عباس باني المالكي

حين ترتقي  الكلمات  الى مستوى المعنى تتحول القصيدة الى  رموز  مكثفة  تخلق  الرؤيا على شكل دلالة صادمة  لعمق  تصادم  وامتزاج  المعاني   التي تعطي  امتداد  معنوي للبؤرة الجاذبة    للتوحد العضوي  الرؤيوي  ،  تكون جاذبة لكل ما هو غرائبي  يتداخل مع الأحساسات  الشعورية  للقارئ والتي توجز لذهنه الصور الحية للمعنى  المركب  والمتلاحق ، وهذا ما يجعل  النص عبارة  عن  تحسس صوري  والمتكون من استنهاض  الدلالات  الموحية  بالمعنى الذي يريد الشاعر أن يوصله له  وهذا ما وجدته  في مجموعة ( إعادة تشكيل )  للشاعر كفاح وتوت ،  حيث نجد  أن عنوان المجموعة  يمثل روحية جميع   النصوص للمجموعة  ،  والشاعر أستطاع  أن يعطي  العنوان  البعد الشمولي   لمجموعته ، الى  حد نستطيع   توصيفها  أنها فعلا إعادة تشكيل  الأشياء  وحركتها في الحياة الشعورية   ، بأبعاد  شعورية رمزية ،   هو بهذا يردم الفجوة  لحالته  التحسسية تجاه تكوين الأشياء  وصيرورتها  الحياة ، التي من خلالها تخلق الحياة. والشاعر  هنا  يخلق  النص لا ينتجه من خلال الأبعاد  الحضورية  العجائبية  للحظة المتكونة من المعنى ودلالاتها  المعبرة عنها  ، من خلال ترميز المدلول والأشارى لها ، لكي يصل الى حالته الحقيقة في الحياة  وحركة مخاضاها حين يحدث التصادم ما بين شعوره  الدلالي  وما تعني الأشياء  في  نظرته الوجودية   في حياته الإنسانية  المعنوية أتجاه كل ما يحيطه من المسميات   الدلالية  الخاضعة لتأويليه المعنوي  والاستدراكي كي يفهم  الحياة ومعناها ضمن حالته  الشعورية رموزها  المنتجة  من تراكم احساساته  التأويلية المعرفية ..

 ص 22 نص (لأني من تراب  … أختزل  )

( الأشجار المتقاعدة منذ الاف   السنين / تهاجر على  عربات الحطابين / الساعات معلقة على حائط الفرج / غبار  على رفوف أحلامنا  المركونة في الرأس/على سجاد أعمارنا يلتهم  الزهرات   / من مرايانا  يمسح  الوجوه /وحشة  في  الحدائق / والمطر / يهوي / فلماذا يبرح السماء لينزل إلي / هُوة الأرض   منتحرا / تشربه  حيتان  اليابسة  / رباه / ما هذا الرمل المتساقط  من جبل   التاريخ /والدود الذي يتسرب من السقف /كان جدي قمة  بلا  نظارات /وظهرا بلا عكاز /في عينيه ماس البصيرة /كان مرتكزا كعناد القصب / يا  مثلث برمودا / هل  تفقه سرك )

 أستخدم  الشاعر  الإشارة  الدلالية  الى ذبول  تاريخ الإنسان من  خلال  إعطاء   الرموز  الاستدلالية  التي توحد المعنى  وإعطاء  البعد التكويني   للفكرة التي يريد أن يصل إليها ،  والأشجار هنا   ما هي تاريخ وحياة الإنسان في  الوطن، والأشجار  قد تقاعدت  أي ما عادت  تعيش  الحياة   الحقيقة المنتمية لها وقد تيبس كل شيء فيها ،وما عادت إلا حطب  في عربات الحطابين . هذا ما جعل كل شيء متوقف  حتى الزمن   أصبح  مجرد  مرور  لا حياة فيه ، وأصبحت حتى أحلامنا أحلام  مركونة في  الرأس  لا وجود لها في الحياة ،  و المرايا أصبحنا لا نرى فيها وجوهنا ، والحدائق  صارت موحشة بسبب  هذا  العطل في  كل شيء  في حياتنا وأصبح تاريخنا مجرد غبار مركون  على  الرفوف ( الأشجار المتقاعدة منذ الاف   السنين / تهاجر على  عربات الحطابين / الساعات معلقة على حائط الفرج / غبار  على رفوف أحلامنا  المركونة في الرأس/على سجاد أعمارنا يلتهم  الزهرات   / من مرايانا  يمسح  الوجوه /وحشة  في  الحدائق / والمطر / يهوي/ فلماذا يبرح السماء لينزل إلي ) والشاعر أعطى البعد المعنوي التركيبي  في  الإشارة  والى  الحطابين هنا  هي السنين التي  تتمضي ولا تعود  . و  أستطاع أن يستخدم   الإشارة الدلالية  بشكل مستفيض  لكي يبقى  يطرح ما يراه  كمراقب    لأنه   غير مقتنع  ما يراه في حياته وما يحدث من هبط تاريخ وطنه الى الدرجات   الأدنى (هُوة الأرض   منتحرا / تشربه  حيتان  اليابسة  / رباه / ما هذا الرمل المتساقط  من جبل   التاريخ /والدود الذي يتسرب من السقف /كان جدي قمة  بلا  نظارات /وظهرا بلا عكاز /في عينيه ماس البصيرة /كان مرتكزا كعناد القصب / يا  مثلث برمودا / هل  تفقه سرك )ويحاول ويريد  أن  يقول  أن ما يحدث الآن  ليس بسبب  ما حدث في  التاريخ بل   أن  الأسباب التي أدت  الى  ما يحدث في الوطن  هم الساسة ،  ، وحتى كل ما ينزل  من السماء  ينزل إليهم  فهم  الحيتان في الأرض اليابسة ، وهذا ما سبب   وجعل  تاريخ الوطن إلا  رمل يتساقط في حياتنا  ،  لأن هؤلاء لا يعترفوا   لا   بالتاريخ ولا بالقيم  الوطنية ،  وقد  أشار   الى  التاريخ القريب ،  وقد حقق  هذا من  خلال الإيحاء   الى البعد التقريبي  من توصيف حالة جده  وكيف كان يعيش  ، والإشارة هنا ليس  جده الذي ينتمي  إليه بقدر ما هو تاريخ الحياة قبل هؤلاء ، ويختم نصه  ( يا  مثلث  برمودا)  دلالة تحقيقه  على الفوضى والغموض  الذي نعيش في  حياتنا  في الوطن الآن .

ص 45  نص (  اعادة تشكيل  )

(زجاج المرايا  لا يضيء / يذبحك / …. توهج لغيرك  /ربما ابتلعني  الليل / في الصباح / لم ار اثري في  المرآة /  ما لهذا العيون تقاتلني / أتفزعها رؤاي / …..مختبئ خلف زهرة /لذا لا اجيد فن  الاقتحام / فقط من قديم الأسى/ أرتجل   الحب / أنثر في وجوه الخلق  / ق.. ل ..ب ..ي / فيرجمني حجر الأفئدة )

ويستمر الشاعر  بما يراه في  الحياة وعجزه الكلي أن يحدث تغير  فيما حوله ، وكل  شيء  أصبح ظلام حوله الى  حد  حتى زجاج المرايا لا يضيء، فهو  لم يعد يشعر بوجوده  ، لأنه يشعر أن كل شيء  حولة  ليس له بل لغيره ، والحياة أصبحت ليس كما ينشدها ، فكل شيء أبتلعه   الليل  ، وهذه  دلالة على ضياع الأمن والأمان   في حياته ، فهو لا يستطيع أن يعبر   عن نفسه ورؤاه  وسط  هذا الخوف من قول  الحقيقة  ، لأنه   يعيش  الفزع   من  العيون  التي تراقبه وتجعله لا يقول الحقيقة التي يؤمن  بها ويعيشها في داخلة ورؤاه(زجاج المرايا  لا يضيء / يذبحك / …. توهج لغيرك  /ربما ابتلعني  الليل / في الصباح / لم ار اثري في  المرآة /  ما لهذا العيون تقاتلني / أتفزعها رؤاي ) وأستطاع أن يعبر  بشكل تحقيقي  لما يعيش من الداخل  من خلال  الإشارة الى المسميات المختفية داخله التي لا يستطيع أن يبوح بها  ، لأنه إنسان مسالم ( مختبئ  خلف زهرة ) لهذا هو لا يستطيع  الاقتحام  والدفاع على رؤاه  وسط هذه الفوضى  والحياة الخالية من القيم ، وهو  لا يمتلك إلا  الحب لكل  الخلق  والناس ، والقلب  الطيب  الذي يعطيه   للناس  بالحب ، ومع  هذا  لا   يقدره الخلق فيرجم   بالأفئدة ، أي أن الناس أصبحت  لا تعرف الحب  الى  الآخرين  وأصبحت قلوبهم خالية من  الحب (…..مختبئ خلف زهرة /لذا لا اجيد فن  الاقتحام / فقط من قديم الأسى/ أرتجل   الحب / أنثر في وجوه الخلق  / ق.. ل ..ب ..ي / فيرجمني حجر الأفئدة ) هو لا يستطيع أن يشارك في التغير  لأن  الناس أصبحت غير  الناس  الذين يعرفهم وأصبحت  قلوبهم  خالية  من الحب  ما جعله لا يعيش  الحياة  والتي يتمناها ….

