تجليات خيال المبدع الأديب و التشكيلي السوري #صبري_ يوسف Sabri Yousef..عن راقصة الفلامنكو #كبرئيلة_ كوتارا ..سوسنة معبَّقة بشهوةِ المطرِ ..– من كتاب تجليات الخيال – الجزء الثاني..

لا يتوفر وصف للصورة.
لا يتوفر وصف للصورة.

راقصة الفلامنكو كبرئيلة كوتارا سوسنة معبَّقة بشهوةِ المطرِ

إيقاعُ رقصها متناغمٌ معِ بهجةِ القلبِ والرُّوحِ

كبرئيلة غوتارة

(21)

الرَّقص أحد أجمل فنون تجلِّيات الرُّوح والجسد؛ خاصّة عندما ينبع من أعماق الرُّوح والخيال ووهجِ الجسد وكأنّه يطيرُ، ويحلِّق في السّماء؛ شوقًا إلى أبهى التّجلّيات. تبهرني رقصة السّالسا، والتّانغو، والباليه، والسّامبا، والفلامنكو؛ هذا الرّقص المدهش في تجلّيات شموخه وإيقاعاته، والكثير الكثير من الرّقص شرقًا وغربًا، أتوقّف مليًّا في انبعاثات هذا النَّصِّ عند الرَّاقصة السُّويديّة من جذور اسبانيّة غجريّة الفنّانة كبرئيلة كوتارا؛ حيث أنّني في إحدى ليالي ستوكهولم الزَّاخرة بالرّقص، وفيما كنتُ أشاهد عرضًا لرقصِ الفلامنكو على مسرح دار الرّقص ضمن فعاليات ستوكهولم عندما كانت عاصمة أوروبا للثقافة، وكنتُ أحد أعضاء منظِّمي ومعدِّي هذه العروض الموسيقيّة والغنائيّة والفنِّيّة المتنوّعة، برفقتي الشَّاعر السّعودي الرّائع أحمد كتّوعة؛ صاحب ديوان: “كرة صوف لُفَّتْ على عجل”، كنّا مشدودَين إلى فتحِ السِّتار، بهدوءٍ افتُتِحَ ستار المسرح على الرَّاقصة الغجريّة كبرئيلة كَوتارا، يرافقها فرقة مصريّة وهنديّة وراقصة مصريّة، كنتُ قد هيَّأتُ صديقي على أنّه سيشاهدُ عرضًا للفلامنكو لن ينساهُ أبدًا، عرضًا له علاقة بتجلِّياتِ الرُّوحِ وهي في أوجِ انتعاشاتها. بدأت كبرئيلة بالرّقصِ على إيقاعاتِ الموسيقى، كان يذهلني كيفية لملمة فستانها المتدلّى خلفها ورفعه في الهواء بطريقةٍ إيقاعيّة ترافقُ حركة الرّقص، فتغدو كفراشةٍ مبهرةٍ منبعثة من كنفِ الغسقِ في صباحٍ مكلَّلٍ بأغاني فيروز. شعرتُ وكأنَّ رائحة البخور تعبقُ في أجواءِ المكان، انتابتني غيرة إيجابيَّة ممزوجة بالمحبّة والإعجاب العميق بما تقدِّمُهُ من عروضٍ رائعة، ترقى إلى مستوى الغيرة المحفّزة على تقديم أبهى ما لدى الإنسان من عطاءٍ مكلَّلٍ بينابيعِ الصَّفاء!

فيما كنتُ أشاهدُها، اعتراني رغبة حلميّة أن أصعدَ إلى المسرحِ وأتحوّلَ بقدرةٍ ما إلى فراشةٍ وأحطَّ على جبينها المرفرفِ فوقَ قممِ الجبال. حلمْتُ في تلكَ اللَّحظات لو كنتُ راقصًا جامحًا أراقصها على إيقاع الفلامنكو؛ لعلِّي أتطهّرُ قليلًا من التَّكلُّسات المتراكمة حولَ خاصرةِ الرُّوح. كبرئيلة كوتارا سوسنة معبّقة بشهوةِ المطر في صباحاتِ نيسان، فرحٌ منبعثٌ من حبقِ السّماءِ، إيقاعٌ متناغمٌ معَ بهجةِ القلبِ والرّوحِ، تُشبهُ مرجًا مغطّى بأهزوجةِ الحلمِ الآتي، هطلَ الفرحُ علينا، غيمةً ماطرةً على مرافئ اللَّيل. أمسكْتُ قلمي وبدأتُ أكتبُ شعرًا من وحي تواصلي الاشتعالي معَ بهاءِ الحضورِ. فجأةً، وجدْتُ غمامةً بيضاء تعانقُ بهجةَ المسرحِ، عبرَتْ سارة كوتارا فضاءَ المسرحِ كأنّها حمامة ترفرفُ حولَ وهجِ الانبهارِ، شقيقتان متعانقتان معَ خمائلِ غيمة حبلى بدفءِ السّنين. التفَتَ “كتّوعة” نحوي قائلًا: كنّا مسترخيَين تحتَ تماوجاتِ رذاذاتِ الحنين المتناثرة من أجنحةِ كبرئيلة فوقَ بسمةِ اللّيلِ، فدخلَتْ سارة بعذوبةٍ معبّقةٍ بأريجِ التِّينِ، رقصٌ متعانقٌ مع دمعِ اللَّيلِ، يطلقان صوتًا على إيقاعِ الرَّقصِ، رأسان شامخان مثلَ عنفوانِ الجبالِ. طرنا فرحًا وكأنّنا نشاهدُ حلمًا منبعثًا من غمامِ الأساطيرِ، كم كانَ العرضُ مبهجًا للروح! أهلًا بتجلِّياتِ الإبداع.

قفزَت ذاكرتي إلى لقاءاتٍ سابقة مع هذه الرّاقصة المدهشة في أدائها البهيج؛ فقد التقيتُ بكبرئيلة وأمّها “هيلينا” وأختيها؛ “سارة، ولاريسا”، أتذكَّرُ كيفَ استرعى انتباهها عودي في إحدى لقاءاتنا، فسألتني كبرئيلة فيما إذا أعزف على العود وأغنِّي؟ ما كنتُ آنذاك أعرفها جيّدًا، طلبَتْ منّي في إحدى الاستراحات في مركز الفلامنكو الَّذي تشرفُ عليه، وتدرِّب الشُّبان والشّابات على الرَّقصِ، أن أعزفَ لها بعض الأغاني الَّتي أجيدُها؛ لعلَّها تجدُ ما يناسبُ إيقاع الفلامنكو الّذي ترقصُ عليه. شعرْتُ بالإحراج قليلًا، ثمُّ أردفتُ قائلًا: أنا مجرّد هاوٍ للموسيقى والغناء، أعزف وأغنّي بعض الأغاني الشَّعبيّة الفولكلوريّة الخفيفة، فقالت: أصلًا أنا أبحث عن هكذا نوع من الموسيقى والغناء. بعد دردشة هادئة، استطاعت أن تقنعني كي أعزفَ لها ما يمكن عزفه، فأمسكتُ عودي وبدأتُ أقدِّمُ لها مقاطع من بعضِ الأغاني الَّتي أحبُّها، وفيما كنتُ في غمرةِ العزفِ والغناءِ، جنحْتُ نحوَ الأغاني الغجريّة القديمة الّتي تعلَّمتها من خلالِ تواصلي مع عوالمِ الغجر، سررْتُ لهذا النّزوع الغجري المستوحى من هناك، من أقصى الشَّمالِ الشَّرقي من خصوبةِ الرُّوح، نعم، غناء غجري ذو حميميّة دافئة، يتميّز بالصّخب وعلوِّ الصَّوتِ وذو إيقاع راقص، والفلامنكو يرتكز أصلًا على الإيقاعِ الصّاخبِ السَّريع.

