بالصور: من مُخرِج ومصور تلفزيوني مبدع .. إلى عامل على شاحنة نفايات!

بالصور: من مُخرِج ومصور تلفزيوني مبدع .. إلى عامل على شاحنة نفايات!

 

كتب – رومل السويطي:

“لم أتخيل يوما أن تكون حكايتي هي الفلم الذي يجب ان أنجزه وأقوم بتصويره” .. بهذه العبارة بدأ خريج كلية الإعلام في جامعة النجاح الوطنية كنعان صبري كنعان 31 عاما من سكان مخيم بلاطة، حديثه مع “حياة وسوق”.

بمجرد معرفة ظروف حياته، يمكن التأكد أن كنعان إنسان طموح ولا يستسلم لليأس أو ظروف الحياة القاسية والمعقدة، وقد نشأ في احد بيوت مخيم بلاطة لعائلة معروفة ببساطتها. كانت أبرز البدايات في حياة كنعان، مع اندلاع انتفاضة الأقصى، حيث تقدم لامتحان الثانوية عامين على التوالي، ولم يجتز أي منهما بسبب الاعتقال لدى الاحتلال قبيل تقديم الامتحانات او في منتصفها، وبعد ذلك التحق بمعهد التدريب المهني – حرفة الرسم المعماري وقبيل إتمامه لما هو مقرر تم اعتقاله مرة أخرى وقضى عاما كاملا داخل السجن، وهناك تقدم لامتحان الثانوية العامة، وبعد خروجه التحق بقسم الصحافة في جامعة النجاح. كنعان تخرج من قسم الصحافة بجامعة النجاح قبل نحو خمس سنوات، بعد أن تميّز بين زميلاته وزملائه وخاصة في مجال التصوير التلفزيوني، ولم يشهد له أساتذته وأقرانه من طلبة قسم الصحافة فحسب، بل شهدت له انجازاته وهو لا يزال طالبا، بعد مشاركاته في المهرجان السنوي للأفلام الوثائقية الذي يقيمه قسم الصحافة، حيث شارك بالعديد من الأفلام في كافة المهرجانات طيلة وجوده على مقاعد الدراسة، وكان في كل عام يحصد ليس مركز واحد فحسب، بل أكثر من مركز متقدم، كما حصل معه في أحد المهرجانات حيث شارك بخمسة أفلام، وحازت ثلاثة من أفلامه على المراكز الأول والثاني والثالث. كما حصل في أحد المهرجانات على المركز الأول عن فيلم “خربة طوبا” الذي نافس 12 فيلما. ليس هذا فحسب، بل ان عددا كبيرا من زملائه كانوا يلجؤون إليه حتى يوم تخرجه سنة 2011 ولم يتردد بمساعدة زملائه في معظم انجازاتهم وأحيانا بطلب من أساتذة قسم الصحافة في حينه.
ويتحدث كنعان عن نفسه بعد التخرج، ويقول مبتسما “قصتي بعد التخرج كانت الفيلم الأكثر نجاحا لو أردت القيام بتصويره” ويضيف بأن أحلامه وطموحاته في العمل الإعلامي وخاصة التصوير التلفزيوني، تحطمت على جدار “الواسطة والحزبية والمحسوبية”، موضحا بأنه تقدم لأكثر من مؤسسة إعلامية، وكان الجواب الحاضر في كل مرة “نأسف لا يوجد لدينا شواغر إلا إذا أردت ان تتطوع “. وفي يوم من الأيام جاءه اتصال هاتفي من إحدى المؤسسات الإعلامية الفلسطينية التلفزيونية الكبرى، واخبره بضرورة التوجه لأحد فروع المؤسسة، لحاجتهم إلى مصور تلفزيوني، وبناءا على طلبه توجه كنعان إلى المكان المطلوب، وبعد تقديم سيرته الذاتية، أبلغه المسؤول بأنه سيقوم بالاتصال به قريبا للبدء في العمل، وبعد أسبوع قام بالاتصال بتلك المؤسسة، فرد عليه المسؤول وقد بدت عليه علامات الارتباك وتلعثمت الكلمات في فمه، رد عليه بقوله “آسف، لا توجد شواغر”.
ويجد كنعان نفسه أمام معضلة كبيرة ومعقدة، خاصة بعد زواجه، وكان لا بد من إيجاد مصدرا للدخل، فبدأ البحث عن العمل، دون أن يجد وظيفة بالشهادة التي يحملها والتميز الذي يتمتع به في مجال التصوير التلفزيوني، فكان أول عمل يدخله هو مجال البناء بمختلف أقسامه وتنظيف الحدائق، كما حاول أن يغامر بالحصول على عمل في الداخل الفلسطيني المحتل عام 48 ليتعرض في أول يوم من توجهه الى الداخل المحتل لاطلاق النار من جانب شرطة حرس الحدود، ويستشهد أحد العمال أمامه خلال محاولتهم التسلل من الجدار قرب قرية عزون.
بعد ذلك تقدم كنعان بطلب عمل لمجلس الخدمات المشترك لتدوير النفايات الصلبة للعمل كعامل نفايات على الشاحنة الخاصة بجمع النفايات، وبعد مرور اكثر من ثلاثة أشهر على تقديمه الطلب وذهابه بشكل أسبوعي لمقر المجلس، حظي بفرصة العمل، وقال معقبا على فوزه بالوظيفة “كان ينبغي أن أوزع الحلوى لأنني حصل على هذه الوظيفة”. ويخرج كنعان صباح كل اليوم مع شاحنة نقل النفايات، دون أن يشعر بأي امتعاض، لكنه يقول “أشعر بحزن لكن في ذات الوقت أشعر بفخر لأنني أعمل بشرف ولا أحتاج أحد”. ولم تقتصر محاولات كنعان لانتزاع فرصة عمل في مجال النفايات، بل قام بشراء عربة وجهزها لبيع القهوة والشاي على مدخل نابلس الجنوبي، بعد انتهائه من العمل على شاحنة النفايات، ويبقى إلى جانب عربته حتى منتصف الليل.
وينهي كنعان قصته مع حياة وسوق بقوله “انا كصحافي ومخرج أفلام وثائقية أؤمن بقدراتي على صناعة فيلم عن أي شيء أراه، ولكن لم أتخيل يوما ان تكون حكايتي هي الفيلم الذي يجب أن أنجزه وأقوم بتصويره ” .

(ملحق حياة وسوق – جريدة الحياة الجديدة)

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.