ص 75 نص ( كلما تنطفئ الأرض )

(الهوى في الروح طبع /وإذا  جفت مروج الحب / من عشاقها / فالقلب  نبع / إذا ما سال  كالأنهار دمع / إذا ما خبت الأضواء  / الآفاق / الأشياء /  شدو / ثم أشدو / فليشهد الطائر  الحالم  / وقع  العصافير تثير الضجة العذبة شوقا /  بعد ليل / كلما  يمضي شتاء  / يزدهر في النخل طلع / كلما /  تنطفئ الأرض أشع  )

مع  كل ما يحدث في  الوطن  والناس  يرجع  الى  نفسه ويزرع فيها الأمل ، لأن ليس كل شيء دائم ومستمر ، فحتي  لو جفت  مروج الحب  فالقلوب  تبقى نبع  لكل شيء  جميل ، وحتى  أن كثر الدمع والحزن وسالت كالأنهار  ، يبقى  الأمل بالتغير  ، مثل ما يمضي   الليل  ويمضي الشتاء والبرودة في القلوب  (الهوى في الروح طبع /وإذا  جفت مروج الحب / من عشاقها / فالقلب  نبع / إذا ما سال  كالأنهار دمع / إذا ما خبت الأضواء  / الآفاق / الأشياء ) ، يزدهر الحب  وتعود  الحياة كما هي  مثل  ما يزدهر الطلع في  النخيل ، وتبقى الأرض  والحياة تشع بكل ما هو جميل  ، (  شدو / ثم أشدو / فليشهد الطائر  الحالم  / وقع  العصافير تثير الضجة العذبة شوقا /  بعد ليل / كلما  يمضي شتاء  / يزدهر في النخل طلع / كلما /  تنطفئ الأرض أشع  ) والشاعر  أستطاع أن يعيد التصالح مع نفسه من خلال  الأمل  وحب الحياة  بدل  القنوط  واليأس ،  أي   حقق  نص من خلال  الاستدلال المعنوي  ما بين ذاته  وما يحدث حوله في   الحياة  ليبقى متمسك   فيها  من خلال   المحبة لجميع  الخلق والناس .

والشاعر  كفاح أستطاع  أن  يبعد  المعنى  عن  الترهل ويعطيه  البعد الـتأويلي ,وهذا ما جعل  نصوص مجموعته نصوص تأملية في  المعنى  الذي يريد   أن يصل إليه   الشاعر ، والمعنى  القابل  لتأويل  يبعده عن  الغموض  والإيجاز الساكت الذي لا يمتلك  حركة معنوية التي تحقق  في ذهنية القارئ الصورة المعنوية  الخالية من الشوائب وغير مبعثرة  في  الأبعاد الارتكازية في  الدالة   ومدلولها  ،  وهذا  ما يجعل القارئ  يجمعها في  ذهنه  وفق  التقارب الأبستمولوجيا والتي تعطي  الذهن يفسر  كل شيء وحسب معناه  ،  أي نصوصه تكون  خارج  الغموض والأيهام  التصوري ، والشاعر  كفاح  أستطاع أن يوجد  المعنى المترادف وأن  يحقق   التصادم الاستدلالي الخاضع  لأبعاد  البؤرة   الدلالية في كل  نصوص مجموعته .

عباس باني المالكي

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.