كانت تسمعُ بتركيزٍ مرهفٍ إلى موسيقاي وهي جالسة على كرسي، تدندنُ وتصفّقُ على الخفيفِ وتدقُّ أقدامَها على الأرضِ برتمٍ رائعٍ ترافقُ موسيقاي، وفجأةً، وجدتُها تقفُ على قدميها تموجُ على إيقاعِ موسيقاي مثلَ موجةٍ بحريّة هائجة، ما كانت ترتدي لباس الرّقصِ ولا حذاءَها الخاص بالرّقص، رافقتني بحدودِ خمس دقائق تقريبًا، ثمَّ توقّفتْ حالما خرجتُ عمَّا كان يناسبُ إيقاعها، فتوقّفتُ أنا أيضًا، ثمَّ عانقتها، شعرْتُ أنّني أعانقُ نداوةَ اللَّيلِ، وأحلِّقُ نحوَ الأعالي، ابتسمَتْ لي موجات البحر، وكأنِّي في حلمٍ شفيف يتعانقُ معَ نسيمِ الصَّباحِ، فرحٌ من نكهةِ النَّارنج غمرَ روحي، هل من المعقولِ أن ترقصَ كبرئيلة غوتارا على إيقاعِ أغنياتي وموسيقاي؟! اقترحَتْ عليَّ أن أقدّمَ الأغنيتين اللَّتين رقصَتْ على إيقاعهما في عرضها القادم، وقالت:إنَّهما أغنيتان مناسبتان للفلامنكو، وأستطيعُ أن أرقصَ على إيقاعهما، فهل تريدُ أن ترافقني في الحفلة القادمة الّتي سأقدِّمها هنا في مركز تدريبي؟ أفرحني اقتراحها؛ بل أنعش فؤادي، وافقتُ من دونِ أي تردُّد؛ لأنّها أبهرتني، همسْتُ في سرّي: أنا عاشق الشِّعر إلى حدِّ الاشتعالِ، هل من المعقولِ أن أتحوّلَ إلى عازفِ عودٍ ترافقُ موسيقاي ولو لخمسِ دقائق أوَّل راقصة فلامنكو في اسكندنافيا؟!

انشغلتْ كبرئيلة مع بعضِ ضيوفها، تقدّمَتْ أمّها “هيلينا” نحوي وقالت لي: إيَّاك لو طلبَتْ “كابي” منكَ أن تعزفَ لها في حفلتها القادمة ولا تأخذ حقّكَ منها بالكامل؟ فقلتُ لها عن أيِّ حقٍّ تتحدَّثين؟! فقالت: عن حقِّ عزفكَ؟ رفعتُ يدي وحرّكتها بطريقةٍ تعني: اتركينا من الفلوس الآن؟! هزّتْ رأسها قائلةً: أنتَ بحياتكَ لن تنجح كموسيقي ومغنٍّ، فقلتُ لها: ومَن قال لكِ أنّني أفكِّرُ أو أحلمُ أن أكونَ موسيقيًّا ومغنّيًا ناجحًا؟! أنا شاعر وأريد أن أكونَ شاعرًا حرًّا منعتقًا من كلِّ القيودِ، فقالت: حتّى في الشِّعرِ لن تنجحَ كشاعرٍ طالما تحملُ هكذا تفكير. ضحكْتُ وهززْتُ رأسي، ابتسمتْ وهمستْ لي سرًّا يصبُّ في مرافئ القصيدة. جاءت كبرئيلة وقالت: عن ماذا تتحدّثان؟ فقالت أمُّها: نتحدّثُ عنكِ وعن عروضِكِ؟ فقالت: عن أي شيء تتحدَّثان بالضّبط؟ عن الثّمن الّذي سيتقاضاه صبري لما سيقدِّمه في عرضِكِ القادم، قالت كبرئيلة: طيّب كم تريدُ أجر عزفك لمدّة خمس دقائق في عرضي القادم؟ تمعّنتُ في بريق عينيها وقامتها الشّامخة شموخَ القصائد، قائلًا لها: لا شيء يا عزيزتي، كفاني أن أتمتَّع في عرضِكِ الجميل. نظرَتْ إلى أُمِّها، غمزتْها وكأنّها تعني أنّها حقَّقتْ ما تريده، ثمَّ فتحَتْ يديها وعانقتني عناقًا حميمًا كأنّهُ منبعثٌ من رحابِ حنينِ بهجةِ الحرفِ ووهج انبعاثِ الشِّعر، قبّلْتُ خدّهَا الأيسر وأرجَح الظَّنّ قبَّلْتُ جبينها المتماهي معَ شموخِ الجبال!

همسَ كتّوعة إليّ وهو مذهول بما يراه، عرضٌ رائع جدًّا، إيقاعٌ منعشٌ. كانت كبرئيلة تملأ المسرحَ فرحًا، شعرْتُ أنَّ قسطًا من أحزاني قد تبدَّدَ، وقسطًا من غربتي عبرَ شقوقَ اللَّيلِ، وقسطًا من فشلي في الحياة قد انزاحَ جانبًا، وراودني أنَّ صديقي أحمد كتّوعة ربّما يكتبُ أيضًا نصًّا من رحمِ تجلّياته الانتعاشيّة فيما يراه. سألتُهُ بنوعٍ من الدُّعابة، فيما إذا تستطيع كوتارا أن تسقطَ بحركةٍ من حركاتِ فستانها وهي تتراقصُ مثلَ فراشةٍ عاشقة وزارةً من وزاراتنا؟ ضحكَ قائلًا: قُلْ وزارات؛ بل حكومة برمَّتها! ضحكتُ أنا الآخر، وشعرْتُ بفرحٍ عميق، هامسًا لروحي المنتعشة من بهجةِ الحضورِ: هل من المعقولِ أن تكونَ هذه الرَّاقصة الغجريّة المائجة أمامي الآن، مثل بحرٍ هائجٍ بوهجِ العشقِ، كانت تتمايلُ أمامي منذُ أسابيع، ترقصُ على تماوجاتِ إيقاعي الغجري؟! .. فرحٌ يزدادُ تلألؤًا في سماءِ الرُّوح!

 ستوكهولم: (27/ 11/ 2006) صياغة أولى.

(17/ 9/ 2019) صياغة نهائيَّة.

 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نبات‏‏ ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏ لا يتوفر وصف للصورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Sabri Yousef‎‏‏، ‏‏‏نظارة‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏

اسم المؤلِّف: صبري يوسف.

عنوان الكتاب: تجلِّيات الخيال.- الجزءالأوَّل.– مقالات نصوص أدبيَّة.- الطَّبعة الأولى: ستو كهو لم (2020م).

الإخراج،التَّنضيد الإلكتروني،والتَّخطيطات الدَّاخليّة : (المؤلِّف).- تصميم الغلاف:الفنّان التّشكيلي الصَّديق جان استيفو.- صور الغلاف:للأديب التَّشكيلي صبري يوسف.- حقوق الطَّبع والنَّشر محفوظة للمؤلِّف.

دار نشـر صبري يوسف – sabriyousef56@hotmail.com

Sabri Yousef – (محررمجلةالسلام)

اسم المؤلِّف: صبري يوسف.
عنوان الكتاب: تجلِّيات الخيال.
الجزءالثَّاني.
مقالات ونصوص أدبيّة.
الطَّبعة الأولى: ستوكهولم (2020).
الإخراج،التَّنضيد الإلكتروني،و التَّخطيطات الدَّاخليّة: (المؤلِّف).
تصميم الغلاف:الفنّان التّشكيلي الصَّديق جان استيفو.
صورالغلاف:للأديبالتَّشكيلي صبري يوسف.
حقوق الطَّبع والنَّشر محفوظة للمؤلِّف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نبات‏‏

مقدِّمة

صبري يوسف في فردوس الخَيالِ الكونيِّ الخلَّاق

 د. أسماء غريب

كلُّ مَنِ اخْتارَ الحرفَ رفيقًا لرحلةِ الحياة القصيرة جدًّا، يعرفُ جيِّدًا ما معنى أنْ تُصبِحَ الكلمةُ خبزَهُ اليوميّ، ويعرفُ أيضًا كيف أنّها حقيقةٌ لا مجاز، النّجمةُ التي تُضيء كلّ عتمةٍ أو ظلامٍ قبل الخُلود إلى سرير السّرّ. ولأنّني مِن أهل الأبجديّةِ؛ فلا بدَّ للحروفِ أنْ تَصحَبني كلَّ يومٍ إلى أن أستسلمَ لسُلطانِ الموتِ الأصغر؛ وذلكَ لأنّي بهَا أكشِفُ العديدَ مِنْ أسرارِ الكُتُبِ التي اختارُها بعنايةٍ فائقةٍ، ولا بدَّ أن يكونَ للحرفِ المُنَزَّلِ مِنها نصيبٌ، وحينما تكتملُ دورةُ النَّهارِ، ويُقبلُ اللّيلُ ليُضيءَ خلوةَ العاشقين أقرأُ ما تَيَسَّرَ مِن القُرآن، وبضعَ آياتٍ مِنْ كُتب مُقدَّسة أخرى، وقد يحدثُ أيضًا أنْ أقرأَ بعضَ الكُتُبِ ذات الطّابعِ العرفانيّ؛ سواء باللّغة العربيّة أو الإيطاليّة أو الفرنسيّة أحيانًا. وأذكرُ أنَّه في الأيّام الثلاثة الأولى من شهر آذار (2020) وقعَ بَيْنَ يديَّ كتابٌ للسّيّد حسن الأبطحيّ؛ وهو بعنوان (معراجُ الرّوح) (1)، وبينما كنتُ أقرأُ بشغف كبيرٍ حكايتَهُ عن الكمال الإنسانيّ وكيف أنّ الإنسانَ لا يتوقّفُ أبدًا عن الترقّي لبلوغ أعلى مدارج الصّفاء مادامتْ روحُه لا نهائيّة البقاء، لا أدري كيف تذكّرتُ في تلكَ اللّحظة صديقًا آخر لي في الحرف هو النبيُّ النّائم إدغار كايس، كنتُ قد قرأتُ في العام الماضي عن سيرة حياتهِ الكثير، لقد شعرتُ وكأنّي بدأتُ أستوعبُ أكثرَ فأكثرَ بعضَ التفاصيل عن حياة إدغار الرّوحيّة من خلال أحاديث السّيّد حسن عن تجاربهِ المعمَّقة في عوالم الرّؤية والبصيرة والكشف الربّانيّ. ابتسمتُ وأنا أرى عظمةَ الخالق في مخلوقاتِه، وفيْضَ هباته وعطاياه التي يوزّعُها عليهم بدون أدنى تمييز أو استثناء، وقلتُ وأنا أغلقُ كتاب السيّد حسن: لا بدّ لي مِنْ أن أختمَ ليلتي هذه كما العادة بقراءة سورة ٍمن سُوَر القرآن الكريم، وحينما فتحتُ صفحاتِ الذّكْرِ الحكيم، إذا بي مباشرة أمامَ سورة (ق)، بدأتُ أُمعنُ النّظرَ في آياتِها الواحدة تلو الأخرى، وفجأةً، وجدتُني أتوقّفُ عند المقطع الذي يقول فيهِ ربّ العزّة والجلال: ((وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ))، فبدا لي وكأنّني أقرأُ هذا المقطع لأوّل مرّة في حياتي، فقد بزغَ منه نورٌ باهرٌ جَعَلَني أعود للآيات الأولى من السّورة لأقرأَها مرّات ومرّات، وفي كلّ مرّة كانت تتولّدُ أمامي معانٍساميةٌجديدةٌ إلى أنْ تجلّى لي الـ (ق) كما هُو؛ قلبٌ كونيٌّ ضخمٌ يشعّ بالنّور وتتلألأُ كلّ خليّة فيه تلألُؤًا عجيبًا، ويصدرُ منها صوتٌ كأزيز الطّائرات، وكلامٌ قادمٌ من مكان بعيدٍ جدًّا فيه هديرٌ يُشبهُ هديرَ شلّالاتٍ عنيفة من الماء مصحوبة بأصواتٍ تُشْبهُ أصواتَ الأبواق الصّادحة في المطارات، أو داخل محطّات السّككِ الحديديّة وهي تُعلنُ للمسافرين أوقاتَ الذّهاب والإيّابِ، وعلمتُ حينئذٍ أنّ قلبَ الإنسانِ مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بهذا القلب الكونيّ العظيم، الّذي أقسَم الخالقُ بالحرف الأول من اسمه؛ لأنّهُ العرشُ الّذي يتربّعُ عليهِ، ومنه يتنزّلُ الحرفُ والنّبوءة والحكمة ليتخلّقَ العقلُ الوجوديّ الأكبَر المُسمّى بالقرآن الكامل، والّذي منه وبه يتحرّكُ كلُّ كائن فيه روحٌ ليصبحَ من أصحاب الاستعداد الأوليّ لتلقّي تفاصيل الوجود. ومنْ هذا القلبِ الكونيّ وجدتُني أقفُ متأمّلةً باندهاش كبير الصُّورَ التي قرنَ بها اللهُ طريقةَ خلقهِ للسّماء والأرض، وخلقِهِ للإنسان وكيفيّة عودةِ هذا الأخير إلى عالم البرازخ ومنها إلى عوالم الملكوتِ الأكبر، عندئذٍ وجدتُني أقول: ((يا إلهي، كيف يحدثُ هذا؟! هل تريدُ أن تقولَ لي: إنّنا نهطلُ على الأرضِ كحبّات المَطر، ثمّ ندخلُ إلى عمق ترابِ الأرحامِ بذورًا تحمل كلّ خصائصها التكوينيّة، ونظلُّ قابعين في عتمة الاختمار والتّبرعم والنموّ، إلى أن نظهرَ كما تظهرُ النباتاتُ والأزهار والأشجار فوق سطح الأرض لكلٍّ منها مهمّتُها السّامية في الوجود، وحينما تكتملُ دورَتُهَا البيولوجيّة تسقطُ فوق الأرض وتعود ثانيةً في دورة أخرى جديدة؟! أهذا حقًّا ما عنيتَه حينما قُلتَ: “كذلكَ الخروج”؟! إذا كان الأمرُ هكذا؛ فيالكَ يا إلهي من بُستانيٍّ عظيم! واسمح لي أن أقول لكَ: إنّهُ قد اكتملتِ الصّورةُ أمام عينيّ الآن؛ فكلّنا زهرُ الأرضِ ووَردُها، لكلّ زهرة ووردة عطرٌ معيّن، ولونٌ معيّن، وأنتَ ترعى كلّ وردةٍ باستمرار وتسهرُ على نشأتها إلى أن تصلَ بها إلى دار السّلام والأمن والأمان!)) بهذه الفكرة خلدتُ إلى نومٍ عميق وقلبي يُردّدُ قصيدتَهُ التي قُلتُ فيها ذات بوحٍ:

((في البدءِ كانتِ النُّقطَة

وكُنَّا أنتَ وأنا معًا

داخل بيضة فضيّة كبيرة

تتلألأُ بين الأقمار والنّجوم

كُنَّا نُغنِّي

ليتكَ تدري

وكانت بنا لهفة عظيمة

للخروج من العتمة

إلى النّهار المُشِعّ المُضيء

وفجأة، فوق شاشة بحر التّخليق العظيم

رأينا نجمَ الشّمالِ يَحلُم بنا

كان في الحُلم يغنّي

ويرقُصُ بنشوةٍ وسعادة كبيرة

وبقي كذلك لوقتٍ طويل

إلى أن سمعناه يقول ذات فجرٍ:

غدا سأكْسِرُ البيضةَ

فتخرجُ منها المرأةُ

ومن المرأة يولدُ الرّجلُ

ومعًا سيعيشان

ويموتان

ثم يُولدان

ويموتان

ولن يتوقّفا معًا أبدًا عن الولادة

فالموتُ يا أحبّتي

كذبة كبيرة!)) (2)

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

وفي صباح اليوم التّالي، وبينما أنا منهمكة في العملِ على كتابي النّقديّ الجديد عن الأديب صبري يوسف، إذا بي أتذكّرُ سورةَ اللّيلة الماضية (ق)، وتحضرُ أمامي صورةُ البستانِ الإلهيّ والنّاسُ فيه ورود وأشجار وأزهار وكواكبُ ونيازك وأنهار وكائنات أخرى لا تعدُّ ولا تُحصى، ووجدتُني أقولُ هاتفةً وأنا أرى صبري يُواصلُ نشرَ كتاباته عن نجوم ساطعة في سماء الأدب والفنّ على صفحته الرسميّة في الفيسبوك: ((لا شكّ أنّ هذا الرّجلَ استوعبَ درس المطَرِ والخروج بامتياز، إنّه بُستانيّ من طرازٍ رفيع، وكيف لا يكون كذلكَ وهو هنا في الفردوس الأرضيّ ينظرُ إلى كلّ إنسانٍ على أنّه بذرة في طور النموّ والإزهار، وحينما يراهُ قدِ اكتملَ وتوهّجَ بريقُه يكتبُ عنه ليؤرْشِفَهُ في لوحِ الله، حتّى تَطَّلِعَ وتتعرفَّ عليه الأجيال القادمة، وإنّي لأجدُه في عمله هذا يشبه الملائكة المتحدّثِ عنهم في سورة (ق)، يُسجّلُ بماء الذّهب كلّ شيء يخصُّ أهل النّور والحكمة!…))، وقبل أن أختمَ استنتاجيَ هذا إذا بي أجدُ في بريدي رسالةً منهُ يقترحُ فيها عليَّ تحريرَ مقدّمة عن كتابه (تجلّيات الخيال)، فقلتُ في نفسي: ((يا إله الحرف، أيّة مهمّة هذه التي يكلّفُني بها هذا البستانيّ؟! كيف سأقوى على استيعاب كلّ هذا العطر المتدفّق من أبجديّة النّور؟!)).

وضعتُ الكتابَ في قارئيَ الإلكترونيّ، وبدأتُ أتصفّحُ أوراقه بتأمّلٍ شديدٍ، فكان أوّل ما لاحظتُ هو طريقته في اختيار الأسماء التي كتبَ عنْهَا؛ إنَّها كلّها منتقاة من ملكوت الإبداع والفنّ، وهذا الاختيار ليس له سوى مبرّرٍ واحد لا غير: إنّ صبري يوسف يؤمنُ إيمانًا عميقًا بأنّ البتوليّة الحقّة لا تُدرَكُ إلّا عبر الإبداع بكلّ تجلّياتِه وتدفُّقاته في شتّى الميادين الفنّيّة والعلميّة والأدبيّة والموسيقيّة والرياضيّة وما إليها. وإذ أقولُ البتوليّة؛ فإنّي أعني بها حالةَ الاستنارة الكاملة للإنسانِ الحقّ؛ أيْ حالة التحرّرِ من عبوديّة الجسد وجبروتِ العقل المادّي للوصول إلى العروج الكامل نحو سماوات الخيالِ الإلهيّ، ومن هُنا جاء عنوانُه لكتابه هذا (تجلّياتُ الخيال)، فهو لا يعني بها بشكل محدود تجلّياتَ الأدباء والفنّانين الّذين تناولَهُم بالاهتمام والعناية، وإنّما تجلّيات الخيالِ الخلّاق للذّات الإلهيّة العليا التي تكشفُ عن نفسِها بذاتِها عبر مخلوقاتها، وهو الكشفُ الّذي لا يتمّ إلّا عبر الخيال المُطلق اللّامشروط، والتميّز بالوجود الخفيّ من خلال إظهار الذّاتِ بكلّ ممكناتها وأسمائها وصفاتها وأعيانِها الثّابتة، ممّا يعني الانتقالَ من حالة الكمون إلى حالة النّورانيّة والظّهور؛ وذلك لأنّ كلّ العوالمِ التي يراها صبري يوسف هُنا من خلال كتابه هذا هي في الآن نفسهِ مظهرٌ من تمظهرات الحَقّ المتكَشِّفِ في الأشكال، فيكونُ بهذا المحدودَ الذي لا يُحَدُّ، والمرئيَّ الّذي لا يُمكنُ رؤيتُهُ؛ لأنّ هذا الظّهور هو غير قابلٍ للإدراك ولا للتّحقيق بواسطة الملَكَات المحسوسة، والعقلُ البشريُّ يُنكره، ولأجل هذا فإنّ الأسماءَ التي اختارها صبري يوسف في كتابه هذا هي ممّنْ تُبدِع وتكتبُ وترسُم وتلَحِّنُ وتُغَنّي وتُهَنْدِسُ الأشياءَ التي تُملى عليها عبرَ العقل الإلهيّ الخلّاق؛ لأنّ أصحابَها هُم أنفسهم صورةٌ من تجلّي الخيالِ الإلهيّ المحض، ولعلّ هذا هو السّبب الذي يجعلُ صبري يوسف يستخدمُ قاموسًا تعبيريًا لا يخرجُ عمَّا هو سماويٌّ خالص وفردوسيٌّ محض؛ انظر إليه كيفَ يتحدّثُ عن جبران خليل جبران، وزُها حديد والأب يوسف سعيد، ثمّ حبيب موسى وصدر الدّين أمين، هؤلاء كلّهُم من أهل التنوّر والإزهار والبتوليّة الحقّة. وانظر إلى ما كتبهُ عن طاغور مثلًا وسَتَعِي للعُمق أنّ اختياراته ليست بالعفويّة بتاتًا، وإنّما هي مقتطفةً من الفردوس بدقّة شديدة، وليسَ ما يقولُه عن مبدعٍ ما تجدُه عندَ مُبدع آخر، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ إنّ كلّ اسمٍ عند صبري له خصوصيّته وصفاته وبَصْمَتُه التي لا تتكرّرُ أبدًا، لكنّهم يشتركونَ جميعًا في شيءٍ واحد: إنّهُم يسكنون الفردوسَ الإلهيّ، ويتنعّمون بمطره النقيّ البهيّ، ويتجدّدونَ فيه حياة بعد حياةٍ، وإلّا فما معنى أن تكون بينهم عازفة السّيتار الهنديّة أنوشكا شنتر، والأوبراليّة هبة القوّاس، والفنّانة جاهدة وهبة، أليسَ ذلك لأنّ الموسيقى هي اللّغة الرّسميّة للسّماء؟! صبري يوسف يعرفُ هذا جيّدًا، ويعلمُ أنّ الموسيقى كامنة في كلّ العلوم والمعارف الإنسانيّة، وقد قالَ عنْها في أكثر من مقام إنّها: ((هي الحياة بعينها، تُطهِّر الرّوح من منغصّات الحياة، بلسمٌ شافٍ من آهاتِ السِّنين، تناغي القلبَ بأحلام الغد الآتي، تهدهدُ القلبَ بسطوعِ القمر وهو يعانقُ حنينَ عاشقة في ليلةٍ قمراء[…] فالموسيقى صديقةُ حلمه المفتوح على مروجِ الدُّنيا، لا يستطيعُ أن يتصوَّر الكونَ بدونِها، فهو يُسبغُ عبر إيقاعاتها حبورَ الكلمة المنسابة من حنينِ الرُّوحِ إلى فضاءاتِ ذاكرةٍ معبّقة بخيوطِ الشَّوقِ إلى محطّاتِ العمرِ، تنسابُ الكلمة معَ بهجةِ انبعاثِ أنغامِ الموسيقى ضمنَ إيقاعِ تجلِّيات القصيدة وهي تسمو نحوَ أحلام وارفة بوهجِ الانتعاش!)) (3)، نعم؛ فالموسيقى وحيٌ أُنزلَ على الإنسان من سماوات الصّفاء والنّقاء ليُعَرِّفَهُ بخالقه، ويُسْعِفَهُ بلغة جديدة يتواصلُ بها معهُ، تكونُ ترتيلةً من تراتيل الرّوح، وترنيمةً من ترانيم الفؤاد، وحبلًا سرّيًّا يُغذّيه بمصلٍ كونيّ ليس له مثيل. إنّهَا كالعشقِ تُفتّتُ بمائِها الزّلالِ قلبَ الصّخر، وتغسلُ همومَ النّفس وأحزانَها. وكالقنديلِ تطردُ العتمة من وجه النهار، وتفتحُ ذراعَيْها لمعانقة كلّ البشر مهما اختلفت لغاتهم وعاداتهم وانتماءاتهم. إنها الفنّ الذي يُجسِّدُ في أحسن صورة سرَّ الخلقِ والخليقة، وهيَ لهذا لصيقة بأهمّ الحالات والتجارب الرّوحيّة التي يمكنُ أن يمرَّ بها كلّ كائنٍ في حياته؛ وأعني بها تجربةَ العشق، ثمّ تجربةَ الموت والفقد، وكذا تجربة التعرّفِ إلى اللّه، وهي أمُّ التجاربِ كلّها التي منها انطلقَ كلّ شيء (4)، والتي بها دخل الإنسانُ إلى عوالم المعرفة الحقّة، كما فعلتْ كلّ هذه القامات السّامقة التي كتبَ عنها صبري يوسف في كتابه هذا بجزأيْه الأوّل والثّاني بمَن فيها طاغور الّذي كان حينما يأتيه وحيُ الكتابة يُغلق على نفسه في غرفته لأربعة أيّام أو ربّما أكثر، ولا يخرجُ إلى أن تتحوّلَ طاقتُه إلى إبداع نورانيّ خلّاق، يُصبحُ معه وجهُه مُحاطًا بهالة من النّور وجسدُه فوّاحًا بعِطر القداسة، كوردةٍ صوفيّةٍ في فردوس الله، مثله في هذا مثل كلّ هذه الورود التي يقفُ بقُربها صبري يوسف ليعاينَ ألوانَها الخلّابة وجمالَها الآسر، ويقرأَ الحروفَ المرتسمة فوق جبينها، ويسكر بشذا عبيرها الفوّاح، كدرويش يدُور بسرعة البرقِ في فلكِ البهاء إلى أن يدخل حال الغيْبة فيتجلّى لهُ كلّ اسمٍ على حقيقته: نقشًا في خيال العقلِ الكونيّ الذي أظهرَ الوجودَ بسرّ “كُنْ فيكونْ”!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏نبات‏، ‏منظر داخلي‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1)السّيّد حسن الأبطحيّ، معراج الرّوح، ترجمة إبراهيم رفاعة، ط2، دار البلاغة، بيروت، (1993).

(2)د. أسماء غريب، قصيدة (كذبة كبيرة) ضمن ديوان (ڤـتامين سي)، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، (2020)، ص(51-52).

(3)صبري يوسف، حوار مع الذّات؛ ألف سؤال وسؤال، الجزء الخامس، سؤال رقم (425)، دار صبري يوسف، ط1، ستوكهولم، (2017)، ص(32).

(4)د. أسماء غريب، أنا رع، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، (2016)، ص(62).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏بما في ذلك ‏‎Sabri Yousef‎‏‏، ‏‏بدلة‏‏‏‏

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة