كتبت الإعلامية#عبير_ شوربا ..لماذا يجذبنا الجمال..

الكاتبة:عبير شوربا
عبير شوربا إعلامية – لبنانية

لماذا يجذبنا الجمال؟
October 19,2020

عبير شوربا
المرأة، الطبيعة، المباني الاثرية، اللوحات الفنية. أمور كثيرة تفكر الانسان بها وتأملها.. فما هو سرها؟ وما الذي يجمعها؟ هو الجمال، طبعا. لماذا نحب الاشياء الجميلة؟ لماذا ينجذب بعض الناس الى الكنائس القوطية (Gothic Churches)، السباحة المتناغمة (synchronized swimming)، الاحصنة والفروسية المرأة الجميلة او الرجل الوسيم، او غيرهم من الاشخاص؟
أسئلة حيّرت الفلاسفة عبر العصور فحاولوا شرح الجمال بعد التعمق في تجربته. قال عنه آرسطو انه ” يتحقق الجمال بالحجم والنظام”. وجزم كونفوشيوس: ” لا أرى أحد يحب الفضيلة كما يحب الجمال”. وأكد كانط ان “الجميل يحظى برضى كلي وبمعزل عن المفاهيم”.
بزغت بذور الإجابة خلال عصر النهضة مع عالم الرياضيات والرسام والمبدع الإيطالي ليوناردو دافينشي الذي اكتشف النسبة الإلهية (Divine Ratio :1.6). أنصب تركيز العلماء على هذا الرقم السري حتى القرن التاسع عشر حيث توصل عالم نفس الماني الى اعتباره قانونا عاما للجمال. وادُعي العثور عليه في معظم التحف البشرية (تاج محل مثلا …).
اليوم، يُعرف هذا الرقم في ثقافتنا الشعبية ب “النسبة الذهبية” او “Golden Ratio”. فتحدد على اساسها “المستطيل الذهبي”. وهذا ما يُفسر سر انجذاب الناس خصيصا للمستطيلات لأنها من افضل اشكال التدفق للصور من المسطحات حتى الدماغ. أثبتت الدراسات ان رؤيتنا لها ترضينا، لبساطتها على العينين ولسرعة إدراك ادمغتنا لها. لعله السبب البسيط لصناعتنا الكثير من الاشياء بهذا الشكل حديثا من التلفاز، الى البطاقة المصرفية، العَلَم …
يعتقد بعض العلماء ان الجمال البصري يعتمد على قدرتنا على الرؤية التي تطورت لتساعدنا على البقاء احياء. فالعديد من الامور التي لا نزال ننجذب اليها بصريا، ساعدت اجدادنا على النجاة بأنفسهم. فتشير الزهور الجميلة مثلا الى فاكهة قد تُثمر، ومصادر المياه تدل على خير ٍآتٍ للتغذي منه…
لكن هذه النظرية التي تعتبر جزءا من الجمال هو الرغبة في الحياة، لم تُقنع البعض الآخر. ففي كتابه ” تطور الجمال” (The Evolution of Beauty: How Darwins Forgotten Theory of Mate Choice Shapes the Animal World & Us) يناقش العالم في علم الاحياء التطوري، ريتشارد بروم، ان الجمال لا يقتصر على البقاء والجدارة وان بعضه اعتباطي وبلا قيمة. أبرز دليل على ذلك هو ريش ذيل الطاووس المغطى بالمئات من البقع الجميلة الشبيهة بالعين، كل واحدة منها مؤلفة من نقاط نانوية ضوئية مكونة من حبوب الميلانين، التي تحتوي على 4 او 5 ألوان ومنظمة على نسق بلورات. فبالرغم من جمال ذيله وانجذاب اناث الطاووس اليه، خاصة اثناء عرض التزاوج، الا انه يصعب على الطاووس الذكر الركض، الطيران، والنجاة بنفسه.
أشارت الابحاث الى ان المتعة هي الحافز الذي يقود الحيوانات للاختيارات التي تتخذها. اما في الدماغ البشري فالجمال هو المتعة. فاستجابتنا للجمال تعود الى التفعيل المشترك للقشرة البصرية (visual cortex) مع أنظمة المكافآت (orbitofrontal cortex& Nucleus Accumbent) التي تتضمن 3 من انظمة المرسلات العصبية الرئيسة. النظام الاول هونظام الدوبامين المتعلق برغباتنا واحتياجاتنا. ان تدفقه المفاجئ يحركنا فعليا ويحفزنا للاقتراب من الاشياء التي تجذبنا. الجمال ايضا يمكنه ان يُفعل نظام ال ” اندوكانابينويد” كما النظام “الافيوني. وهما النظامان ذاتهما اللذان ينشطان عند تناول القنب او الافيون.
تنشأ التفضيلات الجمالية عند الانسان نفسيا عبر تطور البيئة الاجتماعية، الانكشاف، الابتكار الفردي، والتأقلم الثقافي. هو نسبي ويصعب تفسيره من شخص الى آخر ويتغير عبر الزمن. فصبغ الاسنان باللون الاسود مثلا كان من علامات الجمال في اليابان ذات يوم. وانتزاع شعيرات الرموش كان ايضا من علاماته في أوروبا من قبل. كماُ يعتبر صبغ، رش، تضبيب، حرق، او دهن البشرة باللون البرونزي في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان اليوم.
كذلك بالنسبة للوحات الانطباعية التي واجهت صعوبة بالغة في الظهور على الساحة منذ 150 عاما. أما الآن فإن استطلعت آراء أغلب الامريكيين سيفضلون الفن الانطباعي من بين كل الفنون. مثل آخر على تأثير المجتمع على ما نعتبره جذابا يتلخص بالانبهار الذي قد يلحق أحدهم عند النظر الى لوحة لشخصية ملكية ولكن إذا كان مفهوم الملكية يزعجك فلن تجدها جميلة.
كما كشفت ابحاث متخصصة في برامج علاج الخرف عام 2008، ان المصابين بالخرف والزهايمر يستمرون بالتمتع بالذوق ذاته تجاه الفنون كما كانوا طيلة حياتهم. وتبين للباحثين الذين درسوا الدماغ البشري ان هناك منطقة، تُسمى “دي ام أن”، تشتعل اثناء اللحظات التي تكون فيها التجربة الجمالية في ذروتها، وهي شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network). صور مسح الدماغ تُظهر هدوء هذه المنطقة عند التركيز بفكرة او العمل على مهمة معينة. وتنشط منطقة ال “دي ام ان “في حالة التفكر بالذات والتشتت وعندما تنغلق عقولنا على نفسها.
يبدو ان احساسنا بالجمال عميق. وتفضيلنا لشيء، لذوق، لشكل ولقطعة فنية معينة او حتى انجذابنا لشخص بحد ذاته دون سواه قد يعني انه لمس أرواحنا وحاكى جذورنا. فتتحرك مشاعرنا وإحساسنا بذاتنا لنتعدى حواسنا ونتفلت من قيودنا المادية . ان إدراكنا للجمال غالبا ما يُثير مخيلتنا للتطلع صوب الحرية والصفاء النفسي. ولعل الجمال بمختلف صوره هو انعكاس لروعة الخالق، بهجة الكون وسبب وجوده.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة