بحلول اليوم يكون قد مضى أسبوع كامل على الذكرى الأولى لوفاة Chris Marker وميلاده، المخرج الفرنسي الذي ولد في ٢٩ من يوليو عام ١٩٢١ وتوفي في عيد ميلاده الأخير العام الماضي، لم تكن هذه الصدفة هي وجه الغرابة الوحيد في حياته التي امتدت ٩١ عاماً بالتمام. صديقه الأقرب المخرج الفرنسي العريق الآخر آلان رينيه، الذي شارك ماركر في إخراج فلمه الوثائقي الرائع Status also Die – 1953 في بداياته، كان يتحدث عن كريس ماركر كما لو كان كائناً فضائياً، لا توجد دلائل ملموسة على وجوده سوى أفلامه، كما لو أنه لا يحقق وجوده إلا من خلالها.  كمية الصور المتوفرة لوجهه طيلة حياته لا تتجاوز أصابع اليد، وإذا طلب منه أحدهم صورة جديدة يعرض عليهم صورة قِطة، كجزء من هوسه بهذا الحيوان الذي يتمثّل بها كثيراً، أما إذا طلبوا منه الحديث عن نفسه يقول أن أفلامه بحد ذاتها تفي  بهذا الغرض.

كثيراً ما يُعرّف في الأوساط السينمائية حين يُذكر بصفته مؤلف السيناريو الذي ألهم تيري غيليام حين اقتبس فلمه 12 Monkeys منه، والمقصود هنا فلمه الروائي الأشهر La Jetée – 1962، الفلم الذي لا يتجاوز نصف ساعة يتناول قصة رجل يخضع لتجربة انتقال عبر الزمن، يستغرق فيها ماركر في تحليله للذاكرة كأحد مواضيعه المفضلة التي ستتكرر في أفلامه لاحقاً. المثير هنا أنه يقدم الفلم في صور ثابتة متتابعة دون وجود لأي لقطة متحركة. ماركر الذي كان بالأصل مصوّراً قبل أن يكون سينمائياً يعكس هنا رؤيته الجمالية للفوتوغرافيا وعلاقتها الأصيلة بالسينما، باعتبار أن اللقطة السينمائية أصلاً ليست سوى مجموعة متتالية من الصور الثابتة، وهكذا فإن خلف المحتوى العميق للفلم يعمل القالب السردي في مستوى آخر متماهٍ مع ثيمات القصة، لكن أيضاً كوسيلة لاستكشاف ماهية الصورة السينمائية وأدوات عملها وإمكانيات تأثيرها. هذا الفلم لم يكن سوى إحدى نقاط البداية التي انطلق منها في مشواره ليصنع أفلاماً روائية ووثائقية وتلفزيونية ومقالية، مبتدعاً ما يُعرف بفن “المقالة السينمائية” الذي يجمع بين الوثائقي والتأمل الذاتي، وباحثاً حتى أواخر حياته في الإمكانيات السردية للسينما كوسيلة تأثير تتجاوز القوالب التي قيدت بها.

la-jetee-orlyفضول ماركر الدؤوب هذا اتجاه الجماليات، ونزعته المستمرة لاستكشاف المنسيّ، واستنطاق المخبوء في الهامشيّ، تبدو كما لو كانت جزءاً أساسياً من شخصيته، ينعكس بشكل كبير على ثيمات أعماله، ويغذيها بلمحات وملاحظات تجعل مواضيعه أكثر ثراء وإثارة للاهتمام مما قد تبدو عليه في العادة. فلمه الملهم Sunless – 1983 هو بدرجة مبهرة انعكاس مثالي لكل هذا، وبلا شك مثال عظيم على الإمكانات الشعرية للسينما التسجيلية. إنه عمل عن الذاكرة والإنسان وكيف يشكّل الزمن العلاقة بينهما، يتناول فيه ماركر ملاحظاته عن رحلة يخوضها في أجزاء مختلفة من العالم، عن طريق امرأة تقرأ رسائله إليها كما لو كان مغيّباً هو عن العمل، في سرد لغوي وبصري بارع وخاطف للدهشة. ماركر بطريقة ما يجعل الغريب يبدو مألوفاً والمألوف يبدو غريباً، إذ تشعر بمدى الاستثنائية التي ينظر بها للثقافة اليابانية مثلاً، بصفتها عالماً شبه منفصل، كما لو أن في استكشافه لهذه الأماكن محاولة لخلق تعويض حقيقي لما ينقص هذا العالم، ومعالجة متبصّرة في علله التي تلقي بثقلها على الذاكرة الجماعية للبشر.

هذا الوعي الحاد بمشاكل العصر الحديث وجذورها التاريخية هو من السمات الأساسية لمقالات ماركر السينمائية، إذ ينتقل في أفلامه الوثائقية بين فترات زمنية متعددة، وفي أنحاء مختلفة من العالم، حسب العلاقات الإيحائية بين الصور واللقطات، باحثاً في الروابط الخفية للحركات والإيماءات والخفايا الصغيرة التي تغيّر وجه التاريخ، وهو يفعل كل هذا بسلاسة معرفية مذهلة، وحيادية تنفذ بعمق في الثقل التاريخي للّحظة. إنه من جهة  يبدو كما لو أنه رجل منفصل عن الزمن، أي كما لو كان يعيش وفق رتمه الخاص الذي يمنحه رؤية أوسع لما يجري، ومن جهة أخرى هو ينتمي بشدة إلى زمنه، من حيث مواكبته لهذه الأحداث التاريخية واستغراقه فيها بصفته جزءاً منها. ولعل المثال الأكثر أهمية على هذا هو فلمه الثوري قلباً وقالباً  Grin Without a Cat – 1977. في هذا الفلم يتناول جزئياً حكاية روسي شارك في الثورة البلشفية مضحياً بكل ما يمكن التضحية به، وخلال كل هذا لم يتمكن أحد من التعرّف إليه معرفة حقيقية، كما لو أن كيانه كله موجّه لخدمة الثورة. هذه الروح المخلصة للقضية والتي تؤثر بماركر كثيراً تبدو كما لو أنها المحرّك الحقيقي لكل هذا الجهد الذي يبذله هو نفسه سينمائياً.

ماركر يمثل الحالة الأكثر مثالية للسينمائي المخلص لفنه كما لو كانت أفلامه شيئاً يتجاوزه، شيء يجب أن يحقق ذاته بعيداً عن هوية صاحبه ومبتدعه. وربما ذلك ما دفعه لصنع عدة أفلام وثائقية عن مخرجين عظماء آخرين، دون أن يسمح هو في المقابل بأن يقترب أي أحد من وجوده خارج أفلامه، فضلاً عن أن يُصنع فلم وثائقي عنه. أشهر تلك الأفلام كان The Last Bolshevik – 1993 الذي يعيد فيه قراءة التاريخ الروسي من وجهة نظر مختلفة مستنداً كنقطة انطلاق على علاقته الشخصية بأليكساندر ميدفيدكين، مخرج أحد روائع السينما السوفييتية الصامتة Happiness – 1935 وأحد أكثر روّادها تعرضاً للإقصاء وإثارة للجدل. هناك أيضاً فلم A.K. – 1985 عن رائد السينما اليابانية الأبرز أكيرا كوروساوا، والذي تم تصويره أثناء صنعه لأحد تحفه المتأخرة Ran – 1985. وأخيراً ضمن وثائقياته عن المخرجين صنع ماركر فلمه One Day in the Life of Andrei Arsenevich – 2000 الشاعري بشاعرية الشخصية التي يتناولها، عن الروسي الآخر الغني عن التعريف آندريه تاركوفسكي، والأيام الأخيرة من حياته خصوصاً.

sanssoleil1وإن كانت الأفلام التسجيلية تحقق وجودها على هامش السينما اليوم، فإن كريس ماركر كأحد أكثر صناعها عرضة للتهميش يمكن أن يكون هامش الهامش. والحديث هنا عن ذات الرجل الذي بدأ عمله ضمن مجموعة السينمائيين المؤسسين للموجة الفرنسية الحديثة وغيرها من الحركات السينمائية الطلائعية التي انطلقت من فرنسا في مطلع الستينات لتغير شكل السينما. وفيما مضى قرناؤه في تلك الحركات ليسجلوا أسمائهم ضمن أهم صناع السينما في مختلف القوائم السينمائية، ظل كريس يعمل في الظل بشكل مستقل تماماً ودون أن يشكل جزءاً من أي حزب أو حركة، حتى أنه في أواخر حياته كان ينشر أفلامه الأخيرة على قناته الخاصة في يوتيوب تحت اسم مستعار. هذا الغموض الذي يحيط بشخصيته يجعل من الصعب الحديث بشكل دقيق عن ماركر الانسان عوضاً عن ماركر الفنان.  فهو كإنسان شديد الخصوصية كان يساهم بنفسه في التغييب الذي تعرض له ، وظل يعيش حياته بسرية كما لو كان أسلوب حياته عملاً فنياً 
مستقلاً بذاته.

إن أفلام ماركر تعمل بصفتها حالة إثراء للعالم، وهو يبدو أنه كان يعمل حتى أواخر حياته متمسكاً بهذا الأمل الذي يبدو واثقاً رغم هشاشته، ومحتملاً رغم بعده، أن يأتي اليوم الذي ينتشر محتوى أفلامه ويُفهم بالشكل الذي يستحق فعلاً. إنها أفلام يجب أن نصدّق كونها تنحت بعمق وعلى مهل في ضمير المجتمع وتعيد تشكيل وعي البشرية اتجاه صراعاتها الأهم، لأن فيها من الفهم لطبيعة الانسان والطريقة التي يسير بها العالم ما يمكن أن يحدث تغييراً حقيقياً إذا امتد أثره إلى ما هو أبعد من النظر للسينما كمجرد فن ولصاحبها كفرد يستحق التمجيد لذاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاة المخرج الفرنسي كريس ماركر عن 91 عاما

الثلاثاء 31 يوليو 2012 م

وفاة المخرج الفرنسي كريس ماركر عن 91 عاما

توفي في باريس الاثنين، المخرج السينمائي الفرنسي الشهير كريس ماركر عن 91 عاما. والمخرج ذو التوجه اليساري المبدع الكبير كان معروفا بافلامه الوثائقية المميزة وبأسلوبه الخاص ومن أشهر أفلامه “بدون شمس”.

قاتل  كريس ماركر الذي وضع بصمته على تاريخ السينما الوثائقية في العالم، ضمن صفوف المقاومة الفرنسية ضد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، ثم عمل بعد الحرب ناقدا في مجلة كاييه دي سينما (كراسات السينما). أخرج اول أفلامه عام 1952 وهو فيلم “أوليمبيا 52” الوثائقي عن الألعاب الأوليمبية في هلسنكي عام 1952، ثم أصبح أحد أعمدة حركة سينما الضفة اليسرى مع زملائه أنييس فاردا وآلان رينيه.

في عام 1961 أثار فيلمه “نعم كوبا” ضجة كبرى بسبب تأييده لفيدل كاسترو وادانته للولايات المتحدة في سياستها حيال كوبا الدولة الفتية التي اعلنت الاستقلال عن السياسة الغربية وانتهاج الاشتراكية. وقد تم منع هذا الفيلم في أمريكا.

ومن أشهر أفلام ماركر ايضا فيلمه “ايه كيه” عن فنان السينما الياباني الكبير أكيرا كيروساوا عام 1985.

كان ماركر يرفض الادلاء بأحاديث للصحف، وكان يكره التصوير او الظهور في البرامج التليفزيونية، وزعم أنه ولد في منغوليا رغم أن العديد من المصادر تؤكد أنه باريسي.

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.