تجليات خيال المبدع الأديب و التشكيلي السوري #صبري_ يوسف Sabri Yousef..عن الفنّان التَّشكيلي #حنَّا_ الحائك.. معجون بشهوةِ الطِّينِ..– من كتاب تجليات الخيال – الجزء الثاني..

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نبات‏‏

الفنّان التَّشكيلي حنَّا الحائك معجون بشهوةِ الطِّينِ

وبهجةِ السَّنابل في أوجِ اخضرارها

حنَّا الحائك

(30)

استقبلتني لوحاته مرارًا من خلال حضوري معارضه الغزيرة الَّتي قدّمها في ستوكهولم، تمايلت بتلات الزُّهور والورد الَّتي قدَّمها الزُّوَّار مع ألوان اللَّوحات الَّتي كانت تناجي الزُّوَّار، كأنَّها تحتفي مع زوَّارها وهي في أعلى تماهياتها مع الكرنفالات الفنّيّة الَّتي ملأت صالات العرض حبورًا وحضورًا طيّبًا يبهج القلوب، عناق دافئ غمرني وهو يرتمي بين أحضاني بضفيرتيه المكتسيتَين ببياض الفرح الآتي، لم تبخل اللَّوحات في فتح صدورها الهائجة بألوانِ شهوةِ الشَّمس وهي متألِّقة في توقِها إلى سماءِ الشَّرقِ، وكأنَّها في حالةِ تأمُّلٍ، تدعو السَّماءَ أن تهطلَ مطرًا فوقَ مروجِ الشَّمالِ المتاخمة للأراضي الَّتي قطعَها كلكامش في أعماقِ البراري؛ بحثًا عن نبتةِ الخلاص!

حنَّا الحائك فنّان تشكيلي معجون بشهوةِ الطِّين، متعطِّش إلى بهجةِ السَّنابل وهي في أوجِ اخضرارِها. تبرعمَتْ في أعماقِهِ منذُ أنْ فتحَ عينيهِ على وجهِ الدُّنيا تلاوين الشَّمالِ؛ شمالِ الرُّوحِ، وشمالِ القلبِ، حيثُ معاولُ الأجدادِ ورائحةُ حضارة معرّشة في أعماقِ الجُذورِ، تنضحُ من كلِّ الجِهاتِ، فتشرّبَ من ينابيعَ متعدِّدة، حتَّى سطعَ لونُهُ معانقًا ضياءَ نُجيماتِ الصَّباح!

لوحات طافحة بالسُّؤال عن الغدِ الآتي، يرسمُ الفنّان حنَّا الحائك لوحاته من وحي خيال مكثَّف بتجربة فنّيَّة معرفيّة فكريّة تاريخيّة حضاريّة رحبة. تجربة اغترابيّة مغموسة بتدفُّقات لونيّة على بياضِ اللَّوحة. يرسمُ كمَنْ يكتبُ تأمُّلاته للزمنِ الغابر، وللزمنِ القادم، كأنّهُ في حالةِ تأمُّلٍ مع ذاتِهِ ومعَ الآخر الَّذي يجاورُهُ ومعَ أصدقاءَ رحلوا وأصدقاءَ سيرحلون. يتساءلُ عبر تشكيلاته اللَّونيّة عن آفاقِ ما يكتنفُ العمرُ من أفراحٍ قليلة وآهاتٍ كثيرة. يرى عمر الإنسان معفَّرًا بالجراحِ، حيثُ تتداخلُ وشائجُ الغربة والعذاب والأمل وشهقاتُ الإبداعِ فوقَ حنينِ بياضِ اللَّوحاتِ، مشكِّلةً انسياباتٍ لونيّة باذخة في الجمالِ والبهاءِ والانسجامِ، كأنّهُ في رحلةٍ بَحْريَّةٍ حُبلى بالأحلامِ.

تنسابُ فرشاتُهُ فوقَ خدودِ اللَّوحاتِ، كأنّها همهماتُ العشاقِ وزقزقاتُ العصافيرِ في صباحٍ باكرٍ مغبَّشٍ بضبابٍ خفيف. كثيرًا ما يبتسمُ ساخرًا من مراراتِ هذا الزّمان؛ لأنّهُ يعتبرُ الحياةَ رحلةً سريعةً فوقَ وجنةِ لوحةٍ مزدانةٍ بتساؤلاتٍ لا تُحصى، فتوزّعَت التَّساؤلات على الكثيرِ من اللَّوحاتِ الَّتي تشيرُ بانجرافِ الإنسان عن مسارِ الخيرِ والمحبّةِ، فهل ابتعدَ إنسانُ هذا الزّمان عن دربِ المنارةِ ودربِ الفضيلةِ، تائهًا في وهادِ الضّياعِ، هل هي مسيرةُ صراعٍ بينَ نوازعِ الخيرِ والشُّرورِ المتنامية في صدرِ الإنسانِ منذُ فجرِ التَّكوين؟!

لوحاتُ الحائك متماهية معَ اشتعالاتِ الرُّوحِ من جرّاءِ تفاقماتِ شرورِ هذا الزَّمان. عينان غاضبتان تشعَّان من لوحةٍ مكوّرةٍ بتجاويفَ هائجة من تفاقمِ الأسى، يبني لوحاتِهِ من خلالِ تراكماتش الجراحِ الوارفةِ في رحابِ الأحلامِ، كأنّهُ مستودعٌ آمنٌ لارتشافِ أحزاننا، حيثُ نراهُ يجسِّدُ فسحةَ الأملِ بطريقةٍ شفيفةٍ منسابةٍ مثلَ نضوحِ النَّدى، فتغدو اللَّوحةُ كأنَّها سيمفونيّة منبعثة من اهتياجِ الرِّيحِ المخضّبةِ بأحزانِ وأفراحِ ليالينا المسترخية فوقَ هاماتِ الجبالِ!

يتراءى وجهٌ كالحٌ، يعلوه سنجابًا في صدرِ اللَّوحة. خيالٌ جامحٌ نحوَ ظلالِ الرُّوحِ، كأنَّهُ يفرشُ أحلامَنا وأحلامَهُ عبرَ لوحاتِهِ المنسابة فوقَ بساتينِ القلبِ، ويسقي دالياتنا المعرّشة ببهجةِ الطُّفولةِ، فتسطعُ فجأةً مشاهدُ بديعة لعناقيدَ لذيذةٍ، متدلدلةٍ في خميلةِ الذَّاكرة، لوحاتٌ تشكيليّة متعانقبعضُها معبعض بشكلٍ بهيجٍ، متناغمة، ترقصُ شوقًا إلى حنينِ التُّرابِ؛ حيثُ بلاد آشور وأكَّاد وسومر وبابل، تسقيها بكرمٍ باذخٍ مياه دجلة والفرات. ألوان دافئة وانسيابيّة، غنيّة بمنعرجاتِها وخطوطِها وظلالِها ومساحاتِها المترامية معَ روعةِ الانسجام. رسمَها الفنَّان بالأكريلِ، فارشًا ألوانَهُ كأجنحةِ فراشاتٍ على بياضِ اللَّوحةِ.

يرسمُ الفنّان حنّا الحائك لوحاته بعيدًا عن ضجيجِ هذا العالم، كناسكٍ معتكفٍ في مرسمِهِ المسترخي وسطَ غابة مكتنزة بالهدوءِ والأشجارِ والزُّهورِ البرِّية. يناغي ألوانَهُ ساعاتٍ طوالٍ وهو يفرشُها على خدودِ لوحاتِهِ، كأنّهُ يسقي سنابل الجّزيرة الخضراء، بهفهفاتِ فرشاتِهِ وهو في أوجِ تجلِّياتِهِ وشوقِهِ إلى ربوعِ اللَّونِ المتناثرِ من توهُّجاتِ الذَّاكرةِ المتعانقةِ معَ ربوعِ الحسكة ومرابعِ الصِّبا في القامشلي وبراري الجزيرة العليا، حيثُ السَّنابل في قمّةِ حنينِها لخشخشاتِ نصالِ النَّوارج.

تحملُ لوحاتُهُ في ثناياها نكهةَ الشَّرقِ ونكهةَ الحضاراتِ الموغلة في تواشيحِ الحدائقِ المعلَّقة في ذاكرةٍ توَّاقةٍ إلى نقوشِ المعابدِ القديمةِ، راسمًا مسلّةً شامخةً في يراعِ الحضارةِ، وفارشًا تشريعاتِ حمورابي فوقَ خارطةٍ متماهية مع حكمةِ ما قبلَ هذا الزَّمان وما بعدَ هذا الزَّمان، لوحات منبعثة من تجلِّياتِ فنَّانٍ منبعثٍ من رحمِ أقدمِ حضارة ٍعلى وجهِ الدُّنيا!

شفافيّةٌ مفرحة تسطعُ من اللَّوحاتِ، تتعانقُ الألوانُ مشكِّلةً نهرًا عذبًا، تطيرُ فوقَهُ حمائمُ السَّلامِ، وطفولةٌ مخضَّبةٌ بمروجِ الأوَّلِ من نيسان؛ حيثُ بهجة الرَّبيع والأعياد تغمرُ معابرَ اللَّوحاتِ وهي ترقصُ رقصةَ الرَّحيلِ على إيقاعِ أحلامٍ متشظِّيةٍ من ظلالِ القلبِ؛ بحثًا عن غابةٍ فسيحةٍ، محفوفةٍ بألوانٍ متماهيةٍ معَ موشورِ فرحِ السَّماءِ، عندما يرتسمُ فوقَ قبّةِ النَّهارِ في يومٍ مضمَّخٍ بسديمِ الخيرِ!

هل رسمَ الفنّان حنَّا الحائك لوحاته في اللَّيالي القمراء وهو يرنو إلى تلألؤاتِ النُّجومِ؛ حيثُ نجمةُ الصَّباحِ تبوحُ بسرِّها إلى ظلالِ القمرِ من خلالِ تشكيلاتِ أوجاعِ الرُّوحِ المتغلغلة في أعماقِ غربةِ الفنّانِ، وهو يرسمُ أبراجَ بابل تتهاوى فوقَ طغاةِ هذا الزَّمان وفوقَ انكساراتِ أرواحِ أجيالٍ عديدة، طحنتْها حروبٌ مجنونة، شنّها مهابيلُ من هواةِ صليلِ السّيوفِ واندلاعِ أجيجِ النَّارِ، فلم يجدْ أجدى من رشْرَشْةِ ألوانِهِ الهائجة فوقَ قباحاتِ جنوحِ الصَّولجان؟!

عندما تتأمَّلُ لوحات الحائك، تشعرُ وكأنَّ دموعه امتزجَتْ مع حفاوةِ الألوانِ وتناثرَتْ فوقَ خدودِ الصَّباح، مشكِّلةً خيوطًا من الغمامِ. هل وشَّحَ بريشتِهِ التِّلالَ البعيدة بأحلامِ غيمةٍ ماطرةٍ تتهاطلُ فوقَ عاشقَين وهما في طريقِهِما إلى الارتماءِ فوقَ أزاهير براري الشَّمالِ، الَّتي خبَّأها بينَ أجنحتِهِ قبلَ أنْ يعبرَ البحارَ، وكأنَّهُ في حلمٍ مفتوحٍ نحوَ بيادرِ الطُّفولة.

سألْتُ طفلةً تنظرُ إلى لوحةٍ تبتسمُ ألوانُها المفرحة، رغمَ تناثرِ قطرات الدَّم على ضفافِ النَّهرين: ماذا تشبه هذه اللَّوحة؟

ابتسمَتِ الطِّفلة، ثم قالَتْ بصوتٍ خافت: إنَّها تُشبهُني! أجل؛ تُشبهُ بسْمَتَكِ، ثمَّ همسْتُ في سرّي، متسائلًا: كيفَ استطاعَتْ هذهِ اللَّوحة أن تضيءَ لنا بسمتها وفي حلقها غصّة حارقة؟!

لوحاتُ حنَّا الحائك ممهورةٌ بالأملِ، بالبسمةِ، بالمحبَّةِ، بالوداعةِ، بالوئامِ، لكنّها تغفو فوقَ أحزانِ المدائنِ واشتعالاتِ أوتارِ الحنينِ إلى انسيابِ الدُّموعِ الأخيرة، كأنّها تبحثُ عن المآسي المخبّأة في تعاريج ظلالِ الرُّوحِ. تنبشُ أعماقَ آهاتنا؛ كي تخفِّفَ من جراحِنا من خلالِ وميضِ الأملِ الَّذي ينثرُه الفنَّانُ فوقَ جبينِ اللَّوحاتِ.

بهدوءٍ لذيذٍ تمتَّعْتُ بمشاهدةِ الكثيرِ من لوحاتِ الحائكِ، كلُّ لوحةٍ تزرعُ في نفسي حالةً فرحيّةً، وتفجِّرُ بي حنينًا جامحًا نحوَ ضفافِ ذَاكرةٍ مخضَّبةٍ بالنَّفلِ والحجلِ البرّي، وتفجِّرُ لوعةً، شوقًا، فكرةً تنيرُ آفاقًا وتفتحُ شهيَّتي على كتابةِ القصائد.

تخلَّلَتِ اللَّوحاتُ مواضيعَ عن السَّلامِ والتَّآخي والجنوحِ نحوَ الصَّفاءِ والفرحِ والمحبَّةِ والتَّواصلِ بينَ البشرِ، عبرَ سيمفونيّة لونيّة معتَّقة بألوانٍ مسترخية على حافَّاتِ المدنِ البعيدة، الغافية في ذاكرةِ الفنَّان.

أغلب لوحات الحائك تجريديّة، متداخلة تداخُلًا لونيًّا باهرًا. اخضرار متصاعد نحو ليالي غربة الفنَّان، بحثًا عن تصالحِهِ معَ الذَّاتِ ومعَ الحياةِ، لخلقِ حالةِ توازنٍ بينه وبين الذَّاتِ التَّواقة إلى مرافئِ الإبداعِ، وإلى حالاتِ الانشطارِ الَّتي حلّتْ بنا منذُ أمدٍ بعيد.

الفنَّان حنَّا الحائك غزيرُ الإنتاج، نادرًا ما تجدُهُ خارجَ مرسمه، يعتكفُ ساعاتٍ طوال في مرسمِهِ. يدلقُ ألوانَهُ على خامةٍ بيضاء متعطِّشة إلى أحلامِهِ الهائجة مثلَ غيمةٍ مكتنزةٍ بثلوجِ قطبِ الشَّمال. لا يستطيعُ مفارقةَ عالمِهِ الفنِّي، أنَّه جنّته المفتوحة على غاباتِ ستوكهولم، يتوحَّدُ معَ عوالمِهِ ليقدِّمَ للمشاهدِ رحيقَ تجربتِهِ وصداقتِهِ معَ انتعاشاتِ بهجةِ اللَّونِ.

يتميَّز الحائك بألوانِهِ الغنيَّة الدَّافئة الهائجة المنسابة كخريرِ مياه دجلة والخابور، وقدرته على إبداعِ أسلوبٍ خاصٍّ بهِ. ويبدو واضحًا من خلالِ مشاهدةِ لوحاتِهِ أنّهُ خطى خطوات كبيرة في عالمِ اللَّونِ وتشكيلِ اللَّوحةِ واضعًا في تضاريسِها عوالمه المتراقصة مثلَ سنابلِ الرَّبيعِ، فلا يفوتُهُ أنْ يرسمَ ببهجةٍ عارمةٍ، كمَنْ يرقصُ في حفلٍ ممهورٍ بالأفراحِ. تذكِّرُكَ لوحاتُهُ بتحليقِ الطُّيورِ في بداياتِ الرَّبيعِ، وكأنّهُ في كرنفالٍ فنِّي يحتفي بتزاوجِ الألوانِ، وهي تحنُّ إلى بعضِها. ألوانٌ خارجة من بسمةِ طفلٍ في صباحٍ مبلَّلٍ بمطرٍ ناعم.

يرسمُ الحائك كمن يصلِّي في محرابِ ناسكٍ وهبَ نفسه لتجلِّياتِ اللَّونِ وهو يهفو إلى حنين الرُّوح لبهجةِ السَّماء! .. ويكتبُ الحائك بعد الاسترخاءِ من رحلاتِهِ اللَّونيّة، نصوصًا نثريّة تتقاطعُ معَ عوالمِ الشِّعرِ، أشبَهَ بخواطر شعريّة وتأمُّلات متدفِّقة من انتعاشاتِ بهجةِ اللَّونِ وحنينِ الأرضِ إلى مرافئِ الذَّاكرة البعيدة، فيترجمُ ما يطفحُ من الألوانِ على نصاعةِ الورقِ، فتكتملُ عندَهُ معادلةُ عناق الكلمة معَ اللَّونِ، كأنّهما وجهان لعشقٍ واحد يصبُّ في أوجِ تألُّقِهِ، في انبعاثِ ما يمورُ في داخلِهِ من تدفُّقاتِ وهجِ الإبداع!

 

ستوكهولم: (2015).

صبري يوسف

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏نبات‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏ لا يتوفر وصف للصورة. ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏نبات‏، ‏منظر داخلي‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏
ــــــــربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Sabri Yousef‎‏‏، ‏‏‏نظارة‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏اسم المؤلِّف: صبري يوسف.عنوان الكتاب: تجلِّيات الخيال.- الجزءالأوَّل.

– مقالات نصوص أدبيَّة.- الطَّبعة الأولى: ستو كهو لم (2020م).الإخراج،التَّنضيد الإلكتروني،والتَّخطيطات الدَّاخليّة : (المؤلِّف).- تصميم الغلاف:الفنّان التّشكيلي الصَّديق جان استيفو.- صور الغلاف:للأديب التَّشكيلي صبري يوسف.- حقوق الطَّبع والنَّشر محفوظة للمؤلِّف.دار نشـر صبري يوسف – sabriyousef56@hotmail.comSabri Yousef – (محررمجلةالسلام)

حقوق الطَّبع والنَّشر محفوظة للمؤلِّف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏بما في ذلك ‏‎Sabri Yousef‎‏‏، ‏‏بدلة‏‏‏‏

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة