كتب الأديب والتشكيلي السوري#صبري_يوسف Sabri Yousef ..في حوار الذات مع الذات..ألف سؤال وسؤال.. – الجزء الثاني..- من السؤال – 121 – إلى السؤال 130..

كتب الأديب والتشكيلي السوري#صبري_يوسف Sabri Yousef ..

في حوار الذات مع الذات..ألف سؤال وسؤال.. – الجزء الثاني..

من السؤال – 121 – إلى السؤال 130..

  1. ما أهم ما تعلَّق في الذَّاكرة خلال فترة التَّعليم في مدرسة خربة عدنان؟

“اشتغلت في ابتدائيّة خربة عدنان قرابة شهرين، كنت أذهب من بيتي إلى القرية مشياً على الأقدام، لكنِّي حلّيتُ مشكلة الذِّهاب والإياب باستعارة درَّاجة أخي والرُّكوب عليها ذهاباً وإياباً!

شعرتُ أنَّ العمل في ابتدائيّات القرى أشبه ما يكون أشغالاً شاقّة، خاصَّة عندما يكون المعلِّم وحيداً في تدريس التَّلاميذ من الصَّف الأوَّل حتَّى الصَّف السَّادس. تعرّفتُ على الطُّلَّاب ووزَّعتهم إلى مجاميع؛ كل مجموعة تضمُّ صفّاً، قرابة (40) طالباً من كافّة الصُّفوف، أكثر مَن لفت انتباهي طالب من طلَّاب الصَّف الثَّالث الابتدائي، كان يسمى ميشيل سليمان، ابن السَّيد “سلي”، حيث كان والده معروفاً بشجاعته ونحافة جسمه وقصره، وجرأته النّادرة، وكان ميشيل يتذرّع كلَّما أسمِّعه الدَّرس قائلاً لي: أستاذ، والله العظيم لمبتنا انكسرت امبارحة باللَّيل، ما قدرت أعمل دروسي.

طيب ليش ما عملت وقرأت دروسك بالنّهار؟

يا أستاذ أبوي هلكني هلكان، ما يخلِّيني أرتاح لا باللِّيل ولا بالنّهار.

ليش هلكك، عم يضربك؟

لا، ما عم يضربني بس يا ريت يضربني ولا يعمل شي الّي عم يعلمو فيني.

شو يعمل فيك؟

امبارح مثلاً وقبل امبارح أخذني على الوروز، حقول الجبش والبطيخ، وقال لي: بدّك تقطف الجبش وما تخلّي جبشة في الورز، تعا ولحّق يا أستاذ.

شو رأيك أستاذ لو أجيبلك معي بكرا جبشة أو بطيخة على المدرسة؟

خلّينا من جبشتك ومن بطِّيختك، وركّز على دروسك وبعدين اِحكيلي على الجبش والبطّيخ والشّمَّام والتَّرعوز.

بدّي أركّز يا أستاذ بس يفكّ أبوي منّي وما يورّطني في الورز مرّة تانية!

طيّب ميشيل، سلملي على أبوك وقلّو خلّي يخفِّف عليك موضوع لملمة الجبش والبطيخ والفنجكات من الوروز!

معليش أستاذ تسلَّم عليو وأخبّره على وصيّتك.

خطَّطتُ أن أنتقل من خربة عدنان، قبل حلول الشّتاء؛ لأنّه يستحيل أن أتمكَّن من الذِّهاب والإياب على الدّراجة خلال الشِّتاء، وليس من المعقول أن أذهب إلى القرية على ظهر البغال، مع أنَّ فكرة ركوب بغلة مثل بغلتنا البيضاء كانت تراودني، ولكنّنا ما كنّا نملك بغالاً في حينها! ولهذا وضعت كلّ تركيزي للانتقال من القرية إلى ديريك، وبعد جهود جهيدة، تمكّنتمن أن أنتقل إلى إعداديّة يوسف العظمة موجّهاً لطلّاب الصَّف السِّابع والثَّامن، وهكذا تخلّصتُ من همِّ الذِّهاب والإياب إلى مدرسة خربة عدنان؛ لأنَّ برودة الشِّتاء كانت على الأبواب!”.

  1. راودكَ همٌّ كبيرٌ أن تستمرَّ في مدرسة خربة عدنان خلال الشّتاء، ولكن قبل حلوله تمَّ تعيينك موجِّها في إعدادية يوسف العظمة، مدرسة ناظم الطَّبقجلي سابقاً، تحدَّث عن فترة عملك موجّهاً؟

حاولتُ أن أنتقل إلى إعداديّة يوسف العظمة موجّهاً؛ لأنَّ نقلي معلّماً إلى إحدى المدارس الابتدائيّة  الشَّاغرة كان مستحيلاً، لأنَّ التَّنقلات كانت تتمُّ بحسب القِدم، ولا بدَّ أن يخدم المعلّم على الأقل سنة في الرِّيف، ثمَّ ينتقل إلى المدينة، ولكن موضوع تعيين المعلّم وندبه موجِّهاً في إعداديّة وثانويّة أيّة مدرسة كان يتمُّ من دون النَّظر إلى فترة خدماته؛ لأنّه كان يُعيَّن تعييناً وليس نقلاً بحسب القِدم، وهكذا “بعد حوالي شهرين من التَّعليم في مدرسة خربة عدنان وقبل حلول الشِّتاء، تمَّ تعييني وندبي موجّهاً في إعداديّة يوسف العظمة، والّتي كانت سابقاً مدرسة ناظم الطَّبقجلي الَّتي درست فيها الابتدائيّة حتّى الفصل الأوَّل من الصَّف الرَّابع، وقد عمَّروا للمدرسة الابتدائيّة ملحقاً يتضمّن عدّة غرف للشُعَبِ الإضافيّة، وكان يعمل معي في حينها في التَّوجيه الأستاذ أفرام رفو المعروف باسم أفرام كورية جلو والَّذي أصبح لاحقاً قسيساً لكنيسة ماردودو في ديريك، وكان الأستاذ جرجس بهنان في حينها مديراً للإعداديّة”.

سررتُ جدَّاً بنقلي إلى ديريك موجِّهاً، كنتُ قد استلمت أربع شعب للصف السّابع، والأستاذ أفرام كان لديه أربع شعب من الصّف الثّامن. كان فوق باب الصَّف الَّذي كان يقع في نهاية الصّفوف من الجهة الشَّرقيّة للمدرسة، حكمة مكتوبة منذ أن كنتُ أدرس فيها عندما كانت مدرسة ابتدائيّة، بخطٍّ عريض: “الصّحّة تاجٌ فوق رؤوس الأصحّاء”، امتازت هذه المدرسة بباحة كبيرة، وقد كان لديّ شعبتان في البناء الأساسي وشعبتان في الملحق، وكان مكتبي الخاص بالتَّوجيه في الملحق أيضاً.

كنتُ حازماً ومرناً في الوقت نفسه، وجادَّاً وملتزماً بالدَّوام، فجأةً وجدتُ نفسي موجّهاً والكثير من زملائي كانوا في صفِّ البكالوريا أو الحادي عشر، حيث رسبَ بعضهم في الصَّف التّاسع وفي البكالوريا، وقد سألني مدير الإعداديّة فيما إذا أريد الانتقال إلى القسم الثَّانوي على أساس أنّها قريبة من بيتي، لكنّي رفضتُ رفضاً قاطعاً، قائلاً للمدير: يا أستاذ نصف طلّاب الصّف الحادي عشر والبكالوريا هم زملائي، فضحك وقال: فعلاً هذا يسبِّب لك إحراجاً كبيراً عندما يتأخّر أحد زملائك وتقول له: ليش متأخّر على الدَّوام؟! وقد داوم آنذاك القسم الثّانوي خلال الفصل الأوَّل في إعداديتنا ولهذا كنّا في الفصل الأوَّل دوامَين ثمّ انتقل طلَّاب الشُّعب الثَّانوي إلى ثانوية يوسف العظمة.

كان الموجّه أفرام رفو ناجحاً جدّاً في عمله، واستفدتُ منه الكثير من المعلومات المتعلّقة بالتَّوجيه، مركّزاً على ضرورة أن لا يأخذ الطُّلّاب الّذين أعرفهم معرفة قريبة وجهاً عليَّ؛ لئلّا تفلت وشائج الاحترام والطّاعة فيما بيننا، مشدِّداً على ضرورة أن أكون حازماً نوعاً ما، بحيث أن تكون العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل وضبطِ الطّلاب بهيبة سلسة لتطبيق قوانين المدرسة دون أيّة صدامات أو إشكالات، وفي حال وقوع مشكلة فيما بين الطُّلاب؛ ضرورة حلّها بحكمة وبحسب القوانين الواردة في النّظام الدَّاخلي للمدارس!

كانت سنة ولا أحلى، حضرتُ حفل زفاف زميلي أفرام، وحضر هو حفل زفاف أخي الكبير، وكلَّلَ مارينا ابنة أخي في سودرتالية، حيث يقيم القسيس في السُّويد مع الخورية ماري الَّتي كانت زميلتي في الصَّف الخاص!

  1. ما هي أبرز المواقف الطّريفة الَّتي حصلت معك خلال فترة اشتغالكَ موجّهاً في الإعداديَّة؟

.. “إنَّ أطرف ما يتلألأ في مروج الذَّاكرة، بعض القصص الطَّريفة الّتي حصلت مع الأستاذ نوري خلف مدرّس مادّة العلوم، خلال فترة اشتغالي موجّهاً في إعدايّة يوسف العظمة.

ما كان يستطيع الأستاذ نوري خلف أن يقضي فصلاً كاملاً من فصول السَّنة في أيَّة مدرسة يتعيّن فيها، وسرعان ما كانت الشَّكاوي تتقدّم من قبل الطُّلاب والمدرِّسين والمدير ضدّه، فيضطرُّ مدير التَّربية أن ينقله من مدرسة إلى أخرى، وقد كان مدرِّساً مكلّفاً من مدينة القامشلي.

عرف مدير الإعداديّة الأستاذ جرجس بهنان بموضوع تنقُّلات الأستاذ نوري خلف من مدرسة إلى أخرى، فأراد أن يفاجئَ مديريّة التَّربية بأنّه قادر مع الهيئة الإداريّة والمدرّسين والطُّلَّاب، على أن يستوعب هذا المدرّس على مدى فصلين متتاليين، وفعلاً نجح المدير البارع في إبقاء المدرّس على صفوفه وشعبه على مدى فصلَين متتاليَين للصفِّين الأوَّل والثَّاني الإعدادي!

لم أرَ في حياتي الأستاذ جرجس بهنان يضحك، لكنّه ضحك مراراً من خلال القصص الطَّريفة الَّتي كان يسمعها عن الأستاذ نوري خلف، فقلت للمدير: تعرف أستاذ جورج أنتَ إنسان ذكي جدَّاً.

وكيف عرفت هذا؟

لأنّه لو تعيَّن الأستاذ نوري خلف موظِّفاً في مديريّة التَّربية؛ سوف ينتقل مدير التّربية بعد شهور إلى الرَّقّة أو ديرالزّور هرباً من مشاكله وغرائبيّته.

ضحك المدير وقال: أريد فعلاً أن أتحدّى مديريّة التَّربية على أنّه ممكن أن نتحمّل مدرّساً كهذا على علَّاته، وإلّا لماذا نحن مدراء ندير المدارس؟!

ونظراً لأنَّ بعض ساعات الأستاذ نوري كانت ضمن صفوف شعبي المسندة إليَّ كموجّه ومشرف على الطُّلاب الَّذين يدرّسهم؛ لهذا عندما كنتُ أجد لديَّ وقت فراغ، كنتُ أطلب منه أن أحضر درساً عنده على أساس أنَّ حضوري هو جزء من عملي كموجّه؛ ولضبط الصَّف من جهة أخرى؛ كي يسير الدَّرس بشكل هادئ بدون مشاكل مع الطّلاب!

حضرت درساً من دروسه، وجلستُ في الصُّفوف الخلفيّة؛ كي أستطيع مراقبة الطُّلاب المشاكسين؛ وكي أرى كيفية شرح المدرِّس دروسه للطلّاب!

دخلت قبله إلى الصَّف، ولهذا عندما دخل تفاجأ بانضباط الطُّلاب وهدوء تام خيّم على الصَّف، سجَّل أسماء الغياب. ثمَّ بدأ يشرح الدَّرس، وكأنّه يستعرض عملاً مسرحيَّاً، على أساس أنَّ شخصيّته قويّة، ثمَّ بدأ بشرح الدَّرس قائلاً: هناك حيوان “سغير سغير”، يعيش في البحار “والمحيتات”، وفي الأنهار “السَّغيرة”، اسمه اسمه…. ثمَّ ينظر إلى السَّقف ولا يتذكّر اسم عنوان الدَّرس!!!

يعود ويبدأ من جديد، قائلاً: درسنا اليوم هو على حيوان “سغير سغير”، يعيش في البحار “والمحيتات”، والأنهار “السَّغيرة”، هذا الحيوان يتغذَّى على الأسماك وبعض الكائنات “السَّغيرة” الّتي تعيش في الأنهار والبحار، يدعى يدعى، ثمَّ ينظر ثانيةً إلى السّقف ويركَّز لاستحضار اسمه، لكنه لا يتذكَّره، فتتغيّر ملامح وجه، ويعود قائلاً: درسنا اليوم هام جدَّاً، ويدور حول حيوان “سغير سغير” يعيش في البحار والأنهار “السّغيرة” اسمه اسمه، ولا يتذكَّره؛ فيتعصّب من نسيان الاِسم ويقول: اسمه باللُّغة الكرديّة “الكيفشال”!

أنا متأكّد، لولا وجودي في الصَّف لقام الصَّف فوقاني تحتاني، لكنَّ طلَّاب الصّف ظلّوا منضبطين ولم أجد أيّة فوضى فيه، وإلّا سيتعرّض المشاغب إلى عقوبة، مع انَّني كنت على وشك أن أنفجر من الضّحك عندما قال: اسمه باللُّغة الكرديّة “الكيفشال”!

رفع أحد الطُّلاب بكلِّ جدّيّة يده وقال عفواً أستاذ عندي سؤال!

تفضَّل ابني تفضَّل.

هذا الحيوان الصَّغير الّذي تتحدّث عنه يسمّى بالكرديّة “الكيفشال” وماذا يسمَّى بالعربيّة؟!

نظر المدرِّس إلى الطَّالب بجدِّيّة أكبر، ثمَّ تمتم لنفسه: “نْها وخْتي تبُوْ”! أي هلَّا وقتكْ كانْ، تسألني هذا السَّؤال، وقال للطالب برافو يا شاطر. ثمَّ فتح الكتاب وقال، افتحوا الكتاب على الصَّفحة كذا.

فتحوا الطُّلاب الكتب على الصَّفحة المطلوبة، وقال لهم اسم هذا الحيوان هو: سرطان الماء العذب! ثمَّ همس لنفسه متمتماً: “نافي وي كَلكْ دريشا، اشْوِلي مشْبيركرْ نافي وي”. أي اسمه طويل جدّاً، لهذا نسيتُ اسمه!

أجاب الطَّالب: لكنِّي يا أستاذ كنتُ أستطيع أيضاً أن أفتح الكتاب وأقرأ اسمه.

ابتسم للطالب وحاول أن يلفلفَ الموضوع من خلال طرحه السُّؤال التَّالي:

طيّب، أيّهما أحلى وأسهل أن نقول: سرطان الماء العذب أم “الكيفشال”؟!

أجاب جميع الطُّلاب وبصوتٍ إيقاعي، “الكيفشال”!

أيّهما أحلى وأسهل؟ ردَّ الجميع ثانيةً بما فيهم أنا بالذَّات: “الكيفشال”.

كان مدير المدرسة يسير بجانب الصّف فيما كان الطُّلاب يردِّدون عبارة “الكيفشال”، وسمع جميع الطُّلاب بإيقاع واحد يردِّدون “الكيفشال”، فاستغرب على هذا الصَّوت متصوِّراً وجود فوضى في الصَّف في حصّة الأستاذ نوري خلف، فدخل الصَّف، وإذ الدَّرس يسير على خير ما يرام، والهدوء يخيِّم على الصَّف، فتساءل المدير، أظنُّ أنَّ الطُّلاب ردَّدوا مرَّتين “الكيفشال”!

ضحك الأستاذ نوري وقال بكلِّ ثقة: فعلاً هذا ما حصل؛ لأنَّ درسنا اليوم أستاذ هو على “الكيفشال”!

وقفتُ وأنا ابتسم للمدير، والبسمة مرتسمة على وجوه الطُّلاب أيضاً، وأسعفتُ المدرّس، قائلاً للمدير: فعلاً أستاذ جورج الأستاذ نوري أجادَ في شرح درس اليوم، والَّذي حمل عنوان: “الكيفشال”، وقد خيّر الطُّلاب وسألهم مرَّتين: أيّهما أحلى وأسهل: اسم سرطان الماء العذب أم “الكيفشال”؟ فأجاب الطُّلاب بالإجماع: “الكيفشال”.

سألني المدير، هل حضرت الدَّرس من بدايته؟

طبعاً، حضرته من بدايته.

إذاً مرّ على الإدارة في نهاية الدَّرس؛ لنناقش بعض الأمور الإداريّة.

بكلِّ سرور.

انتهت الحصّة الدَّرسيّة، شكرتُ المدرّس على الجهود الَّتي بذلها في شرح الدَّرس، خرج المدرّس وخرجت بدوري متوجِّهاً نحو الإدارة، وخرج الطُّلاب وهم يردِّدون “الكيفشال”، والضُّحك يغمر قلوبهم!

نظرتُ إلى المدرّس مؤكِّداً له أنَّ نسبة كبيرة من الطُّلاب لا تتذكّر عنوان الدَّرس؛ نظراً لطوله وصعوبة حفظه، بينما جميع الطُّلاب حفظ بكلِّ سهولة اسمه القصير بالكرديّة “الكيفشال”.

ضحكَ المدرِّس قائلاً: أنا نفسي نسيتُ اِسمه فكيف لا ينسونه الطُّلاب؟!

