حوار مع الذّات.. ألف سؤال وسؤال..الجزء الأول – السؤال من 41 – إلى 50 – للأديب و التشكيلي السوري#صبري_ يوسف Sabri YOUSEF ..

حوار مع الذّات.. ألف سؤال وسؤال..الجزء الأول – السؤال من 41 – إلى 50

للأديب و التشكيلي السوري#صبري_ يوسف Sabri YOUSEF ..

 

  1. ترعرعتَ في بيئة سريانيّة كرديّة أرمنيّة عربيّة، قوميات واثنيات ولغات ومذاهب متعدِّدة، كيف استقبلتَ هذه التَّنويعات القوميّة منذ الطُّفولة، وهل أثّرت في تشكيل شخصيَّتك الإبداعيّة والفكريّة لاحقاً؟

بكلِّ تأكيد أثّرت فيَّ هذه الاثنيات والقوميات المتعدّدة تأثيراً إيجابيّاً عميقاً، وأصبحت ثقافتي متشرّبة بهذه الثَّقافات فكريّاً وفنِّيَّاً وموسيقيّاً وأدبيّاً، ويسرّني جدَّاً أنّني أنتمي لهذه الثّقافات ومشبّع بكلِّ تنوّعاتها، وكان لهذه التّشرُّبات الثَّقافيّة المتنوّعة بكلِّ اثنياتها وقومياتها دورٌ كبيرٌ في توجيه أنظاري نحو العمق الإنساني، لهذا أراني غير متعصّب لقومٍ دون آخر، وأنظر إلى هذه التَّنويعات الاثنيّة والقوميّة كأنّها جزء من رؤاي وتطلُّعاتي وآفاقي العامّة في الحياة؛ لهذا ظللت منذ البداية حتَّى الآن ضدّ أي قوم من هذه الأقوام لو كان ضدَّ قوم آخر، حتّى ولو كان من قومي، بمعنى لا أريد لأيّة شريحة أو قوميّة أو اثنيّةأن تلغي شريحة أو قوميّة أو اثنيّة أخرى، وأنظر إلى كافّة الأقوام كأنّهم قوم واحد بتسميات مختلفة، من منطلق أنَّ الإنسان هو إنسان، لكن شاءت ظروف الحياة على مرِّ التّاريخ البشري أن يتحوَّل إلى أقوام وملل وشعوب واثنيات متعدّدة، وبرأيي يجب أن يبقى البُعد الإنساني هو الأساس لعلاقات الشُّعوب مع بعضها بعضاً بمختلف أنواعها وقومياتها ومذاهبها وأديانها، ومن جهتي هو المحور الأساسي الَّذي أشتغل عليه وأتبنَّاه من خلال طروحاتي وتوجُّهاتي وكتاباتي في أغلب قضايا الحياة، فشخصيّتي مجنّحة نحو أقصى مرافئ السّلام والوئام والوفاق بين البشر في دنيا الشَّرق وفي دنيا الغرب على حدٍّ سواء، وكل مَن يتابعني على مدى عقود من الزَّمان، منذ أن كنتُ في الوطن الأمّ وعبر كافّة مراحل اغترابي الَّتي تجاوزت ربع قرن، يراني مركّزاً على أهمِّيّة تواصل المجتمع الشَّرقي مع كلِّ قومياته واثنياته بشكل ديمقراطي وحضاري وإنساني، بعيداً عن إقصاء أي طرف لطرفٍ آخر مهما كانت نسبة الأقوام والشُّعوب، حتَّى ولو كان قوم ما من القوميات بضعة آلاف أو مئات الألوف؛ كي يتمَّ الاستفادة من إمكانيات كلّ الطّاقات البشريّة لصالح الأوطان ورفع وتائر البنية الاجتماعيّة والثّقافيّة نحو الأفضل، من خلال انتفاء الصِّراعات بين الشُّعوب لخلق حالة صحّيّة وئاميّة حضاريّة، أساسها المواطن ــ الإنسان، ثمَّ التّواصل مع المجتمع الغربي بطريقة صحّيّة طبيعيّة وئاميّة إنسانيّة، وخلق جسور تعاون ومحبّة وسلام وحوار للوقوف في وجه الحروب والدَّمار والكوارث الطَّبيعيّة والبشريّة الَّتي تخيّم علينا في دنيا الشَّرق، وفي الكثير من بقاع العالم، ومن العار والغباء البشري أن يحارب المرء في سماء الشَّرق وفي أيّة بقعة جغرافيّة لمدّة ساعة واحدة بسبب الخلافات الاثنيّة والقوميّة والمذهبيّة والطّائفيّة والدّينيّة، وعلينا أن نستخدم العقل والحكمة والحوار في حلِّ مشاكل البشر، وليس حلّها عبر فوّهات المدافع والدّبّابات والطَّائرات؛ إذ لا يوجد أي طرف من الأطراف المتصارعة والمتحاربة يربح في أيِّ حرب، فكلُّ الأطراف تخسر بنسبٍ معيّنة، ولا بدّ لأيِّ صراعٍ حتّى ولو استمرَّ قروناً إلَّا ويؤدِّي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات والسَّلام بين الأطراف المتصارعة، فلماذا تتحارب هذه الأطراف ولا تتفاهم مع بعضها منذ البداية دون أن تهدر دم طفل واحد؟! ولو طبّقنا هذه الرُّؤية في دساتيرنا، لما تمّ اغتيال بني آدم واحد في الشَّرق ولا في أيّة رقعة جغرافيّة أخرى في العالم!

  1. تحدَّث عمّا بقي عالقاً في الذَّاكرة الطُّفوليّة من مناسبات الأعياد؟!

أجمل وأروع وأبهى الذُّكريات الّتي ظلّت محفورة في الذَّاكرة البعيدة، مناسبات الأعياد، وحفلات الزَّفاف، ورأس السّنة، وهي خزين بديع للكتابة والصَّداقة والبراءة والفرح والحنين إلى بهجة الأحلام البعيدة!

ترتسم أمامي صباحات الأعياد، كنّا ننهضُ من النّومِ بشغفٍ كبير، نتناول الفطور ثمَّ نلتقي عندنا في البيت أنا وابن عمّي شكري وابن خالي جورج، نحمل أكياسنا النّايلون الشَّفَّافة، ثمَّ نبدأ بمعايدة البيوت بيتاً بيتاً في عيد رمضان، نعيّد أوَّلاً الجيران المستأجرين في حوشنا، وننتقل إلى شارعنا، كانت خالة أمينة أم فرمان جارتنا تستقبلنا ببشاشة، وأحياناً كانت تبوسني قبل أن تقدَّم لي حصّتي من العيد، نأخذ سكاكرنا ونضعها في أكياسنا بفرحٍ كبير، كم كانت فساتين الصَّبايا بألوانها الرّبيعيّة المملوءة بالورودِ جميلة، والصَّبايا أكثر جمالاً، نحصل على السَّكاكر والملبّس والرَّاحة نفسها، وكان دارجاً نوع من السّاكر يطلقون عليه بالكرديّة: “شَكْريه قلوقلو” وكانت هذه السَّكاكر حمراء وبيضاء على شكل حلقة، وبعضها كان مثل السَّكاكر العاديّة، وبعضها كان طولانيّاً، وأجملها الَّتي كانت على شكل حلقة؛ لأنّها كانت أكبر، غالباً ما كنتُ آكل هذه السّكاكر حالما أخرج من المنزل الّذي يعطيني إيّاها، إلى أن أشبع منها.

كان سكّان حارة ديريك العتيقة الَّتي نسكنها يتعاملون معنا ببشاشة، ويعطوننا العيدانيّة برحابة صدر، لكن بعض البيوت في الحارة الأبعد، القريبة من عين العسكريّة وبيت “بيره كلي” كانوا يستقبلوننا ببشاشة أقل، ويتعاملون معنا كغرباء إلى حدٍّ ما، وأحياناً كنّا نصادف بعض البيوت يقولون لنا “عيد خْلاصْ” أي انتهى العيد، فكنتُ أدافع عن حقِّنا في المعايدة وأقول: لا العيد لم ينتهِ بعد، ما زلنا في بداية النّهار، ولم ينتصف النَّهار، فكيف انتهى العيد؟ ها هم الأطفال الّذين أعطيتهم العيدانيّة الآن، وبعد محاورة وإصرار على منحنا العيدانيّة، يدخل أحد كبار السّن على الخطّ ويقول:شو قصّة الأطفال، فأدخل على الخط قبل أن يجيب أحد المراهقين: خالو يقول لنا هذا الشَّاب أنَّ العيد انتهى فهل انتهى العيد؟! فيجيبني العجوز والبشاشة مرتسمة على وجهه: لا عيني العيد لم ينتهِ، ثمَّ يطلب من “كابانيّة” البيت أي سيّدة البيت أن تقدّمَ لنا سكرة من كلِّ نوع ويقول: أهلاً وسهلاً، ولكن القسم الأكبر كانوا يعطونا عيدانيَّاتنا بكلِّ سرور؛ لأنّهم ما كانوا أصلاً يميّزوننا عن الكرد، نعود بعد جولة طويلة وأكياسنا النّايلون مملوءة بكلِّ أنواع السّكاكر وبعض أنواع البسكويت المحشي، نعدّ سكاكرنا بفرحٍ ثم نخبّئها؛ كي نتناولها على مدى أسابيع!

وفي أعياد الميلاد والفصح كنّا نعايدُ بيوت الأهل أولاً، ثمَّ نعايد بيوت المدينة بيتاً بيتاً، نحصل على كيس كبير من السَّكاكر والكراميلّة والرّاحة وبعض النّقود، غالباً كانت فرنكات، نعود بعد رحلة طيّبة وقلوبنا غامرة بالفرح والبهجة، تستقبلنا أمّهاتنا وهنَّ ينظرن إلى سكاكرنا فرحات وقائلات: ما شاء الله؛ لمَّيتم كمِّيّة كبيرة من السَّكاكر والكرميلّة والرّاحة تكفيكم لأسابيع، ثمّ أفرش سكاكري وأفرزها، ثمّ أضعها في ركنٍ من أركان البيت، وآكل منها كل يوم بضع سكاكر، أشعرُ أنَّ نكهة حلاوتها اللّذيذة ما تزال تفوح من فمي!

  1. كيف كنتَ بصحبة رفاقكَ تقومون بمعايدة احتفالات رأس السّنة؟

آنذاك كنتُ أستقبل رأس السّنة بفرحٍ كبير، نجهّز ترتيباتنا أنا وشكري وجورج قبل رأس السّنة بأيَّام، نصمِّم لنا قبّعات ورقيّة ملوّنة ومدبّبة من الأعلى، ونشتري “شيكو بيكوات”، أقنعة مناسبة لكلِّ قبّعة من قبّعاتنا، ونرتدي ثياباً بطريقة نخفي شخصيَّاتنا بحيث لا يعرفنا أصحاب البيوت الّذين كنّا نعايدهم، ومنهم من كان يعرفنا من خلال أصواتنا، كنّا نقدّم في افتتاحيّة المعايدة الأنشودة التَّالية المعروفة بهذه المناسبة:

“دام ودام كيسكي قدام

سري ساله بني ساله خدي بدي كابانيا مالي

دف زيرينيه دستي خا بافيش كلينيه بحرا قردك فردا بيني”

الترجمة بتصرف:

تدوم وتدوم الخيرات

في رأس السّنة ونهاية السّنة الله يعطي الخير لسيّدة البيت

يا صاحبة الفم الذّهبي اجلبي الحلويات وقدّميها للمهرّجين

كنّا نردّد هذه الأنشودة في بيوت الأكراد والمسيحيين أيضاً، حيث كانت تحمل معاني بديعة في استهلال المعايدة، ثمَّ كنّا نقدّم عروضاً أشبه ما تكون عروضاً خطابيّة لمعايدة أهل البيت الّذي نعيّده، ثمَّ نغنّي ونرقص في الوقت نفسه، وأحياناً كان بعض الفتيات والشُّبّان يمسكون بأيدينا ويرقصون الدّبكات الّتي نرقصها، وكنّا نفرح وننسجم مع الجوّ، ونبقى بحدود (5) دقائق إلى (10) دقائق وتصبح فقرتنا الَّتي نقدّمها جميلة، وبعض الأحيان كان أحدهم يطلب منّا إعادة العرض ويقول: سنعطيكم هديّة المعايدة ضعف ما خصّصناه لكم، فكنّا نغنّي أغاني جديدة، ونرقص من جديد، ويتحوّل العرض إلى دبكة عن حق وحقيقة، وكنت أمسك في رأس الدَّبكة والجوّ في غاية البهجة والفرح كأنّنا في بيوتنا، نتلقّى هديتنا وغالباً ما تكون فلوساً، وأحياناً فواكه وحلويات، وكنّا نفضّل أن تكون الهديّة فلوساً!

كان تركيزنا على بعض البيوت وليس على كلّ بيوت المدينة؛ لأنّ الوقت ما كان يسعفنا، نحدّد البيوت الّتي نرى أنّهم سيقدّمون لنا هدايا ثمينة، وأتذكّر أنّنا استمرّينا نقوم بمعايدة البيوت في رأس السّنة حتَّى أصبحت في الصَّف الحادي عشر أدبي، أثناء ذلك كنت أعتمد على معايدة البيوت بكلمة خطابيّة ارتجاليّة، فكان يلاحظ أهل البيت أن وراء هذه الشّخصيّة إنساناً مثقَّفاً وليس مجرّد مراهقين يرقصون، ثمّ  نبدأ فقرات الغناء والرّقص، وقد أعجب أحد الشّباب بما قدّمته فأعطاني (5) ليرات سورية في ذلك الحين، ولكثرة الهدايا خصّصنا حقيبة بالكتف للفواكه والحلويات والجوز والبندق والكستناء. تبدو لي تلكَ الأيام وسهرات رأس السَّنة من أجمل أيَّام حياتي، خاصّة عندما كنّا نرقص مع أهل البيت ويعطونا مبلغاً كبيراً من الفلوس والهدايا، نخرج والفرحة تغمرنا، ونعود إلى بيوتنا محمَّلين بالهدايا والبهجةِ والحبور!

  1. كيف تنظر إلى محطّات العمر، الطُّفولة، الشَّباب، مراحل العمر على مدى عقود من الزّمن؟

أنظر إليها بحسرة حارقة؛ لأنّها مرّت من حياتي أولاً؛ ولأنّني لم أعشِها كما يستهويني العيش ثانياً، ولم أحقِّق أهدافي وطموحاتي الّتي كنت أتمنّى لو حقَّقتها. كلّما أنظر إلى محطّات عمري، أبكي ثمَّ أبكي وأبكي، بكائي بكاءٌ غير مرئي، تنسابُ دموعي نحو شواطئ القلب مباشرةً وتغفو فوق منارةِ الرُّوحِ، نحن الآتون من ديارِ الانتحارِ، لا نعرف كيف نعيشُ بهاءَ الحياةِ، ولا نعرف ماذا تعني الحياة، نحملُ فكراً أُحاديّاً ممجوجاً ومجبولاً بالشّقاءِ، فكراً تسلُّطيّاً أقرب من الغيبيات منه إلى وقائع الحياة، نحملُ فكراً غوغائيّاً رتيباً جافّاً غائصاً في كوِّةٍ مفتوحةٍ على متاهةِ المتاهاتِ، فكراً بعيداً كلّ البعد عن مسار أولى أبجدياتِ الحياةِ، فكراً مخروماً محصوراً بجانبٍ واحدٍ، كأنّنا خارجَ الزَّمنِ، نعيشُ في شرانق مغلقة خارج تنوير الحياة، لا نحمل فكراً انفراجيّاً، ولا نركّز عمّا نريد، ولا نعلم أصلاً ماذا نريد، ولن نعرف أبداً ماذا نريد طالما نحمل أو حملنا فكراً مقعّراً يتهادى فوق دنيا السَّرابِ، دائماً أو غالباً ما نفكّر ونخطّط ونحقِّق ما يريده غيرنا، سواء كان هذا الغير رؤى مرسومة كقوالب مجصّصة بدبقِ القير، تجعلنا لا نرى أمامنا بضع سنتيمترات، أو مقولبين بسياساتٍ أو بعاداتٍ وتقاليد وثقافات مشروخة تحمل رؤى عشائريّة مخندقة بكلِّ أنواعِ الوباء، تحملُ بين طيّاتها الكثير من الصّراعات والكثير الكثير من التُّرّهات. …

آهٍ لو عادَ الزّمنُ للوراءِ، لو عادَ! وأقول لو عادَ لكنّه لن يعودَ، ولكن لو عادَ بقدرةِ قادرٍ، لغيّرتُ الكثير ممَّا قمتُ به وممّا فاتَ، لغيرّتُ وخلخلتُ الكثير من القوانين والقرارات والتّوجّهات والسَّخافات الحياتيّة، وخاصّة ما يتعلّقُ بالتّعليمِ والثّقافاتِ المتهرّئة والتَّقاليد السَّائدة، لأنَّ أغلبَ التَّقاليدِ والثَّقافاتِ والسِّياساتِ الّتي أُقحِمنا على تشرّبها، هي ثقافات قمعيّة إقصائيّة مريرة، تلغي شخصيّة المرء وتجعله عائشاً على هوامش الحياة! لو عاد الزّمن للوراء، ولِمَ يعودُ الزّمن للوراء؟ لا أرى أي داعٍ لهذه العودة غير المحمودة؛ لأنَّ ما فات قد فات، ولا نملكُ سوى حرفاً يغوصُ عميقاً في جسدٍ مُدمى لعلّه يطهّرنا من جراحٍ مستعصية في خفايا الذّاتِ، وحدَه حرفي قادرٌ أنينتشلني من شفيرِ ما هو آتٍ، زمنٌ معتّقٌ بطفوح الدّمعة، زمنٌ طافحٌ بالبكاء!

إنّي أرى من دونِ رتوشٍ أنّني عشتُ طوال عمري في حالةٍ حلميّةٍ سقيمةٍ، في غايةِ الأسى والأنينِ، عشتُ بعيداً كلَّ البعدِ عن بهجةِ وقائعِ الحياةِ، عشتُ سلسلةً متواصلةً ومترصرصةً بالآهاتِ، عشتُ غربةً ولا كلَّ الغرباتِ، في وطني كنتُ غريباً وفي غربتي دستُ في جوفِ أعتى الغرباتِ! مصيبتي أنَّ جلَّ من يعرفني في وادٍ وأنا في وادٍ آخر، غربتي تضاهي غربةَ طائرٍ ضلَّ طريقه في أعماقِ الأدغالِ، أو غربةَ غزالٍ تاهَ في متاهةِ الغاباتِ، مصيبتي أنّني لم أبحث عن ذاتي منذ سنوات، مصيبتي أنّني كنتُ تائهاً عن عرين أنثى أبهى من دفءِ الأمّهات، مصيبتي أنّني ما كنتُ أشعر بمصيبتي؛ لأنّ ثلاثة أرباع عمري قضيتها بالكتابةِ، وباقي العمر تاه في مدارجِ الجامعات، قضيتُ زهوة عمري في الولوج عميقاً في قراءة المقرّرات السّميكة، تمرُّ السّنون وأزداد غوصاً في جموحِ الحرف وقراءةِ كتبٍ لا تحصى، كأنّي في رحلة عشقٍ مع تلألؤات السّماءِ. عجباً كيف لم أشبع من قراءةِ مئاتِ بل آلافِ الكتبِ ولا أبدو أنّي أشبعُ من بوحِ الحرفِ، كأنّي في حالة احتضانٍ تنافسُ حنينَ الأمّهات، كأنّي غائصٌ في مروج أنثى من أشهى لجينِ الهناءِ، ما هذا الجنوح عن أشهى ما في ربوعِ الحياةِ، إنِّي أحد كبار مجرمي هذا الزّمان في حقِّ الذَّات، أينّ المفرُّ من حواري مع الذَّات؟! كيف سأواجه ألف سؤالٍ وسؤال وأنا أرتعشُ مثل قصبةٍ في وجه الرِّيح أمامَ اندلاقِ هول التّساؤلاتِ، سأضعني على المحكِّ بكلِّ تجلِّياتِ الاشتعالِ؛ كي أعرّي ستائر سميكة حجمت مراراً خفايا الذّاتِ؛ كي أحرقَ أحزان السِّنين كاشفاً ارتصاصَ شفيرِ الآهاتِ. سأنبشُ عميقاً ما تهاطل علينا من تراشقِ شهقةِ الحسرات، كي أضع حدَّاً لانهمارِ زخّاتِ البكاء!

أحنُّ إلى ضياءِ نُجيماتِ الصَّباحِ، إلى انبلاجِ هلالاتِ البوحِ؛ كي أبلسمَ جراحَ الرُّوحِ، ممتطياً صهوةَ الكلمات؛ كي أفرشَ ذاتي فوقَ دموعي المنسابة فوقَ خضمِّ العراء، فوقَ نصالِ الضَّجرِ وخشونةِ الجفاء. سأجوبُ أقاصي البراري، فارشاً محطّاتِ العمرِ فوق محكِّ الحرف؛ كي أطهِّرَ الرُّوحَ من أنينِ العذاباتِ، مبلِّلاً قلمي في ألقِ وميضِ الحرفِ كي يسطع مثلَ سطوعِ الهلال وشموخِ المناراتِ.

عشرون عاماً وأكثر، منسلخٌ عن حنايا الأهل، من يستطيع أن يعيدَ إليَّ حميميَّاتِ بوحِ السَّنينِ الَّتي ولّتْ في قاعِ الهشيمِ؟ وجعٌ دائمُ الاشتعالِ في مساراتِ العمرِ ينمو، من يستطيع أن يعيدَ إليّ قبلةَ أمِّي المحدّقة في الفراغِ الفراغ، وهي بأشدِّ الشَّوقِ إلى دفءِ العناقِ قبلَ أن تودَّع هذه المرارات، من يستطيع أن يعيدَ إليّ شيخوخة والدي وهو يجترُّ أحزانَ الفراقِ، من يستطيع أن يبلِّلَ حلقي بابتهالاتِ بوحِ الحنينِ؟! مَن؟!

أنا مَن أنا، مجرّدُ إنسانٍ طموحٍ يشتعلُ ليل نهار ويسيرُ نحوَ وميضِ الاشتعالِ، اشتعالِ الرُّوحِ والفكرِ والخيالِ وسط منعرجاتِ الحياةِ، إنسان يحمل بين أجنحته طموحات تناطح هامات الجبال، إنسان غير قادر على تحقيق طموحاته المعفّرة بالتُّراب، طموحات غائصة في مهبِّ انشراخِ الرِّيح، إنسان غائب عن مسارات الحياة، إنسان لا يعي ماذا يريد إلّا بعد فوات العمر، وعندما عرف ما يريد كانت الحياة قد فلتت منه وأصبحت في ألسنة لهيبِ الاشتعال، اشتعال الأهداف الصَّغيرة والكبيرة، اشتعال شهقة البوح وشهقة الخيال وشهقة الحلم الأوّل، إنسان من لحم ودم أمام سلسلة لا تحصى من الآهات والانشراخات والكبوات والانكسارات، أندهش من نفسي كيف لم أُصَبْ بجلطاتٍ أنينيّة حزنيّة ألميّة انفلاقيّة لا تحصى؟ أندهش كيف أقف على قدمي ولست في قاعِ الانهيار، أندهش كيف ابتسمُ للحياة، كيف أمشي على قدمين وأنا في كامل قيافتي، ولا أشعر بدوخةٍ تباغتني أرضاً، أندهش كيف أحلِّق عبر جموح حرفي نحو الأعالي، ولا أتهاوى فوقَ قيظِ التّلالِ، كيف عبرتُ البحارَ دون وجلٍ، قافزاً فوقَ ضراوةِ أنيابِ الحيتانِ، تاركاً خلفي حميميات الأمِّ بعيداً عن أحضان البنينِ؟

حضاراتٌ شامخة في قلاعِ الأرضِ انهارت منذُ آلافِ السّنينِ، وجعٌ لا يفارق سماء حلقي، آهٍ مات جلجامش منذ زمنٍ بعيدٍ، ومات أنكيدو، وماتَ وديع عمسيح في أوجِ العطاءِ، آهٍ كيف تحمَّلتُ رؤيته وهو يتدلّى بالحبال في حفرةِ الوداع الأخيرة، مات صديقُ الأصدقاءِ، ماتَ صاحبُ الصَّوت الجهوري، آهٍ حياتنا قائمة على سلسلة متواصلة من تدلِّياتِ الحبال! أجل، نحن عبارة عن سلسلة متواصلة من تدلِّيات الحبال!

سأتدلَّى يوماً بالحبالِ في حفرةِ تحومُ حولها شهقات البكاء، وقبل أن أتدلَّى، لابدَّ أن أضرب ضربتي القصوى في رحابِ العطاء، لابدَّ أن أؤدّبني تأديباً لا يخطر على بال، لابدَّ أن أضع نفسي على المحكِّ الأخير، لابدَّ أن أطهِّرَ نفسي من ترّهات هذا الزّمان؛ كي أتدلَّى بطريقةٍ تليقُ بالسّماءِ وثباتِ الحبال!

أنا مَن أنا؟ آهٍ .. أنا لغةٌ شعريّة مشتعلة فوق بوّابات غربةِ هذا الزّمان، شجرةٌ مبرعمة بأبجديات الحنين، عاشقٌ مفهرسٌ بآهاتِ الأزمنة المقهورة، أنا آهاتٌ مسحوقة فوق برج بابل، فوق الحدائق المعلَّقة، أنا وجعٌ مفتوح فوق خدود نينوى، رحلةُ انكسارٍ لا تُطاق، صديقُ البحرِ والماءِ الزّلال، أنا الطّين الأوّل المجبول من رحيقِ السّماء، حفيدُ جلجامش المنبعث من أعماق الرّماد، أنا نسمةٌ عابرة فوقَ أجنحةِ الغابات، أنا ورقةٌ متطايرةٌ في رحابِ الابتهال، صديقُ قصيدةٍ محبوكةٍ كأنشودةِ الحياة، وصديقُ عاشقة من ألقِ الماءِ الزُّلال!

أنا تجلِّياتُ شموخِ أغصانِ الزّيون، أنا أشجارُ الدّاليات المخضوضرة فوقَ هاماتِ الجبال، إشراقةُ الشَّمسِ المنبعثة من هلالاتِ غيماتِ الصَّباح، قبلةُ عشقٍ منقوشة على وجنةِ الرّيح، سؤالٌ مفتوح على رحابةِ الحياة، منبعثٌ من عرينِ مهجةِ الحضارات، طوّقوني حاملوّ أشرعةَ السَّوادِ، وأحرقوا أعلامي وأحلامي، ورموني في مهبِّ البكاء، دهسوا اخضراري بكلِّ رعونةٍ، ورموه على قارعة الاندحار، لغةٌ من شراهةِ اسودادِ الموت تنمو في سهولِ الحضارات، لغةٌ من شهوةِ الإسفلتِ تغزو بيارقَ العطاء، تمحقُ مسلّة حمورابي، تُخلخلُ أبجديات البقاء، لغةٌ مصحوبةٌ بجنونِ هذا الزَّمان، تتعالى نيرانها فوقَ خارطةِ الرُّوحِ الظَّمأى  لسموِّ السَّماء. ما هذا الانحدار المشين في لغة طغيانِ ألسنة اللّظى فوق هاماتِ سومر وأكّاد، متى سينهض ماءُ الحياة في وجه الطَّغاة، متى سنرسمُ شعاعَ الشّمسِ فوقَ أرضِ آشور وكلدو وآرام؟ عجباً أرى .. كيف تُمحقُ إنسانيّةَ الإنسان فوق ترابِ أرضٍ من أقدم الحضارات، وعواصم الكون في سباتٍ عميق؟!

ستبقى عظامُ الحضارة تتصدّى لمجانين هذا العالم، ستبقى شاهدة على أنَّ الأفكارَ الهوجاءَ ــ عاجلاً أم آجلاً ــ إلى زوال، أنا شجرةُ الغد الآتي، سأبقى مخضوضراً هناك إلى الأزل؛ لأنّني أحمل فوق أجنحتي فكراً يضارعُ هشاشةَ أفكارٍ طاغيةٍ فوق كينونةِ الأوطان، سيبقى نورُ عَلَمي محلِّقاً بألقِ التّنويرِ وهديلِ السّماء، سيبقى شامخاً شموخَ الجبالِ فوقَ جبينِ الحياة!

  1. كيف توائم بين الخيال والذَّاكرة البعيدة وخيوط الحنين، عبر مسارات هواجس الكتابة؟!

لا أوائم ولا أخطِّط لهذا الأمر نهائيّاً؛ لأنَّ نصوصي تولدُ بكلِّ عفويِّتها وهي في أوج موائمة الخيال مع حفاوة الذَّاكرة وخيوط الحنين عبر انبعاث مسارات بوح الحرف حرفي، حيث ينبع حرفي ونصِّي وإبداعي من استلهام عوالم وفضاءات كتاباتي من خضمِّ الذّاكرة، معتمداً على تدفُّقات الخيال وتتداخل أحداث وذكريات الماضي البعيد أو القريب من وقائع الحياة بوهج الخيال بطريقة انسيابيّة مفعمة بخيوط الحنين.

الكتابة عندي حالة غريبة لا أتوقّعها ولا أتحكّم بها بقدر ما تولد بشكل متدفّق، حتّى أنّني أشعر أحياناً وكأنَّ هناك كائن آخر في كياني هو الَّذي ينساب متدفِّقاً وأنا مجرّد أداته الطَّيّعة لترجمة ما في جعبته من انثيالات إبداعيّة رهيفة، وبعد العودة للعمليّة الإبداعيّة أرى أنّني غير قادر على اكتشاف كيفيّة انبعاث الحرف حرفي بشكل دقيق بقدر ما أجدني أمام توهُّجات عشقيّة إبداعيّة متراكمة في مخيَّلتي، وتولد ولادة طبيعيّة عفويّة، وكأنَّ مخيالي عبارة عن حالة مطريّة متهاطلة؛ لأنّني يوميّاً أكتشف أنَّ طاقتي في توليد نصوص جديدة حالة غير طبيعيّة، وتؤرِّقني هذه الحالة في الكثير من الأحيان؛ لغزارة الأفكار وتدفُّقها بانسيابيّة عجيبة، حتّى أنَّ هذه الحالة تسبِّب لي مشكلة كبيرة، حيث تخرق برامج النَّوم والأكل والشّرب وتوزيع ساعات اليوم، فكم من المرَّات نمت السّاعة العاشرة صباحاً والثّانية عشرة صباحاً، وأكثر من مرة نمت الواحدة صباحاً بعد أن سهرت اللَّيل كلّه، ومن قبله كنت طوال النّهار متفرِّغاً للكتابة، وأجد أحياناً أنَّ الوقت الّذي أكتب فيه يصل إلى مساحة تدهشني على قدرتي على استمراريّة الكتابة دون أن أجد جفافاً أو تلكُّؤاً في قلمي وتدفُّقات خيالي وأفكاري، كأنِّي إزاء نزيف إبداعي لا يتوقّف، حيث أكتب ما بين (12 ــ 18)ساعة يومياً، وليس مهمَّاً أن يكتب المرء (22)ساعة في اليوم، لكن المهم في الأمر أن يكون هناك تجديداً فيما يكتبه من تحليقات إبداعيّة؛ لأنني أراقب نصِّي وأنقده نقداً صارماً، وأعيد صياغاته مرّات ومرّات، وتصل أحياناً مراجعة بعض النّصوص ما بين (5 ــ 50) مرّة، وأحياناً يولد معي نصٌّ ما ولا أصيغه سوى مرّة ومرّتين كصياغة تنقيحيّة نهائيّة؛ لأنّه يولد شبه جاهز، بينما أكثر النّصوص أشتغل عليها في الصِّياغة والبناء الفنِّي للنص، حيث أعتمد على رشاقة اللُّغة والانسيابيّةوالسُّهولة في فهم النّص والبساطة في التَّعبير والعمق في الرُّؤية الّتي أتوخَّاها! ولهذا لا أخطّط للموائمة ما بين الخيال والذَّاكرة البعيدة أو القريبة أثناء الكتابة، بل تولد كتاباتي بشكل عفوي خالص، ولكنِّي أتحكَّم بعفويّتها أحياناً أثناء الكتابة، حيث أجمح عبر توهُّجات خيالي إلى متاهات وفضاءات لا تخطر على بال، لكنِّي أستولدها عبر تدفُّق إشراقات خيالي، وأحياناً أصيغ الخيال من وهج انبعاث ذكريات، وحالات معيّنة وتتداخل العمليّة الإبداعيّة وتتماهى الذّكريات مع وقائع الحياة والخيال ويولد نصٌّ يقرّره حرفي أثناء الكتابة، وأجد أنّني إزاء مشكلة حقيقيّة لحظة ولادة النّص، وهي أنّني غير قادر على ترجمة الانثيالات الفكريّة وولادة تدفُّقات الخيال لحظة الكتابة؛ لأنّني لا أستطيع الإمساك بما يراودني وينبعث من خيالي؛ لأنَّ الخيال أكثر تدفُّقاً وهطولاً وانسيابيَّاً من نقوش الحرف، ولهذا أرى أنَّ اللُّغة/ الحرف غير قادرة على ترجمة هذه المكنونات والتَّوهُّجات؛ لأنَّ حالة الإبداع حالة مفتوحة وانزياحات تدفُّقاتها أكبر من أيّة لغة على وجه الدُّنيا، حتّى أنّني أحلم وأتمنَّى لو كان هناك جهازاً أو اختراعاً يستطيع أن يحيط بكل ما ينتابني من توهُّجات إبداعيّة، ويترجمها ويكتبها ويصيغها بكلِّ تجلّيات انبعاثها من تلقاء نفسه، سأكون سعيداً إلى أبعد درجات السّعادة لو تمَّ اختراع هكذا جهاز؛ لأنَّ مشكلتي في الكتابة تكمن في عدم قدرتي على الاستحواذ على كلِّ ما يعتريني أثناء عمليّة الكتابة، فتتوارى الكثير من الأفكار والتَّجلِّيات أثناء التقاط توهُّجات الأفكار المتزاحمة في ساحة الشُّعور واللَّاشعور أيضاً، فتتوارى الكثير من هذه الأفكار وتبقى غافية في منعرجات وظلال اللّاشعور، وربّما تظهر في مرّات قادمة الكثير ممَّا توارى في واحات الخيال واللّاشعور المبدع!

وهكذا، جواباً عن هذا السُّؤال أرى أنّه ليس من الممكن الإجابة عنه فيما يخص انبعاث الخيال والتقاط وقائع من الذَّاكرة عبر خيوط الحنين إلى هذه المرافئ أثناء الكتابة؛ لأنَّ الكتابة عبر درجاتها الإبداعيّة القصوى عبارة عن حالة تدفُّقاتيّة غير قابلة للشرح والضَّبط والقياس والتَّفسير، بقدر ما هي رؤية انبعاثيّة كما قلت كأنّها منبعثة من كينونة إنسان آخر في داخلي يقوم بهذه المهمّة، وإنَّ كلّ هذا يدلُّ دلالة واضحة أنّ الكاتب يمتلك طاقات عميقة وقدرات هائلة لا تظهر في الحالات الطَّبيعة العاديّة وتظهر أثناء ولادة النُّصوص، وأجدني إزاء حالة كهذه عاجزاً عن تفسير انبعاثات هواجس الكتابة، ويبدو لي أنّ للروح والثّقافة العميقة والخبرة الطّويلة دوراً كبيراً في التقاط صفوة هذه الانبعاثات بانسيابيّة عميقة إلى درجة أنّني أشعر وكأنّ هناك كينونة أو طاقة إضافيّة في أعماقي تساهم في تدفّقات انبعاث تجلِّيات الإبداع!

  1. تنامى اهتمامُكَ بالموسيقى والغناء والرّقص، إلى أن أصبحتَ شغوفاً جدَّاً بها، لماذا لم تعمِّق هذه الاهتمامات وتطوِّرها جنباً إلى جنب مع بقية اهتماماتك الفنِّيّة والأدبيّة؟

نعم تنامى اهتمامي بالموسيقى والغناء والرّقص منذ الطُّفولة واليفاعة، لكنِّي لم أوْلِ اهتماماً شديداً بهذه الهوايات مقارنةً باهتمامي بالكتابة بأجناسها الأدبيّة المختلفة، واهتمامي بالفنِّ التّشكيلي، وقد تركّز شغفي بالموسيقى والغناء كنوع من الفنون الرَّائعة بالاكتفاء على استساغة هذه الفنون والاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة والمعاصرة والشّرقيّة والغربيّة وكل أنواع الموسيقى الرّاقية، ولم أعمِّق اهتمامي بالغناء أو العزف؛ لأنّني عرفت منذ البداية أنَّه لا يمكن أن أكون عازفاً أو مطرباً وأقف على خشبة المسرح أعزف أو أغنّي؛ لأنّني عرفت أنَّ جلّ اهتمامي بالغناء والموسيقى لا يعدو عن كونه هواية لا أكثر، وشخصيّتي الطَّموحيّة الإبداعيّة لا تناسب أن أطوّرها في هذه الهواية إلى درجة الحرفيّة، وظلَّ اهتمامي هوايةً منذ البداية حتّى تاريخه، وليس لأنَّ هذه الفنون غير مهمّة، بل لأنّي بالأساس هاوٍ ولم تتطوّر هذه الهواية مع الزَّمن لحلول هواية وموهبة الكتابة على الخطّ منذ أن كنتُ طالباً في الحلقة الثَّانويّة، حتّى أنَّ ميولي في الكتابة ظهرت منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الابتدائيّة والإعداديّة، حيث كنتُ شغوفاً بمادّة القراءة والتّعبير واللُّغات بشكل عام، سواء العربيّة والإنكليزيّة والسِّريانيّة والكرديّة، ومن خلال دراساتي في معهد الصَّف الخاص والدِّراسات الجامعيّة: الأدب الإنكليزي فترة من الزّمن ثمَّ التحاقي بجامعة دمشق، قسم الدِّراسات الفلسفيّة والاجتماعيّة شعبة علم الاجتماع، وقراءاتي المتواصلة لعيون الأدب العربي منذ البداية، كلّ هذا عمّق عندي شغفاً عميقاً أن أكتب وأعبِّر عن مشاعري وآفاق تطلُّعاتي، وتنامى عندي شغف الكتابة رويداً رويداً إلى أن قرّرت منذ وصولي للسويد أن أطرح نفسي كاتباً محترفاً ومركّزاً على الكتابة كأحد أهم أهدافي في الحياة وأصدرت في العام 1997م مجموعتي القصصيّة الأولى، ثمّ تلاها إصدار ديوان شعري عن دار نشري، مئة مقطع شعري باللُّغة السُّويديّة والعربيّة معاً ترجمتي وشعري بعنوان: روحي شراع مسافر، ثمّ توالت إصداراتي عن دار نشري مجموعة من الدَّواوين والمجاميع القصصيّة وأصدرت ديواناً آخر باللُّغة السُّويديّة والعربيّة معاً بعنوان: طقوس فرحي، مجموعة قصائد، ثم أصدرت ثلاثَ روايات، ومقالات ونصوصاً أدبيّة ودراسات نقديّة تحليليّة وسلسلة كتب في الحوارات الّتي أُجريَت معي وأجريتها مع مبدعين، وأهم إصدار لي كان المجلّد الأوّل بأجزائه العشرة من أنشودة الحياة باللّغة الإنكليزيّة عن دار صافي للنشر والتَّرجمة والتَّوزيع في واشنطن، ترجمة سلمان كريمون، وقد وصل عدد الإصدارات قرابة (60) إصداراً ما بين: شعر، وقصة، ورواية، ونصوص أدبية، وحوارات، ودراسات، ومقالات. وأصبحت الكتابة هدفي الأوّل والأخير في الحياة، وطغت على الموسيقى والغناء والفن التَّشكيلي، ولكن بالنّسبة لهواية الرّقص ظلت من أكثر الهوايات الَّتي تدغدغ كياني وروحي وجسدي، خاصة بعد أن جنحت نحو فضاء الرّقص الحرّ منفرداً، بعيداً عن الرّقص بالدّبكات؛ لأنّني شعرتُ وأنا أرقص وحيداً، سواء رافقتني صبيّة أو لم ترافقني وغالباً ما يرقصن الصّبايا معي بعد أن أبدأ بالرّقص؛ لأنّني أبدأ بمفردي أولاً، وأشعر أثناء الرّقصأنّني أتجلّى كأنّي أطير فرحاً، وبينما يرقص أغلب الحاضرين الدَّبكات في حفلات الزّفاف، أجنح أنا وأرقص وحيداً أمام حلقات الدّبكة بفرحٍ كبير، متناغماً مع الرّاقصين والرَّاقصات، وأخلق جوّاً مفرحاً جعلني أشعر في تلك اللَّحظات أنّني أسعد إنسان في الوجود، نشوة عميقة تغمرني ويندهش الكثير من الَّذين يحضرون لأوَّل مرّة ويشاهدونني أرقص بهذه الطّريقة، خاصّة لو كانوا من عداد طلّابي وطالباتي أو أصدقائي وصديقاتي، ويبدو لي أنَّ الرّقص هو إحدى أروع تجلِّيات الرُّوح والجسد؛ لأنّ هناك بهجة عميقة تغمر الرّاقص وهو يرقص على إيقاع الموسيقى، فيرتعش الجسد وتنتعش الرُّوح وسط الفرحة الَّتي تغمر قلوب الجميع، أرقص بطريقة حرّة أشبه مَنْ يكتب قصيدة حرّة منعتقة من كلّ الضَّوابط والموازين إلّا ميزان الإبداع، حتّى أنّني أشعر في قرارة نفسي كأنِّي أكتب شعراً خلال الرّقص الّذي أقدّمه من خلال توهُّجات بهجة الرُّوح والقلب والجسد، ويبدو لي أنَّ الرّقص والموسيقى والغناء والرّسم والمسرح هي قصائد شعريّة، كل قصيدة من هذه القصائد لها عوالمها وتجلِّياتها وإبداعها، لهذا أراني مجنّحاً إلى بهاء الرّقص والرّسم مؤخّراً، وأرسم فعلاً لوحاتي كمَنْ يكتب شعراً، ومن يرى لوحاتي يشعر أنّه أمام شاعر يرسم أو فنّان يكتب شعراً عبر اللَّون، وقد أصدرت ديواناً شعريّاً بعنوان: “مئة لوحة ومئة قصيدة شعريّة” مستوحاة من لوحاتي، كما استلهمت ديواناً شعريّاً من لوحات الفنّان التّشكيلي صدر الدِّين أمين بعنوان: “لوحات طافحة نحو رحاب الطُّفولة” ، الجزء الحادي عشر من أنشودة الحياة. وهكذا أرى أنَّ الكتابة هي صديقتي السَّرمديّة الأبقى في الحياة! …

  1. ما مرّد التَّدفُّقات الحلميّة المفتوحة على مسارات عديدة منذ الطُّفولة حتَّى الوقت الرَّاهن؟

إنَّ مردَّ التّدفُّقات الحلميّة على مسارات مفتوحة، عبر أحلام اليقظة، الَّتي تتراءى لي بشرود حلمي متدفّق منذ الطّفولة حتّى الوقت الرَّاهن، هو لأنَّ لدّيَّ خيالاً جامحاً منذ طفولتي وقد تنامى هذا الحلم يوماً بعد يوم، ولا أستطيع الفكاك منه، ويزداد تنامياً حتَّى الآن. وقد درست هذه الحالة أو الظَّاهرة عندي، فوجدتها تتنامى من خلال رهافة خيالي المجنّح، فالحالة الحلميّة لأحلام اليقظة ناجمة عن طاقة تخيُّليّة رهيفة عندي، فلا يمكن لو سرتُ وحيداً وأنا أتنزّه في الغابة أو سافرت بالطَّائرة أو القطار أو الباص أو الباخرة، إلّا وأنا أشرد بطريقة حلميّة انسيابيّة، وسرعان ما تتراءى أمامي قصصٌ وأحداثٌ مثل فيلم سينمائي، فيجنح بي خيالي بعيداً في الذّاكرة وبطريقة عفويّة خالصة، فأحلم بطريقة تداعيات، ويتمُّ استعراض مشاهد عديدة من الصّور المتلاحقة، منبعثة من توهُّجات الخيال بشرودٍ لذيذ في عوالم أحلام اليقظة، وفي كلِّ مرّة تتراءى لي قصص وأحداث وخيالات جديدة، وكلّ هذه الطّاقات المنبعثة من رحاب أحلام اليقظة تنشّط عندي طاقات المخيّلة، وإنَّ هذه الحالات الحلميّة أسهمت كثيراً في تعميق وتائر تجلِّيات خيالي في الكتابة، حيث أصبح لدي طاقات انبعاثيّة في الخيال أثناء كتابة قصّة قصيرة ما أو نص أدبي شعري سردي أو رواية ما، أسهمت كثيراً في تعميق إشراقة آفاق الخيال، وكأنَّ خيالي الإبداعي كان في حالة تعطّش، فجاءت الكتابة تروي غليل خيالي الحلمي، ومن طبعي أصلاً أن أعيش حالات أحلام اليقظة، سواء كنت سائراً أو مسافراً أو جالساً متأمِّلاً في  صومعتي، وهكذا فإنَّ التَّدفُّقات الحلميّة الَّتي تتراءى لي عبر أحلام اليقظة ناجمة عن طاقات المخيّلة، ويبدو أنَّ هذه الطَّاقات تبرعمت وتشكّلت من خلال مشاهدتي لملايين الصُّور والحالات الَّتي عشتها أثناء طفولتي في براري ديريك الفسيحة وسهولها وكرومها وشوارعها وأزقّتها، ومن خلال إصغائي إلى حكايات وقصص عمّي في ليالي الشِّتاء الطَّويلة، كلّ هذا أسهم في تنشيط رحاب خيالي، كما أنَّ تشكيل شخصيّتي ناجم عن هذه الحالات الحلميّة؛ لأنَّ أحلام اليقظة غدت جزءاً مهمّاً من شخصيّتي وتكويني؛ لأنّني كما أسلفتُ حتّى الآن عندما أسافر في القطار ولو لمسافة دقائق معدودة، فإنّي لو لم أقرأ كتاباً ما، سرعان ما أشرد وأستعرض في مخيّلتي عشرات الصُّور والمشاهد والأفكار، وأحياناً تتراءى أحداث تصلح أن تكون فصولاً لروايات وقصصاً قصيرة وأفكاراً لمواضيع أدبيّة، وكم من القصص والنُّصوص والأفكار تراءَت لي في أحلام اليقظة، والتقطتُها وكتبتُها على قصاصات ورقيّة، واشتغلتُ عليها وطوَّرتها إلى قصصٍ ونصوصٍ وأفكارٍ لقصائد وحوارات وكتابات متنوِّعة، حتَّى أنَّ فكرة: حوار مع الذّات، ألف سؤال وسؤال قفزت إلى خيالي في أحد أحلام اليقظة، وأنا أنتقل في قطار الأنفاق متوجّهاً من قلب ستوكهولم نحو شقَّتي، إلَّا أنَّ تفاصيل الفكرة راودتني مراراً وعلى مدى سنوات عديدة خلَت، ولكن عنوان الحوار بحذافيره، وُلدَ وأنا في القطار، ودوّنته على قصاصة ورقيّة، ثمَّ اشتغلت على تفاصيل الحوار إلى أن أمسكت كافّة الخيوط المتفرِّعة الّتي تؤدّي إلى إعداد هذا المشروع الإبداعي البديع؛ لما فيه من تفرُّد وخصوصيّة قلّما طرقها كاتب شرقي أو غربي بهذه الاستفاضة وبكلِّ هذا الشُّمول!

  1. ما تأثير حفلات الزّفاف الّتي كنتَ تحضرها في السّاحات العامّة في ديريك وتستمع إلى الغناء الكردي وإلى كمچاية أكرمو وحسينو وأغانيهم الملحميّة، وطبل سعدو مطرب ومزمار أحمو علانة؟!

إنَّ لتلكَ الحفلات الَّتي حضرتها مراراً بشغفٍ وحبٍّ كبيرَين، ابتداءً بأغاني وموسيقى الفنّان عبدو علانة، وأغاني الفنّان الصّديق عادل فقه، والحفلات الّتي كان يقدّمها محمّد شيخو وغيره من الفنّانين، ثمّ بروز الفنّان جمال سعدون والمطرب علي عبدو علانة وشقيقته، دوراً كبيراً في تعميق الموسيقى والغناء منذ طفولتي حتَّى يفاعتي ومرحلة الشَّباب، حيث منذ أن فتحت عيني على وجه الدّنيا وأنا أتلقّى هذه الموسيقى، وترعرعتُ وترعرعتْ بين جوانحي هذه الأنغام والدّبكات، كما كان لأنغام كمچاية أكرمو وحسينو وأغانيهم الملحمّية أثراً طيّباً في نفسي، خاصّة عندما كان أكرمو يعزف في وسط دبكة الرّقص، وهو يعزف بكمچايته ويدور في ساحة الرّقص ويغنّي بشهيّة مفتوحة وبحماسٍ دون أي مايكروفون، ويهيّئ الرّاقصين والرّاقصات على الرّقص بحماسٍ كبير، ثمّ ينحني أحياناً أمام بعض الرَّاقصين وتعني “شاباش” على رأس الرّاقص، فيخرج الرّاقص مبلغاً من المال ويضعه في الفتحة الصَّغيرة على ظهر الكمچاية؛ فيزداد أكرمو حماساً ويغنِّي بكلِّ ما لديه من حماس، ثمَّ يدخل حسينو على الخط ويغنّي مقطعاً ردّاً على أكرمو، ويزداد الرّقص حماساً، ويشعر المشاهدون أنّهم أمام حالة بهيجة. كم كانت هذه الحفلات تبهجني، فقد أصبحت من حبور بهجة الذَّاكرة، وكلّما أشاهد عروضاً كهذه في اليوتيوب أتذكَّر هذه الحفلات، ويشمخ أمامي عازف المزمار/ “الظّرناية” أحمو علانة ويعزف بطريقة رائعة وبنفس طويل وبشكلٍ متواصل، وعلى يساره عازف الطّبل سعدو مطرب، بإيقاع “دْرَنْدَاْ قُتِكْ دْرَنْدَاْ قُتِكْ” ويشعلان السّاحة رقصاً بهيجاً على إيقاع الطّبل والمزمار. كم كان منظرهما وحماسهما بديعاً والصَّبايا والشّبان يرقصون بفرحٍ كبير، وكم من مرّة كان يأخذني الحماس وأمسك بيد أحد الرَّاقصين والرَّاقصات الّذين أعرفهما، وأرقص ببهجة عميقة، خاصة رقصة هزّ الكتفين/ العادي على الطَّريقة الكرديّة؛ لأنَّ الكرد كانوا يجيدون هذه الرّقصة في البدايات أكثر من الرّاقصين السّريان؛ لأنَّ مهاراتهم في هزِّ الكتف والصّدر كان بارعاً، وكان السّريان الّذين يعيشون في ديريك العتيقة أكثر مهارةً من الصّبايا والشَّباب السّريان الّذين كانوا يعيشون في الحارات السّريانيّة، لكن رقْص الشّباب والشّابات السّريان تحسّن إلى درجة تشعر أنّهم تقدَّموا على دبكات الكرد، وهكذا فإنَّ هذه الحفلات خلقت في نفسي حبِّاً للموسيقى والغناء والرّقص، وكانت أغاني سعيد يوسف مناسبة للغاية لرقصة العادي وأغاني محمّد شيخو مناسبة لرقصة خانمان الّتي تعتمد على حركة القدمين بإيقاع يناسب الرّقص ويمسك كل راقص بالإصبع الصَّغيرة، ثمَّ انتشر الرّقص الشَّرقي الحرّ/ التَّفتيل، فاستقبل هذا الرّقص الشَّبان والشَّابات السّريان أولاً، ثمَّ انتشر في الوسط الكردي، كما تميَّزت حفلات السّريان والأرمن والآشوريين والكلدان بعد أن ظهرت في الفُرق السّريانيّة الدَّبكات الرَّائعة مثل: باكيّة، وآهي لايوني، وشيخ جاني، وهيلاية، والعادي، وظهرت دبكات سريانيّة أخرى بديعة تستحقُّ أن تُقدِّم عروضاً عالميّة لو تمَّ تدريبهم عن طريق مدرّب خاص، وهذا ما سأتحدَّث عنه في سياقِ سؤالٍ وجوابٍ آخر يتعلّق بالرَّقص والدَّبكات السّريانيّة المدهشة!

  1. كيف تولّد لديك شغف عميق لتعلُّم العزف على العود والجمبش والطُّنْبورة منذ طفولتك؟

أشرتُ في سياق سؤالٍ آخر إلى أنّني تأثّرت في بداية طفولتي بابن خالي الرَّاحل جورج يعقوب الرَّديف، وهو مَن زرع في نفسي حبّ العزف على الطُّنْبورة أولاً، لكنّه سرعان ما اخترع وصمَّم جمبشاً على يده من التَّنجرة، وفعلاً تدرّبتُ مراراً على تلك التّنجرة الّتي تحوّلت إلى جمبش، والعزف على الجمبش هو بنفس طريقة وعلامات العزف على العود، وهكذا بعد أن أخذت فكرة جيّدة على كيفيّة العزف على الجمبش، اشتريت لاحقاً جمبشاً وعوداً، وبدأت أتدرّب وأعزف بعض الأغاني الخفيفة، وتحسّنتُ شيئاً فشيئاً، لكن ظلّت هذه الهواية مجرّد هواية حتّى الآن ولم أطوِّرها إلى مساحة تتعدَّى حدود الهواية، مع أنّني كنت وما أزال أعشق الموسيقى والغناء والرَّقص بكلِّ أنواعه، لكنّي أحببتُ أن تبقى هذه الاهتمامات مجرّد هواية من الهوايات؛ لأنّ هذه الأجواء الفنّيّة والموسيقيّة تتطلّب وقتاً طويلاً، وبالتَّالي تؤثّر على الكتابة، وتُحِدُّ من سويّتي وأوقات تجلّياتي الإبداعيّة؛ لهذا فضّلتُ أن أنحّيها جانباً مكتفياً بين الحين والآخر أعزف بعض الأغاني الشّعبية الخفيفة برفقة بعض الأصدقاء بعيداً عن الأضواء، كي أستغلَّ كامل وقتي للكتابة؛ لأنَّ الكتابة هي محور اهتماماتي الإبداعيّة، وتمنحني الموسيقى والغناء والرّقص بكلِّ فضاءات هذه الفنون الرّاقية، فضاءات رحبة للكتابة، فأسمع أغاني شرقيّة عربيّة سريانيّة كرديّة فارسيّة تركيّة وغربيّة وموسيقى عالميّة وأشاهد رقصات شرقيّة وغربيّة ويعجبني جدّاً ما يقدِّمه الفنّان العالمي “يينّي” وفرقته الرّاقية، ويدهشني في توزيع موسيقاه، وكيفية عرض كلّ فنّان على حِدة، إلى درجة أنّني أخطِّطُ جدِّيَّاً باستلهام نصوص أدبيّة من وحي عوالم كونسيرتاته المدهشة في تجلِّيات موسيقاه وأغانيه، كما تبهجني “ايرين باباز” بأدائها الجميل وكأنّها تغنّي تراتيل كنسيّة روحانيّة بديعة، لما في صوتها من تجلّيات منعشة للروح، كما أسمع الموسيقى الإيرانيّة الصُّوفيّة الَّتي تجعلني في غاية الفرح والانتشاء لعمق مضمونها وألحانها، وموسيقى الرّحابنة يا إلهي فيروز رسولة الغناء وسفيرة السّلام والبهاء إلى أقصى مرافئ الأحلام، وأسمع وديع الصّافي وصباح فخري وأم كلثوم وموسيقى منير وجميل بشير وعمر بشير ونصير شمّة، وأستمتع جدّاً وأنا أسمع الموسيقى الكلاسيكيّة والسِّيمفونيات العالميّة، كما أستمتع بالاستماع إلى الموسيقى الأصيلة العراقيّة والمصريّة واللّبنانيّة والسُّوريّة. الموسيقى لغة عالميّة كما هو الأمر في الرّسم، حيث لا تتطلَّب الموسيقى إلى ترجمة؛ لأنّها لغة تناجي الرُّوح والقلب والوجدان، وكذلك الرَّسم يحمل بين معالمه وفضاءاته لغة عالميّة رحبة، لهذا أشاهد يوميَّاً العديد من اللَّوحات التَّشكيليّة العالميّة من العديد من دول العالم، وكذلك أستمع عبر اليوتيوب إلى الكثير الكثير من الموسيقى الشَّرقيّة والعالميّة، كما أشاهد الكثير من أنواع الرّقص كالسَّالسا، والفلامنكو، والڤالس، والتَّانغو، والسّامبا والباليه، والكثير من الدّبكات الشَّرقيّة ومن الكثير من دول العالم، وكل هذه الفنون الإبداعيّة تسهم في تعميق فضاءات حرفي وتجلّيات آفاقي في كافّة الأجناس الأدبيّة!

  1. ماذا يعني لك الحرف، اللُّغة، اللُّغات خاصة بعد أن تمَّ تدوين الكتابة والإبداع؟

إنَّ أهم وأكبر اختراع على وجه الدُّنيا هو اختراع الحرف والكتابة واللُّغة، ولولا اختراع الحرف الكلمة اللّغة لكنّا الآن في عصر الظّلمات؛ لأنَّ كلّ الحضارة البشريّة قائمة على اختراع اللَّغة من خلال التَّراكمات الحضاريّة المتتالية لشعوب العالم أينما كانت!

منذ أن كنتُ طفلاً أدهشني الحرف، متسائلاً: كيف عبر هذا الحرف وهذه الكلمة والجملة واللُّغة يتمُّ تدوين حضارة برمّتها، ونقلها من جيل إلى جيل، وتبقى شامخة شموخ الحياة طالما هناك نَفَس وشهيق وزفير على وجه الدُّنيا؟ أنظر باندهاش إلى صوت الحرف، تشكيل لفظ الحرف، إلى رسم الحرف، ثمَّ ربط الحرف مع الحرف، وتشكيل كلمات من بضعة حروف، أندهش إلى أبعدِ الحدود كيف من (28)حرفاً مثلاً يتمُّ تأليف ملايين الكتب؟! اللُّغة مسألة عبقريّة لا تُضاهى، والكتّاب والمبدعون والمفكِّرون والفلاسفة والفنّانون والمهندسون والأطباء والمتخصِّصون في سائر أنواع العلوم بمختلف التَّخصُّصات هم عماد وأسُّ الحضارة لكلِّ مجتمع من المجتمعات البشريّة، وهم مقياس لـ “العلم نورٌ والجهل ظلام”، أجل العلم نورٌ والجهل ظلام! لهذا أرى أنَّ الحرف الّذي تُصاغ منه الكلمة والجملة واللُّغة يقودنا إلى الحضارة، وإلى أقصى أقاصي السَّماء، وإلى أعماق البحار عبر العلم والعلوم، وما هذه النتائج الإبداعيّة من اختراع الأنترنيت والهواتف الذّكية وتكنولوجيا العصر والطَّبابة والعمران وغزو الفضاء، إلَّا من خلال تقدُّم اللّغة على مرّ السّنين والقرون، حتّى العقل الإليكتروني منبعث من اللُّغة، ولهذا نرى كيف يكرّم الغرب مبدعيه ومفكِّريه ومثقّفيه وفنّانيه، بينما نرى في المقابل كيف يتمُّ تهميش وكبح صوت المفكِّرين والمبدعين والمثقَّفين الَّذين يحملون فكراً تنويريَّاً، أو هم على خلافٍ ما مع هذا النّظام أو ذاك، وهكذا يتصارع الشّرق مع ذاتِه على ترّهات آخر زمن وتنشب الحروب والويلات لمجرّد أنَّ هناك اختلاف في وجهات النَّظر بين طرفين، بين الأنظمة والمعارضات، والمفلق في الأمر أنَّ الأطراف المتصارعة لا يحاولون أن يجدوا لغةً للتفاهم؛ لأنّ لغتهم مقعّرة خنفشاريّة وغير مفيدة لكلا الطَّرفين، وهم بكلِّ تفاصيلهم وتفرّعاتهم لم يطوِّروا لغاتهم ورؤاهم وفكرهم؛ لهذا ظلُّوا في العتمة، وإذا كان العلم نوراً، فأين هو نورهم الَّذي يضيء الظّلمة الدَّاكنة الَّتي تغلّف عوالمهم في أغلب العالم العربي؟ مع استثناءات بسيطة وبنسب متفاوتة تكاد تكون غير مرئيّة، ولهذا أرى أنّه من الضّروري أن نولي أهمّيّة كبيرة للحرف للكلمة للجملة للغة، ونكرِّم من يبدع فيها ويفكِّر بشكل متنوِّر وراقٍ وحضاري وإنساني، ونعمل على رفع بنية المجتمع التّحتيّة، وبالتَّالي سيسهل علينا بناء البنية الفوقيّة، وعلى كل مجتمع ونظام وكيان وتيّار وحزب وتجمُّع أن يفكّر بشكل خلَّاق بعيداً عن الرُّؤية الضَّيّقة، بحيث تؤدّي رؤى كلّ هذه المؤسّسات والمجتمعات إلى رفع سويّة المواطن والوطن عبر مؤسَّسات حضاريّة ديمقراطيّة تقدُّميّة تنويريّة راقية، بعيداً عن لغة الإقصاء والقمع والحروب والصِّراعات الَّتي لا تقودنا إلَّا إلى نيران الجحيم الّتي نرى ألسنتها مخيّمة في الكثير من جغرافية العالم العربي! فإلى متى ستبقى مجتمعات الشَّرق والكثير من دول العالم بعيدة عن نور الحرف والكلمة واللّغة التَّنويريّة الحضاريَّة الشّاهقة؟!

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة