نادي الرياض الأدبي يكرم حسين علي حسين

إعداد – محمد باوزير

احتفاءً بإبداعه السردي

عمدة القصة القصيرة.. حسين علي حسين.. بدأ بالرحيل ليقف على حافة اليمامة

 

قرابة نصف قرن من الإبداع القصصي طرزها قلم القاص المعروف الأستاذ حسين علي حسين أمضاها وفياً لهذا الفن منتمياً لهذا النوع من الكتابة بكل حميمية ومخلصاً له يدفعه إليه عشقه المحض للقصة واهتمامه بتفاصيلها يكتب في الصحف وتارة في المجلات، ويصدر المجموعات دون أن يلتفت إلى تكريم أو يرنو إلى جائزة أو يرضي فئة من النقاد، ما كان يهمه فقط هو أن يتميز في كتابة نصوصه ويخرج نصوصاً تعالج ما يطرح فيها من رؤى وأفكار مضمخة بعباراته الشعرية المتدفقة نلمسها في صوره التي يوظفها شعرياً بلغته المستقيمة دون أن يتحذلق ولكن لا ضير عنده إن استخدم مفردة عامية دون أن يحرج نسيج قصته، يركن حسين علي حسين في معظم نصوصه إلى معالجة القضايا الاجتماعية، كما تجد الاغتراب بشتى مناحيه يحف بأبطاله في قصصه، ومرد ذلك انطلاقه من عمق التيار الواقعي، بل إن أبطاله دائمو البحث عن الحقيقة من خلال اصطدامهم بواقعهم المحاط بهم..

باقازي: قاص يجسد في أعماله البساطة والتلقائية المميزة

إن أهم ما يميز حسين رؤيته العميقة في نصوصه القصصية، وانتقاؤه – بعناية – المهمش ليحقق به مشهده القصصي.

بقي أن نذكّر القارئ الكريم أن مبدعنا حسين علي حسين من مواليد المدينة المنورة عام (1369ه) وهو حاصل على الثانوية العامة، كما نال دبلوماً في المساحة الأرضية، احترف حسين الكتابة الأدبية في جملة من الصحف (المدينة – الرياض – اليمامة – الجزيرة – عكاظ – البلاد)، وعدد من المجلات والدوريات المتخصصة، له جمهرة من المجموعات القصصية على مدى مشواره الصحفي وهي “الرحيل” 1398ه، “ترنيمة الرجل المطارد” 1403ه، “طابور المياه الحديدية” 1405ه، “كبير المقام” 1407ه، “رائحة المدينة” 1414ه، “المقهى” 1434ه، “مزيكا” 1435ه وله رواية واحدة هي “على حافة اليمامة” 1435ه.

الشيخ: في سرده تجد اللفظة المعبرة التي لا يمكن استبدالها بمفردة غيرها

واليوم نحتفي بهذه القامة القصصية التي قدمت للمكتبة القصصية العديد من الأعمال الإبداعية على مدى هذه السنوات الطويلة، وذلك بمشاركة كوكبة من مجايليه ومعجبيه.

في بداية هذا الاحتفاء يتحدث صديقه الكاتب والقاص فهد الخليوي مطالباً بتكريمه.. وقال: الصديق العزيز حسين علي حسين تربطني معه صداقة قديمة بدأت منذ منتصف السبعينيات الميلادية تقريباً، جمعتني بأبي شادي هموم الكتابة وخاصة الكتابة الإبداعية، إذ شهدت تلك المرحلة الأدبية حضور القصة القصيرة كإبداع أدبي تجاوز الحكايات التقليدية المسرودة بغرض التسلية إلى صياغة تلك الحكايات بأبعادها الاجتماعية والإنسانية لتصبح قصصا قصيرة ذات تقنيات فنية حديثة وإيقاعات معبرة عن روح العصر الجديد الذي كنا نعيش على أطرافه كمتفرجين سلبيين بسبب هيمنة تيار الفكر الإقصائي في بلادنا الذي نجح في تلك الفترة بتحجيم كل الأفكار التنويرية على كافة الأصعدة وليس على صعيد الأدب المحلي الحديث فحسب.

المالكي: ينقل في قصصه الصور بمهارة ويجسدها على الورق

أعود لأبي شادي الذي سبق الكثيرين من كتاب القصة بطباعة معظم مجموعاته القصصية مبكرا من تلك المجموعات “طابور المياه الحديدية” و”ترنيمة الرجل المطارد” و”الرحيل” وتسنى لي قراءة بعضها ولمست من خلالها حرص حسين علي حسين اشتغاله على نصه بعناية فائقة واتكاءه على حشد من الأمكنة والأزمنة المترابطة التي تتناغم في عمق النص لتتحول إلى لوحات في غاية الجمال والإبداع.

أما القاص محمد المنصور الشقحاء الذي يصفه بأنه عمدة القصة القصيرة في بلادنا حيث قال: الصديق القاص حسين علي حسين قال عنه الدكتور منصور الحازمي (يبدو إأن أبطال حسين علي حسين مغرمون بالتسكع لا تراهم إلا على الأرصفة وفي الحواري القديمة والأحياء الشعبية الصميمة)، وأجده في كوكبة الجيل الذهبي للقصة القصيرة الذي قال عنهم شاكر النابلسي (استطاعت من خلال جهدها الفني القصصي الكبير أن تؤسس للقصة العربية الحديثة في السعودية) ومع هذا التميز التاريخي.

هو ابن الصحافة الورقية مراسلا ومحررا وفي الإدارة كقائد من قواد المطبخ التحريري وصاحب مقالة رأي في زاوية عبر العديد من الصحف؛ وباحث اجتماعي يركز على العادات والقيم وهذا جاء في عدة أبحاث نشرت مرقمة في المجلات.

وعوالم حسين علي حسين القصصية والروائية تناولها عدد من النقاد منهم أحمد فضل شبلول الذي قال (ولئن كانت قصص ترنيمة الرجل المطارد بها شيء من الألفة والمودة بين شخوصها، فإن هذه الصفة في التعامل بين البشر تنتفي في كبير المقام ولكن على أية حال فإن الإنسان في كلا المجموعتين مقهور ضعيف وحيد وتعيس مسلوب الإرادة غير قادر على تحقيق طموحاته).

وعلى كلٍ فالصديق والأخ حسين علي حسين كاتب ذو طابع انساني متميز ومتعاطف مع من حوله من البسطاء من خلال انتمائه إلى التيار الواقعي في القصة القصيرة الذي يلجأ إليه رصداً ممزوجاً بصدى ذلك من خلال حس الذات وشعورها بأثر الزمان والمكان.

ويحيي القاص المعروف عبدالله باقازي رفيق دربه في الإبداع ويتذكر مرحلة البداية وذكر أيضاً: يعود زمن مجايلتي ومزاملتي للأستاذ: حسين علي حسين إلى عام 1389ه – 1969م حين بدأنا سوية كتابة القصة القصيرة في ملحق: دنيا الأدب الذي كان يشرف عليه: أستاذي وأستاذه وأستاذ جيل كتاب القصة القصيرة الحديثة أستاذنا القدير: سباعي عثمان – رحمه الله تعالى-.

كنت وقتها لا أزال في المرحلة الثانوية وكنت قبلها قد نشرت قصتين إبان المرحلة المتوسطة:

  • دموع الفرح: التي نشرت بمجلة الإذاعة السعودية عام 1384ه- 1964م.
  • رصاصة في الظلام: التي نشرت بدنيا الأدب بجريدة المدينة عام 1385 ه – 1965م.

لكن البداية الفنية كانت عام 1389ه -1969م مع الأستاذ حسين كما قدمت.

والأستاذ حسين من الذين أخلصوا للقصة القصيرة فأخلصت لهم وخدموها فخدمتهم.

كانت قصصه القصيرة تجسيداً لبساطته وتلقائيته الفنية المميزة ومعايشته للإنسان والمجتمع ودائرة الحياة من حوله.

أحييه في هذه المناسبة وأتمنى له الصحة وطول العمر كأحد الزملاء الأوفياء وكأحد الأصوات القصصية المميزة لدينا.

ويتذكر الروائي والقاص حسن الشيخ أياماً جميلة جمعته بالمحتفى به في صحيفة الرياض وذكر أيضاً: ترجع علاقتي القرائية بالقاص المبدع حسين علي حسين إلى ثلاثة عقود من الزمن. حينها كنت أعمل صحافيا في جريدة الرياض الأسبوعي، في عهد رئيس التحرير السابق الأستاذ تركي السديري، حيث كانت الرياض الأسبوعي من ابتكاراته الصحفية. إلا أن تلك التجربة الصحفية – رغم نجاحها – لم تستمر.

عملت في الأسبوعي وتحديدا في الصفحات الثقافية التي كان يشرف عليها الأستاذ محمد رضا نصر الله. وفي القسم الثقافي تعرفت على عدد من الرواد من قاصين وشعراء ونقاد. من أمثال القاص محمد علوان والشاعر سعد الحميدين وغيرهما الكثير ممن كانوا يساهمون في المنتج الثقافي لصفحات الرياض الأسبوعي في تلك الفترة . وكان الأستاذ القاص حسين علي حسين من أبرز من تعرفت عليه في تلك المرحلة المبكرة من حياتي الصحفية والأدبية.

ومنذ ذلك الوقت تعرفت على الأستاذ حسين إنساناً وقاصاً ومثقفاً.

ولعل أبرز ما شدني إلى شخصيته في ذلك الوقت هدوءه في نقاشاته الثقافية. وإيمانه بالمواقف الثقافية التي يتبناها من دون ضجيج. يكتب بهدوء، وينشر بهدوء ، دون ضجيج . غير مكترث بالبروز الإعلامي .

الشقحاء: كتاباته تحمل طابعاً إنسانياً وينتمي إلى التيار الواقعي في قصصه

وفي هذه الفترة الزمنية تحديدا تعرفت عليه كقاص. وقرأت الكثير من قصصه. وكتبت عنه – لاحقا – الكثير حينما أتناول الشأن الثقافي – الإبداعي – فهو قاص متميز. يكتب عن هموم الناس البسطاء. ويكتب عن هواجسهم وأحلامهم.

في إبداعه السردي تجد اللفظة المعبرة والبسيطة التي لا يمكنك استبدالها بمفردة غيرها. وتجد الأفكار البكر التي تتمنى كقاص أن تناولتها قبله. لكنه سبقك.

وبالفعل القاص حسين علي حسين هو رائد من رواد القصة القصيرة في المملكة.

أحتاج للكتابة عن تجربته أكثر من هذه المساحة المعطاة لي.

الخليوي: يتكئ في نصوصه على حشد من الأمكنة والأزمنة تحول القصة إلى لوحة جمالية

ونختتم هذا التكريم بحديث للكاتب والقاص عبدالله ساعد المالكي الذي يبدي فيه إعجابه الكبير بمنجز حسين القصصي الذي خرج إلى المتلقي بمهارة عالية ويمضي قائلاً:

في وسط هذ الكم الهائل، مما تزدحم به الساحة من مطبوعات، مصنفة حسب أهواء من طبعوها، على أنها قصة وتارة رواية، تبقى أسماء لا جدال في جدارتها بالتربع على هامة هذا الفن الجميل، فن القصة القصيرة، ومن هؤلاء المبدعين ضيف هذا العدد.

لا اذكر العمل أو النص القصصي الأول، الذي قرأته مبكراً للأديب المبدع حسين علي حسين، ولكنني أذكر آخر عمل قرأته قريبا واستمتعت به، وهو مجموعته القصصية (المقهى) وروايته الجميلة (حافة اليمامة).

وحسين علي حسين، ليس من أولئك الذين يعبرون ذاكرتك بسهولة، فهو يأتي ويبقى هناك، من خلال ملامح ونكهة نصوصه الإبداعية المميزة، التي لها طعم وروح المكان، ومن تلك الأماكن المدينة المنورة.

وهو ومن سبقه وعاصره من جيل أساتذة القصة في بلادنا، تزخر نصوصهم الإبداعية برائحة المكان، وطبيعة الحياة به، في حقبة زمنية لا يمكن الإحاطة بتفاصيلها الدقيقة، إلا من خلال الإبحار في تلك النصوص المتفردة، في محليتها وجمالها.

وكثيرون هم الذين يملكون ذاكرة بصرية وذكريات جميلة، لحياة لم تعد، ولكن القليل هم من يستطيع بمهارة نقل تلك الصور، وتجسيدها على الورق ليستمتع بها من لحق.

وعندما قرأت عن مهرجان القصة القصيرة، المزمع إقامته في نادي الباحة وإنه من ضمن الكرمين، مع كوكبة من رواد القصة فرحت، لأنه يستحق، ولأن أمنية قديمة لدي ستتحقق أخيراً، وهي الالتقاء به مع آخرين من رواد القصة في بلادنا لهم في نفسي مكانة، بحكم ما نثروه لنا من إبداعات مبكرة، بالرغم من صعوبة النشر، وشح المعروض في حينه، ومحدودية وسائل النشر، عكس ما نراه اليوم من سهولة النشر وتعدد وسائله المختلفة.

في قصص حسين علي حسين، حين تجد تلك الصورة المبهرة للمكان، بتفاصيله الدقيقة وتصاريف الحياة بشخوصها العديدة، تحس كأنك من أبناء تلك البيئة.. حتى لكأنك تعيش هناك معهم لم تبارح المكان ولم تمر عليك الأزمنة.


.. ومكرماً من قبل وزراء ثقافة دول الخليج العربية


حسين علي حسين

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.