ضحكتُ بدوري، ثمَّ توجّهت نحو غرفة المدرِّسين ودخلت غرفة الإدارة!

حالما نظرتُ إلى المدير، ابتسم لي وقال: “الكيفشال”! ضحكنا ثمَّ جلستُ أشرح للمدير كيفيّة سير الدَّرس. كانت قهقهاتنا ترتفع عالياً، ثمَّ قال المدير: حقيقةً ستكون خطَّة جبّارة لو استمرَّ الأستاذ نوري حتَّى نهاية الفصل الثَّاني، عاماً كاملاً يدرِّس في إعداديّتنا، ستكون أوَّل مرّة في تاريخ محافظة الحسكة، أن يستمرَّ فصلين متتالين؛ لأنّه هو نفسه لا يستطيع الاستمرار بأيّة مدرسة أكثر من فصل واحد، فهو يطلب نقله؛ لأنّه لا يتحمّل مشاكل الطُّلاب، ويريد أن يدرّس طلاباً جدداً في مدارس جديدة!

وهذا ما أشتغل عليه يا أستاذ جورج؛ لأنّني أحاول أن أحلَّ كلّ مشاكله، وأحضر بشكل مفاجئ لدروسه، وأجد انضباطاً في دروسه؛ لأنَّ الطُّلَّاب يتوقّعون حضوري في أيَّةِ لحظة”.

  1. كيف كان ردّ فعل مفتّش العلوم الأستاذ ميخائيل لولي عندما أجبته: الأستاذ نوري خلف ممتاز؟

تموجُ هذه المشاهد والذّكريات بحنان كبير أمامي، وأتذكّر “فيما كنتُ في أحد الصُّفوف، كيف بلّغني أحد المدرِّسين، أن مفتّش مادّة العلوم الأستاذ ميخائيل لولي يريد أن يلتقي بي، وكان في الإدارة بانتظاري.

مرحباً أستاذ.

أهلاً وسهلاً، أنا مفتش العلوم، أسألكَ كونكَ موجّه طلاب الصَّف السَّابع وقسم من الصَّف الثَّامن، كيف هو الأستاذ نوري مع الطُّلاب؟

قلت له، ممتاز!

نظر إليَّ مندهشاً، كيف موجّه صف يقول عن الأستاذ نوري خلف: ممتاز؛ لأنَّ كلّ موجّهي المحافظة كانوا يعانون منه ومن مشاكله مع طلَّابه، مع أنّه كان يدرِّس طلاب الصَّف الأوَّل والثَّاني الإعدادي فقط!

من أيّة ناحية هو ممتاز؟

من أغلب النَّواحي!

معقول؟!

لِمَ لا؟

يا أستاذ أنا جاد معك!

ولو أستاذ، هل وجدتني أمزح معك؟

مرَّ المدير على مقربة منَّا، فاستوقفته، عفواً أستاذ جورج، ممكن دقيقة.

نعم خير أستاذ.

حضرة الأستاذ المفتّش يسألني عن الأستاذ نوري، أجبته عن السُّؤال لكنِّي أحوِّل السّؤال لك أيضاً؟!

الأستاذ نوري مدرِّس جيّد، يحضر دروسه بانتظام ولا يغيب عن الدَّوام إلّا إذا كان مريضاً وإلّا فهو أوَّل من يحضر وآخر من ينصرف من الصَّف.

هل داوم الفصل الأوّل كلّه في إعداديّتكم؟

طبعاً، أجاب المدير.

عجيب!!! قال المفتش.

أين العجب؟ قال المدير.

العجب يا أستاذ، أنَّنا دائماً نتلقّى شكاوى عن الأستاذ نوري، ولو لم نتلقَّ شكاوى من إدارة المدرسة أو الطُّلاب أو أوليائهم، هو نفسه يطلب منّي شخصيَّاً أن أنقله إلى مدرسة جديدة بحيث لا يعرفه الطُّلاب!

فيما كنَّا نتحدَّث عن الأستاذ نوري، مرَّ من جانبنا بعد أن انتهى من إحدى حصصه الدَّرسيّة!

حلو، ها قد حضر الأستاذ، عفواً أستاذ نوري ممكن دقيقة!

حالما شاهد الأستاذ نوري المفتّش، تقدَّم نحوه ببشاشة مرحِّباً به، وهو في قمّة بشاشته وحفاوته ولياقته.

أستاذ نوري هل أنتَ مرتاح في هذه الإعداديَّة؟ سأله المفتّش.

جدَّاً يا أستاذ، مبسوط جدَّاً من المدير ومن الموجّه صبري بشكلٍ خاص!

والطُّلَّاب، هل أنتَ مبسوط مع طلَّابك ومرتاح بدروسك؟!

مرتاح يا أستاذ، مرتاح كتير.

بالمناسبة كونكمفتّش مادّة العلوم، هل ترغب أن تحضرَ درساً عند الأستاذ نوري؟ تستطيع أن تختار الصَّف السَّابع أو الثَّامن!

هل أنتَ جاهز أستاذ نوري؛ كي أحضر أحد دروسك؟

بكلِّ سرور يا أستاذ، بكلِّ سرور.

الحصّة الثّالثة، الصَّف السَّابع!

هل تودّ أن أحضر معكم الدَّرس؟ سألتُ المفتِّش.

لا مانع لو وافق المدرّس!

المدرّس يوافق طالما أنتَ موافق.

تفضَّلوا على الإدارة عندنا فرصة، لنشرب قليلاً من الشَّاي أو القهوة.

كم كان سعيداً الأستاذ المفتِّش، فرح جدَّاً عندما وجد هذه التَّطوُّرات مع مدرّس، دائماً يصادف مشاكل في المدارس الَّتي يتعيّن فيها، وإذ به يجده بشوشاً، مرتاحاً مع طلّابه، مع الإدارة ومع المدرِّسين!

بهذه الخطوة استطاع مدير المدرسة بإصراره على عدم تغيير المدرّس، وعلى زرع الثِّقة في نفسه، رغم كلَّ النّقص والتَّقصير الَّذي كان يراه منه لكنّه صبر عليه، وأعطاه فرصة تلو الأخرى، إلى أن أصبح مدرِّساً جادَّاً وملتزماً بدوامه. يحضِّر الدُّروس أوَّلاً بأوَّل، وشيئاً فشيئاً اِنسجم مع الجوّ العام في المدرسة، صحيح كنَّا بين الحين والآخر نصادف بعض المشاكل مع بعض الطّلَّاب، لكنّه مقارنة بالمدارس الأخرى، كان في قمّة السَّعادة والاِرتياح والعطاء.

حضر المفتّش الدَّرس، وكذلك أنا، هدوء تام خيّم على الدَّرس، سار الدَّرس بشكلٍ منظَّم وناجح، كنتُ قد أعطيت للمدرّس خطوات شرح الدَّرس منذ أن أصرَّ المدير أن يحوّل الأستاذ نوري إلى مدرِّس ناجح، وتعاونّا معه إلى أن تجاوز الكثير من مشاكله مع الطُّلاب!

اندهش المفتِّش، عندما شاهد وظائف الطُّلاب، واستجاباتهم للشرح ومشاركتهم في الإجابة عن أسئلة المدرّس! وهكذا خرج من الحصّة مرتاحاً هو الآخر، وقال: حقّاً أنا أمام إدارة ناجحة من الطّراز الرَّفيع! مؤكّداً أنّه لمجرِّد استمراريّة المدرّس وهو مرتاح في المدرسة مع المدير والموجّه والطُّلاب والمدرِّسين، هذا كافٍ أن أعدَّ الإدارة ناجحة نجاحاً باهراً!

في نهاية الفصل الثَّاني، وجّه مدير التَّربية بالحسكة ثناءً لإدارة المدرسة على حسن إدارتها وتفاديها لمشاكل المدرِّسين والطّلاب، قاصداً بذلك بكلِّ تأكيد نجاح استمراريّة الإدارة مع المدرِّس نوري خلف.

  1. ما هي المفاجأة الّتي غيَّرت حياة أخيكَ نعيم عندما زاركَ في المدرسة بعد تسريحه من الجيش؟

شكّلت زيارة أخي نعيم إلى إعداديّة يوسف العظمة، عندما كنتُ أعمل موجّهاً فيها، منعطفاً مهمّاً في حياته، وقد التقى آنذاك مع العم العزيز بهنان سارة الّذي كان يعمل في الإعداديّة، والمعروف عن هذه الشَّخصيّة النّادرة وسط مدينة صغيرة مثل ديريك، أنَّ حضوره كان مهيباً، وقصصه فكاهيّة مفعمة بالقهقهات، حيث كان روائيَّاً شفهيّاً موغلاً في خلق النّكتة والفرح والمرح إلى درجة أنَّ المستمع إليه يقهقه عالياً وهو يسمع قصصه الرّائعة؛ لما فيها من حبكات طريفة؛ ولما يمتلك من طاقات تمثيليّة مدهشة في رشاقة السَّرد. لم أجد في حياتي قدرةً لساردٍ يسردُ قصصاً كوميديّة وفكاهيّة مثلما للعم الرّاحل بهنان سارة من قدرات، وأقوى ما كان يعزّز سرده لقصصه الفكاهيّة إمكانيَّاته العالية في التَّمثيل، تمثيل الحركة واللُّعب على إيقاع وطبقات الصَّوت، والطَّريف في الأمر أنّ قصصه الفكاهيّة كانت واقعيّة، وأغلب مقالبه كانت فكاهيّة بريئة مع صديقه الرَّائع العم بهنان كلعو، وكان يربطني بالعم الرَّاحل بهنان كلعو أيضاً علاقة طيّبة، كم كان يعجبني أبو سمعان الرِّوائي الشَّفهي في بساطته وعفويّته وشخصيّته الرّصينة الجانحة نحو المَحبّة والسّلام وتقديم الكلمة الطّيبة لما فيه الخير لأي طرف يكون فيه حَكَماً، وكلّ هذا عمّق علاقتي به إلى درجة أنّه أصبح بمكانة صديق رغم فارق السّن الكبير؛ حيث يكبرني ابنه الكبير بسنوات، وتربطني به صداقة واحترام عميق؛ لما امتاز بطيبِ المعشر، وقد سرّه جدّاً اللِّقاء بأخي وأُعجبَ به، وبعد أن ودّعني أخي بقليل سألني العم العزيز أبو سمعان عن وضع أخي، فقلت له: صدّق وضعه جيّد، الحمد لله تسرّح منذ أيام من الجيش، ولم أدخل معه في تفاصيل أخرى، وقال: حقيقةً يا أستاذ صبري، أعجبني حضور أخيك ومنطقه ووسامته، فقلت له: الله يبارك فيك، ويخلّي أولادك ويباركهم يارب! أعجبني طرحٌ طرحه عليّ بكلِّ وضوح وثقة، طرحٌ يختلف عن منطق رجال ذلك الزّمان، ونظراً لأنّني بصدد مشروع كبير، حوار مع الذَّات، يتضمّن ألف سؤال وسؤال؛ لهذا فإنّ طبيعة الحوار تقتضي أن أتطرّق إلى مئات الأسئلة الَّتي تحوي بين رحابها الكثير من المصداقيّة والصَّراحة والخصوصيّة، واضعاً ذاتي الَّتي أُحاورها بكلِّ رحابتها على المحكِّ إلى أقصى ما تكون المكاشفة من صفاءٍ ووضوحٍ؛ كي أوثّقَ الكثير ممَّا في جعبتي من رؤى ووجهات نظر ومواقف وقرائن وآراء حصلت معي في الحياة أو أراها في هذا السِّياق أو ذاك؛ لأقدِّمها للقارئ العزيز على طبقٍ من الصّراحة والحياد؛ لعلِّي أحقِّق الهدف المنشود من هذا الحوار الّذي أعدُّهُ مشروعي الأدبي الأعمق في تجربتي الأدبيّة منذ أن حملت القلم، لهذا آمل من الأصدقاء والصَّديقات والمتابعين والمتابعات أن يأخذوا صراحتي ومكاشفتي بعين الاعتبار للكثير من الخصوصيّات الَّتي أراها ضروريّة للغاية؛ كي يأتي حواري بمقام الهدف الّذي أتوخّاه، بعيداً عن الإساءة لأحد، وخطَّطتُ أن لا تكون تساؤلاتي تقليديّةولا تكون إجاباتي عابرة، بل تصب إجاباتي في فضاءاتِنصوص أدبيّة وسرديّة وشعريّة، ومتدفِّقة في بعض جوانبها، وهي تتقاطع في الكثير من منعطفات الحوار مع السِّيرة الذَّاتيّة والسِّيرة الغيريّة، أي المتعلّقة بسِيَر غيري في بعض الأحيان وخاصَّة عندما تكون سيرة الغير محبوكة في بعض جوانبها مع وقائع حصلت على مساحات الذَّاكرة، وهكذا فيما كنّا ندردش أنا وأبو سمعان بعد أن ودّعني أخي نعيم، نظر إليّ نظرةً تحمل معنىً كبيراً كأنّه يخفي وراء نظرته سرّاً أو كلاماً مهمَّاً، ثمّ قال، إنِّي أرى فيك الشّهامة والرُّجولة والذّكاء، والحديث معك يا أستاذ شيّق جدّاً، ونظراً لأنّني أثق بك مثلما أثق بأولادي؛ لهذا سأصارحكَ مصارحةً ربّما تندهشُ لمصارحتي، ولكن أريد أن أعرضَ رأياً عليك؛ لعلَّ وعسى نصل معاً إلى نتيجة تفيدنا وتفيد من لهم علاقة بالفكرة الَّتي سأطرحها!

تفضّل أبو سمعان، كلّي آذان صاغية، وسأكون عند حسن ظنّك، وتخيّلتُ أن يطلب منّي خدمةً ما؛ طلباً ما يتعلّق بأخي أو بأولاد عمّي أو عمِّي يوسف شلو؛ لأنّه معمارجي، لكنِّي إطلاقاً لم أتصوِّر أن يطرحَ علي ما طرحه، ولا يطرح ما طرحه إلَّا رجلٍ عظيم وله آفاق عميقة في الحياة ويفهم ماذا يريد من الحياة، بعيداً عمَّا هو سائد في بعض التَّقاليد الشَّرقيّة، فقلت له: أسمعكَ.

أجابني: بعد أن التقيتُ بأخيك نعيم، وبعد أن قلت لك انطباعي عليه ورأيي فيه وفي منطقه وشخصيّته وحضوره ووسامته، أودُّ أن أقول لك يا أستاذ، لديّ بنت وحيدة جميلة رصينة ربيّتها تربية صالحة، درسَتْ فترة من الزّمن وتجيد القراءة والكتابة بشكل جيّد، لكنّها لم تتابع دراستها، وتفرّغت لمساعدة أمّها في أعمال البيت، وتعلّمت مهنة الخياطة ببراعة، وتعمل وتنتج ربما أكثر ممَّا تنتج معلّمة في هذا الزّمان، وهي مناسبة لأخيك نعيم تماماً من حيث العمر والطَّبقة الاجتماعيّة والأهليّة، فما رأيك باقتراحي يا أستاذ؟!

امتقعَ وجهي حالما سمعتُ اقتراحه، وتغيّر لوني، صدمني تماماً طرحه ورأيه فيما قاله، ولم أتمكّن أن أجيب عنه؛ لأنّني كنتُ بحاجة للترويّ؛ كي لا أفاجِئه بدوري كما فاجأني، فقال: هل أزعجَكَ طرحي ورأيي؟ لا أبو سمعان بالعكس، طرحك رائع وحضاري وراقٍ، وينمُّ عن أنّك أب رائع. ولكنّك يا أستاذ لم تتقبّل طرحي. لا تغلط في حكمك عليّ يا أبا سمعان، أشكرُكَ وأتقبّلُ جدّاً هكذا رأي وطرح حضاري، قاطعني وقال: لكن ملامح وجهك تقول غير هذا، دعْكَ من ملامح وجهي الآن، ثمَّ خبّأت ملامح وجهي بيدي، وكنت على وشك أن أبكي من شدّة إحراجي وانفعالي؛ تقديراً لمشاعر العم أبو سمعان، فقال: هل ترفض فكرتي ورأيي، بالعكس تماماً، رأيك رائع وموافق جدّاً عليه، طيّب لماذا أراك غير طبيعي وكأنَّ سطلاً من الماء اندلق عليك؟ قلتُ له: أكثر من سطل ماء، قُل جرّة ماء، هل تقصد أنَّ أخاك ممكن أن لا يوافق على فكرتي ورأيي؟ لا يا أبا سمعان لا أظنُّ أن يكونَ ضدَّ فكرتك ولا ضدّ رأيك، بالعكس سيكون موافقاً بحسب ما قلته عن كريمتك، فهي تناسبه تماماً. إذاً لماذا اصطدمتَ وتفاجأتَ وتغيّر لونك ما دام أنت موافقاً على رأيي وفكرتي وتقول: أنّ أخاك بكلِّ تأكيد سيوافق على طرحي، أين المشكلة إذاً كي تتغيَّر بهذا الشَّكل؟!

سأخبّرك فيما بعد ليس الآن، لا يا أستاذ ستخبِّرني الآن، يبدو أنَّ هناك مشكلة ولا تريد مصارحتي بها، مع أنّني أعرفك صريحاً وصادقاً بكلِّ ما تقول. أرجوك اعفِني من الرّد الآن، والله، ستقول لي الآن؛ لأنَّ مشكلتك أو مشكلة أخيك هي مشكلتي، ولو لم أحب أخيك وأراه مناسباً لابنتي؛ لما طرحتُ هذه الفكرة عليك!

أوكي، سأقول لك، وأعدك وعد شرف أنّني سأحاول قصارى جهدي أن أحلَّ كلَّ العوائق والألغاز، بحيث نصل إلى نتيجة تناسب رأيك وفكرتك! أيّة عوائقة وأيّة الغاز تقصد؟! احكِ لي الصَّراحة، أعرفك صريحاً ومباشراً. نعم أنا صريح جدَّاً ولكن أحياناً ينعقد لساننا عن الكلام المباشر. عجيب أمرك حيّرتني! معك حق أبو سمعان أن تحتار؛ لأنّي أنا نفسي حائر، نعم حائر حائر! ولماذا أنتَ حائر إذا كلّ ما سمعته منك حول رأيك وتصوُّرك عن رأي أخيك كان إيجابيّاً؟ حائر؛ لأنَّ أخي يا أبا سمعان هو خاطب بنت من محردة؛ لهذا انعقد لساني ولم أستطِع أن أفاجئك على طرحِكَ الحضاري الرّاقي مباشرةً، ولكن كما قلتُ لك أعدك وعد شرف أنْ أعالجَ كلَّ العوائق، وأحقِّق فكرتكَ ورأيكَ! عندما وجدني متأثّراً للغاية، تأثّر هو الآخر، وحضنني قائلاً: كم أنتَ رائع يا أستاذ، ما كنتَ تريدُ أن تصدمني مباشرةً، لهذا وجدتكَ قلقاً ومحتاراً في الرّد، وتغيّرتْ ملامح وجهك، أيوجد أكثر من هكذا سبب؛ كي تكون حائراً، لكنِّي كما قلتُ لكَ سأعالج الموضوع؛ فلا تقلق، وسأحقِّق اقتراحك وفكرتك بعون الله! كيف ستحقّق فكرتي وأنت تقول إنَّأخاك خاطب بنتاً من محردة؟ هنا اللُّغز وهنا العائق الَّذي لا بدّ من حلّه! ماذا تقصد يا أستاذ؟ أقصد بأنّني سأقنع أخي في حال لو وافقَ على كريمتكم بعد اللِّقاء بها، أن يفسخَ خطوبته من خطيبته، وبعد فترة يتقدَّم لخطوبة ابنتكم بشكل رسمي؛ وهكذا أكون قد حقّقت طلبك بكلِّ سلاسةٍ وبشكلٍ قانوني، لكنّي سأكون قد أخطأتُ بحقِّ خطيبته، خاصَّةً لو كانت على حبِّ كبير، فلا أجد هنا إلَّا أن أقدّمَ عميق اعتذاري للعزيزة أليسار خطيبة أخي، وتأكّدي تماماً أنَّ قراري وقرار أخي وكل قرارات الحبّ في العالم، تتحكّم فيها عوامل خفيّة أو مرئيّة، لا نعرفها، لكنَّي أعترف أنِّي سأكون السّبب المباشر في فسخ خطوبتك من أخي فآمل أن تقبلي اعتذاري!

  1. بماذا فكَّرتَ بعدما قال لك ما قاله أبو سمعان، وبعد كل ما حصل بينكما من مصارحات؟

كم أعجبني طرحه ورأيه، وكم شعرتُ أنَّ الكثيرَ من مفاهيم الشَّرق ممكن أن تتغيّر وتتطوَّر؛ عندما نجدُ ونصادفُ مَن يطرحها ويروّجها ويطبّقها، وتساءلت نفسي مراراً قبل أن يطرحَ أبو سمعان الاقتراح علي بخصوص كريمته: لماذا دائماً الشّاب هو الّذي يبدأ بمبادرةِ الحبِّ والمفاتحة والإعجاب والخطوبة، لماذا لا يكون الموقف مفتوحاً للطرفين، ويحقُّ للمرأة أيضاً أن يكون رأيها وطرحها بأن تعبِّرَ عن رأيهاومشاعرها وعواطفها، وإذ بي اليوم أصادف رجلاً في هذا العمر ولديه أربعة أولاد وبنت، يفكّر نيابةً عن ابنته؛ لأنّها تربيّته ويعرفُ مذاقها ومزاجها ورأيها في الحياة، ويطرح طرحاً مغايراً للسائد، وكأنّه يطبّق وجهات نظري الّتي أطرحها بضرورة أن يكون للمرأة أيضاً طرحها والتَّعبير عمَّا يختلج في ذهنها، مع فارقٍ بسيط أو جديد؛ هو أنَّ الطَّرح في قضيّة الإعجاب جاء من طرف الأب مباشرةً، وليس من طرف البنت، ولكن النَّتيجة عندي ذاتها؛ وهي أن الأطراف المتعلِّقة بالبنت هم المبادرون، وهكذا شعرتُ بفرحٍ كبير أن تكون أفكاري الّتي أروِّجها وأناقشها في الأوساط الشَّبابيّة مع الزُّملاء والزَّميلات والأصدقاء والصَّديقات، تمَّ طرحها على أرضِ الواقع، وفعلاً تساءلتُ مراراً: لماذا لا يحقُّ للمرأة والفتاة ما يحقُّ للرجل والشَّاب من إبداء الإعجاب؟ وهكذا شدّني هذا الطَّرح وكأنّه جزء ممتد من أفكاري وبدأتُ أشتغل على تحقيقه، خاصّةً أنّه لصالح أخي بكلِّ تأكيد، وسررتُ جدّاً أن يصبح العم أبا سمعان عم أخي، وبالتَّالي نصبح نسائب، خاصَّة أنَّ ابنته، وحيدته المدلَّلة الَّتي ربَّاها أحلى تربية، ستكون من نصيب أخي لو سارت الأمور كما يراها والدها وأراها أنا أيضاً، وهكذا بدأت أخطِّط لهذا المشروع العاطفي البديع!

لم أذهب إلى البيت مباشرةً، بل ذهبتُ إلى مكتبة المركز الثّقافي؛ كي آخذ قسطاً من التَّأمُّل، وأفكِّر بكلّ هدوءٍ في الخطوات الّتي سأقدم عليها، أمسكتُ ورقةً وقلماً وبدأتُ أكتبُ ملاحظاتي، كيف سأعالجُ هذا الموقف العويص، هل ممكن أن أقنعَ أخي بموضوع فسخ خطوبته من خطيبته أليسار، ماذا سيكون موقفي لو كان متشبّثاً بخطيبته وعلى علاقة حب عميقة معها ويُصعب فسخها؟ أسئلة كثيرة راودتني، لكنَّ الَّذي رجّح عندي كفّة إقناعه، هو وضعه غير المهيّأ لترتيبات الزّواج، فيما إذا أصرَّ على الاستمرار بحبِّ خطيبته، سأعرض عليه مغريات تجعله يغيّر رأيه، ويقتنع بفسخ خطوبته في حال لو كانت علاقته معها مجرّد خطوبة، وحل مشكلة الزّواج كزواج، وبحسب تقديري وتقييمي لطلبات أخي، شعرتُ أنّه من المرجّح أن يوافق على اقتراحي عندما أبيّن له أنَّ وجود خطيبة لك في ديريك ومن هذه الطِّينة والمستوى الرَّاقي، وهي منتجة كخيّاطة، وأصغر منك بسنتين، وجميلة ووحيدة، ومن أسرةوبيئة قريبة من بيئتنا ومستوانا الاجتماعي والاقتصادي، كل هذا يجعلنا نتضامن معك أكثر ممّا لو استمررت مع خطيبتك في محردة؛ لأنَّ ترتيبات القيام بمهام الزّاوج، والإكليل والسَّفر ومتفرّعات عديدة تكلِّفنا كثيراً، ومَنْ عندكَ ممكن أن يقدّم لك كلّ هذه المصاريف؟ ولا تنسَ أنَّني بعد شهور سألتحق بالخدمة الإلزاميَّة، ولا أحد في العائلة هو منتج، حتَّى أنت بالذَّات تسرَّحت من الجيش منذ أسابيع، وبصدد البحث عن العمل، ومتى ستجد عملاً؟ كيف والحالة هذه ستستمرُّ مع خطيبتك؟ لهذا فكّرت أن أضع كلّ هذه الأمور بعين الاعتبار؛ كي يكون جوابه إيجابيَّاً معي، وسأقترح عليه أنّني سأساعده بمبلغ لا يقل عن (2000) ليرة لترتيبات الخطوبة والجهاز الخاص بالخطوبة، ثمَّ سنخطِّط للزفاف ونستدين (2000 ــ 3000) ليرة للإكليل، ونسدّد جزءاً من الدّيون من خلال الصَّباحية، هدايا الزّفاف، وبعد أن وصلت إلى هذه النَّتائج؛ طويتُ ورقتي في جيبي، وتوجَّهت نحوَ البيت، بعد أن وضعتُ في الاعتبار أنّ أبي وأمِّي وأخي الكبير وأختي سيوافقون على اقتراحي، ولا بدَّ أن يوافق أخي نعيم على اقتراحي أيضاً؛ لأنّ كلّ الاقتراحات والنّتائج المترتّبة عليها هي لصالحه قلباً وقالباً!

  1. كيف ناقشتَ الموضوع معَ أخيكَ، في الوقت الّذي كان قد خطب الفتاة المحرداويّة؟

مرحباً، كيف حالكم، رحّب والدي بي ببشاشته، وطلب من أمِّي أن تعدَّ لي الطَّعام، وقالت لي: اليوم رجعت متأخِّراً من الدَّوام، صحيح ماما؛ لأن كان عندي التزامات بعد الدَّوام، بدّي أحضِّر الأكل، طيّب ماما جهّزي الأكل بدّي أحكي مع نعيم شوي، ثمَّ أخذتُ أخي نعيم جانباً، وشرحتُ له الأمر بكلِّ تفاصيله، ابتداءً من أوّل جملة نطقها أبو سمعان حتّى آخر كلمة، وبدأتُ أنفّذ ترتيبات مخطِّطي الّذي وضعتُ نقاطه في المكتبة، وبعد أن شرحتُ له بإسهابٍ كل ما يتعلّق بموضوع فسخ الخطوبة بعد زيارة بيت أبي سمعان أن يقول كلمته الأخيرة فيها، ثمَّ يبدأ بترتيبات فسخ الخطوبة، فكان جوابه إيجابيّاً جدّاً، خاصّة عندما عرضت عليه مساعدتيله وتبنّي كلّ تكاليف الخطوبة، ومحاولتي استدانة مبلغ من المال؛ لترتيبات الإكليل، فقال لي: فعلاً اقتراحك صائب جدّاً، خاصة أنَّ مصاريف الخطوبة والإكليل ستكون أقل، ومن جهة أخرى ستساعدني في الخطوبة والإكليل، وهكذا نجحت في إقناعه، ولكنّه كان متردِّداً وقال: أخشى أن يكون قصد أبي سمعان هو أنتَ وليس أنا، فهو لا يعرفني، ولم يرَني سوى مرّة واحدة فقط، بينما أنت يراك يوميَّاً في المدرسة. لا لا يا أخي لا يقصدني، إنَّه يقصدك تحديداً، فلو قصدني،أنا تحت عينيه منذ شهور، ولم يشِرْ ليبهذا الأمر نهائيَّاً، هو يقصدك تماماً، وقال بالحرف الواحد: لقد انتهى من الخدمة العسكريّة وبحاجة إلى الاستقرار وتأسيس أسرة، وسأحاول أن أوجد له عملاً؛ لأنَّ لدي علاقات مع الكثير من وجهاء البلد والمسؤولين، وتحدَّثنا طويلاً في موضوعك، وحتّى لو قصدني، من جهتي سأترك السّاحة لك بالمليان، فضحك نعيم وقال: رائع، أنا موافق كخطوة أولى للقاء بها وزيارتهم في أقرب فرصة، فقلت له سآخذ موعداً من والدها، ثمَّ سنزورهم أنا وأنت فقط، وعلى ضوء النَّتائج ممكن أن نقرِّر تفاصيل المرحلة القادمة بما يخصُّ فسخ الخطوبة، ثمّ إعلان خطوبتك على الخطيبة الجديدة! ضحك وقال: ممتاز؛ لو سارت الأمور كما تخطِّط لها! في اليوم الثّاني، التقاني أبو سمعان، وببشاشة ردّيتُ السَّلام والتّحيّة وقال: حنطة أم شعير؟ فقلت: حنطة إيطالي خالص، أي كلّ شيء إيجابي، سأراك بعد أن أنتهي من صف الطُّلَّاب، وإدخالهم إلى صفوفهم وبعدها سنشرب الشَّاي، ونناقش بهدوء عن تفاصيل مخطَّطنا القادم! أنا بالانتظار، دقَّيت الجرس وبدأ الطُّلاب يصطفُّون في صفوفِهم، وبعد أن انتهيتُ من ترتيبات تحيّة العلم ودخلَ الطُّلّاب إلى صفوفهم، وزّعت دفاتر التّوقيع على الصُّفوف عن طريق العرفاء، ثمَّ توجّهتُ إلى مكتب التَّوجيه، وإذ بالعم بهنان سارة في الانتظار! وهو في أوج لياقته ومرحه ووقاره! تفضّل أستاذ، خبِّرني عن نتائج حنطتكَ! بالحقيقة يا صديقي قطعتُ شوطاً طيّباً مع أخي نعيم صاحب العلاقة؛ لأنَّ موضوعنا أوَّلاً وأخيراً متعلّق مع نعيم، وبعدئذ سنناقش تفاصيل الأمر مع الوالد والأسرة ككل ومع بيت عمِّي؛ كي نقوم بالتَّرتيبات المتعارف عليها. كلام جميل، ماذا قلت لنعيم؟ شرحت له بالتَّفصيل الموضوع من أوَّله إلى آخره، وركّزتُ له على أنَّ وجود خطيبة له من ديريك ومن طينتنا نفسها، ولها عاداتنا وتقاليدنا ومن المستوى نفسه، كل هذه المعطيات المشاركة بيننا تساعدنا على حلِّ الكثير من مشاكل الزّواج، فمن الصّعب أن نقوم بمهمّة إكليلك لو كان في محردة، فقضايا السَّفر ومكان الإكليل يلبّكنا ويقلق حتّى أهل العروس هناك، ولهذا لو كانت العروس من ديريك، فإنَّ ترتيبات حفل العرس والإكليل سهل، ناهيكَ عن أنّني سأساعدكَ بحدود (2000) ليرة فيما إذا كانت شموني من نصيبك واتفقنا على كلِّ شيء، وماذا كان جواب نعيم؟ جوابه: فمه انفتحَ على المليان ووصل إلى أذنيه، فضحك أبو سمعان، والآن ماذا علينا من خطوات؟ علينا أن نحدّد موعداً معكم؛ كي نزوركم أنا ونعيم أولاً، وبعد أن يلتقيا ويوافق كلاهما، سنقدم على الخطوة الثّانية، وهي فسخ خطوبته؛ لأنّني لا أريد أن يفسخ خطوبته قبل أن يوافق على كريمتكم وهي توافق عليه ويتّفقان معاً على أنّه بعد فسخ خطوبته سيتمُّ إعلان الخطوبة بشكل رسمي مع وفد من الأسرة من طرفنا ومن طرفكم! كلام جميل وتعمل مثل الرّجال الكبار، بل أشتغل بطريقة أفضل من الرّجال الكبار، ضحك أبو سمعان ثانية وقال: صدّقني عقلك يوزن بلد!

متى يناسبكم أن نزوركم؟ يناسبنا يا أستاذ مساء ليلة السّبت. جيّد اتفقنا إذاً، سأخبِّر نعيم؛ كي يجهّز نفسه للقاء يوم السّبت بحدود السّاعة كم؟ بحدود السّاعة السَّادسة؛ كي نسهر مع بعضنا، رائع جدّاً بلّغ تحياتي للأهل، اليوم هو الخميس وغداً عطلتنا، الأسبوعيَّة، نلتقي عصر يوم السّبت على خير، الله يعطيك الخير، وأشكرك على شهامتك ومواقفك وأرجو أن تنتهي الأمور على خير لكافّة الأطراف.

خرجت من المنزل، متوجّهاً إلى البيت، كان أخي نعيم في انتظاري، وخبَّرته عن تفاصيل ما حصل معي والموعد المحدّد للِّقاء يوم السَّبت القادم، السَّاعة السَّادسة عصراً! فرح بهذه النّتائج وتطوُّرات الأوضاع، وهكذا بدأتُ أرسم معالم علاقة جديدة بين طرفين، ستثمر على الأرجح بنتائج بديعة!

  1. ما هي انطباعات اللِّقاء الأوَّل الَّذي تمَّ بينكم أنتَ وأخيك نعيم مع أبي سمعان وابنته شموني؟

كانت انطباعات اللِّقاء الأوَّل طيّبة ومريحة لكلِّ الأطراف، استقبَلنا على الباب العم أبو سمعان، ثمَّ استضافنا في غرفة الصَّالون، بيت دافئ بالمحبّة والحفاوة والبساطة والأصالة والتَّقدير، بعد قليل جاءت شموني وسلّمت علينا، وقدّمها والدها لنا وقدّمنا إليها، وبعد أن جلستْ قليلاً وتجاذبنا أطراف الحديث، سألنا أبو سمعان: ماذا تحبون أن تشربوا؟ قهوة وسط أجبتُ، وكذلك نعيم طلب قهوة، وفيما كنّا ندردش جاءت أم سمعان وسلَّمت علينا، أم حنونة، رؤوم، كتلة من الحنان والمحبّة والتَّقدير والهدوء، ما كانت البسمة تفارق وجهها البشوش، كانت تعرفني، قدّمَ أبو سمعان نعيم إليها، وقدّمها إلى نعيم، لقاء مفعم بالحميميّة والطّيبة والاحترام، دخلت شموني وقدّمت إلينا القهوة، بينما أبو سمعان شرب الشّاي وكذلك أم سمعان، وشربت شموني القهوة، شعرنا كأنّنا في بيتنا، كنّا في غاية الارتياح، كان أبو سمعان ونعيم بجانب بعضهما وأنا إلى يسارهما، وجلستْ شموني وأمّها مقابل أبي سمعان ونعيم، ورحنا نتحدَّث عن قضايا الحياة، وباركتْ أم سمعان تسريح نعيم من الجيش، وكذلك شموني هنَّأته بالتَّسريح، ثمَّ جاءَ أفرام شقيق شموني وسلّم علينا، وجه أشقر وسيم، عينان باسمتان تنضحان فرحاً وأملاً بالحياة، وفي مستهلِّ السَّهرة جاء ميخائيل بحضوره الطَّيب، وجه حنطي مكتنز بحبِّ الفنِّ، كم كان يهوى العزف على العود والجمبش، يعشق الموسيقى، وأمّا أفرام فكان مولعاً بالاستماع إلى أغاني أم كلثوم في أغلب الأوقات. حكى أبو سمعان في معرض سهرتنا بعض القصص الطَّريفة الخفيفة، ولم يدخل في تفاصيل فكاهيّاته، فقط أحبَّ أن يعطي للجوِّ فكاهةً، وأنا كنتُ أتحدَّث مع ميخائيل وأفرام، وأحياناً كنتُ أسأل شموني بعض الأسئلة عن كيفية تعلّمها الخياطة، وما هي المهارات الَّتي تتميّز بها في الخياطة، كانت خجولة ووقورة وهادئة، قليلة الكلام، قالت: أنا أعرف أكثر شيء خياطة بدلات نسائيّة، وأخيِّط على التَّصميم أيضاً لو طلبت الزّبونة أن أخيّط فستانها على تصميم معيّن، برافو عليكِ، طيّب هل يصعب عليك خياطة رجاليّة، بناطيل وما شابه؟ لا ما هو صعب علي لو عندي التَّصميم، لكنِّي لا أحب خياطة البناطيل ولا زبائن شباب للخياطة، فقط زبائني هم بنات.

سررنا بالوقت الَّذي قضيناه، كان نعيم هادئاً يصغي إلى الجميع ويردُّ على تساؤلاتهم؛ لو سأله أحدهم سؤالاً ما، ويشارك في الدَّردشة، وجهه ينضح بالبسمة والانشراح، أعطى انطباعاً طيّباً، كما بدَتْ شموني مرتاحة في السّهرة، وكانت طبيعيّة في ظهورها ولباسها، لكنّها كانت توحي أنّها بنت خجولة، عندها حياء بديع، سررتُ بطريقة استقبالهم لنا، وكأنَّنا نعرف أهل البيت من زمان، بعد أن سهرنا قرابة ساعتين، وتحدَّثنا في الكثير من الأمور، وشاهد كلّ من نعيم وشموني بعضهما، واستراحا لبعضهما من اللِّقاء الأوَّل.

كانَ الأستاذ سمعان الابن البكر يؤدّي الخدمة الإلزاميَّة آنذاك في دمشق، وقد التقى به نعيم عدّة مرّات في دويلعة. نظرتُ إلى ساعتي، وشكرتُ أبا سمعان وشموني وأم سمعان والشَّباب على الحفاوة الَّتي استقبلونابها، ثمَّ استأذنت منهم، وكذلك شكرهم أخي نعيم على كلِّ ما قدَّموه من احترام وتقدير، وقلت لهم قبل أن نودِّعهم: ممكن في قلب الأسبوع القادم نزوركم زيارة أخرى، فرحّبوا جميعاً، قائلين: البيت بيتكم، تقدرون تشرفوننا متى ما تشاؤون، أهلاً بكم بالرّحب والسَّعة، ودّعناهم على أمل زيارة قريبة، وقلنا لهم: أنتم أيضاً تستطيعون زيارتنا متى ما تشاؤون، فقط أخبرونا عن موعد الزّيارة، وسنستقبلكم بكلِّ المحبّة والاحترام، خرجنا ونحن في غاية الامتنان؛ ممّا قدموه لنا من حفاوة واحترام وتقدير، وحالما أصبحنا في الشَّارع ونحنُ في طريقنا إلى البيت، قال أخي نعيم: هذه البنت، كما قال والدها، وأشكره جدّاً على طرحه واقتراحه، مناسبة جدّاً لي، وأشكرك يا أخي على كلِّ ما تقوم به من أجلي، ومن خلال اللِّقاء الأوَّل أقول: أنا موافق من دون أي تردّد على التَّقدُّم لهذه البنت الطَّيّبة الهادئة الوقورة، وسوف أذهب لمحردة بأقرب وقت؛ كي أفسخ خطوبتي، وأعود لأعلن خطوبتي على هذه الفتاة بعد أن نزورهم زيارة أو زيارتين، ونتّفق على بعض التّفاصيل، ونسمع رأيها منها وجهاً لوجه، ثمَّ نرتّب أمورنا؛ كي نتقدّم لخطبتها بشكل رسمي! ابتسمتُ لأخي، وقلتُ له: وهذا ما كنتُ أفكر به أيضاً، وألف مبارك مقدّماً يا أخي، والله يجعل تنتهي الأمور على خير!

  1. كيف تابعتَ السَّهرة في البيت بعد عودتكما أنت وأخيك نعيم وما الحديث الِّذي دار بينكما؟

وجدتُ أخي نعيم مرتاحاً جدَّاً من الزِّيارة الَّتي قمنا بها لبيت أبي سمعان، لكنّه كان في الوقت نفسهأمام موقف محرج من ذاته، بدا لي وكأنّه يتساءل مع نفسه: ما ذنب خطيبتي أن أتخلّى عنها دون أي سبب مقنع أو مباشر، كيف سأقنعها بأنَّنا لا نناسب بعضنا؟ هي متعلّقة بي كثيراً، هكذا قرأتُ ملامحه وشروده، ثمَّ دخلت معه في نقاشٍ واضح وصريح بخصوص خطيبته؛ كي نضع النّقاط على الحروف قبل أن نعطي كلمة نهائيّة مع بيت العم بهنان؛ كي يتحمَّل نعيم بنفسه قراره، ولا أكون متسبّباً أو ضاغطاً عليه، أريد أن يتّخذ قراراته عن قناعة؛ كي لا أتحمّل نتائج أي قرار يتّخذه، مع أنّني شعرت ضمناً أنّني أقوم بموقف خاطئ بحقِّ خطيبته الأولى، ولكن في الوقت نفسه شعرت أنَّ موقفي عادي وطبيعي؛ لأنّني أفكّر بمصلحة أخي بشكل منطقي؛ لأنَّني سألته منذ البداية عن الفكرة كفكرة، فوافق عليها، ولو كان أصلاً متمسِّكاً بخطيبته لما راق له طرحي ولا طرح أبي سمعان، علماً أنَّ أبا سمعان ما كان لديه أي إطلاع على وضع أخي، أنا طرحت الفكرة عليه وتركني على راحتي وراحة أخي، وهكذا وضعت أخي على المحكِّ النّهائي لأسأله من جديد عن موقفه النّهائي في موضوع خطيبته، نظر إليّ وقالَ أشعر بنوع من الذّنب وكأنّني أخونها لأنّها ماتزال خطيبتي وأنا أفكّر بغيرها، لكنّها الحياة يا أخي فأنا لست أوَّل وآخر مَنْ يفسخ خطوبته، وبعد أن أجريت مقارنات بين خطيبتي وبين شموني وجدتُ كفّة شموني مرجّحة على خطيبتي في قراري الأخير لعدّة اعتبارات كما أشرتَ إليها يا أخي أثناء عرضكَ عليّ الفكرة، فأنا متأكّد أنّني لو تابعت حياتي مع خطيبتي سوف لن تكون سعيدة معي ولا أكون أنا سعيداً معها لأنَّنا من بيئتين مختلفتَين ناهيك عن أنّي غير قادر على الإقدام على هذه الخطوة لو اخترتُ المتابعة معها، لهذا قرَّرت بقناعة تامّة أن أفسخَ خطوبتي منها وليس لكَ أنتَ أيّة علاقة، وأتحمَّل أنا كامل المسؤوليّة حتّى ولو كنتَ السَّبب بطريقة أو بأخرى، لكن هذا بالنَّتيجة هو قراري وليس قرارك، ولا تقلق قريباً جدّاً سأذهب إلى محردة وأعتذر منها وأعلن انسحابي، ستحزن بلا شك؛ لأنّها متعلّقة بي كثيراً، لكنّها ستنساني مع الزّمن وتشقُّ طريقها، وأتمنَّى لها بكلِّ الأحوال كلَّ الخير. خيّم علينا صمت، ثمّ قلت لأخي: أنا لا أريد أن أتسبَّب لك بأيَّة مشكلة لا مع خطيبتك ولا مع الخطوة الجديدة، كلّ ما في الأمر عرضتُ وما أزال أعرض عليك كلّ الخيارات، وأنتَ سيّد الموقف، لا تقلق يا أخي فأنت لم تتصرّف إلّا ضمن منطق الحفاظ على الأسرة والتَّعاون معها وتقدِّم لي أقصى ما تستطيع، وفعلاً لو لم أختَر شموني شريكة لي في حياتي القادمة، ستكون حياتي متعبة مع خطيبتي؛ لأنَّه لا يبدو لي أنَّنا سنكون سعداء بحسب ظروفنا، بينما مع شموني سأكون أكثر استقراراً وسعادةً، لأنَّ أهلها هنا وأهلي هنا وسوف تبقى بجانبي من خلال عملها وأسرتها وسنؤسِّس معاً أسرة هادئة، ونعيش بكلِّ تأكيد سعداء مع بعضنا، هكذا أرى وأحس؛ ولهذا ليس لدي أي خيار سوى توجيه الأنظار إلى محردة في أقرب وقت والعودة حرّاً ممَّا يربطني هناك من التزامات!

بعد أيّام قال لي نعيم: سأذهب إلى محردة، جهّزت له ترتيبات السَّفر، شعرتُ بغصّة؛ لأنَّ هناك مواقف يمرُّ بها الإنسان تسبِّب له بعض الإحراج، لكنّها الحياة دائماً تطالعنا بمفاجآت لها أوَّل وليس آخر، وأهم شيء أن تنتهي الأمور على خير، عادَ نعيم بعد أيّام وأيضاً شعر بغصّة، وقال: وضعتُ النِّقاط على الحروف؛ كي انتقل إلى حروفٍ أخرى من طينِنا، فقلتُ له: على بركة الله! ثمَّ قال لي: أنت تفكّر بي وتخطِّط لي أكثر ممّا أفكِّر بنفسي وأخطِّط لنفسي!  إذا لم أفكِّر بكَ بهذه الطَّريقة لماذا نحن إخوة ومن رحم واحد؟!

نظر إليّ بإمعان وقال: حقّاً، الإخوة لهم حقوق وواجبات على بعضهم بعضاً، ثمَّ خرجنا مشواراً وفي انتظار الزِّيارة القادمة لبيت أبي سمعان؛ كي نتحدّث عن الموافقة، والبدء في التَّقدُّم إلى شموني لإعلان الخطوبة.

  1. كيف كان انطباع أبي سمعان عن زيارتكما لهم، وهل اتّفقتم على الزِّيارة القادمة؟

كان الانطباع بديعاً؛ بدليل أنّه الآن بكلِّ بشاشته يصبّح عليّ، صباح الخير يا أستاذ، أهلاً وسهلاً صباح الخيرات أبا سمعان، كيف حالك يا أستاذ، وكيف أخبار وحال العزيز نعيم؟ بخير، لقد عاد البارحة من محردة، لماذا ذهب إلى محردة؟ صدّق فجأة قرّر الذِّهاب إلى محردة وفسخ خطوبته وعاد، ولكنّكَ قلتَ لي: أنّك تفضّل أن نتّفقَ هنا على موضوع شموني بشكل نهائي، وبعدها ينهي موضوع الخطوبة، بالحقيقة هو قرّر بنفسه أن يفسخَ الخطوبة قبل أن يحصلَ على موافقتكم النّهائيّة أو موافقة شموني؛ لأنّه قال لي: يفضّل أن أفسخ خطوبتي أولاً، ولو عندي نصيب مع شموني أهلاً بها وبأهلها، مع أنّه من جهته هو موافق تماماً، لكنّه أراد أن يفاتحها ويتقدّم إليها وهو حرّ وصافي الذّمة، حسناً فعل، وهو رأي صائب ودقيق، حتّى أنّني كنتُ أريد أن أقول لكَ هذا الأمر، لكنّ قلبه الصَّافي قاده إلى تحقيق رغبتي، حقيقةً أنا نفسي ارتحتُ؛ لأنّه قام بهذا الأمر قبل أن يفاتح شموني ويناقشها؛ كي يكون مرتاح الضَّمير، وقد ريّحني أيضاً تصرّفه، وهو في انتظار موعد آخر معكم؛ كي يلتقي مع شموني، ويتناقشا في بعض الأمور؛ تمهيداً للتقدُّم إليها وإعلان الخطوبة بحضور بعض الأهل من الطَّرفين.

ما رأيكَ بيوم الخميس بحدود السَّادسة أيضاً؛ كي نستطيع أن نسهر على راحتنا؛ لأنّ اليوم الثّاني عطلتنا الأسبوعيّة، جيّد إنَّه وقت مناسب لنا جميعاً، خبّرتُ نعيم على موعد الزّيارة القادمة، وهيَّأ نفسه لهذا اللِّقاء، وشعرَ أنّه أكثر حرّيّة من قبل؛ لأنّه أنهى علاقته بشكل نهائي مع خطيبته؛ كي يخطِّط لحياته من جديد وهو متفائل للخطوة الّتي يقدم عليها بكلِّ قناعة، حيث وجد فعلاً أنّه لو لم يصادف شموني، واستمرّ مع خطيبته؛ فإنَّ حياته ستشوبها المشاكل، خاصّة أنّه غير قادر على العيش في محردة، وغير قادر على خلق الجوّ المناسب لها في ديريك ضمن ظروفه الحاليّة والمستقبليّة، فكيف سيؤسّس أسرةً وهو في بداية حياته سيواجه حالات وظروفاً صعبة؟ فعلى الأقل خياره الثَّاني أكثر أملاً في بناء حياة سعيدة وأسرة بالتَّعاون ما بين الأسرتين، وهو وسط أهله وأقربائه وأصدقائه، والأمل في الحصول على عمل وارد جدَّاً،  خاصّة أن هناك الكثير من المجالات الَّتي تناسبه. عدتُ من الدَّوام يوم الخميس وإذ بأخي نعيم خارج المنزل، فسألتُ أمّي: أين هو نعيم؟ فقالت: ذهب إلى السّوق، وسيعود بعد قليل، وفيما كنّا نتحدّث عنه، دخل باب الحوش وهو يحمل بعض الأغراض الّتي اشتراها من السُّوق، جلسنا في الغرفة؛ كي نحضّر أنفسنا لزيارة العم بهنان، كان هادئاً، شارداً قليلاً، يبتسمُ تارةً، ثمَّ قال: مَن كان يتوقّع أنَّ زيارة عابرة لي إلى المدرسة ستشكِّل كل هذه التَّطوّرات في حياتي؟! دائماً الحياة فيها مفاجآت ومتغيّرات جديدة، لكلِّ سببٍ مسبّب، فعلاً يبدو هكذا مقدّر لي قال نعيم، ربّما يا أخي. دخلتْ أمِّي والبسمة مرتمسة على وجهها، تفضلوا كُلوا، الأكل جاهز، تفضّلوا قبل ما يبرد. شكراً ماما، صبّي الأكل، سنأتي حالاً، كم كانت أمِّي هادئة، رزينة، مطيعة، صافية القلب، كم كنَّا غرباء عن أنفسنا وعن أمّهاتنا وآبائنا وأهلنا وأخواتنا وإخوتنا، كم كنّا جهلاء في مصير أعمارنا! أبكي الآن في هذه اللّحظات وأنا أسمع صوت أمِّي تدعونا للغداء، فقفز إلى ذهني عمري الّذي قضيته هناك؛ عمري الَّذي راح ثلاثة أرباعه هدراً في الكثير من متاهات الحياة، رغم أنّني استلهمت من هدره أبهى ما لدي من تدفُّقاتٍ إبداعيّة، جمحتُ بعيداً. كان الأحبّة في الانتظار ونحن بعد أن تناولنا الطَّعام خرجنا نتدرّج قليلاً؛ كي نذهب في الموعد المحدّد، اسقبلنا أبو سمعان وابنه ميخائيل ببشاشة طيّبة، دخلنا الغرفة وإذ بأم سمعان ترحّب بنا، جلسنا بارتياحٍ كبير، رحّبوا بنا، وبدأنا ندردشُ على قضايا الحياة، دخل لطيف وسلّم علينا، قال أبو سمعان: لطيف ابني الصَّغير وقدّمنا إليه، جلسَ قليلاً ثمَّ خرج إلى الحوش ينظّم زينة بسكليته، كان شغوفاً ببسكليته، دخلت شموني وسلَّمت علينا، ثمَّ جلست قريباً من نعيم، كان اللِّقاءُ ودوداً بين الجميع، يبدو أنَّ أبا سمعان خبّر شموني عمّا حصل مع نعيم من مستجدَّات، فزادَت قناعتها من الاقتراب أكثر منه، وكان كلاهما مصمّمَين على هدفٍ واحد، وبدأنا نتحدَّث عن موضوع الهدف الَّذي جئنا من أجله، فلمّح أبو سمعان لابنته عن نيّة نعيم من جهتها، وسألها عن رأيها فأجابت: بابا أنت وأمّي وإخوتي الَّذي تقولونه أنا موافقة عليه، فقالَ نعيم: وأنا موافق على ما يقولونه أيضاً، فهلهلتْ أم سمعان وقالت: مبارك، ثمَّ قلتُ: ألف مبارك على هذا التَّفاهم، قريباً سأخبِّركم؛ كي نأتي ونتقدَّم إلى خطبة شموني مع وفد رسمي من أهلي، فرحَّبوا باقتراحي، ثمَّ خرجتْ شموني وبعد قليل جاءت وقدّمت بعض السكاكر عربون فرحنا وبداية الموافقة من كلِّ الأطراف، ثمَّ قدّمت القهوة والشَّاي، قضينا وقتاً طيّباً إلى وقت متأخّر من اللَّيل، ثمَّ استأذنا، وعدنا والبهجة تغمرنا، كنّا نسمع أصوات خطواتنا، كأنّها إيذان بأنّ مشروع الألف ميل يبدأ بخطوة فعلاً، وها قد قطعنا الخطوة الأولى يتلوها خطوات العمر الأخرى!

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة