أحدث المقالات

كتبت ( باسمة القصاب ) ..عن الصورةُ الجَامعة ..الصورة المختصرة.. الصورة هي شيء مقابلٌ لشيءٍ يكون لها أصلاً، فلا تكون صورة بغير أصل تتصور منه، فهي عكس له – كما قال ابن عربي:” فلولا سريان الحق في الموجودات بالصورة، ما كان للعالم وجود”..

 8683445290_135da64489_b8328099326_eccaf35d2c_b

باسمة القصاب

الصورةُ الجَامعة الصورة المختصرة..

” فلولا سريان الحق في الموجودات
بالصورة، ما كان للعالم وجود”..
ابن عربي

الصورةُ الجَامعة الصورة المختصرالصورة هي شيء مقابلٌ لشيءٍ يكون لها أصلاً، فلا تكون صورة بغير أصل تتصور منه، فهي عكس له. وغاية ما يرمي إليه مصورها، هو أن يرينا إياه، أي، يرينا هيئة الشيء أو شكله أو صفته أو نعته أو ظاهره أو فعله أو حركته أو قدرته أو قوته أو إمكانه أو وجوده، فنراه به، أو نراه بنا، أو نرانا به، أو نرى كلانا بكلينا..

والإنسان، باعتباره صورة الله، كما تتمثله النصوص الصوفية، يكون هو الشيء المقابل لله، فهو عكسه، ولذا اختصه الله حين قابل بين الآفاق- آفاق الوجود- والأنفس – نفس الإنسان- وجعلهما آيات مبينة له، وجعلهما مرآة مجلية له، وجعل معرفة الإنسان نفسه بنفسه، دليلاً إلى وعلى معرفة الله.
وبالرغم من صغر حجم الإنسان بالنسبة للعالم، فإنه بما اجتمع فيه من حقائق الوجود، صار “كالمختصر من العالم”، ما من شيء إلا ويشبهه من وجه، وما من حقيقة في الوجود إلا وتقابلها رقيقة من رقائقه. الإنسان “عالم صغير” مجتمع الأجزاء، والعالم “إنسان كبير” متفرق الأجزاء. والصورة من الإنسان، كالإنسان من العالم، فهي من حيث صغر حجمها، كالمختصر من الإنسان، الذي هو مختصر من العالم، فهي مختصر من المختصر..
الصورة بهذا تكون عالماً صغيراً، لما جمعت من حقائق كل من “العالم الصغير” و”الإنسان الكبير” معاً، فهي تجليات متداخلة لمعاني وجودهما، وألوان متمازجة لحقائقهما، ومرايا متعددة لظلالهما الممتده، هي خصر وحصر وجمع، ولذا صارت عالماً صغيراً.

والعالم بهذا يكون صورة كبيرة لما فرَّق من أجزاء الصورة، ولما مد من ظلالها، وصار ضرباً لكثرتها، ودرباً لتعددها، وخلاء لخيالاتها، فهو توسيع وتوزيع وتفريق، ولذا صار صورة كبيرة.
فإذا جمعت الصورة رقائق الإنسان على حقائق العالم، أو الآفاق على الأنفس، صارت تبياناً ومعرفة ودليلاً، وصارت مرآة للوجود.
في الأعيان الوجودية، ما ثم إلا صور، نسبها الحق الى نفسه، وانتسب اليها، وصفها بنفسه، ووصف نفسه بها، عرَّفها بنفسه، وعرَّف نفسه بها، فهي متشبهة به، ما من موجودٍ مخلوقٍ إلا وهو صورة، وما من صورة مخلوقة إلا وهي تجل لوجودٍ. فالصورة الظاهرة هي رقيقة (لطيفة أو كثيفة) لحقيقة مخفية. ولولا هذه الرقيقة ، لما عرفت ثمة حقيقة، ولما تجلت بمراتب تجلياتها المختلفة. ولذا كان ما من شيء في الوجود إلا والصورة تشبهه وتقابله، فهي علاقة بقوى الوجود وإمكاناته، وباكتمال اجتماع الموجودات على صورها، يصير العالم وجوداً، ويكتمل معناه، ويعرف.
نحن ندرك ما نراه، وحقائقنا ” لا نتصورها على الحقيقة، إلا إذا طالعناها”، وما لا نراه، ندركه من خلال ما نراه، فالأصل في الإدراك هو الرؤية، والصورة تجعلنا ندرك، لأنها تعتمل فينا بالرؤية، فتظهر ما لم يكن ظاهرا منا، وُتبين ما لم يكن بائناً لنا، وُتنطق ما لم يكن ناطقا فينا، وُتجلي ما لم يكن مصقولاً فينا. فتصير الصورة حسَّنا وجسمنا وخيالنا وتصورنا وفكرنا الذي نعي به أنفسنا والعالم، وتصبح مرآتنا إلى الوجود، وتصبح أمرنا الآخر الذي يواجهنا بنا وبالعالم والكون، وتصير محلنا المنظور الذي نطالع فيه ذواتنا. الصورة هي الرؤية الأخرى، والرؤية الأخرى ليست كالرؤية الواحدة، الرؤية الأخرى عين ثانية، حاسة تجمعنا علينا، تقولنا إلينا، تعددنا فينا، تضيفنا إلينا..

وكما أن الإنسان ( صورة الله) يكون كاملاً جامعاً حين ” يقابل الحقائق الوجودية كلها بنفسه”، حين تجتمع فيه أسماء الحق وصفاته وحقائق الكون ورقائقه، حين يكون مظهراً كاملاً للذات الإلهية، حين يكون عين جلاء مرآة الوجود وروحها، حين يكون الكثرة التي تضرب في الواحد، فتلونه وتعدد وجوهه وصوره، كذلك الصورة ( صورة الإنسان) تكون جامعة حين يجتمع فيها كل هذا، حين تكون مظهرة كاملة للذات الإنسانية بتلاوينها وكثرتها وتعدد أسمائها واختلاف حالاتها وأوصافها ومعانيها وتقلباتها، حين تكون عين جلاء مرآة الإنسان وروحه.
الصورة الجامعة ترينا إنسانية الإنسان، فهي إنسان العين من العين، الذي يؤنسن العين، ويجعلها تأنس بما تبصره مما هو في نفسه وما هو خارج عنه، مما هو عليه وما ليس عليه، مما هو منه في شيء ومما لا شيء له فيه، فهي تتأوله وتتقبله وتتفهمه وتستوعبه وتشعر به وتتحسسه وتتمثله وتتمازج معه، وتتلون به، فتكون رحمة، ” فلهذا سمي إنسان العين إنساناً، فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم”، فكما أن إنسان العين هو ما به تبصر العين، كذلك الصورة هي ما بها يبصر الإنسان نفسه، وبها يدرك صفاته وألوانه، وبها تعتمل إنسانيته..

تكون الصورة جامعة حين تتمكن من أن تصورنا بكل صورة، حين تبقى موجودة فينا، متوحدة مع وجودنا، مستحيلة فينا أبداً، تحال علينا بقدر ما نحال عليها، وتتمكن منا بقدر ما نصير معها شيئاً واحداً. الصورة لا تفتأ تحيلنا من وجود إلى وجود، ومن إمكان إلى إمكان، ومن تجل إلى تجل..
تكون الصورة جامعة، حين تكون صورة متصرفة في عالم الأكوان ، حين تدب فينا بأنشطة الحياة المختلفة، فتقول وَتغوي وتنطق وتصمت وتبصر وتداري وتظهر وتخفي وتكشف وتواري وتجسد وتجرد وتؤكد وتخادع وتثبت وتنفي وتحفظ وتعلّم وتجمّل وتَهدي وتلبس وتتخيل وتتوهم وتضلل وتخاتل وتفصّل وتضحك وتبكي وتشكك وتوقن ووو، حين تجتمع فيها كل أشكال الحركة والحياة، حين تكون إنسانا جامعاً وكوناً جامعاً، حين تكون سوقاً ..

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة