تعالوا نتعرف على أشهر عمل أدبي فارسي#الشاهنامه..أو #كتاب_ الملوك..وهو ملحمة فارسية ضخمة تقع في نحو ستين ألف بيت، من تصنيف #أبو قاسم_ الفردوسي.. المتوفى 329 هـ..و#الشاهنامه_بين الأدب_ والفن..- مشاركة: د. تامر مندور.

د/ تامر مندور
المقدمة


تعتبر الشاهنامه أو “كتاب الملوك” أهم وأشهر عمل أدبي في تاريخ الأدب الفارسي الكلاسيكي خلال العصور الإسلامية في إيران، بل وتعد من أهم وأعظم الأشعار الملحمية في التاريخ بشكل عام.
ومن المعروف أنه منذ عام 641م قد دخل المسلمون إيران، وأثّرت اللغة الفارسية على الذوق الأدبي، وأصبحت ظاهرة في الأدب العربي من منتصف القرن (8م) فصاعدا. وإن كثيرا من القصص والحكايات قد انتقلت من إيران إلى العالم العربي وحتى إلى غرب أوربا. وكان الأدب الفارسي أكثر تنوعا في أشكاله ومحتواه من الأدب المكتوب باللغة العربية الكلاسيكية (لغة المخطوطات). وعلى الرغم من أن اللغة الفارسية اتخذت الكثير من القواعد الأساسية للغة العربية (كعلم العروض وأنماط القوافي)، إلا أنه كُتبت بها أنواع جديدة من الأدب كالشعر الملحمي الذي قدم من إيران والشعر الغنائي الرائع والمرن الذي وصل إلى أجود تعبيراته في اللغة الفارسية.
وإنني أتناول في هذا البحث دراسة الملحمة الفارسية الكبرى المسماه بالشاهنامه (أي كتاب الملوك) من خلال محورين أساسيين ومتكاملين؛ أحدهما: المحور الأدبي، الذي يتجلى في الشكل والوزن الشعري، وأيضا في الأساليب اللغوية المستخدمة في الكتابة، وكذلك في الموضوعات والمضامين الشعرية، أما الآخر: فهو المحور الفني، الذي يتجلى في رسوم وتصاوير نسخ مخطوطات الشاهنامه التي تُنسب إلى إيران والهند خلال العصور الإسلامية المختلفة، والمحفوظة في دار الكتب المصرية وكذلك في العديد من مكتبات ومتاحف العالم.
ولعل ندرة الدراسات والأبحاث العربية المتخصصة التي تتناول كتاب الشاهنامه من الناحيتين الأدبية والفنية هو ما دفعني لكتابة هذا البحث، حتى يتسنى لي سد هذا الفراغ في المكتبة العربية.
والله الموفق والمستعان
………………………….

 

إن مضمون الشعر عند المسلمين في بلاد فارس يحمل بوضوح إشارات الوطنية والقومية، في حين أن النمط الشكلي له قد أخذ بصماته من اللغة العربية. وعلى مر السنين وبداخل إطار أوزان الشعر العربي، فإن الفرس قد طوّروا أشكالا أخرى للشعر بحيث تناسب مزاجهم الأدبي. ومن هذه الأشكال ما يسمى بـ “المثنوي” بمعنى مزدوج ونسبة إلى كلمة “مثني”؛ وهذا الشكل يستند على قافية مزدوجة أو ثنائية في البيت الشعري الواحد، وشرطه أن يكون الشطران من روي واحد لا يلتزم في بقية المنظومة، ورغم أن هذا الشكل يتكيف مع العربية إلا أنه مصبوغ في شكل فارسي متميز. وتستخدم المثنويات في الأساس للقصائد الطويلة الملحمية ذات الصبغة القصصية أو التعليمية؛ لأن هذا النوع من المنظومات أطوع ما يكون للشاعر وأعون على امتداد النفس واتساع الأفق، ومن هذه المنظومات: “الشاهنامه” أو “كتاب الملوك” للفردوسي (ت 1020م)، و”المثنوي المعنوي” أو “العروش السبعة” لجلال الدين الرومي (ت 671هـ/ 1273م)، و”پنج گنج” أو “الكنوز الخمسة” لنظامى الگنجوى (ت 613هـ/ 1217م) وتسمى أيضا “خمسة نظامي”، و”هفت اورنگ” أو “العروش السبعة” من نظم الشاعر جامى (ت 865هـ/ 1490م). وأيضا من أشكال الشعر الفارسي المبتكرة هو “غزل”، والغزليات من أحب المنظومات إلى الشعراء الفرس وأوفقها لطبعهم، والغزل منظومة ذات روي واحد لا تقل أبياتها عن سبعة ولا تزيد على خمسة عشر، ويستخدم الغزل عادةً للشعر الغنائي، ولا يختلف عن “القصيدة” إلا من حيث الموضوع وعدد الأبيات، والأصل في موضوعات هذا النوع من المنظومات هو الغزل إلا أنها قد تتناول أحلام الصوفية من خمر وغناء وغيره. ومما يلتزمه شاعر الغزل أن يذكر اسمه الشعري في البيت الأخير أو قبل الأخير وهو ما يعرف عند الفرس والترك بالتخلص أو المخلص، ويختار الشاعر تخلصه من اسمه كالشاعر الفارسي المتخلص بسعدي نسبة إلى الأمير سعد بن زنكي واسمه مشرف الدين مصلح. ومن أهم شعراء هذا النوع من المنظومات الشاعر سعدي (المذكور أعلاه) (ت 691هـ/ 1292م)، والشاعر حافظ الشيرازي (ت 792هـ/ 1390م). وكذلك من هذه الأشكال الشعرية الفارسية المبتكرة هي “الرباعي” أو “دوبيت”، ويتألف من أربعة أشطر فقط (بيتين) فيها الأول والثاني والرابع في الروي ويختلف الثالث، وقد يكون الرباعى عبارة عن بيتين مأخوذين من مطلع “قصيدة” أو “غزل” و يشترط فيه دائما أن يكون على وزن من الأوزان الخاصة المستخرجة من “الهزج” كما يشترط فيه أن يكون وافيا بالغرض الذى أنشىء من أجله. وأهم هذه الرباعيات هي رباعيات الشاعر عمر الخيام.
ولم تكن أبدا الثقافة الفارسية مقيدة بإيران نفسها وما حولها من بلدان، فإن شمال غرب الهند (باكستان الآن) أصبحت مركزا من مراكز الأدب الفارسي الإسلامي منذ بدايات القرن (11م) بجانب دلهي وأجرا. وهذه المناطق بقيت معقل الحياة الثقافية الإسلامية التي امتدت بعد ذلك إلى البنغال في الشرق وإلى الدكن في الجنوب، وبقيت الفارسية اللغة الرسمية للهند الإسلامية حتى عام 1835م عندما استبدلت باللغة الإنجليزية. وقد كُتب بالفارسية أرفع الأعمال الشعرية والنثرية والتاريخية. وهناك أدباء وشعراء فارسيون عظماء، أمثال: حافظ وسعدي وجلال الدين الرومي وعمر الخيام والفردوسي ونظامي وجامي وغيرهم قد ألهموا الكتاب في جميع أنحاء الهند –خاصة في الشمال- بموضوعات الأدب الفارسي، وكذلك الأمر صحيح بالنسبة لأشكال النثر والشعر الفارسي كالغزل والمثنوي والرباعيات.
ولقد اتخذ المغول التيموريون في الهند (1526- 1857م) اللغة الفارسية كلغة رسمية للحكومة والبلاط ولكتاباتهم التاريخية ومراسلاتهم، فليس من المستغرب أن يعتزّوا بالأدب الفارسي، ويجمعوا المخطوطات الفارسية بشغف.
وقد كان قبلهم سلاطين دلهي (1202- 1526م) يرعون التعليم والأدب، وكان الكثير منهم محبّا للأدب العربي والفارسي، وجاء تعلُّم رجالهم من بلاد فارس، وحصلت اللغة الفارسية على تشجيعهم. وكنتيجة لحب واهتمام سلاطين دلهي للكتب والأدب أنشؤوا إستوديوهات أو ورش (المرسم الملكي) في البلاط الملكي لإنتاج الكتب والمخطوطات، حيث يُصنع الورق المصقول وتُكتب النصوص وتُوضع بالرسوم التوضيحية والمنمنمات، ثم تتم عمليات التجليد في جلود رقيقة وزخرفتها، ولم يكن هذا التقليد وهذه الصناعة لم تُأسس بشكل كامل في إيران حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، ولكن الحكام المسلمين الجدد في الهند (سلاطين دلهي) قدموا معتقداتهم الخاصة عن الكتب وإنتاجها، فلم يتعاملوا مع أوراق النخيل (السعف) وبدؤوا باستيراد الورق من إيران وغيرها قبل إنشاء مراكز الإنتاج الخاصة بهم.
وإن الأدب الفارسي في الهند قد تطور كثيرا، وقد سعى المغول التيموريون لتعزيز سلطة إمبراطوريتهم بالتفوق اللساني واللغوي، والأهم من ذلك لخلق ثقافة سياسية من شأنها أن تتجاوز وتتفوق على الهويات الدينية الهندية. وأصبحت اللغة الفارسية بالنسبة إليهم وسيلة لتحقيق هذه الغاية، وبالتالي فإن اللغة الفارسية قد نمت لتكون لغة الإمبراطورية ولعبت دور توحيد القوة مما أتاح للدولة المغولية إنشاء نظام موحَّد للحلفاء لتجاوز كل الخلافات الثقافية.

