قليلة هي الكتب المعنية بالفنون الجميلة في المكتبة العربية، صحيح أنه ثمة ترجمات ولكن أغلبها صدر منذ أمد ليس بالقريب، وهي في معظمها لطالما كانت كتباً تاريخية أو خاصة بسير فناني الغرب، وفي القليل عنيت بتقديم المعارف النقدية والعلمية المتصلة بهذا الضرب الفني.

إذاً، يمكن القول إن الحركة التشكيلية العربية افتقرت دائما للجهود النقدية التي يمكن ان تسندها وتشيع جمالياتها ودلالاتها وإشكالياتها وأسئلتها، على نحو يتجاوز دوائر الفنانين الخاصة إلى عامة الناس، وليس من المبالغة في شيء القول إن مجمل ما جمعته المكتبة عن الحركة التشكيلية، منذ بداياتها، هو في أغلبه مجرد تقارير صحفية وحوارات.. وذكريات.

ولعل مما يلفت، في هذا السياق، أن الموسوعات والمعاجم المعرّفة بالمصطلحات والمفاهيم النقدية الخاصة بالأدب، مثلاً، توشك أن تطغى على عناوينه الإبداعية في أرفف المكتبات العربية، في حين لا نعثر إلا على القليل مما يمكن ان يعيننا على تدبر مصادر ومرجعيات العديد من التيارات التشكيلية المتحركة في المجال. وقد يصح القول ان هذا الأمر يتعلق بسائر الفنون الأدائية “المسرح والغناء والرقص..” فكلها تعاني المشكلة ذاتها، عربياً على الأقل. ربما يرجع السبب إلى طبيعتها المعقدة والمركبة؟

على أن ما يبدو غريباً هنا، هو أن الفن التشكيلي، تحديداً، يعيش حالة مزدهرة في هذا الوقت إذ تزايدت، بشكل منظور، معارضه ومزاداته في عدد من العواصم العربية؛ كما نجح العديد من مبدعيه في الوصول بأعمالهم إلى صالات دولية هنا وهناك؛ فكيف تحقق هذا الحضور مع ما تعيشه الحركة النقدية من ضعف واضح؟ هذا السؤال ينطلق من افتراض مفاده أن دينامية أي مجال فني مرتبطة لحد كبير بحيوية نشاطه النقدي؛ بل إن بعضهم يعتبر النقد، كنشاط معرفي، شرطاً لوجود الفن وخلوده، وهو تاريخه وشرحه وذيوعه!

مبادرة

في سنة 2008 بادرت إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة بإطلاق “مسابقة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي”، استشعارا منها بأهمية الجهود البحثية في قراءة ومقاربة الإبداع التشكيلي وبالتالي ترسيخه وتركيز قيمه وترقية معاييره، ولقد وجدت المسابقة التي تعتبر الوحيدة ـ إلى هذه اللحظة ـ استجابة واسعة من مختلف الباحثين العرب، وعلى نحو كشف أن السبب وراء ضعف نسبة المساهمات النقدية في الساحة التشكيلية العربية هو غياب الفعاليات أو الأنشطة التي تملك أن تحفز النقاد على بذل رؤاهم وقراءاتهم.

مع مرور أربع سنوات، نجحت مسابقة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي في تقديم عدد من الأسماء النقدية الجديدة، من تونس، المغرب، مصر، السودان، السعودية، وقد أصدرت 16 كتابا نقدياً حول أسئلة مثل “الحداثة” و”الريادة” و”الهوية” وسواها، وفي دورتها الأخيرة 2012 سألت عن “المفاهيمية في التشكيل العربي”، وهو سؤال يشبه أسئلة الدورات الماضية في صيغته “المدرسية”، لحد ما، ولكن لعل السبب وراء ذلك يعود إلى أن هذه المسابقة تعي هشاشة ذاكرة النقد التشكيلي في الوطن العربي وهزال قواعدها؛ وليس أدل على ذلك من حقيقة أن المكتبة العربية لم تعرف، طيلة الفترة السابقة للدورة الأخيرة من هذه المسابقة، أية مساهمة علمية جادة تقرّب هذا الأداء الفني الموسوم “المفاهيمية” للمهتمين بظواهر وتيارات الفن التشكيلي؛ على رغم ان هذا الضرب الفني ظهر في الوسط التشكيلي العربي أواخر ثمانينات القرن الماضي!

وقد تكلمت الأبحاث الثلاثة التي فازت بالدورة الأخيرة، منذ البداية، عن معاناتها من غياب المصادر العربية ذات الصلة بموضوع المسابقة، وأكثر من ذلك، بدا كأن أصحاب هذه الأبحاث انطلقوا من قناعة واحدة مفادها أن ما أنجز من أبحاث نقدية عربية في حقل التشكيل هو من الندرة بحيث بات من الضروري لكل باحث جديد أن يمهد لبحثه بمقدمة مطولة عما يمكن اعتباره من “البديهيات”؛ مثل الكلام عن الكيفية التي خبر من خلالها الإنسان سائر الأداءات الفنية، وذلك بدءاً من مرحلته البدائية مرورا بمراحل تطوره المختلفة وصولاً إلى وقتنا الحالي، وكيف قرأ الفلاسفة علاقة الفن بالإنسان وبالمجتمع.. إلخ!

مشكلة الفن

هو ذا ما نجده في مقدمات الأبحاث الثلاثة الفائزة بالجائزة وفيما لو نظرنا حصراً إلى البحث الفائز بالجائزة الأولى وهو بعنوان “المفهومية في الفن التشكيلي العربي: رؤى وتجارب” لإبراهيم الحجري ـ من المغرب ـ نجد أنه أفرد جزءاً كبيراً من فصله الأول للحديث عن الكيفية التي بات معها الفن بمثابة “قطب الرحى في كل منجز بشري بحكم أن التركيبة النفسية للبشر جد معقدة وتستضمر شحنات ضافية لا محيد للفرد عن تصريفها في أشكال إبداعية تعكس قلقه وأسئلته الوجودية وتستبطن بشكل من الأشكال مطامحه ومخاوفه، أفراحه وأحزانه… فمنذ القدم تفجرت مواهب الكائن الآدمي الذي فرض ذاته على المخلوقات الأرضية الأخرى بحكم قدراته الذكائية إلخ..”.

يستعير الحجري، في هذا الفصل، عنوان كتاب زكريا إبراهيم الشائع “مشكلة الفن” ولكنه يقدمه كالتالي: “الفن مشكلة فلسفية إنسانية” ليطرح عبره رؤى تاريخية وفلسفية ونفسية، متوزعة على مصادر عديدة، تبين الموقع الراكز للفن في حياة البشر؛ في مختلف الأزمنة والأمكنة.

وفي جزء متقدم، من فصله الأول، يبدأ الحجري في تعيين المسار التجريبي الذي اتخذته الفنون وصولاً إلى اللحظة التي عُرفت فيها “المفاهيمية”، أي خمسينيات القرن الماضي.

كان الحجري اختار، منذ البداية، أن يترجم مصطلح Conceptual إلى “مفهومي/ مفهومية” عوضاً عن “مفاهيمية” باعتبار أن (العرب لا تنسب إلى الجمع بل إلى المفرد)، على أن ما بدا ناقصاً في ملاحظة الحجري اللغوية هنا انه لم يستتبعها بتذكير قصير في شأن من اقترح الترجمة العربية السائدة للمصطلح؟

حركة المفاهيمية

يورد الحجري ان الفن المفاهيمي ظهر في أميركا وأوروبا نهاية الخمسينيات ومن بعد انتشر في أنحاء العالم، أما مفهوم مصطلح الفن المفاهيمي: حالة تحويل فكرة ما وجعلها ملموسة؛ ففي عام 1969 أعلن جوزيف كوزوت ان “جميع الأعمال الفنية بعد مارسيل دوشان هي أعمال مفاهيمية بطبيعتها لأن الفن خلق مفهومي”، وبعد عشر سنوات من ذلك أطلق الفنان نفسه عملا فنيا تحت عنوان “غرفة العمليات” وهو عبارة عن طاولتين كبيرتين عليهما مجموعة كبيرة من الكتب أغلبها بحوث في العلم واللغة والفلسفة ومن بينها بحوث ودراسات نقدية وفلسفية للفنان نفسه، وهناك عدد من الكراسي تدعو المشاهد للجلوس والقراءة. يشرح الحجري: “جمالية اللوحة هنا لا تكمن في طريقة وضع وترتيب الكتب والطاولات والكراسي، أي انها خارجة عن نطاق التناسق المورفولوجي أو الشكلي سواء منه الارتجالي أو المنظم لعناصر اللوحة.. بل تكمن في فكرة المنتوج التي هي القراءة”. ويستطرد: “أي عملية القراءة في سياق الفن البصري، بمعني تحويل الفن البصري إلى فن ثقافي فلسفي وجودي علمي”.

إذاً، نشأ الفن المفاهيمي في الغرب نتيجة لضيق الفنان من الأطر والأفكار التقليدية التي حكمت مرحلة ما من تاريخ الفن، يقول الحجري ويضيف: “وتعود جذور هذا الفن إلى الدادائية الجديدة سواء في أوروبا أو أميركا مطلع القرن العشرين ثم تأصل المفهوم في الستينيات، وذاع صيته ليصبح حركة عالمية”. عملت هذه الحركة على تدعيم فكرة “ان الفن يقوم أساساً على ترجمة الفنان فكرته باستخدام الوسيط الذي يراه مناسبا للتعبير عنها مع تمتعه بحرية في اختيار النوع الملائم من الخامات التي بإمكانها تجسيد فكرته دون تقييد بالشروط الفنية والأسس التقليدية المألوفة”، وتركيزاً لمفهوم المصطلح يتابع الحجري في ذات الفصل، ليبين ان الفنان تحرر، مع المفاهيمية، من فكرة “تقديم عمله بوصفه سلعة يمكن الاستفادة منها بواسطة المتاجرة في سوق الفن منصرفاً بذلك إلى إبراز الواقع باعتباره قيمة جمالية فالأساس في العمل الفني ليس هو شكله وصورته التي يتمظهر عليها بل هو الفكرة أو المفهوم الذي يريد المنتج الفني إبلاغه للملتقي دون تحيز أو استنجاد بأي نظرية من النظريات”، كما أنه تخلص من الشرط المهاري أو الحرفي لصالح المعني الذي أصبح غاية أساسية بدلا من الشكل أو الأسلوب الذي يبدو عليه.

مقومات

وينتهي الحجري من فصله الأول بتحديد عدد من المقومات التي ينهض عليها الفن المفاهيمي وهي: إعطاء أهمية كبرى للفكرة أو المعنى/ وتهميش الأسلوب والشكل الجماليين/ إزاحة دور الفنان الماهر/ وإشراك المتلقي في بناء المعنى وتأسيس النموذج/ الانفتاح على المحيط المجتمعي والواقع السوسيو ـ ثقافي للمجتمع الذي يعيش فيه الفنان/ استغلال كل الرأسمال البشري المتحقق على المستوى البصري/ توظيف الوسائط الجديدة أو تكنولوجيا الصورة في إنجاز العمل الفني/ الاشتغال على المنظور الثقافي للفنان وجعله كائنا مواكبا لتطورات عصره/ الاشتغال على قضايا الإنسان وهمومه الفردية والجماعية/ تمتين العلاقة بالسؤال الكوني المشترك على حساب العلاقة بالذات أو ما يدعى بالانوية المفرطة للفنان.

أدوات

كيف يشتغل الفن التشكيلي المفاهيمي؟ هذا هو سؤال الفصل الثاني من الكتاب، وهو سؤال يخص نقد هذا الضرب الفني لا إبداعه. ويقدم الحجري لهذا الفصل مشيراً إلى ان أي اتجاه فني يملك ان يؤسس مصطلحاته ومفاهيمه ولكن ذلك لا يعني انه لن يستعين ببعض المصطلحات المعروفة أو الراسخة؛ وهو إما اعتمدها كإضافة على ما يقترحه من اصطلاحات جديدة أو هجرها إلى ذاته وطبعها بطابعه الخاص، مستفيدا من رواجها واستقرارها.

من بعد، يقدم الباحث المغربي مجموعة من المصطلحات، مستعرضا مفاهيمها في سياق “الفن المفاهيمي” ومنها “الكولاج” و”المفهوم” و”المعنى” و”الإرساء” و”السيمولاكر” و”الفوتشوب” و”المسخ” و”الذكاء الفني” و”الفنان التقني” و”البوب آرت” إلخ..

رؤى

وفي الفصل الثالث “تجارب ورؤى” يقرأ الباحث صلة بعض التجارب التشكيلية العربية بالفن المفاهيمي، ويستغرق في مساهمات الفنان الإماراتي حسن شريف “الذي كان من الفنانين العرب الأوائل الذين انخرطوا في حركة ما بعد الحداثة” بخاصة أعماله “الكراتين” 1995 و”المفاتيح” 1996 وفي نفس العام “سيرة ذاتية”. كذلك يقرأ الحجري تجربة الفنان عبد الله السعدي الذي “عمد إلى تجسيد أسفاره ومغامراته ويومياته في شكل أعمال ورسومات وصور ومشاهد يعرضها أمام المتلقين ليعيد معهم عيش التجربة ذاتها بطريقة مختلفة” كما هي الحال في عمليه “ماغيندا مع الغذاء” و قمرقند” وسواهما.

ثمة أيضاً، ضمن التجارب المقروءة، ومنها أعمال لابتسام عبد العزيز، سمر دياب، منى حاطوم، وقادر عطية وسواهم.

يختتم الباحث كتابه الواقع في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط بملحق صور ضم الأعمال التي قرأها في فصله الأخير.

التجربة الإماراتية في الفن المفاهيمي

في ما يتصل بانتقال الفن المفاهيمي إلى المنطقة العربية يقول الناقد المغربي إبراهيم الحجري في كتابه انه كان أسرع من انتقال المدارس الأقدم، فقد استغرق عشرين سنة فقط، حيث ظهر المفهوم في المنطقة نهاية الثمانينيات من القرن الماضي من خلال بعض الفنانين الذين تلقوا دراستهم الأكاديمية في الخارج حينها، وتأثروا بهذا الاتجاه الجديد “فساهموا في الترويج لثقافة الفن المفهومي، بخاصة عبر بينالي الشارقة، النافذة التي فتحت لاستقطاب الاتجاهات الفنية الحديثة، من خلال توفير الإمكانات الفنية والمادية التشجيعية، وقد خصص إحدى دوراته الأخيرة حول الفن المفهومي أو “فكر الفن” وعكس هذا الاحتفاء دخول الفن المفهومي إلى المنطقة”.

ويضيف الحجري “غير ان ظهور هذا الاتجاه في الإمارات سابق عن هذا التاريخ من خلال أعمال الفنان حسن شريف الذي قدم هذا الفن بعد ان اكتشفه أثناء دراسته في الخارج وربما كان على وعي ودراية تامة بكل أبعاده الفكرية ولكن إعادة صياغة هذا المفهوم من خلال اتباع حسن وتلاميذه يختلف بحسب درجات الوعي الفكري فيما بينهم..”.

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.