استلهم موسورسكي متتاليته لوداع صديقه من معرض فني ضم ما يزيد عن 400 عمل لهارتمان (مواقع التواصل)
استلهم موسورسكي متتاليته لوداع صديقه من معرض فني ضم ما يزيد عن 400 عمل لهارتمان (مواقع التواصل)

آيات جودت

هل سبق لكم أن شاهدتم لوحة فنية فترجمها عقلكم الباطن إلى موسيقى؟ هذا الأمر ليس غريبًا، فالفنون تتلاقى ويُترجم الشعور بها بأكثر من طريقة، ولا دليل على ذلك أوضح من الموسيقار موديست موسورسكي الذي ألّف متتالية موسيقية متأثرًا بلوحات صديقه الرسام والمعماري فيكتور هارتمان.

“لوحات من المعرض” هي متتالية موسيقية مكوّنة من عشر حركات، ألّفها الموسيقار الروسي موديست موسورسكي عام 1874، في رثاء خاص للغاية لصديقه الفنان والمعماري الروسي فيكتور هارتمان الذي توفي عام 1873، إلا أن هذه المتتالية لم تخرج للعلن إلا حين عثر عليها صديقه الموسيقار نيكولاي ريمسكي كورساكوف عام 1886، أي بعد وفاة موسورسكي بخمسة أعوام.

تأثير هارتمان على موسورسكي
كان موسورسكي وهارتمان صديقين مقربين منذ أن تعرفا على بعضهما في العام 1868، وبوفاة هارتمان المفاجئة عام 1873 حيث كان يبلغ من العمر 39 عامًا فقط، أقيم معرض كبير يضم ما يزيد عن 400 عمل فني لهارتمان بين لوحات فنية ومخطوطات معمارية، واستلهم منه موسورسكي متتاليته للوداع، التي استغرق تأليفها ثلاثة أسابيع فقط، إذ كانت نيّته الأصلية هي نشر هذه المتتالية، ولكن عندما عرضها على عدد من الموسيقيين أبدوا استياءهم الواضح منها، مما جعله يعدل عن الفكرة.

عندما عثر كورساكوف على المتتالية، لم ينشرها كما هي وإنما أضاف إليها القليل، ولم تُنشر المتتالية الأصلية الخاصة بموسورسكي إلا عام 1975، ورغم أنه كتبها في الأصل لتعزف على آلة البيانو فقط، فقد حوّلها العديد من الموسيقيين إلى متتالية تعزفها أوركسترا كاملة.

تبدو المتتالية وكأنها جولة في المعرض، يقف فيها موسورسكي أمام 10 لوحات مختلفة، واصفًا إحساسه بكل لوحة في حركة موسيقية، مع وضع حركة موسيقية متكررة كفاصل بين كل حركات عدة ليعرف المستمع أنه ينتقل من لوحةٍ إلى أخرى.

اعلان

اللوحات المقابلة للحركات
تبدأ المتتالية بحركة دخوله المتحف (1)، ثم مشاهدته للوحة الأولى، ثم يتلوها بالحركة الموسيقية نفسها مرة أخرى لكن بإيقاع مختلف (2)، ليقف ويشاهد اللوحة الثانية، ثم يتحرك مجددًا بإيقاع مختلف (3)، ليشاهد اللوحتين الثالثة والرابعة، يتحرك مرة أخرى بإيقاع مغاير (4) ويشاهد بعدها اللوحتين الخامسة والسادسة، ثم يتحرك للمرة الأخيرة (5) ويشاهد اللوحات السابعة وحتى العاشرة والأخيرة.

لوحة “القزم”
هذه اللوحة مفقودة الآن، ولكن من اسمها فمن المُعتقد أنها تمثّل قزمًا خشبيًا أو لعبة أطفال، ورغم مضمون اللوحة البسيط فإنها تبدو أنها تركت أثرًا كبيرًا في نفس موسورسكي، وهذا ما ظهر في حركة انتقاله للوحة الثانية حيث كانت الموسيقى مفعمة بالمشاعر.

لوحة “القلعة القديمة”
لوحة مفقودة هي الأخرى، ويُعتقد أنها لوحة بالألوان المائية تمثّل قلعة إيطالية قديمة وأمامها شخص يغني، ويبدو أن إحساس موسورسكي باللوحة كان سوداويًا كما ظهر في حركته الموسيقية.

لوحة “شجار الأطفال بعد اللهو”
تمثّل اللوحة حديقة التويلري بجانب متحف اللوفر بباريس في فرنسا، وبداخل الحديقة بعض الأطفال المندمجين في اللعب والشجار والذين يُعتقد أن إضافتهم للوحة كانت لتوضيح المقياس لا أكثر، لا يعلم أحد مكان هذه اللوحة الآن.

لوحة “الماشية”
لا نزال مع اللوحات المفقودة، هذه اللوحة من المفترض أن تمثّل عربة بعجلات كبيرة تجرها الثيران، وكما يبدو في الحركة الموسيقية فإنها أشبه بحركة أقدام الثور ودوران عجلات العربة.

لوحة “باليه الأفراخ التي لم تخرج من البيضة”
أول لوحة موجودة في هذه المتتالية، وكما يظهر بالصورة فهي تمثّل أطفالا يرتدون أزياء أفراخ تحاول الخروج من البيضة، وهي الأزياء التي صممها هارتمان لمسرحية تريلبي، وكما يبدو في حركة موسورسكي فقد ابتعد عن الحزن والسوداوية وبدا وكأنه يضحك مع حركة الأطفال.

لوحة “صامويل غولدنبيرغ وشماييل”
يُعتقد أن هذه الحركة لا تخص لوحة واحدة بل تتعلق بلوحتين دمجهما معًا في لوحة واحدة وتمثّل رجلين يهوديين، أحدهما غني وهو صامويل غولدنبيرغ، والآخر فقير وهو شماييل، ويبدو تأثر موسورسكي الواضح باللوحتين لكونه كان من عائلة غنية ثم اُضطرا إلى التخلي عن ممتلكاتهما، لهذا يظهر تعاطفه مع الشخصين، ولكن نغمة الرجل الغني واثقة من نفسها، بينما نغمة الفقير مضطربة ومتضرعة.

لوحة “السوق”
تُظهر اللوحة مجموعة من النساء تتشاجرن معًا بعنف في سوق مدينة ليموج بفرنسا، فخرجت الحركة سريعة الإيقاع معبّرة عن الموقف والإحساس به.

لوحة “المقبرة الرومانية”
صوّر هارتمان نفسه في هذه اللوحة حين كان يتفحص مقبرة رومانية أثرية في العاصمة الفرنسية باريس، قسّم موسورسكي الحركة إلى جزءين، يمثّل الأول رهبة المكان والصدى الذي يبعثه السكون، أما الثاني فيمثّل شعور الزائر لهذه المقابر وقراءته للكتابة اللاتينية المرسومة على جدران المقبرة، والتي تحكي قصة الأموات بلغة ميتة.

لوحة “كوخ بابا ياغا على أقدام الديك”
بابا ياغا من الأساطير السلافية عن ساحرة على هيئة امرأة قبيحة، تتجول بهون وأحيانًا ما تأكل الأطفال، وتسكن في كوخ مقام على أعمدة بهيئة أرجل الدجاج، تعد حركة موسورسكي الخاصة بهذه اللوحة واحدة من أكثر الحركات الموسيقية المؤثرة والتي يدور موضوعها حول الساعة، لتحمل المستمع إلى خاتمة المتتالية.

لوحة “بوابة كييف الكبرى”
صمم هارتمان في لوحته بوابة كبرى لمدينة كييف في إطار مسابقة تصميم معماري احتفالا بنجاة القيصر إلكسندر الثاني من محاولة اغتيال، البوابة على الطراز الروسي القديم وتحتوي على قبّة على هيئة خوذة سلافية، رغم فوز هارتمان بالمسابقة، فإن المشروع أُلغي في النهاية.

قسّم موسورسكي الحركة إلى جزءين، حاول فيهما أن ينقل إحساسه بأفضل تصميم لهارتمان وأكثر التصميمات المقربة لقلبه والتي كان يتوقع أن تُنفّذ ولكن خاب أمله مع إنهاء المتتالية ككل.

المصدر : الجزيرة

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.