هل حقا هوليوود هي مهد صناعة السينما الأمريكية؟

هل حقا هوليوود هي مهد صناعة السينما الأمريكية؟

  • 25 فبراير/ شباط 2019
هل حقا هوليوود هي مهد صناعة السينما الأمريكية؟
مصدر الصورة Elizabeth Pustinger

في إحدى الصور بالأبيض والأسود، تظهر الممثلة بيرل وايت وهي تنظر بجانب عينها إلى ثلاثة رجال منهمكين في إعداد أحد المشاهد على حافة جرف يطل على مسطح مائي يبدو بعيدا.

هذه الصورة التي حققت انتشارا واسعا، التقطت أثناء تصوير مشاهد فيلم “منزل الكراهية” الذي أُنتج في عام 1918، وينتمي إلى نوعية أفلام الجريمة المفعمة بالإثارة والتشويق.

لكن هذا الفيلم لم تدر أحداثه في هوليوود، بل في بلدة فورت لي شمالي ولاية نيوجيرسي، التي يفصلها نهر هدسون عن مدينة نيويورك. وفي مطلع القرن العشرين كانت هذه البلدة عاصمة الأفلام الصامتة في العالم ولكن لفترة لم تدم طويلا.

وتزخر بلدة فورت لي الآن، التي ينحدر أكثر من ثلث سكانها من أصول آسيوية، بمظاهر التطور، من مبان حديثة ومطاعم لا تخلو من الزوار على مدار 24 ساعة.

وتطل مبانيها الشاهقة على حي مانهاتن الذي يقع على الضفة المقابلة لنهر هدسون، ويربطها به جسر جورج واشنطن، الذي يعد أحد معالم فورت لي.

لكن بخلاف جسر جورج واشنطن الذي قد يرتبط في الأذهان بعدة أفلام أمريكية مثل “برودواي داني روز” للمخرج وودي آلن، فإن دور فورت لي في تطور صناعة الأفلام السينمائية قد طواه النسيان لعقود، ولم يكتشف مجددا إلا مؤخرا.

ويقول إريك نيسلون، المرشد بلجنة حماية منحدرات نهر هدسون بولايتي نيو جيرسي ونيويورك: “بمجرد ما تبدأ في استكشاف أثر فورت لي في تطور صناعة الأفلام السينمائية ستجد معلومات مدهشة”.

ويقول توم مييرز، مؤسس جميعة فورت لي غير الربحية للحفاظ على تراث البلدة في صناعة الأفلام، ومديرها التنفيذي، إن فورت لي كانت تضم أكثر من 12 شركة إنتاج إبان الحرب العالمية الأولى، منها شركات فيكتور للأفلام، وفوكس وغولدوين. وإذا كنت من أبناء هذه البلدة، فمن المرجح أن يكون أحد أقاربك قد عمل في مجال صناعة الأفلام السينمائية”.

ويضيف: “كانت جدتي في البداية ممثلة ثانوية، ثم عملت في تركيب لقطات الأفلام، وعملت أمي وأعمامي في شركة الإنتاج التي اندمجت فيما بعد مع شركة يونيفيرسال”.

مصدر الصورة Marcus Baker/Alamy
Image caption بفضل قربها من مدينة نيويورك سيتي وتنوع مناظرها الطبيعية الخلابة، أصبحت بلدة فورت لي مركزا رئيسيا لصناعة السينما

وخلال الفترة بين عامي 1909 و1919، كانت فورت لي مركزا لصناعة السينما العالمية، إذ تأسست أول شركة إنتاج في هوليود “ويست كوست” في عام 1911.

وفي هذا الوقت كان المخترع توماس إيديسون قد أسس بالفعل أول استديو لتصوير الأفلام السينمائية في الولايات المتحدة، تحت اسم “بلاك ماريا” في مدينة ويست أورانج المجاورة بولاية نيوجيرسي، حيث يوجد مختبره ومنزله، واخترع، بمساعدة “ويليام ديكسون” معاونه الخاص، آلة العرض السينمائية البدائية أو “كينتوسكوب”.

غير أن تنوع المناظر الخلابة في مدينة فورت لي أسهم أيضا في جذب المصورين والمخرجين إليها لتصوير مشاهد الأفلام المختلفة. إذ تزخر فورت لي بالمنحدرات- التي كانت تبدو في الأفلام كالأخاديد وينساب من تحتها نهر هدسون، الذي كان المصورون يضيفون إليه مؤثرات ليبدو كالميناء أو شاطئ البحر وحتى المحيط.

وفوق قمة المنحدرات المطلة على نهر هدسون، تنمو الأشجار الباسقة، التي استخدمت في تصوير مشاهد فيلم المغامرات القصير “روبين هود” عام 1912. وقد جرى تصوير أفلام عديدة في شوارع البلدة الضيقة وأمام منازلها ذات الأطر الخشبية، ومباني الشركات المزينة بالأحجار والغرانيت. وكان المخرجون يستأجرون الخيول من أحد الاسطبلات المجاورة لتصوير مشاهد أفلام الغرب الأمريكي.

يقول نيلسون: “إن الكثير من التطورات التي شهدتها صناعة السينما، مثل استخدام آلات تصوير متعددة لالتقاط زوايا مختلفة وطرق توزيع الإضاءة، كانت محصلة محاولات وابتكارات فرق العمل في فورت لي”.

وعندما خرجت الأفلام إلى النور ذاعت شهرة الممثلين، وقد لمع نجم الكثير منهم في سماء هوليود، منهم روسكو آرباكل (المعروف بدور السمين) وماري بيكفورد، وثيدا بارا، وانتقل بعض الممثلين إلى فورت لي بحثا عن فرص للتمثيل السينمائي، مثل دوغلاس فيربانكس.

وبدأ الأخوة ماركس حياتهم الفنية من فورت لي، وكذلك موريس باريمور، الذي لم يكن من سكان فورت لي فحسب، بل شارك أيضا في بناء مبنى للمطافئ في البلدة. ولجمع المال اللازم، قدم عرضا مسرحيا مع عائلتة في الشارع الرئيسي.

مصدر الصورة Elizabeth Pustinger
Image caption كانت بلدة فورت لي تحتضن في الماضي عددا من استديوهات تصوير الأفلام السينمائية وشركات الإنتاج مثل “فوكس” و”يونيفيرسال”

لكن سرعان ما بدأ نجم فورت لي في صناعة الأفلام في الأفول، إذ أصابت موجات البرد القارس منطقة وسط الأطلسي بالشلل وتجمد نهر هدسون. وكان من البديهي أن تنتقل صناعة الأفلام من شمال نيوجيرسي إلى هوليوود، حيث الشمس الساطعة طوال العام.

وفي عام 1918، اقترن النقص الحاد في الفحم، الذي كان المصدر الرئيسي للتدفئة في شتاء نيوجيرسي القاسي، مع تفشي وباء الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918، ودفعا العديد من شركات الإنتاج في فورت لي إلى إغلاق أبوابها إلى أجل غير مسمى، ونقلت مقارها إلى ولاية كاليفورنيا حيث الطقس المعتدل.

وكان مصير الكثير من الاستديوهات وشركات الإنتاج المهجورة، إما الحرق أو الهدم في خضم عمليات تطوير فورت لي. وبعدها أصبحت صناعة السينما في فورت لي شيئا من الماضي.

ولولا اللافتات واللوحات التذكارية المنتشرة في أرجاء البلدة والتي تشرح تفاصيل دورها في صناعة السينما لما علم الكثير من سكانها شيئا عن تاريخها. إذ يقول شين نيغ، الذي انتقل إلى فورت لي منذ خمس سنوات: “شعرت بفخر عندما اكتشفت دور فورت لي في صناعة السينما. فعندما تذكر الأفلام تقفز إلى ذهنك عادة هوليوود، وليس فورت لي”.

مصدر الصورة Len Holsborg/Alamy
Image caption تزخر بلدة فورت لي بالمنحدرات التي كان المصورون يستخدمونها كخلفية بديلة للأخاديد، أما نهر هدسون فكانوا يضيفون إليه مؤثرات ليبدو كالميناء الساحلي

لكن من الواضح أن هناك جهودا تبذل الآن للفت الأنظار لدور فورت لي الرائد في صناعة السينما. فبالإضافة إلى اللوحات التذكارية، وُضعت لافتات على نواصي الشوارع تخليدا لذكرى نجوم السينما الصامتة الذين بدأوا مشوارهم الفني من فورت لي. ووضع حجر الأساس لمركز أفلام باريمور، الذي يضم متحفا للأفلام ودار سينما، احتفاء بإرث البلدة.

وإذا تجولت في أرجاء البلدة سترى متنزة “مونيومنت” الذي شهد تصوير الأفلام الأولى للمخرج والممثل ديفيد ويرك غريفيث في مطلع القرن الماضي، وحانة “رامبو” الشهيرة التي كانت بحسب مييرز ملتقى لجميع فرق العمل باستديوهات تصوير الأفلام وتفتقت أذهانهم في فنائها الأمامي عن أفكار لأفلام وأساليب جديدة للتصوير. وبإمكانك بالطبع مشاهدة حافة الجرف التي تدلت منها بيرل وايت وساهمت في سطوع نجمهم.

وبالرغم من تألقها العابر في سماء السينما الأمريكية، فإن دور فورت لي في تطور صناعة الأفلام لا تخطئه عين. ويقول مييرز: “في هذه البلدة ظهرت أولى استديوهات تصوير الأفلام السينمائية. ربما تكون هذه الاستديوهات وشركات الإنتاج اختفت من البلدة، لكن آثارها لا تزال باقية”. فقد توارت خلف المباني الشاهقة والمطاعم التي لا تغلق أبوابها على مدار اليوم.

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.