا الشبكية السليمة المتبقية، فتنتقل الإشارات إلى الدماغ عن طريق العصب البصرى، مما يمكن المريض من الرؤية أخيرا.
لقد حثنا الخالق على التأمل، والتدبر، والتفكر فى آياته، فقال تعالى: «وفى أنفسكم افلا تبصرون». ولعل، المزيد من البحث العلمى، يكشف لنا كيف يمكن للإنسان أن يتعلم، ويكتشف قوانين الله فى الكون، ليطرح الحلول المناسبة لحياته، ومستقبله.