قدم المؤرخ والكاتب: حسام أبو النصر.. ندوةً تمحورت حول قراءة بعض لوحات المستشرقين في فلسطين.

حسام أبو النصر يفنّد مزاعم “لوحات المستشرقين” بخصوص فلسطين!
2019-01-30

ناريمان شقورة:

قدم المؤرخ والكاتب حسام أبو النصر ندوةً تمحورت حول قراءة بعض لوحات المستشرقين في فلسطين، في قاعة مركز خليل السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله، مساء أمس.

وأكد أبو النصر أن اختياره لعنوان الندوة “لوحات المستشرقين” جاء لكونه متخصصاً في الكتابة عن الاستشراق، متحدثاً عن تأثره بكتاب “فلسطين” للفنان إسماعيل شموط الصادر قبل ثلاثين عاماً، حيث جمع فيه لوحات المستشرقين ووضعها في الكتاب الصادر عن “الإعلام الموحد”، ولم تعد تتوفر نسخ من هذا الكتاب باعتباره نادراً .. “بدأت البحث عن نسخة، إلى أن عثرت على واحدة تعود إلى منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وبعد مجهود كبير”.

وقال: لكل نظرته وطريقته في قراءة الاستشراق .. موضوع اللوحات هو بحد ذاته قراءة لمخطوطة، حيث لا يمكن النظر للوحة بشكل صامت، بل يجب معرفة ما وراءها، وماذا تخفي، وماهية الظروف التي رُسمت فيها، وماهية الظرف التاريخي الذي مرّ به الفنانون، والأدوات المستخدمة، وغيرها من أمور مهمة وأساسية .. عندما عملتُ في مجال المخطوطات شدّني هذا الأمر.

وعرض أبو النصر عبر جهاز العرض (البروجكتور) بعض اللوحات الفنية للمستشرقين، والتي تصوّر مدناً وقرى فلسطينية في الأغوار، وأسدود، والخليل، ويافا، وعكا، وغزة، وعين كارم، وبعض الكنائس والمساجد ككنيسة القيامة والمهد والمسجد الأقصى، كما صورت اللوحات جزءاً من مناحي الحياة في فلسطين، كالتجارة والأسواق وأداء شعائر دينية وغيرها.

ومن بين تلك اللوحات التي عرضها، لوحة حملت اسم “باب الهيكل”، وهي لرسام مستشرق يدعى غوستاف، وتظهر فيها قبة الصخرة في القدس ومعالم إسلامية أخرى، ولا وجود فيها لأي معالم تتعلق بعنوانها باب الهيكل، ولوحة لديفيد روبرتس، وهو أهم من رسمت لوحات في فلسطين وعنها بالفترة ما بين 1839-1865، وهي مجموعة مهمة للغاية عرضت أهم المدن والقرى بتفاصيل دقيقة للحياة الفلسطينية.

ووصف أبو النصر رؤيته للوحات المسشترقين بالإيجابية، لكونها فضحت المستشرقين في حال، فكل مكوناتها لا تحتوي ما حاولوا نشره بداية عن البادية والرجعية وانعدام الحرف والصناعات، في الوقت أبرزت فيه اللوحات جانباً متحضراً من فلسطين، على عكس ما سعوا للترويج له.

وأكد أبو النصر أن ثلاثة أبعاد مهمة تلعب دوراً في أي عمل فني: البعد التاريخي، والبعد الجغرافي، والبعد الفني، وأعرب عن أسفه نحو من يركزون فقط على الجانب الفني، متناسين الجانبين الآخرين.

وأضاف أبو النصر أنه في العام 1865 ظهر صندوق استكشاف فلسطين، وهي فترة جاء فيها الكثير من المستشرقين لوضع الرؤية الإمبريالية التوراتية الصادرة عن الملكية البريطانية، وحاولوا تطويع كل شيء، سواء كتابياً أو فكرياً أو فنياً في هذه الإمبريالية.

واستعرض أبو النصر العشرات من اللوحات مقدماً نظرة نقدية وتاريخية عن اللوحات ورساميها وعن مكونات اللوحة وعناصرها وشخوصها، وما تشير إليه من زي ولباس للأشخاص المرسومين فيها، علاوة على ما فيها من بنيان وأعمدة وقباب ومآذن وأسوار، وبعض مظاهر الترفيه في الحياة كشرب النارجيلة وبعض الجوانب الأخرى، والأدوات، والحيوانات، والماشية، وكروم العنب، والآبار، وغيرها.

ومن بين تلك اللوحات، لوحة يظهر فيها حائط البراق، وأخرى فيها قرية العيزرية، ولوحة لغزة الشافعية، ولوحات تظهر التعددية في المجتمع، والتي تظهر من خلال الملابس المتنوعة بين جلابيب وعِمَم وبين لبس عثماني وغيره.

ولفت أبو النصر إلى أن لكل دولة حصصاً في المخطوطات، في الزمن العثماني، فلفلسطين وحدها ثلاثة آلاف مخطوط في بلغاريا، ولكن لا يوجد اهتمام بها، ومن ناحية أخرى أشار إلى أن بعض المستشرفين حاولوا إيصال رسائل مضللة، ووصفهم بمن يحاولون إثبات ما لم يثبت، مثل إظهار بعض الصلوات التلمودية في بعض اللوحات في إشارة من الرسامين إلى أحقية الإسرائيليين واليهود بالمقدسات الفلسطينية، ولكنه لفت، في الوقت ذاته، إلى أن ما نسبته 80% من اللوحات تعكس السياق العام للحضارة الفلسطينية والحياة في فلسطين، وتشير إلى الحياة في الفترة العثمانية التي رسمت فيها هذه اللوحات.

وبعد الانتهاء من العرض تم فتح نقاش واسع بين الحضور وأبو النصر حول اللوحات ورساميها ومكوناتها وما ترمز إليه.

وأكد أبو النصر في حديث خاص لـ”منصة الاستقلال الثقافية” أن الهدف من تنظيم هذه الندوة، التي حملت عنوان “قراءة في لوحات المستشرقين”، إعادة كتابة التاريخ بالشكل الصحيح، ورؤية هذه الأعمال الفنية بعيون فلسطينية وعربية، وليس بمنظار الإمبريالية الاستعمارية، وتوضيح ما كان يتم تزويره في السابق.

ولفت أبو النصر إلى أن الوقت الذي استغرقه في جمع هذه اللوحات امتد ما بين 15-20 عاماً، في فلسطين وخارجها، وأن ما قام به ليس سوى جهد فردي خالص، وقال: استعنت بكتاب لإسماعيل شموط الذي وثّق للكثير منها، فيما جمع بعض اللوحات من مؤسسات وأفراد ووثقتها بالشكل الصحيح، بهدف إعادة توثيق الأرشيف الوطني الفلسطيني ووضعه في سياقه التاريخي وإعادة قراءته مجدداً، ليكون واضحاً للعموم وللمثقفين، وليكون رداً على الاستشراق والمستشرقين فيما حاولوا تزويره.

واتهم أبو النصر الحكومة بالتقصير، داعياً إياها إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى لاسترجاع الآثار والمخطوطات، الذي يمكنه جمع مثل هذه اللوحات في بوتقة واحدة، وتكوين أرشيف وطني جامع.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة