كتب الأديب والتشكيلي السوري#صبري_يوسف Sabri Yousef ..في حوار الذات مع الذات..ألف سؤال وسؤال.. – الجزء الثاني..- من السؤال – 111 – إلى السؤال 120..

كتب الأديب والتشكيلي السوري#صبري_يوسف Sabri Yousef ..في حوار الذات مع الذات..ألف سؤال وسؤال.. – الجزء الثاني..- من السؤال – 111 – إلى السؤال 120..

  1. تحدّث عن دراستك في الفصل الثّاني حتَّى نهاية الامتحان مع غالب عبدو ومحمد رمضان؟

“أتذكَّر منذ أكثر من أربعين عاماً كيف انتقلتُ من غرفتي في علّية بيت الأستاذ جان زكّو بسبب حرارة الشَّمس الحارقة الّتي بدأت تتزايد منذ بداية نيسان في الغرفة الَّتي أسكن فيها، شعرت أنَّ حرارة الغرفة لا يمكن تحمُّلها، خاصّة أنَّ الامتحانات كانت على الأبواب، وكان من الصّعب أن أراجع المنهاج في البراري مثلما كنتُ أفعل في ديريك بسبب عدم توفُّر هذه الأجواء في الحسكة، فلم يكنْ أمامي خيارٌ آخر سوى الانتقال إلى غرفة أخرى، وفيما كنتُ أشكي همِّي للزميل غالب عبدو في إحدى الفرص، بما كنت أعانيه من حرارة مرتفعة في الغرفة الَّتي أسكن فيها، قال لي: هل تريد أن تنتقل إلى مسكن جديد؟

قلت له: بكلِّ سرور!

أجابني: أنا ومحمّد رمضان انتقلنا منذ أيام إلى غرفة قبو كبيرة نوعاً ما، قريبة من المدرسة وتستطيع إذا أحببت، أن تنتقل إلى الغرفة نفسها؛ لأنّها تتَّسع لثلاثة أشخاص بشكل مريح، ونستطيع أن ندرس معاً في الغرفة، وهناك مجال في أن ندرس أمام البيت الَّذي نسكنه خلال اللّيل على أضواء المصابيح!

وافقت على اقتراحه؛ لأنّه كان مناسباً لي جدّاً، وانتقلت خلال أيام إلى الغرفة الجديدة، ودّعت أصحاب البيت وأعطيتهم إيجار الشَّهر كاملاً، لكنَّ الأستاذ جان لم يأخذ الإيجار منّي، حتّى أنّه أعفاني من دفع قيمة الأيَّام الَّتي سكنتها في الشَّهر الَّذي انتقلت، شكرتهم على حفاوتهم وكرمهم، وخدماتهم الَّتي قدَّموها لي، واعتذرت لهم عن مسألة انتقالي، شارحاً لهم أنّ السَّبب؛ هو أنَّ الحرارة لا يمكن تحمُّلها حتُّى ولو كان لدي مروحة في الغرفة!

ودَّعتهم بكلِّ امتنان، وانتقلتُ إلى غرفة الأصدقاء، استقبلني غالب بكلِّ فرح، وزّعتُ كتبي وحاجياتي في ركنٍ من أركان الغرفة، وقمنا بحملة تنظيفٍ شاملة في الغرفة، ثمَّ خرجنا لشراء بعض الحاجيات الضّروريّة وخطّطنا لراحتنا ودراستنا على أكمل وجه.

استفدت جدَّاً من انتقالي؛ بسبب تكثيف قراءتنا وتحضيرنا للمنهاج، وتقسيم المصروف والإيجار على ثلاثة، وكان غالب ورمضان شاطرَين في طهي الطّعام، فقال لي غالب: أنتَ بشو شاطر يا صبري فيما يخصُّ الطَّعام؟

قلت له: بالحقيقة أنا شاطر جدَّاً بتناول الطَّعام، خاصَّة عندما يكون شهيّاً بالطَّريقة الّتي تعدّونه، فضحكا لردّي وضحكتُ معهما، وخلال وقت قصير تعلّمت كيفيّة طبخ الكثير من الطَّبخات، وكنتُ أساعدهم في تقطيع الخضار وتجهيز الطّاولة، شعارنا كان التّعاون والنّظافة ورمي النِّفايات يوميّاً؛ كي تكون الغرفة نظيفة! كنّا نستغل أغلب وقتنا في الدّراسة، ونحدّد الأسئلة الَّتي نراها مهمّة، خضنا الامتحان باقتدار مادّة تلو الأخرى، ونجحنا نحن الثّلاثة دون أن نحمل أيّة مادّة! ..”.

  1. حضرتَ لقاء في مطرانيّة السَّريان الأرثوذكس في الحسكة، وسألت سؤالاً عبر أوراق سرِّيّة للمطران قرياقس، عندما أجاب المطران عن الأسئلة قفز على الإجابة عن سؤالك، ماذا سألته آنذاك؟

.. “كان لقاءً مهمَّاً جدّاً، أتذكّر جيّداً وقائع هذه الأمسية الرُّوحيّة الدِّينيّة، فقد تحدّث نيافة المطران الرّاحل قرياقس عن بعض الآيات وشرحها، وضرب بعض الأمثلة عليها، وقد دعاني أحد الأصدقاء لهذه الوعظة، فقلتُ له: هل سيتخلّل بعد الوعظة أسئلة من قبل الجمهور الحضور، فقال: بالضّبط؛ لأنَّ المحاضرات تتمُّ بشكل وعظات، ثمّ يتمّ فتْح باب النِّقاش للشبّان والشَّابات من خلال طرح تساؤلاتهم بشكل سرّي عبر أوراق، ثمَّ يستلمها نيافة المطران، وبعد الاطِّلاع عليها، يجيب عنها سؤالاً سؤالاً، فقلت رائع، سأحضر هذه الوعظة؛ لأنّ لديّ سؤالاً مهمَّاً جدّاً، ومحَيّراً جداً، ويحمل بُعداً دينيّاً فلسفيَّاً، ولا أظن أنَّ نيافة المطران سيجيب عنه، فقال لي صديقي: معقول أن يكون سؤالك محرجاً وعويصاً إلى درجة أن يعجز المطران قرياقسعن الإجابة عنه؟ أجل أغلب الظَّن أنّه لا يستطيع الإجابة عنه، أو ربّما يجيب عنه بطريقةٍ ما، لكنّه لا يستطيع إقناعي؛ لأنّ أي جواب ديني محض عن سؤالي سيكون جواباً ناقصاً بحسب تصوّري. جعلتني أتشوّق لسماع السُّؤال ومن ثمّ جواب المطران!

حضرتُ الوعظة في الوقت المناسب، وكنت في الصُّفوف الأماميّة، ركّزت انتباهي على كلّ كلمة قالها نيافة المطران، استغرقت بحدود (45) دقيقة، ثمَّ تخلَّلتها أسئلة عن الوعظة وأي سؤال يخطر على بال الجمهور، وقد كان سؤالي جاهزاً، وزّعوا علينا قصاصات ورقية، فكتبتُ السّؤال التّالي بعد تمهيد السّؤال:

سؤالي نيافة المطران يتعلَّق بموضوع الخير والشَّرّ، وموضوع محاسبة الله لأفعال البشر في الحياة الثَّانيّة، من خلال قراءتي الكتاب المقدّس، تبيّن لي أنَّ الله يعرف كل ما يقوم به البشر من أعمال وأفعال بمعرفته المسبقة للأمور، وبحسب الرُّؤية الدِّينيّة أنّ كل أعمال البشر مكتوبة على جبينه، وهناك الكثير من الآيات تشير إلى هذا الأمر، ففي هذه الحالة لا أرى أيّة ضرورة لمحاسبة الله الإنسان عندما يقوم بأيِّ فعل خيّر أو شرِّير؛ لأنّ فعل الإنسان مرتبط بما كتبه الله على جبين البشر، وبهذه الحالة ينفّذ الإنسان ما كتبه الله على جبينه؛ وبالتَّالي فهو -أي الإنسان- خاضع لإرادة الله؛ ولهذا عندما يقوم الشّرير بفعلٍ ما؛ فهو بهذه الحالة ينفّذ ما كُتِبَ على جبينه؛ أي: ينفذ إرادة الله المسبقة والمقدّرة عليه، فلماذا والحالة هذه يُحاسب الله الإنسان على عملٍ لا يستطيع أن يتجنّبه ماداممقدراً عليه من قبل الله؟!

تمَّ توزيع الأوراق، وعرفتُ ورقتي؛ لأنّني قصّيتُ إحدى زواياها، وأجابَ المطران عن الأسئلة واحداً واحداً؛ لأنّه اطّلع عليها وتصفّحها قبل أن يجيب عنها عبر المنبر، وعندما جاء دوري، قال نيافته:

وردني سؤال من أحد المؤمنين، أعتذر عن الإجابة عنه؛ لأنّه يتطلّب وقتاً طويلاً للإجابة عنه، وهو خارج عن نطاق وعظة اليوم، ويستطيع المتسائل أن يزورني في المطرانيّة؛ كي نناقش معاً هذا السُّؤال! ولم يقُل للإجابة عن هذا السُّؤال، بل قال: للنقاش في هذا السُّؤال؛ لهذا لم أذهب إلى مكتبه، ولم أناقشه ما دام لم يجب عن تساؤلي أمام الحضور!

اندهش صديقي عندما وجد بأمِّ عينيه اعتذار المطران عن الإجابة عن سؤالي.

واستكمالاً لتفنيد السّؤال من جميع جوانبه واحتمالاته؛ كي أتركَ السُّؤال مفتوحاً للقرّاء والقارئات، أقول لو كُتِبَ على جبين إنسان ما أن يقوم بفعل الشَّر، ولم يَقُمْ الإنسان بهذا الفعل من منطلق أنّه يرى فيه فعلاً شرِّيراً، ولا يرضي الله، مع أنّه مُقدَّر عليه من قبل الله، فهل في هذه الحالة يعتبر أنّه خالف إرادة الله المقدّرة عليه، علماً أنّه يقوم بفعل الخير استجابةً لممارسة فعل الخير وعمل الخير، فهل هنا تتمُّ محاسبته أم لا؟ فمن وجهة النَّظر المنطقيّة، فإنَّ عَمَلَ الخير فهو خير، ولكن بحسب مخالفته للقدر المقدّر عليه يكون في موقف مخالفة إرادة الله المقدّرة عليه، فلو تمَّتْ محاسبته في هذه الحالة، وهو يقوم بفعل الخير -من منطلق أنّه خالف إرادة الله من خلال القدر المقدّر عليه- تكون محاسبته غير منطقيّة؛ لأنّه قام بفعل الخير، ولو لم تتمُّ محاسبته على أساس أنّه قام بفعل الخير، فكأنّه خالف ما قُدّرَ عليه، ومع هذا لم يحاسبه الله على كسر إرادة الله، ففي الحالتين يكون الحكم عليه غير مقنع دينيًاً، لهذا أرى أنَّ نظريّة الجبر الإلهي كما هي مطروحة فلسفيّاً ولاهوتياً هي نظريّة غير منطقيّة وغير مقنعة، أي ما هو مكتوب على الجبين، نظرية غير منطقيّة وغير مقنعة دينيّاً وفلسفيّاً معاً؛ لأنّ الإنسان يبقى مقيّداً بإرادة الله المسبقة للأمور؛ لهذا يجب والحالة هذه أن لا يُحاسب على فعله الخيّر أو الشَّرّير؛ لأنّه على الوجهين هو منصاع لإرادة الله بحسب وجهة النَّظر الدِّينيّة، وبهذه الحالة ينتفي مبدأ المحاسبة مادام أنَّ ما يقوم به الإنسان خيراً أو شرّاً هو مقّدرٌ عليه، وهو مجرَّد عبد مأمور لفعل الخير والشَّر! أم أنَّ لديكم وجهات نظرٍ أخرى وتفنيدات أخرى؟!”.

  1. كيف ومتى ترعرع عندكَ شغف الكتابة وكيف تنامت ترجمة هواجسكَ الإبداعيّة تباعاً؟

ترعرعَ عندي شغف الكتابة منذ المرحلة الابتدائيَّة، عندما وجدت الحرف حالة إبداعيّة غريبة ومدهشة، حيث كنتُ وما أزال مندهشاً للغاية من مسألة إبداع الحروف والكلمات والجملة واللُّغات ونقل الأفكار الَّتي تراودنا عبر اللُّغة، حقيقةً أنَّ أكبر إنجاز على وجه الدُّنيا هو إبداع البشريّة للحرف، ولولا الحرف؛ لكانت البشريّة في ظلمة داكنة، وأرى كلّ الفتوحات الإبداعيّة والتَّطوُّرات الَّتي تمّت على مدى التَّاريخ البشري جاءت من خلال الكلمة: الحرف من خلال التّراكم الحضاري على مدى آلاف السّنين، وانبعثَ العديد من الحضارات، وتوزّعت في كلِّ بقاع الدُّنيا. فأنا منذ أن كنتُ طفلاً أبهرني الحرف، وظلَّ يبهرني عاماً بعد عامٍ، كبرتُ وكبر معي هذا الانبهار وصادقته بصدق فكان لي خير صديق، وتنامى معي هاجس اللُّغة وبدأتُ رويداً رويداً أترجم مشاعري عبر قصائد وخواطر وأنا في المراحل الإعداديّة والثّانويّة، وكم كنت أشعرُ بالفرح كلَّما كتبتُ وعبِّرتُ عمَّا يجول في خاطري، كنتُ وما أزالُ كائناً مسكوناً بالحلم، مجنّحاً على مدى سنوات عمري نحو عوالم وفضاءات أحلام اليقظة، مراراً استلهمت قصصاً وأشعاراً ونصوصاً من أحلام اليقظة، ألتقطُ من هذه التَّوهُّجات الحلميّة أفكاراً وأصيغ منها نصوصاً وأشعاراً وقصصاً، لكنِّي أراني في أغلب الأحيان غير قادر على التقاط هذه الهواجس والانبعاثات الحلميّة بكلِّ تفاصيلها وتفرُّعاتها لغزارة انهمارها عليّ، وأحياناً أخرى أشعر وكأنّ هذه الحالة نعمة متهاطلة علي من السّماء، حيث تمنحني غبطةً وفرحاً وجموحاً في فضاءات بوحِ الخيال، لكنّي أجدني في حيرةٍ من أمري إزاء هذه التَّهاطلات الحلميّة المجنّحة نحو مسارات خيالٍ، تموجُ فيه هذه الأحلام الرَّهيفة بطريقةٍ أكون غير قادر على الإمساك بها؛ لهذا أراني أمام عشرات عشرات الأفكار الشِّعريّة والقصصيّة والنُّصوص الأدبيّة المتنوّعة؛ وعلى مدى مساحات المراحل الَّتي حملتُ القلم، أراني منجذباً إلى مئات الأفكار والمشاريع الإبداعيّة، حتَّى أنّني أرى لو عشت ألف سنة فلا تكفيني لتجسيد ما يراودني من أفكار وتطلُّعات وأحلام متلألئة في خيالي؛ لأنَّ الأفكار تتوالد من بعضها بعضاً بطريقةٍ أكون غير قادر على إيجاد الوقت لصياغاتها وتحويلها إلى نصوصٍ إبداعيّة؛ فهي غزيرة ومتفرِّعة على مساحات شاهقة من الخيال، حتّى أنّني أجد نفسي عاجزاً عن استلهام جزء بسيط منها وتدوينه فوق ناصية الورقة، أو على الشّاشة الصَّغيرة، والَّتي أكتب نصوصي مباشرة منذ قرابة عشرين عاماً على برنامج الوورد الخاص بالكتابة، وقد سهَّل عليّ عمليّة الكتابة، فلا أستخدم الورقة والقلم نهائيّاً منذ سنوات، وأصبحت مفاتيح الحروف هي قلمي الَّذي أستخدمه، حتّى أنّني ما كنتُ أصدّق أنّ غابرئيل ماركيز وغيره من الكتّاب ممكن أن يكتبوا رواياتهم وقصصهم وإبداعاتهم على الآلة الكاتبة مباشرة كما قرأتُ عنهم، لكن بعد أن خضتُ تجربة الكتابة على الكومبيوتر مباشرةً، تبيّن لي أنَّ هذه العمليّة أكثر سهولةً وأكثر تدفُّقاً من القلم والآلة الكاتبة، ولا يوجد أي فرق بين القلم ومفاتيح الكتابة من حيث التَّعبير عن تجسيد الحالة الإبداعيّة؛ لأنَّ القضيّة وما فيها ترتكز على أنّنا أمام تدفُّقات أفكار تنساب فوق ساحة المخيّلة، ويجب تلقُّفها وترجمتها وصياغتها على الورق أو على الصَّفحة البيضاء من جهاز الكومبيوتر، وبرأيي أنَّ الكومبيوتر أسهل لترجمة هذه الإبداعات؛ لأنّني أكتب بالأصابع العشرة؛ فلا أجد إرهاقاً وضغطاً على الأصابع؛ لأنَّني عندما أكتب بالقلم أضغط على أصابع الإبهام والسّبابة، وأبذل جهداً في الكتابة؛ فأشعر خلال ساعة أو ساعتين أنَّ طاقتي في إمسكاك القلم في إرهاق شديد، حتّى أنّني أحياناً أشعر بنوع من الخدر في يدي اليمنى، وأمّا في حالة استخدام مفاتيح الكتابة فالضغط هو خفيف وموزّع على الأصابع كلّها، وهو أشبه ما يكون بعزف أغنية على آلة موسيقيّة أو على مفاتيح البيانو، حيث تعطي النّقرات إيقاعاً يدبُّ بالحياة والحركة والتَّفكير والمتعة وأنا أتلقّف انبعاثات وهجِ الإبداع، ولا أرى متعةً على وجه الدُّنيا تعادل نشوة انبعاث ولادة الإبداع، وتمنحني طاقات خلّاقة وقدرات مدهشة في الاستمراريّة على الكتابة، وهكذا فإنَّ بداية مشواري في الكتابة وُلِدَ من خلال شغفي بالكتابة والتَّعبير عمّا يعتريني من هواجس ورغبات دفينة في أعماقي، وتنامى شغفي مع الزّمن إلى أن وصلتُ إلى حدِّ الَّلاعودة من هذه الرِّحلة الممتعة مع عالم الحرف والأفكار وترجمة توهُّجات الخيال، وأشعر بسعادة عميقة تغمرني كلَّما أكتب نصَّاً جديداً، كأنِّي ذلك الطّفل وذلك المراهق والشّاب في أوج عمري وعطائي، وأزدادُ عودةً وغوصاً في عوالم طفولتي ومرابع الشَّباب عندما أكتب نصوصي، ومَن يتابعني يجدُ بكلِّ وضوحٍ أنَّ نسبةً كبيرةً من إبداعي تعود إلى الذَّاكرة البعيدة، وأنَّ الإنسان يحنُّ إلى طفولةٍ وشبابٍ مضى؛ كي يعيشَ ما فاته من الماضي بطريقةٍ حلميّةٍ جديدة، أو ربّما يرفض المبدع في عقله الضَّمني موضوع التَّقدم في العمر، والعمر أشبه ما يكون نسمة عابرة وسريعة، ولا يشعر المبدع بالعمر ولا بالزَّمن؛ لأنّه غالباً ما يكون خارج الزَّمن؛ لأنّه في حالةِ انغماسٍ متواصل مع التَّدفُّقات والتَّحليقات والمشاعر الَّتي تنتابه، فهو يعيش في حالة شبه دائمة مع عوالم تدفُّقاته الإبداعيّة، فيمرُّ الزَّمن ولا يشعر به إلّا وهو على أبواب الوداع الأخير، ولهذا أراني في الآونة الأخيرة في حالة تدفُّقات شرهة للكتابة، كأنِّي بهذه الشَّراهة أريد اختزال الزّمن والعمر والحياة؛ كي أترجم بعضاً أو كثيراً ممّا يعتريني، ويبدو أنَّ هذا الشُّعور بالفقدان والإسراع في ترجمته عبر نصوص هو نوع من التَّركيز على البقاء في الحياة؛ لأنّه يبدو وكأنَّ المبدع يريد لهذه الذّات أن تبقى في الحياة من خلال ما يترجمه من أفكار، مع أنّني لا أهاب الرَّحيل ولا أفكر نهائيّاً بموضوع الوداع الأخير، أكتب وكأنّني سأعيشُ إلى مدى الدَّهر؛ لأنَّ الموت هو نوع من الحياة من خلال الكلمة الَّتي كتبناها، سواء من حيث خلود الكلمة، أو من حيث امتداد الفكر والرُّؤى الَّتي نحملها بين أجنحتنا وتبقى مرفرفة على وجنةِ الحياة، وهكذا هناك عدّة طرق لاستمراريّتنا في الوجود، كما هو الأمر عند بعض الأنبياء والقدِّيسين والمفكِّرين والفلاسفة الكبار والشُّعراء والمبدعين الخلَّاقين بمختلف أجناسهم الإبداعيّة والفنّيّة، فهم بطريقة أو بأخرى كأنّهم أحياء وفي عالم الخلود من خلال الرّؤية والأفكار الخلّاقة الّتي قدّموها عبر إبداعهم على مدى سنوات عمرهم وتبقى حيّة وخالدة في الحياة، مادامت ستظلُّ متعانقة مع بني البشر جيلاً بعد جيل؛ ولهذا أجنح نحو تجسيد الأفكار الخلّاقة الّتي لها معنى شاهق في ترجمة إنسانيّة الإنسان، والوقوف في وجه الحروب والصّراعات والعنف والقتل والدّمار؛ لأنَّ الحياة جميلة وراقية بما نحمله ونترجمه من رؤية خلّاقة، والحياة رغم جمالها وأهمِّيتها، هي مجرّد رحلة قصيرة وعابرة على وجنةِ الزّمن، وما على الإنسان إلَّا أن يقدِّم أجمل ما لديه للحياة؛ كي يبقى موغلاً في أعماق الحياة على مدى الزّمن، وإلّا سيرحل مثلما يرحل أي كائن يدبُّ على وجه الدُّنيا؛ ما لم يحمل بين أجنحته فكراً خلَّاقاً مستنيراً؛ وما لم يقدِّم أبهى معالم الجمال والحب والفرح والعطاء المفيد لبني البشر بأقصى ما لديه من عطاءٍ عبر فضاء تجلّياته الإبداعيّة والمعرفيّة والفكريّة والرُّوحيّة والإنسانيّة الوئاميّة الرّاقية الّتي تصبُّ في رحاب أرقى حضارات البشر.

  1. ما هي الطُّموحات الّتي كانت تراودك بعد أن اجتزتَ امتحانات الصَّف الخاص؟

راودتني الكثير الكثير من الطُّموحات، إلى درجة أنّني كنتُ محاصراً بالطُّموحات منذ نشأتي وبداية شبابي حتّى الآن، حتّى أنّني أرى أنَّ الطّموحات سرقتني من الحياة بكلِّ بهائها وروعتها؛ لأنّني كنتُ مشغولاً بطموحاتي ودراساتي، ثمَّ غصتُ في متاهات فضاءِ الإبداع حتَّى النّخاع، وظللتُ أغوص عميقاً في هذه الجموحات ولذائذ الإبداع؛ إلى أن أصبحَ الإبداع محور حياتي، وأقصاني عن الحياة بكلِّ دقائقها وروعة تفاصيلها، وبرأيي أنَّ المبدعين والمبدعات الَّذين هم على هذا الإيقاع هم أكبر المظلومين والمظلومات في الحياة؛ لأنّهم يعيشون حالاتهم الإبداعيّة بعيداً عن الحياة بكلِّ بهائها وجمالها واحتياجاتها ولذائذها ومهامها؛ لأنَّ الحياة قصيرة جدّاً، ولا تتحمّل كلّ هذا الغوص العميق والتّوهان في عوالم الإبداع، وأرى الإبداع أشبه ما يكون محرقة المبدع نفسه، لأنّ الإبداع يحاصر المبدع حصاراً حارقاً، ويجعله أسير توهُّجاته الإبداعيّة، وكأنّ الحياة هي مجرّد حالات إبداعيّة لا غير؛ لهذا أرى من حيث التّحليل المنطقي ضمن هذه السِّياقات الانغماسيّة في مسارات الإبداع، أنَّ حياة المبدعين خاطئة خطأً من العيار الثّقيل، ويجب أن يتوازن المبدعون مع الحياة كما تقتضي الحياة كحياة ومعيشة واستمتاع بكلِّ ما فيها من جمال وخصوبة وعطاء وعشق وأسرة وترحال وسفر ولقاءات على كافّة المناحي، ولكن الإبداع كحالة لا يخضع لأي منطق، فهو يخترق المنطق نفسه؛ لأنّه حالة تجلِّياتيّة خارقة، ولا يمكن ضبطه ضمن معايير منطقيّة معيّنة؛ لأنَّ المبدع نفسه لا يتحكَّم بهذه الحالات، بل يبقى كما قلت أسير هذه الحالات الإبداعيّة، وكأنّه مدمن على الإبداع، ولا يجد متعته في الحياة إلّا عبر شغفه المتواصل مع ممارسة إبداعه، ومن هذا المنظور ممكن أن نعدَّ المبدع مريضاً أو مصاباً بمرض الإدمان على الإبداع، لكن الفرق ما بين إدمانه هذا وإدمان من يدمن على المخدّرات والقمار والغش والاحتيال والإفراط في الجنس شاسعٌ للغاية؛ لأنَّ إدمانه قائم على عطاءات خلّاقة، بينما بقيّة أنواع الإدمان، هي إدمانات هدّامة؛ لهذا أبيح لنفسي أن أكون مدمناً على الإبداع إلى أقصى درجات الإدمان من أن أكون مدمناً على المخدّرات أو القمار، وليس من السّهولة في هذا السِّياق أن يخلق المبدعون المدمنون حالات توازن في حياتهم، ويتوقَّف هذا الأمر على مدى انغماس المبدع نفسه في عوالمه الإبداعيّة، فهناك من المبدعين الَّذين يحبُّون التَّواصل مع المجتمع ومع الحياة، ويمارسون حياتهم بشكل رحب وجميل وممتع، كما هو الأمر عند الرِّوائي العراقي صموئيل شمعون محرّر مجلة كيكا ومجلّة بانيبال، فهو أشبه ما يكون بابن بطوطة العصر، كل أسبوع نراه في قارة ودولة وعاصمة، إلى درجة أنّني أراه مدمناً بامتياز على السّفر والتّرحال والبارات واللّقاءات ومعايشة الحياة أكثر من أي شخص عادي منغمس في الحياة، مع أنّه طوال عمره مشغول بالأدب والإبداع والكتابة وإصدار المجلّات وترويج الأدب والثّقافة الإبداعيّة الرّاقية، لكنّه استطاع أن يسخّر الإبداع لمتعه وفرحه، وينقل الإبداع من الجدران الأربعة إلى فضاء الكون من خلال لقاءاته وتواصله مع الحياة من بابها العريض، ويعجبني صموئيل شمعون كمبدع وروائي يعيش الحياة بكلِّ ما فيها من جمال ومتعة وتواصل وتعاون وعطاء، حتَّى أنّني أحسده على ما يستطيع القيام به من صولات وجولات في عواصم العالم، لكنّه حسد إيجابي على أيّة حال، وهو صديق رائع وراقٍ من الطّراز الرَّفيع، وكم مرّة وعدني هذا الصَّديق الجميل أنّه سيهديني سيارة من أحدث السِّيارات عندما يصبح غنيّاً، مرفقاً بوعده هذا قهقهة من قهقهاته الرّائعة، وهو في حقيقة الأمر كريم للغاية وذكي للغاية في وعده؛ لأنّه على هذه الطَّاسة والحمّام لن يصبح في حياته غنيّاًمادام هو في حالةِ عناقٍ محموم لزيارةِ عواصم الكون، وهو على ما أراه من أكثر المبدعين الَّذين لديهم صداقات في العالم؛ ولهذا أعتبره من أغنى الأغنياء، سواء أهدى إليّ سيارة أم درّاجة ناريّة أم كاساً من النَّبيذ المسكّر!  كما أعجبني المبدع الرّائع الصَّديق بدل رفو في تجوالاته إلى أصقاع العالم وكتابة نصوصه الرّاقية عن أدب الرّحلات، فكم يبهجني أدبه عن هذه العوالم البهيجة الَّتي يزورها ويكتب عنها بطريقة سرديّة راقية للغاية! .. وغيرهم كثير ممَّن يعيشون الحياة والإبداع معاً.

وهكذا نجدُ أنَّ الكثير الكثير من المبدعين غير راضين عن حياتهم؛ لما فيها من خسائر وتضحيات وفي الوقت نفسه نجد الكثير من المبدعين أو المهتمِّين والشَّغوفين بالإبداع، غاصوا في لذائذ الحياة وكنف الحياة الاجتماعيَّة والأُسريّة والحياتيّة، ويشعرون أنّهم فقدوا أجمل ما في الحياة؛ وهي طموحاتهم الَّتي راودتهم مراراً ولم يحقِّقوا منها إلَّا الجزء اليسير، وهكذا نجد أنَّ البشر بمختلف تصنيفاتهم؛ المبدعون منهم أو غير المبدعين غير راضين عن طريقة حياتهم بنُسبٍ معيّنة؛ ولهذا من الأهمّيّة بمكان أن يحقِّق المبدع نوعاً من التَّوازن، وكذلك من جمّد إبداعه عليه أن يعطي للإبداع حيّزاً من اهتماماته، وعلى هذا وذاك أن يخلقَ نوعاً من التَّوازن في حياته؛ كي يعيش الحياة، ويحقِّق أجمل ما يمكن أن يبدعه، وعموماً لا يمكن أن يحصد المبدع إبداعاً خلّاقاً، ويعيش الحياة بكلِّ رغائبها ومعالمها، فكلّ إبداع يأتي على حساب خسارات أخرى؛ ولهذا علينا أن نقبلَ أقلَّ الخسارات، وتختلفُ الخسارات من شخص إلى آخر، ومن جهتي أجدني خسرتُ خسارات فادحة في الحياة، وفشلتُ فشلاً ذريعاً في معايشة الحياة، لكنّي ربحت من جهةٍ أخرى كتابات ربّما تعادل أكثر بكثير ممّا خسرتُ في الحياة؛ لأنَّ كل ما نعيشه في الحياة يموت برحيلنا، ويبقى الإبداع مرفرفاً على وجنةِ الحياة إلى الأبد، حتّى ولو كانت حياتنا الَّتي عشناها سلسلة مريرة من العذابات، وعزاؤنا الوحيد هو أن يبقى إبداعنا ساطعاً وشامخاً على وجه الدّنيا على مرِّ السِّنين!

115- ما رأيك بواقع حال المرأة في الشَّرق، وواقع حال الرَّجل أيضاً؟

راودني هذا السُّؤال مراراً، وتحدّثتُ عن واقع المرأة مراراً، وواقع حال الرّجل ليس أفضل من المرأة في بعض جوانبه، فكلّما كان واقع المرأة مريراً؛ انعكست مرارته على الرّجل أيضاً؛ لأنّه مسؤول بطريقة أو بأخرى عن هذه المرارات، ومسؤول عن حلّ ومعالجة هذه المرارات، فكيف سيحقِّق الرّجل هذا التّوازن المخلّ في طينِ الحياة وفي إعداد الطَّريق للسير على مسار الحضارات؟؛ لأنَّ الرّجل الَّذي يظلم المرأة ليس ذلك الرّجل الموجود في قاع المجتمع، وليس ذلك الرّجل الموجود في المجتمع، فهو مسحوق أيضاً مثل المرأة، إن لم يكُنْ أكثر منها، وهو أيضاً ضحيّة انسحاق وتخلّف المرأة؛ لأنّ عليه تقع الكثير من التَّبعات، فمثلاً: في إدارة الأسرة وبناء الأسرة والزَّواج والتَّكفُّل بتمويل الأسرة غالباً ما تقع أغلب هذه المسؤوليات على كاهل الرّجل؛ على أساس أنّه ربّ الأسرة، ولا يعجبني اصطلاح عبارة ربّ؛ لأنّ الرّجل في وضعٍ لا يسمح له نهائياً أن يكون في موقع الرّب، لا معنىً ولا مكانةً ولا واقعاً؛ لأنَّ واقعه هشٌّ وميئوس منه؛ لهذا أرى أن الرَّجل أيضاً ضحيّة من ضحايا المجتمعات العربيّة المتخلّفة؛ لأنّه هو الآخر مقموع من قبل السُّلطات والأنظمة والقوانين الجائرة في حقِّ المواطن، ناهيك عن الظّلم الجائر على المرأة من خلال الكثير من القوانين والعادات والتَّقاليد السَّائدة في دنيا الشَّرق والعالم العربي، وكم أضحكُ عندما أجد بعض برلمانات الدَّول العربيّة تناقش التَّساؤل التّالي: هل قيادة المرأة للسيارة حلال أم حرام؟ وأجيب بدوري: أنّه لمجرّد أن يراود برلمان ما، أن يطرح هذا التّساؤل كافٍ أن أقول: أنّ برلماناً كهذا يعيش في عصر ما قبل الظُّلمات، في الوقت الّذي نرى كيف تقود المرأة في أوروبا البواخر والطّائرات والقطارات والشّاحنات وكل أنواع السِّيارات، وتقود السِّياسات بما فيها قيادة الاتّحاد الأوربي برمّته، أليس من العار والغرابة والنّكتة السَّمجة أن يتساءل برلمان ما في هذا العالم تساؤلكهذا؟! ويذكِّرني هذا التّساؤل بحالة أخرى أكثر ظلماً وقبحاً وانحداراً؛ وهو موضوع جرائم الشَّرف، والّتي تقود بعض العادات والتَّقاليد في بعض المجتمعات العربيّة إلى قتلِ المرأة عندما تتعرّض لجريمة اغتصاب وما شابه ذلك، والغريب بالأمر أنّهم يتركون الجاني الَّذي اغتصب المرأة ويقتلون المرأة؛ بحجّة أنّها جريمة الشّرف، ولا بدَّ أن يغسلوا العار، وقد نسي هؤلاء الّذين يقتلون المرأة أنّه من العار أن يتركوا الجاني ويقتلوا الضَّحية، وقد قلت في سياق هكذا استبيان منذ سنوات: إنَّ الّذي يقتل المرأة من منظور الدّفاع عن الشّرف ليس لديه ذرّة شرف! ولو عنده شرف، فليبحث عن الجاني، ويحيله إلى محكمة عادلة، ويحيل المرأة المغتصبة إلى أطباء نفسانيين؛ كي تتمَّ معالجتها من الصّدمة والهول الّذي لحقَ بها؛ لأنّها ستكون في حالة مريعة يُرثى لها!

المرأة لا تختلف عن الرَّجل في الإبداع والعطاء والعمل والإنتاج، خاصة إنتاج البشر، وأتمنّى من كلّ قلبي لو حبل الرّجل بقدرة قادر، وحمل الجنين في بطنه تسعة شهور، خاصّة الرِّجال الَّذين يظلمون المرأة؛ كي يعرفوا إلى أي مدى هذا الكائن الحنون الرَّاقي يتعذّب بإنجاب البشر كلّ البشر، فكلُّ البشر جاؤوا من رحم المرأة، وكلّ ما قام ويقوم به الرّجل في هذه المعادلة هو قيامه بمتعة عميقة وهو ينكح أنثاه، ثمَّ نجدها كيف بعد هذه المتعة تحمل جنينها في أحشائها تسعة شهور، وكم من النّساء يتمُّ ضربهنَّ وهنَّ حبالى وهنَّ مرضى وهنَّ في عشِّ الزَّوجيّة؛ لهذا على كل رجل أن يفكّر دقيقة واحدة أنّه بطوله وعرضه وجبروته وسلطته وصولجانه جاء من رحم المرأة؛ فمن العار عليه أن يظلم المرأة الّتي أنجبته وأنجبت البشريّة برمَّتها، ويهدر حقّها ثمّ يتساءل بكلِّ صفاقة: هل قيادة المرأة للسيارة حلال أم حرام؟ إنّه لمن الوقاحةِ ومن الجريمة بمكان أن نرى أو نسمع تساؤلاً كهذا يُطرح تحتَ قبّةِ البرلمان! .. برلمانات آخر زمن!

إذا أرادَ المجتمع الشَّرقي والعربي أن يتقدّم نحو الأمام، ويلحق بركب الحضارة العالميّة، ويحقِّق نجاحاً في تطوير مجتمعه وبلاده؛ ما عليه إلَّا تشريع قوانين ودساتير تعطي للمرأة والرَّجل حقَّيهما، ويعملان معاً جنباً إلى جنب؛ كي يتمَّ النُّهوض بالبلاد، وإلَّا سيبقى العالم العربي والشّرقي في حالةٍ يُرثى لها إلى أجلٍ مفتوح!

  1. ما سبب انحسار ثقافة الفرح والحب والسَّلام في الشَّرق وفي الكثير من أرجاءِ العالم؟

لقد “تاه الإنسان عن بهجةِ الفرح والحب والسَّلام في الكثير من أرجاءِ العالم، انخفاسٌ مرعب في خاصرةِ الكون، جنوحٌ مريع نحوَ خراب إنسانيّة الإنسان، ضياعٌ مخيف عن أهداف الوجود، توهان لا يخطر على بال عن جادة الصَّواب، يغوصُ العالم رويداً رويداً نحوَ القاع، ينزلقُ عميقاً، ينحدرُ إلى أسفل السَّافلين، من حيث انحسار وضمور ثقافة الفرح والحبِّ والسَّلام، مع أنَّنا الآن وعلى مستوى المعمورة قاطبةً، خاصَّة في الشَّرق والعالم العربي المرير، بأمسِّ الحاجة إلى تعليم وترويج وتعميق ثقافة الفرح وثقافة الحبِّ وثقافة السَّلام والوئام بين البشر كلّ البشر، ليس بالكلام فقط، بل بترجمة هذه الثَّقافة على أرضِ الواقع بالفعل، بحيث أن يكون هذا الهدف ضمن أهم استراتيجيّات الدُّول والبرلمانات في كلِّ أنحاءِ الكون؛ لأنَّي لا أرى على السّاحة العالميّة -وخاصَّة في دنيا العالم العربي وما يجاوره- سوى تفشِّي “ثقافة” الكراهيّة والبغض والحقد الدِّفين، وتفشِّي الحروب والصّراعات المجنونة بشكلٍ مرعب، وكأنَّ مجيء الإنسان في هذه الدَّول والكثير من الدُّول الَّتي على هذه الشَّاكلة، هو من أجل العذاب والألم والأنين والقتل والموت البغيض والكراهيّة المقيتة والانحطاط الفكري، إلى درجة أنَّ هذه الدُّول توحي لنا بممارساتها، وكأنّها لم تدخل في القرن الحادي والعشرين، بقدر ما عادت إلى العصور ما قبل الحجريّة بكثير!

والسُّؤال الَّذي يضع النّقاط على الحروف هو: هل من المعقول أنّه لا توجد قوى كونيّة، عالميّة، محلِّيّة إقليميّة، تفهِّم هؤلاء المهابيل وأنصافِ المهابيل والمهابيل إلى درجةٍ لا تُطاق، أنَّ كلَّ هذه الانجرارات نحو هذه البؤر العقيمة والمميتة من الدّمار واندلاعات النّار، ليست لصالح أيِّ طرف من الأطراف، بل هي لصالح بعض المرضى من بعضِ الأطراف الَّتي تؤيِّد هذه التُّرّهات السَّقيمة؟! فمنهم مَنْ يطبّق توجّهات خنفشاريّة لا تناسب أي بشر على وجه الدُّنيا، ومنهم مَنْ يتاجر بالسِّلاح ويريد افتراس النَّفط والغاز والإنسان وروعة الاخضرار والقائمة طويلة في استفحال الشَّراهات الافتراسيّة، ونسَي هؤلاء المفترسِين عن قصدٍ أو عن غباء، أنَّ الحياةَ لا تتحمّل كلّ هذه السَّخافات والصِّراعات القميئة الَّتي نراها متفشِّية في الكثير من أرجاءِ المعمورة، حتّى ولو كانت آلهة الآلهة تطرحها، فكيف لو طرحها بعض البشر الجهلاء؟!

نسَوا إنسانيّتهم، كينونتهم، نسَوا الأهداف والأخلاق والقيم النَّبيلة الَّتي من أجلها خُلِقَ الإنسان على وجهِ الدُّنيا، نسَوا أنَّ جوهر الحياة يتمحور في العطاءات الخلَّاقة الرَّاقية، وليس بالقتل والعنف والعنف المضاد المهيمن على وجه الدُّنيا بشكلٍ بغيض وغير مقبول لأيِّ عاقلٍ على وجهِ البسيطة!

نحن في القرن الحادي والعشرين، قرن “الآيفون” الَّذي لا يتجاوز بضع سنتيمترات، مع هذا يستطيع المرء أن يطلَّ من خلالِه على الكون برمّته عبر كبسة زر أو لمسة خفيفة، فكيف جنَّ جنون البعض وكأنّهم خارجون عن سير التّاريخ، وخارجون عن جغرافيّة هذا الزّمن، ليدخلوا في زمنٍ معشَّشٍ بالرّماد؟!

كيف لم يفهم هؤلاء أنَّ كلَّ فعل أحمق لابدَّ أنّه يُفَهْرس ويُسجّل ويوثّق في قائمة الغباء الأزلي بحقِّ الكثير من البشر الحمقى، من حيث تثبيت وتوثيق ما نراه ويراه الجميع، فلماذا لا يقف الإنسان في كلِّ بقاعِ الدُّنيا وقفةَ رجلٍ واحد، ضدَّ بعض الجهلاء، ويضعهم عند حدِّهم رغماً عنهم وعن ترّهاتهم، ويعالج عقدهم المستعصية على الحلّ، بأيّةِ طريقة من الطُّرق المناسبة للمجتمع البشري، قبل أن يستفحلوا في القارَّات، ويرشرشوا سمومهم بشراهةٍ مشينة على الكثير من أبرياء هذا العالم؟!

الرُّدود بسيطة والتَّبريرات كثيرة، تبريرات فعل الشَّر! ولكن مهما تكن التَّبريرات مقنعة أو محاججة للردِّ على تساؤلاتي، فإنّه من غير المقنع أن يهجر هؤلاء الفرح، الحبّ والسَّلام ويغوصوا في بؤرة الخراب والدَّمار ويركِّزوا على القتل والنّار وإشاعة الرُّعب في قلوب البشر. لا أرى أي هدف لكلِّ هذه الممارسات سوى تشويه الدِّين وتشويه صورة الإله نفسه، فهل من المعقول أن يسمحَ الإله ممارسات قميئة كهذه، وأسألهم: ماهي الغاية في قتلِ البشر وكأنَّهم يصطادون الفراشات بالشِّباك ويتمتَّعون بجمال الفراشة، أو كأنّهم في رحلة ترفيهيّة وهم يقصُّون رقاب البشر بقلبٍ بارد وحارق، ولا يمتُّ للإنسان والإنسانيّة بصلةٍ على الإطلاق؟ فإلى متى سيُتْرَكون هؤلاء يسيرون في متاهات غيِّهم وكأنّهم حالة طبيعيّة ومقبولة لدى البشر؟!

إنَّنا لو نظرنا إلى سلوكهم الفرحي وانتصاراتهم الوهميّة وهم يدحرجون جماجم البشر ويلعبون فيهم بأرجلهم ككراتٍ، سنجد أنّهم يحتاجون إلى ملايين الأطباء النّفسانيين؛ كي يقنعوهم أنّهم مرضى من العيار ما فوق الثَّقيل؛ لأنّهم لا يمكن أن يكونوا طبيعييِّن وهم يستمتعون بقتل البشر بهذه الطَّريقة المرضيّة، هذه اللّذة المرضيّة هي لذّة وهميّة عقيمة، وتولّد لهم حالات انفصام وخلل في المخِّ والمخيخ والذّاكرة والحياة؛ لأنّهم -أصلاً – لا يعيشون حياتهم حياةً  طبيعيّة، وإلّا لو فكّروا بالحياة الطَّبيعيّة؛ لكانوا طبيعيين، وبحثوا عن الفرح، والحبّ والسَّلام! وإنَّ كلّ كائن حي لا يركِّز عبر علاقاته وسلوكه وممارساته على هذا المثَّلث البديع: الحبّ، والفرح، والسَّلام مع الإنسان، ومع البشر كلَّ البشر هو إنسان مريض؛ ويحتاج إلى معالجة ما بعدها معالجة!”.

  1. أين كنتَ عندما تمَّ إصدار نتائج الصّف الخاص؟

كنتُ في ديريك مع الأصدقاء، في صيف (1976)، اتّصلت مع قسم النّسخ في مديرية التَّربية، وهناك كان أبو بول السّيد عيسى بولص يقدّم لنا خدمات جليلة، وخبَّرني أنّني من النَّاجحين؛ سررتُ لهذا الخبر، وقال لي: إنَّ أغلب الطُّلَّاب والطَّالبات نجحوا باستثناء عدد قليل حملوا بعض المواد، وسيقدّمونها كدورة استثنائيّة، ثمَّ أصبح الصَّف الخاص يخضع لنظام السَّنتين كمعهد إعداد المدرِّسين. دخلت في العام الواحد والأربعين منذ نجاحي في الصَّف الخاص، وهكذا تمرُّ السُّنون من مرافئ العمر وتبقى هذه الذّكريات ساطعةً في محراب الخيال، أشعرُ وكأنَّ الماضي البعيد حصل في زمنٍ آخر غير الزّمن الذَّي عشته، يبدو لي أحياناً بعيداً إلى مساحات لا تُحصى؛ من كثرة الأحداث الَّتي غمرت حياتي؛ ومن كثرة التَّشظِّيات الّتي خلخلت مساحات كبيرة من منعطفات عمري وحياتي، وفي الوقت نفسه أتذكّر تلك الفترة بالكثير الكثير من تفاصيلها، كأنّها حصلت منذ أيام من حيث التّذكُّر ومن حيث الوقوف عند بعض التّفاصيل المدهشة في تذكُّرها، خاصّة استعادة الأسماء والكثير من المتفرّعات الَّتي كانت تربطني في المكان والزّمان والصّداقات، أندهش جدّاً من ذاكرتي الحجريّة في الكثير من الأحيان، كأنّ المواقف والأحداث تمَّ تدوينها على الحجر، وظلّت ساطعة أمامي بكلِّ نقوشها الحجريّة، حاولت أكثر من مرّة أن أجري بحثاً لهذه الذّاكرة وتبيان سبب قدرتي على التّذكُّر بهذه الخصوبة الرّهيفة، خاصّة عندما أتذكّر مواقف من الماضي البعيد والّذي لا يمكن تذكّره حتّى ولو كان مكتوباً، أحياناً كثيرة أتذكّر حتّى النّأمة والحركة والهفوة والكلام العابر وبسمة من صديقة، ووردة قدّمتها زميلة، وتنفرش أمامي النّكات والقهقهات ومواقف بسيطة غير هامّة، لكن استحضارها يبدو لي بهيجاً وممتعاً للغاية، تشمخ أمامي بحفاوة وحميمية عميقة، وبعد مراجعة دقيقة لهذه القضايا المتعلّقة بالتّذكُّر تبيّن لي أنَّ الإنسان يتذكّر هذه الأمور أو أنا أتذكَّر هذه الأمور بعيداً عن لغة التَّعميم؛ لأنّه لا يمكن تعميم هذه القضيّة فيما يخصُّ الذَّاكرة والتَّذكُّر؛ فكلُّ إنسان له طريقته في التّذكُّر، فبالنّسبة إليّ يبدو أنَّ محطَّات العمر الّتي أتذكَّرها  بكلِّ حضورها وتفاصيلها ناجمة عن مدى تفاعل الرُّوح والخيال والعقل والشُّعور واللَّاشعور في كلِّ هذه التّفاصيل؛ لأنّني عندما التقطُها في سياق نصوصي وكتاباتي وحرفي أشعرُ ببهجة عميقة تغمرني، حتّى وإن كانت بعض المواقف مؤلمة وحزينة للغاية، فمجرّد أن أتذكَّرها؛ تمنحني بهجةً غامرةً، وتطفحُ من عينيّ دموعُ الحنين، وأشهقُ وكأنّني ماثلٌ أمامَ الحدث، وكأنّي أعيشُ اللّحظات ذاتها لحظة كتابتها وتجسيدها على شاشة الكومبيوتر، وتبيّن لي أيضاً أنّني كنتُ وما أزال أخبِّئ كلّ ما أتذّكره بهذا الوضوح والتّفاعل والكثير من الدّقة، ناجمٌ عن استرخاء هذه الحميميات بكلِّ تنوُّعاتها بين مروج الرُّوح، وأشعر وكأنَّ للروح ذاكرة، فهل للروح ذاكرة؟ هذا سؤال موجّه لعلماء النّفس وعلماء اللَّاهوت والرُّوحانيّات، وهل عندما يتواصل المرء مع الذَّاكرة البعيدة كأنّه يتواصل مع روحه ومع ذاته؛ لهذا تزداد الذُّكريات سطوعاً وتذكُّراً، وهل حواري مع الذَّات هو نوع من تفعيل الذَّاكرة وتجسيدها عبر الذَّات الحاضرة كنوع من استعادة الماضي وخلقه من جديد، وبالتَّالي تدوينه عبر الحرف على الورق؛ كي يبقى شامخاً إضافة إلى سطوعه في الذَّاكرة، وهل هو شعور عميق بأهمِّية أن يتمَّ تدوين هذه الذِّكريات الحميمية؛ حبّاً في أن تبقى في الحياة بعد الرَّحيل، وهو نوع من إصرار الإنسان على أنّه باقٍ في الحياة رغم رحيله حتّى ولو عبر حرفٍ ظلَّ ساطعاً عبر الذّاكرة وبهاء الرُّوح وقد آن الآوان أن يغفو فوق يراع القصيدة بكلِّ تجلِّياتها من خلال انبعاث هفهفات بوح الذّاكرة المنبلجة فوقَ منارةِ طينِ الحياة الآن وبعدَ الآن؟!

ذلك هو السّؤال، وهو من أهم محاور حوار مع الذَّات! فهل تمكَّنت أن أوصلَ المرسال عبر حيويّة الذّاكرة المتناغمة مع بوح الرُّوح وتجلّيات حنين الذّات المبرعمة من جديد عبر احتضان حبور الذَّاكرة البعيدة؟

  1. أين كنتَ عندما صدر قرار تعيينك في إحدى المدراس الابتدائيّة بعد تخرّجك من الصَّف الخاص؟

كنتُ قبل إصدار قرار تعييني بأسبوع في دمشق، وقضيتُ قرابة شهر في ربوعها، “وقد شعرتُ بعد صدور نتائج الصَّف الخاص، أنَّ لوزتيَّملتهبتان، تناولت الكثير من الحبوب وبعض الإبر من دون أيّة فائدة، نصحني بعضهم أن أجري عمليّة لوزات خلال الصَّيف قبل افتتاح المدارس، فوجّهت أنظاري نحوَ دمشق، حيث كان أخي نعيم يؤدّي الخدمة الإلزاميّة، وكانت أوّل مرّة أرى دمشق، يا إلهي دمشق عاشقة لا تنام!

توجّهت من سوق الحجاز نحو طبّالة عن طريق باصات طبّالة جرمانا، نزلت في موقف طبّالة، شارع دويلعة، وهناك وجدت عشرات الشَّباب من ديريك، فدلُّوني على بيت أخي نعيم، أخذني بالأحضان، وكان الصَّديق سمير حماوي مستأجراً معه، بعد فترة راجعت الطَّبيب وعاينَ لوزتيَّ، ثمَّ طلب منّي أن أزوره مرّة أخرى؛ لتحديد موعد لإجراء عمليّة لاستئصال اللَّوزات!

حاول نعيم أن يقنعني بفكرة إلغاء إجراء العمليّة، ونجح في إقناعي؛ كي نتمتّع في الوقت بدلاً من أن نصرف كلّ هذه المصاريف على إجراء العمليّة، مؤكّداً لي أن التهاب اللَّوزات يحصل مع أغلبنا، وسوف تتشافى اللَّوزات مع الزَّمن، ونستطيع أن نقضي وقتاً ممتعاً في دمشق خلال فترة وجودي، وستتحسّن لوزتاي من خلال تغيير الجو. اليوم نستطيع أن نذهب إلى السِّينما خلال المساء، وأعرّفك على معالم الشَّام، وغداً سآخذك إلى باب توما؛ كي نتمشّى في أزقّتها الضَّيقة الجميلة وبيوتها القديمة الملاصقة لبعضها بعضاً، وسأريك كنيسة حنانيا والبطريركيّة، ثمّ سنذهب إلى شارع القصّاع، ستجد أجمل جميلات دمشق، ستطيب لوزتاك من دون أيّة عمليّة! ضحك سمير حماوي، فيما كان يسمع مخطَّط أخي نعيم.

…. … أخذنا ليلاً باصات الحجاز، ثمَّ مشينا في قلب المدينة متوجِّهين نحو ساحة المرجة، ومن هناك نحو سينما الكندي، كان جبل قاسيون يعانق السّماء، حضرنا فيلماً لغوَّار الطَّوشة، مليئاً بالمقالب والفكاهات، خرجنا ونحن نضحك، ثمَّ تناولنا سندويشة فلافل وكأس عيران، وتمشَّينا في المدينة، كنتُ شغوفاً بقراءة آرمات المحلَّات والفنادق والمطاعم، تجذبني أنواع الخطوط؛ لأنّني خطّاط ومولع بأنواع الخطوط، ثمَّ أخذنا باص طبّالة، حيث كان سمير بانتظارنا؛ لتناول طعام العشاء!

قضيتُ وقتاً طيّباً في دمشق، نسيتُ الهدف الَّذي جئت من أجله، حتّى أنّني شعرت أنَّ لوزتيَّ في تحسُّن مستمر، وخفَّ التهابهما كثيراً، ظلَلْتُ في دمشق حتَّى قبل صدور قرار تعيين المعلِّمين بأسبوع، أعطيت لنعيم أغلب ما تبقّى معي من فلوس، وقطعت بالبولمان المتّجه نحو القامشلي، وتركت مصروف طريق فقط معي، وإيجار طريق للذهاب للحسكة والعودة إلى ديريك.”.

وصلتُ إلى ديريك بعد رحلة ممتعة في ربوع دمشق، وبعد أسبوع صدر قرار تعيين دفعتنا من الصَّف الخاص، فوجّهتُ أنظاري نحو الحسكة، التقيتُ بالعزيز أبو بول؛ رئيس قسم النَّسخ، وبلّغني أنَّ قرار تعييني تمَّ مبدئيّاً في مدرسة محركان؛ وهي قرية تابعة لقبور البيض، مؤكّداً لي أنَّ موضوع نقلي إلى قرية تابعة لديريك سهل، لكن لا بأس أن تباشر بالعمل في مكان تعيينك، ثمَّ سنعالج موضوع نقلك إلى أطراف ديريك، تسلَّمتُ قرار تعييني، وودّعته وودَّعتُ ابنته ختام الّتي كانت تعمل معه، ووجّهتُ أنظاري نحو محركان!

  1. كيفيّة التحاقك بابتدائيّة محركان التَّابعة للقحطانية، قبور البيض؟

بعدَ أن “صدر قرار تعيين المعلمِّين والملِّعمات، وكان تعييني في مدرسة محركان التّابعة لقبور البيض، تسلَّمت قرار تعييني، وتوجّهت نحو قبور البيض، ثمَّ أخذت سيارة أجرة من قبور البيض إلى محركان!

التقيت مع مختار القرية، دعوتُ عن طريق المختار إلى اجتماع سريع عند المختار لبعض أولياء التَّلاميذ؛ ولبّوا دعوتي، فتحتُ أبواب المدرسة، كانت المدرسة تتألّف من غرفتين من اللّبن: غرفة صغيرة للمعلّم، وغرفة صف كبيرة للتلاميذ، طلبتُ من المختار أن يكلِّف بعض أولياء الطُّلَّاب بأن ينظِّفوا المدرسة، ويمسحوا الأرض والجدران، ويكلِّسوا الجدران بالكلس؛ كي تكون نظيفة، وأعطيتهم مهلة ثلاثة أيّام، وفعلاً بدأ -بعد ساعات- العمَّال بالعمل بهمّة كبيرة، دعاني المختار إلى الغداء، ورحّب بي بعض وجهاء القرية، وتناولنا الغداء، ثمَّ زرنا كنيسة مار جرجس في محركان. أشعلت شمعة هناك بنيّة أن أنتقل من محركان إلى أقرب قرية متاخمة لديريك!

داومتُ يومَين في مدرسة محركان، ثمَّ عدتُ أدراجي إلى الحسكة؛ كي أنتقل إلى أقرب قرية من ديريك”.

هل من المعقول أن تمرَّ كلّ هذه السَّنوات وتبقى محركان شامخة في ذهني مع قبّة كنيستها المقدَّسة مارجرجس، مع أنَّني لم أبقَ فيها سوى يومَين فقطـ، ومع هذا لمجرّد أن ينتقل لفظ محركان إلى ذهني، أشعر بحنين عميق إلى هذه القرية الّتي كانت الخطوة الأولى في تعييني معلّماً في الحلقة الابتدائيّة، معَ أنّني لم أعلّم يوماً واحداً في ابتدائيّة محركان؟ كم كان الأهالي يحملون طيبةً ورغبةً عميقة في المساعدة والتَّكاتف والتَّعاون، تحيّة إلى كلِّ أبناء محركان وإلى أبنائها الَّذين توزّعوا من هناك إلى الكثير من بقاعِ العالم!

  1. كيف انتقلت إلى قرية خربة عدنان خلال أيام قلائل؟

ذهبتُ إلى مديريّة التّربية في الحسكة؛ كي أرتّب موضوع نقلي، التقيت من جديد مع رئيس قسم النَّسخ؛السيّد عيسى بولص أبو بول، وناقشت معه موضوع نقلي من محركان، فقال لي: نقلك إلى ديريك بالذّات صعب مباشرة، ولكن ممكن أن يتمَّ نقلك إلى قرى قريبة من ديريك.

أنا أريد في البداية أن أنتقل إلى قرية قريبة من ديريك. أخذَ قرار تعييني ومباشرتي بالعمل، وذهبنا معاً إلى مدير التّربية، قدّمني على أنّني معيل لأسرتي وأحد أقربائه، ويعرف وضعي معرفة جيّدة، وطلب من مدير التَّربية نقلي إلى أقرب قرية من ديريك، فقال له مدير التَّربية: ولكن الأستاذ معيّن بمدرسة محركان منذ أيّام، أجابه أبو بول: أن ينتقل الآن أفضل من أن يتمَّ نقله بعد شهر أو شهرين؛ كي يباشر بطلّابه على مدى العام كله! طيّب دقيقة، نظر مدير التَّربية إلى الشَّواغر في القرى التَّابعة لديريك وقال: هل يناسبك يا أستاذ أن تنتقل إلى مدرسة خربة عدنان؟

أيوه أستاذ، يناسبني تماماً!

فتمَّ نقلي إلى قرية خربة عدنان!

أصدر مدير التَّربية قرار نقلي مباشرة بخطِّ يده، وأخذنا قرار نقلي إلى قسم النَّسخ ودقَّت ختام، ابنة أبو بول، القرار، لأنّها كانت تعمل في قسم النّسخ أيضاً، ثمَّ عدْتُ أدراجي إلى محركان ثانية، وقدّمتُ انفكاكي وختمتُ انفكاكي بختم المدرسة وظلَلَت تلك اللَّيلة في محركان، وفي اليوم الثَّاني قلت للمختار: سأتوجّه إلى ديريك وأعود قريباً للمباشرة في العمل فيما إذا بقيت مستمرّاً في تعييني على قيود مدرستكم، ولم أخبره عن موضوع انتقالي؛ كي لا أصدمه!

أجابني: عفواً أستاذ، نحن نريدك في مدرستنا، وستلقى كلّ الحبّ والتَّعاون، تفضَّل ألقِ نظرة على المدرسة، أصبحت مثل العروس!

كانوا فعلاً قد نظّفوا المدرسة وكلَّسوها بحسب طلبي، وقبل أن أنطلق من محركان باتجاه قبور البيض، جاءني ولي أمر أحد الطُّلاب وطلب منّي أن أزوِّده بشهادة نجاح أحد الطُّلاب الرَّاسبين في الصَّف السّادس العام الماضي، فقلت له: أنا ما كنتُ العام الماضي معلمّاً في هذه المدرسة، بأيِّ حقٍّ سأزوِّدك بوثيقة كهذه؟إنَّ مدير التَّربية نفسه لا يستطيع أن يزوِّدك بوثيقة، فقط المعلّم الَّذي درّس تلاميذ هذه المدرسة العام الماضي هو الوحيد الَّذي يستطيع تزويدك بوثيقة نجاح.

أجابني: نعم، زوَّدنا بوثيقة راسب للطالب، فقلت له: إذاً يجب على الطَّالب أن يداوم في صفّه، ولو اجتهدَ؛ سأزوِّده بوثيقة نجاح في هذا العام!

شكرني، ثمَّ ودَّعني، وأنا وجّهت أنظاري نحو القحطانة، ومنها إلى ديريك!

وضعتُ قرار انفكاكي في بريد قبور البيض، وفيما كنت أنتظر على الطَّريق العام، وجدت سيارة تاكسي تتوقَّف من تلقاء نفسها، نزلَ منها أحد الرُّكاب في قبور البيض، وصعدتُ بدوري في مكانه متوجّهاً نحو ديريك بسرورٍ كبير!

… وصلتُ إلى ديريك عصراً، ثمَّ “ذهبتُ باكراً في اليوم التَّالي إلى مدرسة خربة عدنان، والَّتي كانت تبعد بحدود ساعة أو أقل سيراً على الأقدام. كتبتُ مباشرتي بالعمل، وختمتها بختم مدرسة خربة عدنان، وأرسلتها عن طريق بريد ديريك إلى مديريّة التَّربية بعد عودتي من الدَّوام.”.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة