Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎ Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎

Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎

حجي.. الرجل الذي رسم أحلام ”محفوظ” ولم يراه

 السبت 30 أغسطس 2014م

كتبت- رنا الجميعي:

الحُلم ملك لصاحبه، يُسّر به إلى رفاقه الأقربين، باحثًا عن تأويل منامه، مستكينًا إلى التفاسير المطمئنة له، ومتقلبًا في مضجعه إن عجز عن تحليله، فيما يلهج لسانه بتلقائية ”اللهم اجعله خير”، للحلم خصوصية تجعل صاحبه لا يركن إلا لحميم دانٍ، غير أن منامات شيخ الأدب في فترة النقاهة، ذهب بَيَانها إلى من لا يعرفه، ولم يربطهم سوى جملة ”ربنا يديك الصحة”.

توفي ”أستاذ الأساتذة” على سرير بمستشفى المنيرة بالعجوزة في نهاية شهر أغسطس، وبقي الفنان التشكيلي ”محمد حجي” على عهد الأحلام، نقطة تلاقيهما، وبرقية اعتذار أرسلها له الكاتب يتأسف فيها لعدم حضوره معرضه ”أحلام معتادة” مانعًا إياه المرض، وممهورة بتوقيعه ”نجيب محفوظ”.

”أحلام وكوابيس”

الأحلام كانت سبيل ”محمد حجي” للفن التشكيلي الذي يحبه، رغم أنه يعلم أن الجمهور العادي لا يفقه كثيرًا بالفن التشكيلي، لذا لم ينشر رسوماته بالصحف التي طالما عمل بها، وعُرف بأنه رسام صحفي، يعكف على مخاطبة القراء من خلال الواقع لا الحلم، فيما ظل يرسم ما أسماه ”أحلام وكوابيس” دون مُشاهد يتلقاها.

علمت رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا ”سناء البيسي” بأحلام ”حجي”، الذي كان يعمل في ذلك الوقت مديرًا للنشر بجامعة الدول العربية، توائمت فكرة الأحلام مع رغبة الصحفية والفنانة في نشر ”أحلام فترة النقاهة”، وما كان منها إلا أن ذهبت إلى منزل الفنان التشكيلي، وعرْض الأمر عليه، أن يترجم تلك الأحلام إلى رسومات، وهو ما قام به الرسام طيلة ستة أعوام.

صغيرًا كان ابن الريف على علم بـ”نجيب محفوظ”: ”كنت في الإعدادي وكل الناس بتقرا لمحفوظ”، وكانت أولى الروايات التي قرأها ”حجي” له ”خان الخليلي”، أحببها الفتى الصغير دون أن يكون له ذائقة أدبية وفنية بعد، كما كان يقرأ لأمه البسيطة بضعة صفحات من روايات الأستاذ.

يقدر ”حجي” الأديب كثيرًا، يرى أنه من خلال أعماله ووظائفه التي تقلدها خاصة الرقابة الفنية كان رجلًا عظيمًا ”محصلش إني اختلفت معاه في آرائه السياسية أو الفنية”، والتقى به الفنان -حينذاك- مرة واحدة صُدفة قبل أن يتعاونا معًا في نشر ”أحلام فترة النقاهة” مسلسلة بـ”نصف الدنيا”، التقت يداهما في تحية فحسب دون أن يعرف ”محفوظ” أن هذا هو الفنان التشكيلي ”محمد حجي” وعلى غير علم أنه هو صاحب رسم أحلامه.

الحلم.. حرية

يعلم ”حجي” تمامًا أهمية الحلم، هو القادم من الريف، يعرف كيف يؤثر الحلم ويتأثر بأهل الريف ”لما الناس تختلف في الميراث، ويقولوا للشخص المختلف إنه يروح ينام على قبر المتوفى ويستناه لما يجيله في الحلم بالليل”، لذا تماهى الفنان التشكيلي مع أحلام محفوظ، وتشكلت موضوعاتها حول ”الحرية وامتلاك الإنسان لوطنه وذاته”.

مع مطلع الألفية وإلى عام 2006 كانت الأحلام تأتي ”حجي” ثلاثًا كل شهر، إلى أن توقفت بميقات وفاة صاحبها، فيما يظن الرسام أن أحلام محفوظ لم تنته ”قيل إن فيه أحلام تانية متبعتتش، وإن زوجته رافضة تطلعها لأن المجلة بتدفع قليل”.

رسومات الأحلام التي نُشرت مع حلقات ”نصف الدنيا” كانت جديدة، تبعًا لأحلام ”فترة النقاهة”، ورغم أن الأحلام يملكها ”محفوظ” لكن ذاتيتها تجعلها ملك الجميع، مما جعل ”حجي” يرسم طبقًا لما يشعر به ”أنا برسم في الحقيقة أحلامي ومشاعري أنا”.

الحرية التي اتسعت لها روح ”حجي” في الفن التشكيلي، جعلته يرسم منامات ”محفوظ” بالشكل الذي يريده، وجاءت أحلام الأديب لتلاقي هوى في نفس الفنان، فامتصت مخزون كبير من الإبداع داخل الرسام، لم يكن وجد الفرصة المُناسبة لإظهاره.

حلم السابعة صباحًا

”سناء البيسي” لم تكن باحثة عن المتاعب فقط، فالفن جزء من نفسها أيضًا، لذا كان التقدير لأعمال ”حجي” هو المسار بينهما، لم ترفض نشر أي رسمة للفنان سوى واحدة، كذلك كان معروف عن ”محفوظ” أنه لا يتدخل في الرسومات التي تتبع أعماله ”دي كانت ميزة عظيمة فيه”، لم يكن بيد ”البيسي” ما حدث من منع إحدى الرسومات، كانت يد عمال المطبعة، حيث رفضوا طباعة ريشة رسمت فتاة عارية تولي وجهها جهة البحر.

يتذكر ”حجي” حينما اتصلت به رئيسة التحرير في الرابعة فجرًا، قائلة ”سامحني”، وتحكي له عن اضطرارها للإذعان لرفض عمال المطبعة، وافقها الفنان التشكيلي على ذلك، وقام برسم واحدة أخرى، وفي السابعة صباحًا أتى أحد العمال لأخذ العمل الفني إلى المطبعة. ملامح الرسمة الأخرى أنساه الزمن إياها، فيما بقت الممنوعة بالبال ”كانت من الرسومات اللي بحبها”.

نقود قليلة كانت مكافآت الفنان والأديب من ”نصف الدنيا”، 300 جنيه لـ”حجي” و600 لـ”محفوظ”، فيما حدثت احتجاج شعبي ذلك الوقت بأول الألفية للمرتب الضخم الذي يتقاضاه رئيس مجلس الإدارة ”ابراهيم نافع”، لم يكن ”حجي” أو ”محفوظ” الجالس على سرير المرض ضمن المحتجين وإنما لحقت بهما توابع الشجب.

تغير رئيس مجلس الإدارة إلى ”صلاح الغمري”، الذي قام بتقليل مكافآت العاملين خارج المؤسسة إلى النصف، ومن بينهم الفنان التشكيلي والكاتب، وصل إلى ”حجي” اتصال هاتفي من ”البيسي” تقول فيه ”أنا مكسوفة، مش عارفة أقولك ايه”، ووصله منها رد فعل ”محفوظ”: ”أنا بكتب عشان البلد”، فيما كان رد ”حجي” ”هو أنا ممكن أقول كلام أحسن من كدا”.

”أحلام معتادة”

هكذا أسمى ”حجي” معرضه القائم على ”أحلام فترة النقاهة”، بعام قبل وفاة ”محفوظ”، وبرقية دعا فيها الأديب للحضور، غير أنه لم يتمكن من التواجد، جاءت ردود أفعال الفنانين والأدباء متباينة بين إعجاب بالأعمال، والعين الخبيرة التي استطاعت معرفة الحُلم المقصود من العمل الفني، إلا أن البعض اختلف على الأعمال الفنية، حيث رأوا فيها أنها لا تشبه عوالم محفوظ المتمثلة في الأحياء الشعبية والشوارع القديمة، يلفت الفنان التشكيلي النظر إلى أنه ”لا يترجم أعمال محفوظ”، وإن عاد به الزمن للوراء لرسمه بنفس الشكل.

الجنازة

كان ”حجي” متابعًا للأخبار الصحية لحالة الأديب الكبير، وصله خبر الوفاة من التلفاز كما وصل الجميع، لم يقم الفنان التشكيلي بحضور الجنازة التي اختلط فيها الشعب المحب لمحفوظ مع الأمن، نظرة ”حجي” للجنازة أنها لمحبي المتوفى فقط، يمس نعشه المتسابقون لمحبته ”كنت متعود في الريف إن أهل الميت يحملوا النعش على أكتافهم لحد القبر”، هذا ما لم يشاهده الفنان، وجد أيادي الأمن حاملة لنعشه.

تغيّرت ريشة ”حجي” بعد فترة النقاهة، لتصبح أكثر حرية وتعبيرًا عن نفسها، فيما بقيت الريشة منتظرة أحلام جديدة تخطر ببال الفنان، وسكنت منامات محفوظ الأذهان، محيرة الكثير بتأويلاتها المختلفة، وذهب الأديب دون رؤية رسام الأحلام.

Related image

Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎ Related image

Related image Related image

Image result for ‫رسام العرب محمد حجي‬‎

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.