كتاب الشاهنامه

هو كتاب الملوك، ويُعد قصيدة ملحمية عن الملوك القدامى في إيران، ويُعتبر أهم عمل في الأدب الفارسي، وأُنتِجت نسخ مصوَّرة عديدة من الشاهنامة في المراسم الملكية (الورش) للحكام الإيرانيين في أبلطة بخارى وهراه وتبريز وأصفهان وغيرها، خلال العصور المغولية والتيمورية والصفوية، وأيضا القاجارية في إيران، وكذلك أُنتِجت نسخ مصوَّرة منها في المراسم الملكية المغولية في الهند.
وهي ملحمة شعرية فارسية، نظمها الشاعر الفارسي أبو القاسم الفردوسي (#)، وهو أكبر شعراء القرن الخامس الهجري/العاشر والحادي عشر الميلاديين. وهذه الملحمة تصوِّر لنا التاريخ الفارسي القديم، وتعطي رؤية تاريخية للعصر الساساني الذي سبق الفتح الإسلامي. وكان عمر الفردوسي عند نظمها يقارب الأربعين سنة، وهي أكبر ملحمة في التاريخ صاغها شاعر واحد، ويبلغ عدد أبياتها نحو (60) ألف بيت، وتتناول قصص أربع أسرٍ فارسية وتاريخها، فهي قرآن القوم، وقد أجمع فصحاء الفرس على أنه ليس في لغتهم أفصح منها، ولا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها مثل الشاهنامه، وصوَّر فيها الفردوسي وقائع البطولات والانتصارات وأعياد الفرس، كما تتضمن بعض الكلمات العربية لا تتجاوز (430) كلمة. وقد ترجمها الفتح بن علي البنداري إلى اللغة العربية في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وعبد الوهاب عزام في القرن العشرين الميلادي، وتأثر بالشاهنامه عديد من الأدباء العرب والأوربيين.
وقد كُتبت هذه الملحمة الشعرية بشكل “المثنوي” مع استخدام وزن الشعر المسمى “متقارب” (@)، ومخطوطات هذه القصيدة تختلف في الطول على نطاق واسع، والمحتوى الأطول يصل إلى ستين ألف بيت. وهي بوجه عام تُقسم إلى ثلاثة أقسام غير متساوية؛ القسم الأسطوري الأقصر، والقسم الأسطوري الأكبر، والقسم الشبه تاريخي. ويقتبس الفردوسي من كلٍ من المصادر المكتوبة والمصادر الشفهية، بل يتضح أنه يعتمد اعتمادا كبيرا على المصادر المكتوبة في القسم الشبه تاريخي، ولكن يعتمد على المصادر الشفهية التي تتناقلها ألسنة الناس في القسمين الآخرين. وعلى النقيض من الكتاب المعاصرين للفردوسي فهو قد اهتم بماضي إيران قبل الإسلام، وحاول أن يدمج بين أساطير الخلق الفارسية أو المواد الأسطورية الفارسية مع الروايات القرآنية في التاريخ المبكر للعالم.
وقد قصد الفردوسي متعمدا- كما تدلنا على ذلك المقارنة بين الشاهنامه و بين الشعر المعاصر لها- أن يصوغها في أقدم العبارات و الأساليب، ولا يستطيع أحد أن يدّعي أنها خالية من الألفاظ العربية كما يظن ذلك بعض الناس ممن لا قدرة لهم على التحقيق والتمحيص.
وقد قال بعض المؤلفين إن الشاهنامه هي إلياذة الشرق، وذلك التشبيه غير صحيح من بعض الوجوه، فإن الشاهنامه جديرة أن يكون لها بين أمم الشرق مكانة أرفع من مكانة الإلياذة بين أمم الغرب، ذلك بأن الإلياذة قصة حروب وقعت في معترك ضيق من آسيا الصغرى بين اليونانيين والطرواديين، وهي زهاء ثمانية آلاف بيت، تستمر حوادثها ستة وخمسين يوما. والشاهنامة تقص أحداث ميدانها ما بين الهند والصين إلى البحر المتوسط، وتشمل كل الروايات من تاريخ الأمة الإيرانية وأساطيرها من أقدم عصورها إلى العصر الإسلامي، ويشترك في وقائعها التورانيون (الترك) والعرب والروم والهنود، ولا تُحرم الصين من نصيب فيها، فكل أمم آسيا العظيمة وبعض أمم أوربا تتناولها موضوعات هذا الكتاب العظيم. فقد أوعى الكتاب من التاريخ والأساطير ما هو جدير بعناية المؤرخ الناقد، مؤرخ السياسة أو مؤرخ الأدب والاجتماع، وأيضا مؤرخ الفن؛ لما في نسخها من تصاوير ورسوم تنتمي إلى عهود ومدارس فنية مختلفة.
وقد وصفت الشاهنامه نشوء الحضارة الإيرانية وتطورها، وقصَّت تاريخ الإيرانيين بملوكهم وأبطالهم وكبرائهم في القرون المتطاولة، وأظهرت عما كان بينهم وبين الأمم المجاورة من عداء ومودة وحرب وسلم. فهي المنظومة العجيبة التي تتناول حوادث قرون وأمم كثيرة، لا ينبغي أن تُشَّبه بالإلياذة الضيقة الحدود؛ وينبغي أن تكون عناية الشرقيين بها أعظم من عناية الغربيين بالإلياذة، ولا ريب أن في الشاهنامة أساطير كثيرة، ولكن الأساطير في الأدب أروع من الحقائق. ولا تُنكر دلالة الأساطير على تطور الأمم وعلى كثير من عاداتها وأخلاقها، فأن الأساطير وليدة خيال الأمة وأمانيها، لا يحدها الواقع ولا تضيقها الحقيقة، وكم في أساطير الشاهنامة في العهدين الأول والثاني – عهدي البيشداديين والكيانيين – من حقائق دينية واجتماعية وتاريخية أُلبست ثوب الخيال وحُرفت فيها الوقائع والأسماء. وللشاهنامه ميزة أخرى على الإلياذة وملاحم أخرى كالمهابهاراته والراماينه الهنديتين؛ وهي أنها من عمل شاعر واحد إذا استثنينا الألف بيت التي نظمها الدقيقي (ت 365هـ/975م)، والفردوسي ناظمها شاعر تاريخي معروف لا يشك أحد في وجوده وانه ناظم هذه الملحمة الرائعة، على حين يكثر خلاف المؤرخين في الإلياذة وناظمها، وعلى حين أن المهابهاراته والرماينه الملحمتين الهنديتين من نظم شعراء عديدين بعضهم مجهول، فالشاهنامه سجل تاريخ أمة وأساطيرها منذ أقدم عصورها، وهذا لا يُعرف في منظومة أخرى.
وقد أتم الفردوسي ملحمة الشاهنامه في صورتها الأولى بعد خمس وعشرين سنة من الكدح المتواصل، ثم سافر إلى غزنه في سنة (389هـ/999م) راجيا أن يُهديها إلى السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (ت 420هـ/ 1030م). ويؤكد لنا أحد شعراء الفرس الأقدمين أنه كان في غزنة أربعمائة شاعر لا يفارقون مجالس السلطان محمود، ولو صح هذا لكان وجود هؤلاء الشعراء عقبة في سبيل الفردوسي، لكنه مع هذا أفلح في استرعاء اهتمام الوزير فجاء بالمخطوط الضخم إلى السلطان. وتقول إحدى الروايات إن محمودا هيأ للشاعر مسكنا مريحا في قصرِه، وأمده بقدر ضخم من المادة التاريخية، وأمره أن يضمها إلى ملحمتهِ. وتجمع كل الروايات التي وصلتنا من هذه القصة على اختلاف صورها أن محمودا وعده أن يعطيه دينارا ذهبيا نظير كل بيت من القصيدة في صورتها الجديدة، وظلَّ الفردوسي يكدح زمنا بلغت بعده القصيدة حوالي عام (1010م) صورتها النهائية، وجيء بها إلى السلطان. وأوشك محمود أن يبعث إلى الفردوسي المبلغ الموعود، ولكن بعض بطانته استكثروا العطاء، وأضافوا إلى هذا قولهم إن الفردوسي زنديق شيعي ومعتزل، فاستمع لهم محمود وبعث للشاعر بستين ألف درهم فضي، فغضب الشاعر وأراد أن يظهر غضبه واحتقاره فقسم المبلغ بين خادم حمام وبائع شراب ثم فر إلى هراة، حيث اختفى ستة أشهر في حانوت بائع كتب، حتى يئس من العثور عليه عمال محمود الذين أمرهم بالقبض عليه. ثم لجأ الفردوسي إلى شهريار أمير شيرزاد في طبرستان، ونظم قصيدة يهجو فيها محمودا هجاء لاذعا، وخشي شهريار غضب السلطان فابتاع القصيدة بمائة ألف درهم وأتلفها. وإذا جاز لنا أن نصدق هذه الأرقام، ونعتقد بصحة تقديرنا إياها بنقود هذه الأيام؛ حكمنا من فورنا أن الشعر كان من أكثر الأعمال إدرارا للربح في فارس في العصور الوسطى. وانتقل الفردوسي بعدئذٍ إلى بغداد وكتب فيها قصة شعرية طويلة هي قصة “يوسف وزليخا”، ثم عاد إلى طوس وكان وقتئذٍ شيخا في السادسة والسبعين من العمر. وبعد عشر سنين من عودتهِ سمع محمود بيتا من الشعر فأعجب بقوة معناه وجزالة لفظه فسأل عن قائلهِ، ولما علم أنه من شعر الفردوسي ندم على أنه لم يكافئه بما وعده بهِ، وأرسل إليه قافلة من الإبل تحمل ما قيمته ستين ألف دينار ومعها رسالة اعتذار منه، ولما دخلت القافلة مدينة طوس التقت فيها بجنازة الفردوسي.
ومع الشاهنامه الفردوسي تأسست المثُل العليا لجميع الأشعار الملحمية اللاحقة، فبعده بقليل جاء جورجاني (ت 244هـ/1050م) ليقدم لنا رائعة الرومانسية على أساس أسطورة من أصول ومصادر قبل الإسلام، ويليه نظامي (ت 613هـ/1217م) الذي ألَّف ما لا يقل عن أربعة ملاحم يغلب عليها الطابع الرومانسي، وبالتالي فقد وضع نموذج لعدد كبير من المؤلفات المماثلة، من بينها أعمال الشاعر أمير خسرو في دلهي (ت 726هـ/ 1325م)، وكذلك أعمال الشاعر جامي (ت 895هـ/ 1490م) والتي حققت شهرة واسعة.
وتحتفظ متاحف ومكتبات العالم بنسخ مصوَّرة عديدة وأوراق مُبعثرة من الشاهنامه من عصور وأماكن مختلفة ومدارس فنية متنوعة من التصوير الإسلامي. فلقد أقبل المصورون والناسخون الإيرانيون بشكل عام على تصوير كتاب الشاهنامه ونَسخه للملوك والسلاطين في إيران على مر العصور الإسلامية منذ الحكم العربي حتى العصر القاجاري.
وتحتفظ دار الكتب المصرية بالقاهرة بست نسخ فارسية من كتاب الشاهنامه جميعها مزوَّقة بالتصاوير الملونة، منها خمسة مخطوطات تكوِّن مجموعة متكاملة حيث أنها تنتمي بحسب أساليبها الفنية إلى المدارس التصويرية التي ازدهرت في إيران خلال العصور الإسلامية، كما أنها تشتمل على تواريخ نسخها كما ورد بخاتمة كل مخطوطة من هذه المخطوطات الخمس لتؤكد نسبتها إلى إيران. أما النسخة السادسة من هذه المخطوطات فتنسب إلى كشمير في الهند، وهي في مجلد وتحتوي على الأجزاء الأربعة لكتاب الشاهنامه، وتحتوي في متنها على (51) صورة كبيرة غير متقنة.
ولقد كانت مخطوطات الشاهنامه الموزعة بين مكتبات ومتاحف العالم ميدانا خصبا للمصورين الإيرانيين وكذلك الهنود في إبراز المواهب الفنية والأساليب الفنية المختلفة للرسم والتصوير، فمن خلال تصاوير مخطوطات الشاهنامه تتضح السمات الفنية المختلفة لمدارس التصوير الإسلامي في إيران والهند كما يلي:

أولا: المدرسة العربية في إيران

إن جميع المخطوطات المؤرخة والمزينة بتصاوير تحمل خصائص ومميزات المدرسة العربية في إيران قد أُنجِزت في العصر المغولي الإيلخاني (653- 756هـ/ 1256- 1355م). وهناك عدة نسخ من مخطوطات الشاهنامه تُنسب تصاويرها إلى أساليب المدرسة العربية في إيران؛ منها نسخة يُرجح مؤرخو الفنون نسبتها إلى شيراز وتم نسخها وتصويرها في سنة (741هـ/ 1340- 1341م) لمكتبة قوام الدولة والدين الحسن وزير فارس، وقد تفرقت تصاوير هذه النسخة بين عدد من المتاحف المجموعات الفنية. وقد وصلتنا نسخ أخرى من الشاهنامه ترجع إلى تاريخ أقدم؛ منها نسخة محفوظة في مكتبة طوبكابي بوسراي في إستانبول مؤرخة في سنة (731هـ/ 1330م)، ونسخها الحسن بن علي بن الحسين البهمني (لوحة 1).
وتتبع تصاوير هذه النسخ الخصائص الفنية للفرع الإيراني من المدرسة العربية حيث توضح متنا فارسيا وتتميز بالبساطة والتسطيح والبعد عن محاكات الطبيعة وخلفية باللون الأحمر ورسوم آدمية ذات سحنة تركية هذا فضلا عن بعض الملامح الصينية.

01

لوحة (1) : بهرام جور يعاقب ازاده لاستصغارها من شأنه. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بمكتبة طوبكابي سراي في إستانبول. نسخه الحسن بن علي بن الحسين البهمني. إيران سنة (731هـ/ 1331م).
عن : حسن الباشا، التصوير الإسلامي في العصور الوسطى، شكل (90).

ثانيا: المدرسة المغولية

لم تصلنا مخطوطات كثيرة مصورة بحسب المدرسة المغولية، ويرجع ذلك إلى منافسة المدرسة العربية التي استمرت طوال العصر المغولي نفسه، والتي تعتبر مدرسة وطنية، ومن جهة أخرى يرجع ذلك إلى قصر مدة حكم المغول لإيران (653- 756هـ/ 1256- 1355م)، وانشغال سلاطين المغول وأمرائهم ورجال دولتهم بالحروب والفتن؛ مما أدى إلى قلة اهتمامهم برعاية الفن وتشجيع الفنانين.
وأهم مخطوطة مصورة من الشاهنامه تُنسب مجموعة من تصاويرها إلى أساليب المدرسة المغولية في تبريز هي الشاهنامه التي تُعرف باسم “ديموت” وهو أحد تجار العاديات قبل أن توزع صورها التي تبلغ حوالي خمس وخمسين صورة ملونة بين بعض المجموعات الفنية والمتاحف العالمية، ويعتبر هذا المخطوط أقدم نسخة مصورة من الشاهنامه حيث يُرجح أنها نُسخت في سنة (720هـ/ 1320م). وقد رُسمت تصاويرها على مساحة كبيرة من الصفحات وأحيانا تمتد بحيث تحتل مساحة الصفحة كاملة (لوحة 2). وفي وقت لاحق وخصوصا خلال عهد أسرة “آل جلائر” في تبريز تم إضافة مجموعة أخرى من التصاوير في هذا المخطوط؛ حيث يرى بعض العلماء أنها من عمل المصور “الأستاذ شمس الدين” الذي تعلم فنه في عصر السلطان شيخ معز الدين أويس الجلائري (757- 776هـ/ 1356- 1374م).
وتتبع المجموعة الأولى (الأقدم) من تصاوير هذا المخطوط الخصائص الفنية للمدرسة المغولية في التصوير الاسلامي حيث استمرار أساليب المدرسة العربية كمدرسة وطنية محلية كانت سائدة في العصر السلجوقي (ق 5- 7هـ/ 11- 13م) كما في أساليب رسم بعض عناصر الصور، وظهور الأساليب الفنية الصينية بوضوح والتي كانت من القوة بحيث غيرت الطابع العام للصوة وذلك عن طريق تقسيمها إلى مقدمة تمثل الأرض ومؤخرة تمثل السماء مما أضفى على الصورة شيئا من العمق (لوحة 2)، وكذلك رسوم السحب التي يُطلق عليها اسم “تشي”، وأيضا السحن ذات الملامح الصينية للأشخاص، ورسوم الثياب بالأخص رسم أغطية الرؤوس المتنوعة من خوذات وعمائم وقلانس يلبسها الرجال ومن قلانس يزين بعضها ريش طويل تلبسها النساء.
ومن هذه الخصائص أيضا الاهتمام بالعناصر الأساسية في الصورة كرسوم الأشخاص والحيوانات وذلك بمراعات النسب ودقة رسم الأعضاء، هذا علاوة على تمثيل المناظر الطبيعية والميل إلى الواقع في رسم الأشجار والنباتات والزهور.

02

لوحة (2): الإسكندر يقتل وحيد القرن (الكركدن). صورة من مخطوط الشاهنامه المعروفة باسم “ديموت”. محفوظة في متحف الفنون الجميلة ببوسطون. إيران (تبريز) سنة (720هـ/ 1320م).
عن : أبو الحمد فرغلي، التصوير الإسلامي، لوحة (72)

ثالثا: المدرسة المظفرية والجلائرية

يوجد بعض نسخ من مخطوط الشاهنامه تُنسب إلى المدرسة المظفرية منها نسخة تمت كتابتها في شيراز على يد مسعود بن منصور بن أحمد في سنة (772هـ/ 1371م)، وهي محفوظة في مكتبة طوبكابي بوسراي بإستانبول، وتشتمل على (12) صورة ملونة من أحجام مختلفة. وهناك نسخة أخرى تحتفظ بها دار الكتب المصرية تحت رقم (73 تاريخ فارسي) تغلفها جلدة لا تنتمي إلى زمن المخطوط، وتشتمل هذه النسخة على 321 ورقة وحوالي 67 صورة ملونة، ونسخها لطف الله بن يحي في شيراز سنة (769هـ/ 1394م) (لوحة 3).
وتتبع تصاوير هاتين المخطوطتين الخصائص الفنية للتصوير تحت رعاية المظفريين (718- 796هـ/ 1318- 1394م) حيث انحسار المؤخرة التي أصبحت ذات أهمية ثانوية وفي بعض الصور تختفي تماماً نتيجة اتساع المقدمة، وتوزيع الرسوم في الصورة بطريقة مرتبة ومنسقة دون مراعاة قواعد المنظور ولكن بأسلوب عين الطائر فأصبحت الصورة مسطحة، والاهتمام بالشخص الرئيسي في الصورة الذي يُرسم في مركز الصورة غالبا بحجم كبير نسبيا بدون مراعاة للنسب التشريحية للجسم الإنساني وتحيط به رسوم الأشخاص الثانوية، وتُرسم وجوه الأشخاص بشكل بيضاوي محور والعيون منحرفة بعض الشيء والرأس ترتكز على رقبة طويلة، وبوجه عام يُلاحظ الصغر والرشاقة في أجسام الأشخاص وإن كان يسودها بعض الجمود. هذا وتُرسم الحيوانات بأسلوب قريب من الواقع وبخاصة في رسوم الخيل (لوحة 3).
ومن هذه الخصائص أيضا التنوع في رسم الأزياء كما كانت في المدرسة المغولية، مع ملاحظة حرص المصور على استخدام العمامة البيضاوية ذات الذؤابة كغطاء رأس للرجال وبخاصة الشخص الرئيسي في الصورة. وتُرسم العمائر المختلفة بأسلوب اصطلاحي بسيط، عذا علاوة على الميل إلى الطابع الزخرفي في رسم النباتات والمناظر الطبيعية. وفي بعض الصور يُلاحظ تقسيم الأرضية إلى مستويات عن طريق خطوط متعرجة تمتد بانحراف بين جانبي الصورة، وهذا الاسلوب يعتبر من مبتكرات مدرسة شيراز في عصر المظفريين وكان له شديد الأثر في المدرسة التيمورية بعد ذلك، وكذلك رسم الصخور بأسلوب محور اسفنجي الشكل وفي بعض الأحيان تظهر بعضها على هيئة الحيوان.

03

لوحة (3) : كيو بن كودرز وهو يأسر خسرو بن سياوش. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (73 تاريخ فارسي). نسخه لطف الله بن يحي. إيران (شيراز) سنة (769هـ/ 1394م)

أما مخطوطات الشاهنامه التي تُنسب إلى المدرسة الجلائرية؛ فمنها المجموعة الثانية (المضافة لاحقا) من تصاوير شاهنامه “ديموت” السابق ذكرها، والتي تنسب إلى تبريز في عصر الجلائريين (740- 835هـ/ 1339- 1432م)، ويرى بعض العلماء أن هذه التصاوير من عمل المصور “شمس الدين” أستاذ المصور “جنيد نقاش سلطاني”.
وتتبع هذه التصاوير الخصائص الفنية للتصوير تحت رعاية الجلائريين حيث قلة عدد الرسوم الآدمية في معظم الصور، وتميل رسوم الأشخاص إلى القصر وتبدو صغيرة بالنسبة للبيئة المحيطة سواء كانت منظرا طبيعيا أو خلفية معمارية، والملامح قريبة من الملامح المغولية. واتساع المقدمة مع انحسار المؤخرة حيث تملأ الأرضية مساحة الصورة كاملة تقريبا لتصبح مسرح الأحداث ويحددها بالأعلى خط الأفق المرتفع فيمكن رؤية الأرض من فوق حسب منظور عين الطائر. ويسود التصاوير بوجه عام الطابع الزخرفي ويتضح ذلك في الرسوم النباتية والطبيعية وكذلك في رسوم الأزياء، هذا علاوة على الألوان الزاهية البراقة.
وتعتبر المدرسة الجلائرية في فن تزويق المخطوطات بالصور حجر الزاوية في تطور فن التصوير الإسلامي في إيران بجانب المدرسة المظفرية في شيراز ومن ثم كانت أصول المدرسة التيمورية وقواعدها قد تطورت وازدهرت من خلال هاتين المدرستين لتزدهر المدرسة التيمورية في عهدي: إسكندر سلطان وإبراهيم سلطان حفيدي تيمورلنك في شيراز، وكذلك في عهدي: السلطان بايسنقر والسلطان حسين ميرزا بايقرا في هراه، ليظهر تحت رعاية السلطان حسين ميرزا الأستاذ “كمال الدين بهزاد” المصور الإيراني الكبير.

رابعا: المدرسة التيمورية

لقد جعل سلاطين آل تيمور من بلاطهم ملجأ لمشاهير الأدباء والفنانين والمصورين من كل المدن الايرانية التي كانت مراكز فنية مزدهرة، مثل: شيراز وتبريز وغيرهما بالإضافة إلى بغداد، فوصل الفن الإسلامي في إيران إلى أوج ازدهاره خلال القرن (9هـ/ 15م)، وازدهرت مدارس ومراكز في فن التصوير الإسلامي في كل من: سمرقند وبخارى وهراه و شيراز وتبريز، ونالت فنون الكتاب الكثير من العناية والرعاية وبخاصة في عهد الأمير بايسنقر بن شاه رخ والسلطان حسين ميرزا بايقرا. وهناك عدة نسخ من مخطوط الشاهنامه تُنسب تصاويرها إلى المدرسة التيمورية في شيراز وهراه؛ منها نسخة تنسب إلى شيراز في عهد الأمير إبراهيم سلطان بن شاه رخ حفيد تيمورلنك في النصف الأول من القرن (9هـ/ 15م)، محفوظ في المكتبة البودلية في أكسفورد، وتشتمل على حوالي سبع وأربعين صورة ملونة. ومنها أيضا نسخة تُنسب إلى شيراز محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس ومؤرخة في سنة (847هـ/ 1444م)، وتشتمل على سبعة عشر صورة ملونة. وهناك أيضا نسخة محفوظة بمتحف قصر جلستان في طهران نسخها الخطاط الذائع الصيت في البلاط التيموري “جعفر البايسنقري” في هراه سنة (833هـ/ 1430م) لمكتبة الأمير بايسنقر بن شاه رخ، وتشتمل على مجموعة من الصفعات المزينة بالزخارف الجميلة المذهبة وعلى عشرين صورة ملونة. هذا وتحتفظ دار الكتب المصرية بنسخة أخرى من الشاهنامه تحت رقم (59 تاريخ فارسي)، وتنسب إلى هراه في العصر التيموري في سنة (844هـ/ 1441م)، وكُتب متنها بخط النستعليق الجيد على يد محمد السمرقندي، وتشتمل على حوالي مائة وخمس وستين صورة ملونة تختلف في قيمتها الفنية نتيجة تعرض معظمها للإزالة والتشوية أو إعادة النقش ولكن العديد من هذه الصور ما تزال محفوظة حفظا جيدا (لوحة 4).
وتتبع تصاوير هذه النسخ الخصائص والأساليب الفنية للمدرسة التيمورية التي سادت في إيران خلال عصر التيموريين (771- 912هـ/ 1370- 1507م)؛ حيث استمر أسلوب اتساع المقدمة التي تمثل الأرضية على حساب المؤخرة التي تمثل السماء أو الأفق، وظلَّ استخدام خط الأفق المرتفع ليتيح الفرصة لشغل أرضية الصورة أو مسرح الأحداث بالرسوم الآدمية والحيوانية أو برسم المنظر الطبيعي، وأيضا استمر استخدام منظور عين الطائر. وقد استطاع مصورا المدرسة التيمورية إتقان ما حققه مصورا المدرسة الجلائرية من محاولة ايجاد ملائمة في النسبة بين الرسوم الآدمية والبيئة المحيطة (لوحة 4).
هذا ويغلب على صور العصر التيموري ظاهرة التسطيح مما أفقدها مظهر العمق وجاءت رسومها غير مجسمة نتيجة إهمال استخدام أسلوب الظل والنور. ويتضح المهارة في توزيع الأشخاص وتشكيل المجموعات وإن كانت جامدة بعض الشيء، وحاول المصورون كسر هذا الجمود عن طريق استخدام الحركات والإشارات بالأيدي ولفتات الرؤوس وأوضاعهم في الصورة عن طريق الوقوف أو الجلوس أو الركوع مما يضفي على رسوم الأشخاص بعض الحركة والحيوية (لوحة 4).
ومن هذه الخصائص أيضاً الشغف برسم المناظر الطبيعية، واستمرار رسم الخلفيات المعمارية بأسلوب اصطلاحي مع الثراء الزخرفي، هذا علاوة على جمال الألوان المتنوعة مثل الأحمر والبرتقالي والأزرق اللازردي بدراجاته والأخضر بدرجاته والأصفر والبنفسجي والبني والوردي والأبيض وكذلك اللون الذهبي.

04

لوحة (4) : خسرو يرقب شيرين وهي تستحم. صورة من مخطوط الشاهنامة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (59 تاريخ فارسي). نسخه محمد السمرقندي. إيران (هراة) سنة (844هـ/ 1441م)

خامسا: المدرسة التركمانية

تُنسب إلى المدرسة التركمانية في شيراز وتبريز تصاوير بعض النسخ من مخطوط الشاهنامه؛ منها نسخة محفوظة في المتحف البريطاني بلندن مؤرخة في سنة (891هـ/ 1486م)، ونسخة أخرى محفوظة في المكتبة البودلية بأكسفورد مؤرخة في سنة (899هـ/ 1494م)، هذا وتعتبر تصاوير نسخة مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (60 تاريخ فارسي) من أهم نماذج التصوير في عصر سلاطين التركمان بإيران، وهي أسرة الآق قيونلو (أصحاب الشاة البيضاء) (857- 907هـ/ 1453- 1502م)، وهذه النسخة مؤرخة في سنة (905هـ/ 1500م) (لوحة 5).
وتتبع تصاوير هذه النسخ الخصائص والأساليب الفنية المميزة للمدرسة التركمانية في التصوير الإسلامي؛ حيث الاعتماد على الخصائص والمميزات الفنية التي كانت سائدة في العصر التيموري ثم تطورت على أيدي التركمان منذ النصف الثاني من القرن (9هـ/ 15م) وحتى مطلع القرن (10هـ/ 16م) لتساهم هذه المدرسة بأساليبها الفنية بعد ذلك في بداية المدرسة الصفوية. وجاءت رسوم الأشخاص قصيرة وممتلئة الجسم والرأس كبيرة الحجم، وغطاء الرأس للرجال عبارة عن عمامة مستديرة متعددة الطيات وبيضاء اللون قد تزينها وريدات أو براعم كبيرة أو بعض الأحجار الكريمة، أما غطاء الرأس للنساء فعبارة عن منديل دائري معقود من الخلف وقد يكون ممسوكا بقطعة أخرى من النسيج الأبيض الخفيف كحجاب فوق الأكتاف، وهو نفس غطاء رأس السيدات في صور المدرسة التيمورية في هراه خلال عهد الأمير بايسنقر.
ومن هذه الخصائص أيضا التنوع في رسم الخلفيات؛ فمنها خلفيات معمارية متقنة دقيقة ذات تفاصيل زخرفية نباتية وهندسية وكتابية كما كانت في المدرسة التيمورية في هراه، ومنها خلفيات طبيعية تُرسم بطريقتين أحدهما عبارة عن لون ساطع يُفرش على أرضية الصورة وتتخلله حزم من الأعشاب والشجيرات وتنتهي برسوم صخور اسفنجية الشكل حيث خط الأفق (لوحة 5)، والطريقة الأخرى عبارة عن لون أخضر فاتح في الغالب ولا تنتهي برسوم خط الأفق الصخري. وذلك بالإضافة إلى استخدام الألوان الزاهية مثل الأزرق والأحمر والأخضر والأصفر والذهبي والتي تُوزع على رسوم الصورة في تناسق وانسجام، كما اُستخدِمت في الصور ألوان هادئة، وبخاصة البنفسجي الفاتح والأبيض ودرجات من الأخضر والأزرق.

05

لوحة (5) : معركة بين بطلين من أبطال ملوك الفرس. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (60 تاريخ فارسي). إيران سنة (905هـ/ 1500م)

سادسا: المدرسة الصفوية الأولى والثانية

لقد بلغ فن التصوير الإسلامي أوج ازدهاره وتطوره تحت رعاية الأمراء والملوك الصفويين بإيران (907- 1145هـ/ 1501- 1732م)، وتضاعفت أعداد المصورين والفنانين ومعظمهم وقَّع باسمه على إنتاجه الفني، ولم يقتصر هذا الازدهار الفني على عواصم الصفويين الثلاثة حيث البلاط الملكي، وهي: تبريز وقزوين وأصفهان، وإنما ازدهر في مدن أخرى، مثل: مشهد وشيراز وبخارى؛ مما يبرهن على ما وصلت إليه المدرسة الصفوية من ازدهار وانتشار في إيران وقتذاك.
هذا وينقسم التصوير الصفوي إلى مدرستين أو مرحلتين؛ أولهما: المدرسة الصفوية الأولى، وتختص بالتصوير الصفوي حتى نهاية عهد الشاه طهماسب (ت 984هـ/ 1576م)، وثانيهما: المدرسة الصفوية الثانية، وتختص بالتصوير الصفوي في عهد الشاه عباس الأكبر (الأول) وما بعده حتى نهاية العصر الصفوي (996- 1145هـ/ 1588- 1732م).
وهناك عدة نسخ من مخطوط الشاهنامه تُنسب تصاويرها إلى المدرسة الصفوية الأولي والثانية؛ أهمها الشاهنامه التي تم انتاجها تحت رعاية الشاه طهماسب (930- 984هـ/ 1524- 1576م) في تبريز حوالي سنة (1524- 1530م) وتُنسب تصاويرها إلى المدرسة الصفوية الأولي (لوحة 6)، ومحفوظة في متحف المتروبوليتان للفن بنيويورك، وتُعرف باسم “شاهنامه طهماسب”، وتُعرف أيضاً بسم “هوتون” وهو آخر مالك لها بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد اشترك في إنجاز هذا المخطوط معظم مشاهير المصورين في بلاط الشاه طهماسب، أمثال: مير سيد علي وأقاميرك ومير مصور وميرزا علي ومظفر علي وعبد العزيز وسلطان محمد وقاسم علي وشيخ محمد ودوست محمد.
وتتبع تصاوير هذا المخطوط الخصائص والأساليب الفنية للمدرسة الصفوية الأولى حيث الحرص الشديد من قِبل المصور نحو الإتقان؛ مما أدى إلى التكامل بين العناصر الفنية في الصورة التي طغى عليها الأسلوب الواقعي وإن كانت تنزع إلى المشاهد الساكنة، وتمتاز رسوم الأشخاص بقصر القامة والأجسام الممتلئة ذات الوجوه المستديرة، وترتدي ثياب فاخرة من معاطف الديباج والقطيفة المزركشة ذات الوسط المميز، وغطاء الرأس للرجال عبارة عن عمامة عالية متعددة الطيات تصل إلى اثنى عشر طية وتلتف حول قلنسوة وتنتهي من أعلى بعصى صغيرة حمراء، والمعروف أن مذهب الأثنى عشرية الشيعي كان هو المذهب الرسمي للدولة الصفوية (لوحة 6).
ومن هذه الخصائص أيضا تميز الصور برسوم خلفيات معمارية دقيقة ومتقنة وتعتبر محصلة نهائية للتطور الطبيعي لرسوم العمائر في المدرستين التيمورية والتركمانية ومن قبلهما الجلائرية، وكذلك تتميز بالمناظر الطبيعة الدقيقة والمتقنة كالأشجار والنباتات والزهور والصخور والأنهار التي تجري في حركة لولبية، وكذلك السماء التي لا تخلو من رسوم السحاب الصيني “تشي” ولكنه رسم بدقة وإتقان (لوحة 6)، وهذه العناصر الفنية سبق وأن قطعت شوطا كبيرا في التطور على أيدي المصورين الإيرانيين في العصر التيموري. وتمتاز هذه الصور أيضا باختيار أجود أنواع الأصباغ والألوان، مع الإفراط في استخدام اللون الذهبي والألوان الزاهية.

لوحة (6) : رستم قائد جيش الفرس يأسر سرجه بن أفرسياب ملك التورانيين. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بمتحف المتروبوليتان في نيويورك تحت رقم ((1970.301.31. إيران (تبريز) سنة (1525- 1530). من عمل المصور قاسم علي.

لوحة (6) : رستم قائد جيش الفرس يأسر سرجه بن أفرسياب ملك التورانيين. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بمتحف المتروبوليتان في نيويورك تحت رقم ((1970.301.31. إيران (تبريز) سنة (1525- 1530). من عمل المصور قاسم علي.

 

ومن أهم نسخ الشاهنامه التي تنسب تصاويرها إلى المدرسة الصفوية الثانية هي الشاهنامه المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (53 تاريخ فارسي)، والتي نُسخت في أصفهان في عهد الشاه عباس الثاني (1052- 1077هـ/ 1652- 1666م) على يد الناسخ “صفي قلي بن الفرهاد” في سنة (1066هـ/ 1656م)، ويحتوي هذا المخطوط على اثنى عشرة صورة بالألوان، ويغلب الظن أن صوره تنتمي من حيث الأسلوب الفني إلى أسلوب الفنان “معين مصور” (لوحة 7).

وتتبع تصاوير هذا المخطوط الخصائص والأساليب الفنية للمدرسة الصفوية الثانية، حيث قلَّ عدد الأشخاص المرسومة في الصورة، وأصبحت ذات وجوه قمرية وقدود هيفاء وممشوقة القوام ذات رشاقة كأشجار السرو (لوحة 7)، وتُرسم في مواقف متكلَّفة، وكثيرا ما يصعب التفرقة بين الفتى والفتاة، وفي نفس الوقت ازداد الاتجاه نحو توضيح ملامح الأشخاص وتمييزها في كل شخصية، وهو اتجاه نحو الفردية وتجسيد الشخصية؛ مما أدى إلى ظهور وانتشار الصور الشخصية في بعض الأحيان للحكام والأمراء. وقد وصلت أزياء الأشخاص إلى أعلى مراحل تطورها، فكانت ملابس المرأة حسية جدّا، وتتكون أحيانا من طبقتين أو ثلاث: الداخلي منها عبارة عن قميص مشقوق من عند الصدر وكان يزرر من أسفل العنق ويشق طوليا ليفتح من أسفل الصدر ليظهر جزء من البطن عاريا حتى السرة، ويعلوه معطف فاخر ينتهي أحيانا بفرو عند الرقبة، وأحيانا تغطي رأسها بعباءة أو غطاء رأس طويل يتدلى من خلف الظهر. هذا ونستطيع أن نميز ملابس الرجال في النصف الأول من القرن (11هـ/ 17م) بأنه مكون من جزئين في الغالب؛ الداخلي يغطي الصدر حتى أسفل العنق والخارجي عبارة عن معطف ذو لون هادئ له حزام مشدود حول الوسط وبه أزرار أحيانا، وذلك مع تنوع أشكال العمائم للرجال بحسب الفترة الزمنية وبحسب الشخصية المرسومة أو بحسب الاثنين معا، وقد مالت أشكال العمائم بوجه عام مع منتصف القرن (11هـ/ 16م) إلى الحجم الصغير ويضاف إليها أحيانا ريشة في الوسط، كما انتشرت القبعات المصنوعة من جلود الأغنام.
ومن هذه الخصائص أيضا رسوم الخلفيات المعمارية والطبيعية الدقيقة والمتقنة والتي تعبر عن البيئة الإيرانية، هذا مع تفضيل الألوان الهادئة بشكل عام. وبالإضافة إلى ذلك ظهور التأثير الأوربي على فن التصوير الصفوي بوضوح والذي بدأ بشكل حقيقي منذ عهد الشاه عباس الأكبر (996- 1038هـ/ 1588- 1629م)، ويتجلى هذا التأثير الأوربي في محاكات الطبيعة ومحاولة اتباع قواعد المنظور وخصوصاً في الصور المستقلة والصور الجدارية، وهذا التأثير الأوربي لم يكن خيراً كله على فن التصوير الصفوي حيث فقد كثيراً من مميزاته الفنية وأُصيب بشيء من الضعف بالمقارنة بطراز المدرسة الصفوية الأولى، وخصوصا منذ عهد الشاه عباس الثاني (1052- 1077هـ/ 1652- 1666م) حيث البعد عن تصوير المخطوطات والاهتمام بالصور المستقلة.

لوحة (7) : لقاء بين خسرو وشيرين. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (53 تاريخ فارسي). نسخه صفي قلي بن الفرهاد. إيران (أصفهان) سنة (1066هـ/ 1656م)

لوحة (7) : لقاء بين خسرو وشيرين. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (53 تاريخ فارسي). نسخه صفي قلي بن الفرهاد. إيران (أصفهان) سنة (1066هـ/ 1656م)

 

سابعا: المدرسة القاجارية

هناك عدد قليل من المخطوطات المزينة بالتصاوير والمنسوبة إلى المدرسة القاجارية في إيران، وهذا يعود إلى توغل التأثيرات الأوربية على فن التصوير القاجاري الذي بدأ منذ المرحلة الثانية في فن التصوير الصفوي، حيث انتقل فن المنمنمات من توضيح وتزويق المخطوطات إلى زخرفة التحف الفنية الأخرى، مثل: المعادن والمنسوجات والأدوات المصنوعة من الورق المقوى الذي صُنعت منه علب المرايا والمقالم وورق اللعب والدروع وغيرها من الأدوات المزخرفة بصور المنمنمات.
ويُنسب إلى العصر القاجاري (1193- 1343هـ/ 1779- 1925م) نسخة مصورة من مخطوط الشاهنامه محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (71 تاريخ فارسي طلعت) ومؤرخة في سنة (1233هـ/ 1818م)، وكتبت على يد الخطاط “محمد بن ميرزا فيروز قوجي”، ويصل عدد أوراقها إلى 251 ورقة، وتحتوي على 89 صورة تشغل جزءًا من صفحات النص المكتوب، وهي من أعمال فناني الأقاليم وليست من إنتاج المراسم أو الورش الملكية أو تحت رعاية أحد الوجهاء. وكانت مثل هذه المخطوطات تأتي من مراسم الأقاليم لتعرض للبيع في أسواق المدن الكبرى وخصوصا في العاصمة أصفهان التي ندر بها إنتاج المخطوطات المزوقة في هذا العصر (لوحة 8).
وتتميز الأساليب الفنية للمدرسة القاجارية بسيادة الطابع الإيراني والذي يتضح في رسوم السحن الآدمية التي تتميز بملامح محددة؛ منها العيون المنسحبة التي يعلوها حاجبان كثيفان، والشارب غليظ وأسود، والسوالف كثيفة وكذلك اللحية التي تتصل بها إن وجدت، ويظهر الطابع الإيراني أيضا في الملابس، فهي إيرانية بالرغم من وجود بعض التأثيرات الأوربية في تصميمها؛ فتكون ملابس الرجال عبارة عن قباء أو قفطان تحته قميص، بجانب غطاء الرأس الذي تنوع بين العمامة والطرطور والطاقية والتاج.
وهذا علاوة على التمثيل الواقعي بوجه عام حيث نجد المصور قد تحرر من القيود القديمة، مثل: تصوير الرسوم بطريقة اصطلاحية، ورسم النبات رسما محوّرا، والاهتمام بالشخص الرئيسي في الصورة، وبدأ يصور الأشخاص بشكل واقعي، والاهتمام برسم المناظر الطبيعية برغم كونها مناظر ثانوية بالنسبة لموضوعات الصور، فرسم الأشجار والتلال والأنهار والعمائر بطريقة أقرب إلى الواقع مع محاولة اتباع قواعد المنظور والبعد الثالث، وتتمثل هذه الواقعية أصدق تمثيل في عدم وجود الخط في التصوير بعكس ما كان في مدارس التصوير الإيرانية السابقة، وهذه الأساليب من التأثيرات الأوربية على التصوير القاجاري، والتي تتجلى بوجه خاص في التصوير على القطع الفنية المختلفة وعلى التصوير الجداري، أما في تصوير المخطوطات (لوحة 8) فقد استمرت الأساليب الفنية القديمة التي سادت في مدارس التصوير الإيرانية السابقة حيث الميل إلى الزخرفة والاعتماد على الخط في الرسم والتصوير، ورسم معظم العناصر بطريقة اصطلاحية، وذلك مع كبر حجم الأشخاص والاهتمام بالأشخاص الرئيسية في الصورة على حساب التابعين، وانحسار التأثير الأوربي في بعض رسوم الخلفيات الطبيعية والمعمارية، وهذا مع توضيح دراجات الألوان وتوزيعها في الصورة.

لوحة ((8) : صورة تمثل معركة. من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (71 تاريخ فارسي طلعت). نسخه محمد بن ميرزا فيروز قوجي. إيران سنة (1233هـ/ 1818م)

لوحة (8) : صورة تمثل معركة. من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (71 تاريخ فارسي طلعت). نسخه محمد بن ميرزا فيروز قوجي. إيران سنة (1233هـ/ 1818م)

ثامنا: المدرسة المغولية الهندية

لقد مر التصوير المغولي الهندي الملكي في آجرا ودلهي ولاهور بخمس مراحل أساسية من ناحية الأسلوب الفني؛ فمنذ عهد “همايون” وخلال النصف الأول من عهد “أكبر” –في الربع الثالث من القرن (16م)- كان يغلب عليه الأسلوب الفارسي (الإيراني) المميز للمدرسة الصفوية الأولى، حيث كان التصميم ثنائي الأبعاد واستخدام منظور عين الطائر وتتكون الصورة في الغالب من مستويين، أحدهما يحتل المساحة العظمى من التصويرة ويبدأ من المقدمة حتى يقترب من أعلى التصويرة، وغالبا يتكون هذا المستوى من أكثر من جزء، أما المستوى الثاني فيحتل مساحة صغيرة بأعلى التصويرة ويتمثل في الخلفية التي تعبر عن السماء والأفق، وقد يكون باللون الذهبي، وكانت الصورة بوجه عام تتكون من عدة عناصر مرسومة بدقة ومهارة عالية وتجمع بين الأساليب الهندية الراجبوتية والفارسية الصفوية. ويطلق بعض الباحثين على هذا النمط المبكر من التصوير المغولي الهندي اسم الأسلوب “الهندوفارسي” والذي نشأ على يد اثنين من كبار مصوري الفرس وهما مير سيد علي وخواجة عبد الصمد. أما المرحلة الثانية فتتبلور خلال النصف الثاني من عهد “أكبر” –في الربع الأخير من القرن (16م)- حيث بدأت التأثيرات الأوربية تظهر بوضوح وتتضح في التركيز على المذهب الطبيعي واتباع قواعد المنظور وظهور التصميم الثلاثي الأبعاد، وأصبحت الصورة تتكون من عدة مستويات وتتباين في أجزائها ومكوناتها، بالإضافة إلى رسم عناصرها المختلفة بأساليب دقيقة وخطوط لينة وألوان تميل إلى الواقع وتبدو زاهية في بعض الصور، وهذا علاوة على استخدام تقنية التظليل، وبذلك استطاع مصورو المرسم الإمبراطوري خلال عهد “أكبر” أن يبلورا الأسلوب النهائي المميز للتصوير المغولي الهندي وهو عبارة عن توليفة مُحكمة بين الأسلوب الفني المحلي (الراجبوتي) والأساليب الفنية الوافدة (الفارسية والأوربية).
أما المرحلة الثالثة فقد ظهرت في عهديّ جهانجير وشاه جهان (القرن 17م)، حيث أصبح التصوير المغولي الهندي الملكي على درجة من التقنية والواقعية غير مسبوقة في التصوير الإسلامي، فقد وصلت التأثيرات الأوربية إلى أقصى مداها في التصوير المغولي الهندي خلال تلك الفترة، وأصبح تصميم الصورة يأخذ منحنى واقعي لدرجة تكاد تصل إلى دقة الصور الفوتوغرافية وخصوصا في صور الألبومات. وبشكل عام من خلال تصاوير المخطوطات والألبومات استمر التصميم الثلاثي الأبعاد واستخدام قواعد المنظور والتجسيد بحرفية عالية، وكذلك الدقة والبراعة في رسم العناصر المختلفة للصورة مع الميل نحو استخدام الألوان الهادئة. أما المرحلة الرابعة فقد ظهرت خلال عهد الإمبراطور “اورنجزيب” الذي أبطل الرعاية الملكية للفنون بشكل عام وقام بإغلاق المراسم الملكية وتسريح المصورين منها؛ مما أسفر عن تدهور التصوير المغولي الهندي، ومنذ ذلك الحين بدأت التقنية العالية المميزة للطراز الملكي في التصوير المغولي الهندي بالتراجع والاختفاء رويدا رويدا حتى اختفت تماما فيما بين عهدي “أورنجزيب” و “شاه محمد”. ويتميز التصوير المغولي الهندي الذي تم إنتاجه بقوة الدفع تحت الرعاية الملكية من عهد أورنجزيب بالميل نحو الصرامة والقسوة ويفتقد إلى المرونة نوعاً ما، بالإضافة إلى شيوع ظاهرة التماثل بين تكوينات الصورة وبعض عناصرها مع التنسيق الدقيق بين هذه العناصر، وهذا رغم استمرار بعض الأساليب الملكية السابقة كالتصميم الثلاثي الأبعاد واستخدام التظليل واسلوب الظل والنور والدقة في رسم العناصر مع الميل إلى الألوان الهادئة.
أما المرحلة الخامسة من التصوير المغولي الملكي فقد ظهرت منذ النصف الثاني من عهد أورنجزيب حتى نهاية الحكم المغولي للهند خلال القرنين (18- 19م)، وتتسم هذه المرحلة من تاريخ المغول في الهند بالضعف والاضمحلال السياسي، حيث اختفت التقنية والأساليب الملكية المميزة للتصوير المغولي الهندي الملكي وأصبح تصويراً محلياً في طابعه، ويتميز بأساليب التصميم البسيطة والغير واقعية على النمط الفارسي كمثل التصميم الثنائي الأبعاد ومنظور عين الطائر مع محاولة إبراز العمق بواسطة تقسيم الصورة إلى مستويات، وتغلب النزعة الشكلية على معظم العناصر المرسومة مع الميل نحو تنسيقها وترتيبها على الشكل الذي ساد في عهد أورنجزيب، بالإضافة إلى صغر حجم الأشخاص بوجه عام، والتنوع الكبير في الألوان.
هذا ونلاحظ أن الطابع الفارسي كان أكثر وضوحا وتأثيرا من خلال صور المخطوطات في أقصى شمال شبه القارة الهندية كما في لاهور وكشمير حيث التصميم الثنائي الأبعاد الذي يتكون من أرضية ممتدة تحتل المساحة العظمى من التصويرة وتنتهي بشكل مقوَّس بالأعلى وتظهر من خلفها السماء أو الأفق، كما كان سائدا في التصوير الإسلامي منذ عصر الجلائريين.
وهناك عدة نسخ من مخطوط الشاهنامه تُنسب تصاويرها إلى الهند في العصر المغولي (932- 1274هـ/ 1526- 1858م)؛ منها مخطوط الشاهنامه المحفوظ في متحف المتروبوليتان للفن بنيويورك تحت رقم (68.215.29)، وتُنسب تصاويره إلى كشمير ومؤرخ في (أواخر القرن 19م- أوائل القرن 20م) (لوحة 9). وهناك نسخة أخرى من الشاهنامه محفوظة في دار الكتب المصرية تحت رقم (18 تاريخ فارسي)، وتعود إلى كشمير في القرن (13هـ/ 19م) (لوحة 10).
وتعتبر تصاوير هاتين النسختين نموذج هام من نماذج المرحلة الخامسة من التصوير المغولي الهندي في شمال شبه القارة الهندية والذي ظهر خصوصا في كشمير خلال القرن (19م) (لوحات 9، 10)، ويعتبر هذا النموذج تصويرا محليا، ويتميز بخصائص وأساليب يغلب عليها النزعة الشكلية والتصميم البسيط الذي يعتمد على منظور عين الطائر، بالإضافة إلى صغر حجم الأشخاص، مع محاولة لإبراز العمق بتقسيم الصورة إلى مستويات، وسيادة الطابع الإيراني كما يظهر في رسوم سحن معظم الأشخاص وكذلك في ملابسهم، والأرضية غالبا صخرية ممتدة ذات جبال وتلال وتنحصر السماء الزرقاء بأعلى الصورة. وأيضا تتميز صور مخطوطات كشمير بالإسراف في استخدام الألوان الزاهية من البرتقالي والأحمر والأصفر.

لوحة (9) : استقبال منوجهر لسام ونجله زال. صورة من مخطوط الشاهنامه. محفوظة في متحف المتروبوليتان للفن بنيويورك تحت رقم (68.215.29). الهند (كشمير)، أواخر القرن 19م- أوائل القرن 20م عن : تامر مندور، تصاوير الاستقبالات والسفارات في التصوير المغولي الهندي (دكتوراه)، لوحة (90)

لوحة (9) : استقبال منوجهر لسام ونجله زال. صورة من مخطوط الشاهنامه. محفوظة في متحف المتروبوليتان للفن بنيويورك تحت رقم (68.215.29). الهند (كشمير)، أواخر القرن 19م- أوائل القرن 20م
عن : تامر مندور، تصاوير الاستقبالات والسفارات في التصوير المغولي الهندي (دكتوراه)، لوحة (90)

 

لوحة (10) : كيومرث (جيومرت) يستقبل ابنه ويوجهه لتدمير الديفاس. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (18 تاريخ فارسي). الهند (كشمير)، القرن (13هـ/ 19م) عن : تامر مندور، تصاوير الاستقبالات والسفارات في التصوير المغولي الهندي (دكتوراه)، لوحة (92)

لوحة (10) : كيومرث (جيومرت) يستقبل ابنه ويوجهه لتدمير الديفاس. صورة من مخطوط الشاهنامه المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (18 تاريخ فارسي). الهند (كشمير)، القرن (13هـ/ 19م)
عن : تامر مندور، تصاوير الاستقبالات والسفارات في التصوير المغولي الهندي (دكتوراه)، لوحة (92)

 

الخاتمة والخلاصة

يُعتبر كتاب الشاهنامه (كتاب الملوك) مثالا هاما لإبراز العلاقة بين الأدب والتاريخ والفن؛ فقد جاءت موضوعات المتن تتحدث عن تاريخ الإيرانيين (الفرس) القدماء منذ نشوء الحضارة الإيرانية حتى العصر الساساني السابق للفتح الإسلامي، حيث اعتمد الفردوسي على المصادر المكتوبة والمصادر الشفهية لتحصيل هذه الموضوعات التاريخية التي صاغها في قالب شعري ملحمي فارسي مميز ومبتكر يُعرف بـ”المثنوي”، إذ يعتبر العلماء كتاب الشاهنامه من الملاحم الأدبية الشعرية التي تحمل معلومات تاريخية واجتماعية تم إلباسها ثوب الخيال والأسطورة مع تغيير بعض الأماكن والأسماء. وتشتهر العديد من نسخ هذه الملحمة بوجود تصاوير ومنمنمات تتخلل متنها لتفسير بعض النصوص والأحداث التاريخية مع تحقيق الغرض الرئيسي منها وهو الحصول على المتعة والمؤانسة أثناء القراءة والاطلاع، والتي تمكننا من التعرف على ألوان الحياة الاجتماعية لمختلف طبقات المجتمع المسلم في حواضر إيران والهند آنذاك؛ وذلك من خلال رسوم العناصر المختلفة في الصور كالأزياء والمفروشات والأدوات المتعددة وغيرها.
وبذلك فإن كتاب الشاهنامه بمحتواه الشعري وما يتخلل نسخه المتعددة من تصاوير يعبر عن علاقة التكامل والتناغم بين الأدب والفن. هذا علاوة على كونه مرآة للمجتمع المسلم في إيران والهند خلال العصور الوسطى.
ويُعد كتاب الشاهنامه من أهم الأعمال الأدبية التي أقبل الفنانون على تصويرها وتزينها بالمنمنمات تحت رعاية الملوك والسلاطين والأمراء والوجهاء في إيران خلال العصور الإسلامية منذ العصر المغولي الإيلخاني ومروراً بالعصور الجلائرية والمظفرية والتيمورية والتركمانية والصفوية حتى العصر القاجاري، وكذلك في الهند خلال العصر المغولي (التيموري). ولذلك تعتبر نُسَخ مخطوطات الشاهنامه المصورة –المحفوظة بدار الكتب المصرية وفي المتاحف والمكتبات والمجموعات الفنية في العالم- من أهم المخطوطات التي يتضمن متنها تصاوير توضح الأساليب والخصائص الفنية لمدارس التصوير الإسلامي في إيران، وأيضا بعض أساليب المدرسة المغولية في الهند، وكذلك توضح بدقة كيفية تطور هذه الأساليب الفنية من مدرسة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر ومن مكان إلى آخر بتوجيه من الحكام والرعاة مع ابتكار وبراعة المصورين في إرضاء رغبات هؤلاء الرعاة من خلال صياغة الأساليب الفنية المحلية مع التأثيرات الفنية الوافدة في قالب فني مميز.
وبذلك فيمكننا القول أن تصاوير مخطوطات الشاهنامه وحدها تكفي لتحديد ورصد المميزات الفنية الأساسية لمدارس التصوير الإسلامي في إيران والهند خلال العصور الإسلامية، وتحديد الاختلافات الفنية بين هذه المدارس وكيفية الانتقال والتطور في تصميم الصور ورسم عناصرها المختلفة بين مدرسة إلى أخرى ومركز فني إلى آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشاهنامه

الشاهنامه
(بالفارسيةشاهنامه)‏  تعديل قيمة خاصية (P1476) في ويكي بيانات
Shahnameh3-1.jpg

منمنمة تصور المعركة بين نوذر وأفراسياب‬‎  تعديل قيمة خاصية (P18) في ويكي بيانات


المؤلف أبو قاسم الفردوسي  تعديل قيمة خاصية (P50) في ويكي بيانات
تاريخ النشر 1000  تعديل قيمة خاصية (P577) في ويكي بيانات
النوع الأدبي ملحمة،  وأدب ملحمي  تعديل قيمة خاصية (P136) في ويكي بيانات
ويكي مصدر  شاهنامه  – ويكي مصدر

الشاهنامه ملحمة فارسية ضخمة تقع في نحو ستين ألف بيت، من تصنيف أبو قاسم الفردوسي المتوفى 329 هـ ، و«تُعتبر أعظم أثر أدبي فارسي في جميع العصور».[1]

نظمها الفردوسي للسلطان محمود الغزنوي مصوراً فيها تاريخ الفرس منذ العهود الأسطورية حتى زمن الفتح الإسلامي وسقوط الدولة الساسانية منتصف القرن السابع للميلاد. نقلها إلى العربية، نثراً، الفتح بن عليّ البُنداري المتوفى 643 هـ.

تعريف

كان نوح بن منصور الساماني، وهو من أمراء بنو سامان التي كانت تحكم ما وراء النهر، أول من اقترح نظم الشاهنامه، وبدأ الشاعر أبو منصور الدقيقي بنظمها لكنه قتل فأتمها الفردوسي، بعد إشارة من السلطان محمود الغزنوي.[2] وقيل أنه سلخ في نظمها خمساً وثلاثين سنة.[1]

النظم في أقسامها الأولى محشوة بالخرافات، حافلة بالخوارق. أما في أقسامها الأخيرة التي يستعرض فيها الفردوسي تاريخ ملوك الفرس منذ عهد أردشير مؤسس الدولة الساسانية؛ فإن الأحداث والأخبار التاريخية تقترب من الحقيقة، وتعتمد التوثيق، وتتقيد بالتسلسل الزمني.[3]

يقول المستشرق بروكلمن في كتابه «تاريخ الشعوب الإسلامية»: «والواقع أننا نقع في الشاهنامة على روح الأسلوب الملحمي الفارسي في قمة اكتماله، وأنها تتكشف برغم نمطيتها ورتابتها عن عبقرية شعرية رائعة».[4]

الترجمة العربية

أمر الملك المعظم بن الملك العادل الأيوبي، أمر الفتح بن علي البنداري الأصفهاني بترجمة الشاهنامه إلى اللغة العربية، فنقلها نثرا بين جمادى الأولى سنة 620 هـ وأتم الترجمة في شوال 621 هـ ، وهي الترجمة العربية الوحيدة للشاهنامه.[5] حققه المصري عبد الوهاب عزام على خمس مخطوطات واحدة في برلين، وأخرى في كمبرج ، ونسختين في طوب قبوسراي ، والخامسة في مكتبة كوبرلي، وأعتمد نسخة برلين الأصل، كونها أتم النسخ. وطبعت في مجلدين بالقاهرة سنة 1350 هـ.[6]

ترجم البنداري الشاهنامه ترجمة شبه كاملة في أسلوب غير متكلف، وبيانه في جٌملته، ليس مسفا ولا عاليا. ويقول المحقق عبد الوهاب عزام أن البنداري يّسر الترجمة «وأوجزها فقرّب له حوادث الكتاب. وأحسب أن القارئ العربي، بهذه الترجمة، أقدر على الإحاطة بقصص الشاهنامه من القارئ الفارسي».[7]

الطبعات

نشر المستشرق يوليوس فون مول نص «الشاهنامه» للفردوسي في ست مجلدات (باريس، 1838 – 1866 م) ثم نشر باربييه دي مينار مجلداً سابعاً في 1878 م. ثم ترجم مول «الشاهنامه» إلى الفرنسية، في ست مجلدات من الحجم الصغير وزود هذه الترجمة بمقدمات و تعليقات وفيرة.[8] وقد وصف عزام هذه الطبعة بأنها «أعظم طبعة للشاهنامه عرفت في العالم كله»
.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة