صور قليلة الحيلة

بلال خبيز
(لبنان)

(الممثلة تراقب المشاهدين لإيليا سليمان)

يُكرَّم مصورونا وسينمائيونا ويحتفى بهم في أنحاء العالم لأن مشكلات بلداننا المستعصية تسبق أعمال فنانينا على الدوام. كأن التكريم تعويض بسيط على صاحب الألم. تعويض معنوي للقضايا العادلة والمهزومة في الوقت نفسه، فمتى تكرِّم فنوننا لأنها فنون وحسب؟
يروي شهود العيان في فلسطين حوادث يصعب تصديق حدوثها من دون ان نشفعها بأخبار المواجهات بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني. تلك المواجهات التي أدت في ما أدت إلى تقطيع أوصال المدن وفصلها عن امتداداتها المدينية. فيصعب على المرأة الحامل في مدينة فلسطينية ان تزور طبيبها للمعاينة، إذا كان يفصل بينها وبين الطبيب حاجز عسكري أو خط نار أو منطقة يمنع فيها التجول. في هذه الحال يمكننا ان نتخيل إجراء المعاينة عبر الانترنت أو بواسطة الهاتف المحمول. مثل هذه الصورة الواقعية جداً جداً، يمكنها ان تصبح مادة غنية في فيلم سينمائي. ويمكن هذا الفيلم ان ينال جوائز عديدة في مهرجانات تتجول في أوروبا وآسيا والأميركيتين. صناعة الصورة الرائجة والمرغوبة في هذا المقام تقتضي من الصانع مراقبة الآثار الناجمة عن تقطع أوصال الاتصال المديني في الاجتماع الفلسطيني، والطرق المبتكرة والقليلة الحيلة التي يلجأ إليها الاجتماع والعناصر المكونة له في محاولة الاستمرار في أداء الوظائف العادية والمحافظة على قسمة العمل التي تم التواطؤ عليها لتدبير شؤون العيش. لكن هذه الأحوال فيما لو طالت زمناً طويلاً، لا بد ان تعيد الفلسطينيين إلى زمن يسبق زمن الاتصال المديني، ويتخلف عنه: زمن الاكتفاء الذاتي المرير والبالغ الصعوبة في هذه الأيام، حيث تصير كل امرأة مسنة قابلة تستطيع توليد نساء الحي والجيران، وكل رجل خمسيني يملك من الخبرة ما يكفي لنصح المرضى بالتداوي بالأعشاب والكي والحجامة. ويتحول مصدر المواد الغذائية الأول والأساسي من السوبر ماركت إلى الحقل المجاور للمنزل. في هذه الحال يمكن الجوع ان يدب سريعاً ويصبح داء قاتلاً ما ان تعمد قوات الاحتلال إلى التهجير القسري للناس من بيوتهم وحقولهم. وهذا تم اختباره ليس منذ زمن بعيد جداً، في السودان وأثيوبيا، حيث تصبح الصور المبثوثة من هناك اقل من ان تروج وتُكرّم. بل هي على الأرجح تغمر المشاهد بمشاعر العار على نحو ما لاحظ محسن مخملباف في صور أفغانستان تحت حكم “طالبان”. في حين ان الصور التي يصنعها مخملباف نفسه ويبثها من إيران تحمل كل العناصر التي تجعلها صورة مبتكرة ورائدة على نحو ما يناضل الاجتماع الإيراني محاولاً البقاء في قيد مدينية متحضرة، أولى صفاتها ان قسمة عمل ما تحدد الإطار العام لحركة السكن والسير والتجمع السكاني.
صور مخملباف مبتكرة وعلى قدر من الغرابة المذهلة، من دون ان تتحول صوراً خيالية يدفع إلى تأليفها خيال جامح وتقنية سينمائية عالية. فمخملباف مناضل مثله مثل غيره من سينمائيي العالم الثالث الناجحين والمبتكرين، وهو يكافح من اجل توسيع حيز تقنيات الكاميرا القليلة الحيلة وفي الوقت نفسه لا يريد ان يصور ما يمكن ان تذهب إليه صور “باري ماتش” وهي تعلق على حفلة رقص لشبان إيرانيين بالقول تعجباً ودهشة: “انظروا انهم يرقصون مثلنا تماماً!”.

تعبير الآلام

الأمكنة تتنفس ولها روح.(الأرشيف)

لكن هذه الصور التي تصدر من هذه الأمكنة، وهي تجهد لأن تبدو ثقيلة ومحملة ما يشبه آثار العيش الكثيفة، زمناً ومكاناً وعلاقات ناشئة ومحددة المعايير، تبدو قليلة وفقيرة إذا ما قورنت بكم هائل من الصور نستطيع تبين ملامحه وحدوده في بلدان أخرى. لنقل ان الإيرانيين مثلاً لا يتمتعون بترف تأليف فيلم عن حرب النجوم. وان الأفلام والمسلسلات التاريخية التي يصنعها بعض المخرجين التجاريين في هذه المنطقة من العالم، لا تستطيع ان تشطح في الخيال نحو ما تشطح إليه أفلام الوسترن الغربية إلا مستندة الى زمن غائم، ساحر وغابر في الوقت نفسه، هو في التعريف زمن الحكايات والسير قبل ان يستقيم السرد روايات وقصصاً ونثراً يتبع منطقاً محدداً ولا يحيد عنه. ربما نحن محكومون بإغفال عنصر أو أكثر من العناصر الدالة والمشيرة إلى وقائع في عينها حين نريد ان يشطح بنا الخيال. إغفال الزمان والمكان وهجنة اللغة وإعادة تأليف العلاقات الاجتماعية تبدو من الشروط الضرورية لجعل أي عمل تاريخي قابلاً للانتشار، اللهم إلا إذا استثنينا سير الأبطال والشهداء والأنبياء والأولياء الصالحين، والتي ليست حكراً علينا ولا تختص بنا وحدنا، إذ يمكن هوليوود ان تصنع فيلماً انجح وأفضل تقنياً عن أبي عبيدة بن الجراح من استوديوهات بعلبك أو الشام للإنتاج.

تحايل

(اقتراح لقتل الصور: بطاقتان بريديتان لخليل جريح وجوانا حاجي توما)

