من الرعيل المؤسس التزم قضايا الناس والمجتمع
والحياة من دون أي تنازل أو مساومة في فنّه

إعداد: يقظان التقي

عارف الريّسرحل عارف الريّس، وكأنه أراد أن يفاجئ نفسه ويفاجئنا برحيله. هكذا كالومض. كاللحظة القاطعة. كالسرّ الذي انفتح بلا مقدمات. رحل عندما كانت كل أبوابه ونوافذه مفتوحة.
لم نكن نعرف أن “المشاغب” و”المشاكس” والشغوف بالحياة، وبالأسئلة الكبيرة، وبالناس، وبالشارع، وبالقضايا، الضاج بقهقهته المدوية، المنفرد بشفافيته، المتميّز بلهفته الطازجة، لم نكن نعرف أنه سيغادر وحيداً، وقد اكتظت مخيّلته وذاكرته، وأصابعه، وأوراقه، وأقلامه، وعيناه، وجسده، بالأشكال واللوحات والرسوم، والصراخ، والفرح والألم والعزلة.
كائن متعدد عارف الريّس. متعدد حتى التناقض. كأنما الفن بالنسبة إليه توكيد للذات لكن أيضاً نفي لها: فهو الباحث أبداً عن ذاته الإنسانية والفنية في مجهوله، وفي مجهول العالم، وفي مجهول الأشكال والابتكارات والجنون الجميل، واجتراح المختلف. لهذا ليس هناك عارف الريّس واحد. وإنما عارف الريّس بوجوه كثيرة. وبمرايا كثيرة. وبعوالم كثيرة. لا يكشف سراً أو وجهاً أو حتى قناعاً، حتى ينتقل إلى مناطق أخرى ووجوه أخرى وأسرار أخرى… ولهذا لم يكن الفن عنده “هروباً” من الواقع، أو احتيالاً، أو مجازاً، إلاّ بمقدار ما يغنيه، ويفتقه، ويفتحه ويشرعه على أعماقه، وأغواره، ومكتشفاته، في لعبة تمزج بين المأساة والمهارة، بين العبث وبين الألم، بين التراجيديا والسخرية، بين الالتزام والشغف بالنافل والعابر والهامشي… والمجاني.
رائد كبير من رواد الفن. مؤسس بين المؤسسين في الخمسينات. فارس من فرسان الطليعية المتقدمة والمغامرة، والمجازفة، والصدم، والسؤال، مع رعيل مهم كرفيق شرف، وشفيق عبود، وإيلي خليفة، وأمين الباشا، وصليبا الدويهي، وحسين ماضي، وحليم جرداق، شارك في صنع الحداثة الثقافية والفنية والاجتماعية، وأسس لثورة بلاستيكية كبيرة.
رحل ذو القهقهة المدوية. وذو الشفافية، لكن بقي معنا كل ما صنعه رائعاً، متوهجاً، ورائداً، وإنساناً كبيراً.
هناك شهادات من رفاق أحبوه ومن كتّاب وفنانين.

***