يمكننا وصف الصورة الناجحة التي تصدر من هذه الأمكنة بالصورة القليلة الحيلة، لكنها صورة متحايلة. فهي تتحايل على القوانين والمنطق والعيش العادي والسائر وتبرز مفارقاته المذهلة في بلاد تعيش على الدوام تحت قوانين الطوارئ، أكان القانون يصدر عن سلطة استبدادية مثلما هي الحال في كثير من الدول الشرق أوسطية، أم كان قانون الطوارئ يصدر عن قلق اجتماعي وسياسي مثلما هي الحال في دول عديدة أيضا من دول العالم الثالث، وربما جمعت بعض الدول المصدرين معاً وصدرت قوانين طوارئها بالحجتين متلازمتين وواضحتين للعيان. تمتلك الصورة الناجحة الصادرة من هذه البلاد صفتين على الأقل تميزانها عن الصور الصادرة من أمكنة أخرى في العالم. أولاهما تفترض ان الصورة محطة أخيرة في الاجتماع قبل ان يتغير من حال إلى حال أخرى، مما يعني استحالة إنتاجها مرة أخرى. في طبيعة الحال يستطيع مخرجو السينما الشرقية الناجحون ان يعيدوا التصوير. لكن الصورة كل مرة تفترض انها صورة أخيرة ولن تتكرر، لأن الاجتماع الذي صدرت عنه هذه الصورة هو في حال حراك مستمر على نحو يجعل الصورة التي أخذت في الماضي زمنياً هي مستقبل الحاضر الواقعي. لنقل ان الصورة في هذا المجال، تصور المستقبل على نحو افتراضي. مستقبل محلوم ومشتهى ويمكن الحنين إليه. تلوح في هذا السياق صور كثيرة لمدينة بيروت قبل الحرب، صور تعتمد في أصل انتشارها الواسع على افتراض الحنين الى ذاك الزمن والرغبة الحادة والملحة في العودة إليه. ويفترض ان توحي الصور الصادرة من فلسطين التي تتقطع أوصالها اليوم لتحويل الشعب الفلسطيني شعباً من الرحل انها هي أيضا صور المستقبل المأمول، أو لنقل بدايات تشكله على نسق ونمط ومعيار موجودة في العالم كله ويمكن الحكم على المدن بواسطتها من خلال تأمل صورها فقط. بمعنى آخر لو ان الفلسطيني لا يدرك أهمية الطب الحديث لما انتظر طويلاً على الحاجز الإسرائيلي وهو يحمل في يده قارورة حليب من ثدي زوجته ليوصلها الى ابنته القابعة في المستشفى والمحتاجة للرضاعة من ثدي أمها. فلو لم يكن يعرف أهمية الطب الحديث لما بذل هذا الجهد ولكانت زوجته أنجبت طفلتهما على يد قابلة محلية، ولكانت ابنته عانت ما عانته من مرض في المنزل متداوية بالأعشاب والوصفات المنزلية. هو يبذل هذا الجهد كله لأنه يعرف. ولأنه يعرف هو يناضل من اجل ان يحافظ على صيغة ونمط في العيش يقربانه أكثر فأكثر من الأنماط السائرة والمعروفة والمدركة من جمهور متمدن ومستنير. لكن الصورة تبعث على المرارة والضحك في آن واحد. المرارة مدركة ومعروفة ومتيسرة السبل، لكن الضحك هو المحطة الشائكة التي يتوقف عندها الجمهور المستنير فلا يجد بداً من الثناء والمديح. الصورة في هذه الحال تمثل ما كنا عليه، أي ما لن نرقى إليه مستقبلاً. مثلما هي تمثل حاجتنا الماسة للعودة إليه. فمثل هذا الرجل لا يطلب في هذه اللحظة إلا ان تزال الحواجز وان يصبح الذهاب للمستشفى متيسراً مثلما هي حال أي شخص في باريس أو لندن أو نيويورك. يريد العودة إلى ما كان عليه بالضبط، من دون زيادة أو نقصان. يكون المستقبل جميلاً حين تكون صورته ماثلة في الماضي ومدركة بالحواس إلى هذا الحد. على المثال نفسه ذهب كثيرون من المصورين اللبنانيين بعد الحرب الأهلية إلى تصوير الوسط التجاري مهدماً. حين قررت شركة “سوليدير” المولجة إعادة اعتمار وسط بيروت المهدم تفجير مبنى سينما الريفولي الشهير، ذهب المصورون لرؤية لحظة انهيار المبنى الدرامية. صُوِّر موت المبنى واحتضاره بحنين يلامس الهوى والهوس، وبتنا نعرف ان ثمة مباني قتلت في الوسط وكان يمكن إنقاذ أرواحها لو كنا أكثر رحمة واشد تمسكاً بتاريخنا الذي هو في الوقت نفسه مستقبلنا المأمول. بعد تهديم مبنى الريفولي وتسويته بالأرض صوّر بعض المصورين الساحة الناجمة عن تهديم المبنى. لكن الصورة لم تكن تقول تأملوا في روح الصحراء على نحو ما ذهب إبراهيم الكوني في رواياته، بل كانت تقول في بساطة وسذاجة شديدتين: تأملوا جيداً في هذا الفراغ: هنا كان ينتصب مبنى الريفولي، وهنا دفن”. تلك الصور لم تستطع ان تفصح عن غرضها إلا بالتعليق عليها. الثرثرة مفيدة أحيانا في هذا العالم. مفيدة إلى الحد الذي يجعل للأمكنة تاريخاً. تاريخاً وحسب.

إدامة جروح الحرب الطارئة

الصفتان الآنفتا الذكر خطيرتان لجهة احتوائهما على كم من المتناقضات الصارخة. فالصورة تريد القول دائماً ان هذا الوضع موقت، مثلما هي الحال في مبنى الريفولي المنخور بالرصاص والقذائف. لم تكن دعوة المحافظة عليه مثلما تركته الحرب قابلة للتصديق أصلا، مثلما ان هذا المبنى لم يكن يمتلك منطقاً يحميه. كان الجميع على أتم اليقين من ان الريفولي سيتغير. والحال فإن ترميمه وإعادته الى ما كان عليه مثلما حصل في مبان أخرى كان سيحرفه عن وظيفته التاريخية ويعيده إلى الحاضر. الحاضر الدائم والذي تخشاه الصور إيما خشية وتتهرب منه على الدوام. مثلما ان تهديمه وإزالته كانا يعنيان ان المكان يفرغ من دونه وان المستقبل المأمول فقد واحداً من أعلامه ونقاط تميزه واستدراكه. أي ان الحال التي سيؤول إليها ستكون أسوأ من الحال التي تركته عليها الحرب. بافتراض ان قانون الطوارئ الآنف الذكر يبشر على الدوام بزوال كل اجتماع حديث. وفي مثال أكثر وضوحاً، يكاد الفلسطينيون لا يأملون بتحسن الأحوال في المستقبل. هم يدركون ان المنطق في صفهم، وان ما يجري في حقهم من جرائم لا يمكن ان يقره منطق سليم. لكنهم أيضا يدركون ان سلامة المنطق لم تحمهم من الدمار ومن محاولة تحويلهم إلى شعب من الرحل في صحراء حقيقية وليست مجازية، على ما لاحظ نورمان سولومون وهو يراقب عمل الجرافات الباردة التي تغير المحيط الايكولوجي في فلسطين. فحتى نعمة ان يكونوا شعباً من الرحل والمزارعين، مهددة بالزوال والانقراض على نحو خطير ومتدهور. المستقبل في هذه الحال قاتم ومرير. لذلك فإن المحافظة على جرح الحرب الطارئة وإدامتها إلى الأبد يكاد يكون املاً مرغوباً ومستحيلاً في الوقت نفسه. ونظراً لاستحالته تجهد الصور في تكريمه وتوثيقه على نحو سادي بالغ الوضوح.

تصوير التاريخ

يدرك الناظر إلى الصورة وصانعها ان موضوع الصورة هو الزائل، وان الصورة في حد ذاتها باقية وخالدة على نحو يبعث على الأسى. كل صورة في هذه الأمكنة تحمل عبق زمنها الخاص، تسير بعكس موضوعها زمنياً وتحارب من اجل بقاء هذا التنافر واضحاً وبادياً للعيان. من دون هذا التنافر لا تستطيع الصورة ان تتجلى للجمهور. فالمصور في هذه الحال يملك روح المؤرخ وعينه وأحيانا يملك روح النبي. لكن تصوير التاريخ يختلف عن التصوير للتاريخ، فتصوير التاريخ يكاد يكون مستحيلاً. لأن التاريخ حدث حقاً ولأن الصورة تعجز عن إثبات أي شيء، حتى لو كانت شاهد إثبات في وصفها شهادة ماكينة الإبصار التي لا تدحض في المجتمعات الحديثة والبالغة العناية بالتقانة، مثلما لاحظ بول فيريليو. لا تستطيع صورة مبنى في الوسط التجاري ان تنبئنا بالكثير عن التاريخ، فالتاريخ يجب ان يسبقها لئلا يظن احد ان هذه الصورة مصنوعة في استديو من استديوهات هوليوود. يسبقها التاريخ بمعنى ان الشخص الذي يشاهد فيلم إيليا سليمان لا يمكنه ان يكون ساذجاً وبريئاً مثل مراهقات الأفلام الأميركية. يجب ان يتمتع بالحد الأدنى من المعرفة التي تخوله مشاهدة الصور بعين المؤرخ ورجل السياسة أولاً وبروح الإنسان الحاضن والمتضامن. وقطعاً لا يمكنه ان يشاهد الفيلم بروح القارئ اللامبالي الذي يقرأ جريدته وهو يتناول قهوته الصباحية فيكتشف ان ملجأ دُمِّر على رؤوس المحتمين فيه ببغداد ثم يذهب إلى عمله كأن شيئاً لم يكن. مشاهد فيلم ايليا سليمان صاحب موقف، لهذا لا يستطيع سليمان ان يصور تاريخاً. لكنه قطعاً يستطيع ان يصور المستقبل، ان يتنبأ به ويؤلف صوره صورة صورة من دون وازع من خجل أو خوف.

حروب سعيدة الحظ

صورة ماضي بيروت ومستقبلها.(الأرشيف)

لا أتحدث هنا عن صور بالغة الانتشار بين سينمائيين لبنانيين وفلسطينيين وعراقيين في المستقبل القريب. صور ما كانت لتولد لولا ان موتاً عميماً قد حصل في هذه الأمكنة التي يتم تصويرها اليوم. فتلك صور توحي المستقبل لكنها تبدو لي دائماً على قدر من الانتهازية التي لا تخفى على احد. على كل حال لا ينبغي لنا التعليق على صور هذه حالها، فنصرف وقتاً وجهداً من غير جدوى أو معنى. يدور الحديث عن صور أكثر ذكاء. صور لها عمق وأبعاد. نستطيع ان نسلسل أسماء كثيرة من هذا الطراز: كيورستامي وسليمان ومخملباف. هؤلاء يصورون صوراً لها عمق وقابلة للتنفس، تماماً مثلما تتنفس الأشجار على الأقل. قادرة على التنفس لكنها عاجزة عن الحركة في كثير من الأحيان. حية ونابضة لكنها اقل صور العالم قدرة على الركض والسباحة وممارسة الرياضة في الهواء الطلق. مركزة ومحددة على نحو ما تكون الوجوه مركزة ومحددة، حتى حين تتنفس الكاميرا فتصور السماء أو الحقول والجبال الممتدة حتى حدود الأفق، فإنها تبدو كأنها تشكو وترفع ضراعتها للسماء. حين يجري الصحافيون أحاديث مستعجلة مع الفلسطينيين الذين هدمت بيوتهم في الضفة أو القطاع سرعان ما يقول صاحب البيت المهدوم وهو يجيب عن سؤال: وماذا ستفعل الآن؟ بالقول: لنا الله. أي ان المرء في هذه الحال يصبح عارياً ومكشوفاً كآدم في الجنة وليس له من معين إلا الله. وهو معين على الستر وعلى تقبل العري والجوع والخوف من دون ان يحط ذلك من قدر المفضوح والجائع والعاري ويدني مرتبته الاجتماعية. ينظر إلى السماء كأنما البيت كان يحجبها عنه كل الوقت، وكأن جمالها الأخاذ هو كل ما تبقى من جمال وكل ما يمكن تحصيله من أمان في هذا الوضع. لكم ان تتذكروا جبال إيران الساحرة في أفلام مخملباف لتدركوا ان الله قريب جداً منها. على مثل هذه الصور القليلة الحركة والمتنفسة في آن واحد يتطلب هذا العالم الذي يتم تصويره ان يتعرف به الجمهور. والحال فإن المصائب والحروب تكاد تبدو أكثر أسباب شهرة هذه المناطق من العالم وأسهلها تناولاً على الإطلاق. واحسب ان الحروب والمصائب والأهوال تفرض ضرباً من التعرف لا يمكن ان يستوي على الوتيرة نفسها في كل الأزمان. فثمة حروب اعنف وأكثر شهرة من أخرى وثمة شعوب محظوظة في ان تنال حروبها حظاً من العناية والمناقشات الحامية والانحيازات الدولية أكثر من غيرها. ويكاد المرء في هذه الأحوال يحسد الشعوب التي تحوز هذه العناية وذلك الاهتمام، إذا كان يعيش وسط حرب اقل حظاً من العناية والاهتمام. ليس من قبيل المبالغة ان السودانيين يحسدون العراقيين على حربهم المتلفزة، فحربهم صامتة ولا يظهرون على الشاشات إلا بكماً ومن دون ألسنة وجياعاً جاحظي العيون. هذا عالم يستدعي الاهتمام به بإعلان دمه وإشهاره علماً، كي يتسنى للمصورين تصويره. وعليه دائماً ان يدرك ان صورة الدم هي الصورة التي يمكن ان تكون شديدة الوقع إذا عرضت لجمهور بعيد ومطمئن. لكنها في بركة الدم تبدو ساذجة وقليلة الحيلة، مثلما بدا المدافعون عن مبنى الريفولي ساذجين ومن غير حجة أو قوة منطق.

مستقبلنا الذي عشناه

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية راجت في لبنان تجارة بيع صور الوسط التجاري الذي كان مسرحاً لتلك الحرب. الصور الزاهية والعامرة بالضجيج والازدحام تفترض ان هذا الخراب له ماض. لكن الصور سرعان ما بدت تعلن منطقها الدقيق والحاسم. المنطق الذي يفيد ان الصور أبقى من المدن. وان المدن تموت لتبقى صورها ويتحسر عليها الأحياء. وفق هذا المنطق يمكن الصور ان تظهر بصورة الماضي، لكن شراء الصور وانتشارها جعلا منها مستقبلاً مرجواً ومعايناً. لم يكن اللبنانيون يملكون صورة أخرى للمدينة حية غير تلك. كانوا يريدون إعادة إحيائها تماماً مثلما يطلب المرء إعادة إحياء حبيب فقده. لهذا ما لبثت الصور ان تحولت مستقبل أهل بيروت الذي يدافعون عنه والذي دارت حوله سجالات حامية. المباني ماتت ودمرت وزهقت أرواحها لكن صورها كانت ماثلة للعيان، وكنا نريد ان نخلق من بيروت الجديدة مدينة على مثال الصور زهواً وازدحاماً وقوة حضور. خليل جريج وجوانا حاجي توما أعادا إصدار بطاقات بريدية من تلك المرحلة من عمر بيروت. كانت الصور هي الأثر الوحيد الباقي من المدينة المحترقة فعمدا إلى حرق الصور نفسها. فعل انتقام وثأر. فكيف تموت المدينة وتبقى صورها؟ ولماذا تبدو الصور عصية على الموت والتحلل؟ ثم كيف يشعر المرء وهو يربي كائنات تعمر أكثر منه قطعاً ولا تبكي عليه؟ ما الذي يستطيع المرء فعله حيال مجاورة كائنات خالدة؟ إذاً، فلندمر الصور. فلنتلفها لنثبت مرة وحيدة ولا يمكن تكرارها ان في إمكان المرء ان يدمر صورة ما. في الواقع هو يدمر صورة لتحل محلها صورة أخرى، لكن التدمير قد حصل، ولنقل ان هذه العملية الصغيرة جعلت تدمير صورة ممكناً من جهة أولى، لكن الأهم انها استطاعت من جهة ثانية ان تثبت إمكان استيلاد صورة من صورة. في هذه الحال فقط يمكننا احتمال مجاورة الصور، أي في حال ولادة الصورة من صورة أخرى لا من وقائع عيش. في حال ان المشاهد لا يغالب رغبة في التقصي عن مكان وجوده في صورة العالم الذي مات أو انهار. فالمرء يستطيع احتمال خلود الصور إذا كانت الصور تصور عيشه الذي كلما أمعن في النظر إليه أصبح من الماضي، في وقت لا تبدو الصور قادرة على العودة إلى ماض، بل هي صورة موت ماثل وحاضر ومعاين لا ينتهي فصولاً ولا يمكننا ان نرده إلى الماضي لأننا على الأرجح كنا في مكان ما هنا لحظة التقطت تلك الصورة، التي لم يعد موضوعها على قيد الحياة.

خلود الصور زوال الأمكنة

في مواجهة صورة جريج وتوما، ثمة صور كثيرة تصدر من هذه الأماكن. صور لممثلات ومغنيات وعارضات أزياء، جميلات ولعوبات، وخليات البال. صور كلما أمعن المرء النظر فيها بدت له تخرج من زمن آخر هو غير الزمن الذي يمضيه في العمل أو في المنزل أو حين يراقب ابنه يكبر وقواه تخور. لن نستطيع ان نطرد شباب الصور منها مثلما لن نستطيع ان نجاريها في الزمن. تظل هكذا شاهدة على تصريفنا المتواصل للزمن وتبقى هي أسيرة زمنها الذي لا يتحرك. كيف يسعنا ان نعلق على صورة عارضة أزياء بالقول: كان ذلك الزمن جميلاً؟ الأرجح انها تنظر إلينا من علياء شبابها لتقول: كم مضى على وجودكم في هذا المكان، لقد ولدت للتو وها أنا أشاهدكم تهرمون؟
قد يفسر هذا بعض الحنق الذي نشعر به ونحن نشاهد تلك الصور، وقد يفسر حنقنا أيضا ونحن نلاحظ محاولات العارضات والمغنيات المتقدمات في السن، التصابي وسلوك مسالك المراهقين. لكن ذلك لن يجعلنا نمتلك اللحظة الراهنة. فثمة صور تمتلك لحظتنا على الدوام على غرار ما تكون الحرب الأهلية صورة حاضرنا لدى بعض قليلي الاطلاع على أحوال المنطقة، وعلى غرار ما يخرج السجين العراقي من سجن دام أكثر من ثلاثين عاماً ليسأل إن كان الزعيم عبد الكريم قاسم ما زال حاكم العراق!.

ملحق النهر الثقافي
الأحد 1 حزيران 2003

 

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.