لا يتوفر وصف للصورة.

 

المهندسة المعماريَّة العراقيَّة زها حديد أسطورة الأساطير

في تصاميمها المعماريَّة العالميَّة الخارقة

 زها حديد

(12)

 انتابتني بهجة عارمة وأنا أشاهد تصاميمها الشَّاهقة في أشهى جموح الإبداع، متمتّعًا بفضاءات تشكيلاتها الفنّية المدهشة، وراودني في الوقت نفسه حزن قاتل، وشعور عميق بالشّفقة على الأنظمة والحكومات العربيّة؛ لتجاهل الشَّرق لهذه القامة السَّامقة في مجالِ الإبداع، وكلَّما شاهدْتُ تصاميم المهندسة المعماريّة العراقيّة العالميّة زها حديد؛ شعرْتُ أنَّ العراقَ الّذي أنجب زها حديد، خارج دائرة الزّمن، وخارج دائرة الحياة، وشعرْتُ وكأنَّ العراق دولة ميّتة وغائصة في سباتٍ عميق ومميت؛ إذ كيف لهكذا مبدعة معماريّة عالميّة خلّاقة في تصاميمها، أن تكون خارج دائرة اهتمام حكومة العراق ودولة العراق منذ أوّل تصميم لها حتّى رمقٍ في حياتها؟! ما هذه الدَّولة الّتي تنجب هكذا مبدعة عالميّة مدهشة في تصاميمها الَّتي تقدَّمت عن كبار المعماريِّين في العالم، ولا يرعاها العراق، ويهملها إهمالًا مميتًا، وجلّ تركيزه على الصِّراعات والقتل والدّمار والخراب، ويهدر على هذه الصِّراعات المريرة مليارات الدّولارات؟! فلماذا تنال المبدعة زها حديد أرقى الجوائز العالميّة وتنفِّذ تصاميمها في أرقى عواصم العالم، وتصنّف من قبل الغرب قبل الشّرق كأوَّل معماريّة في العالم، وحقَّقت شهرةً في القارات الخمس، وأدهشت عواصم العالم في إبداعها الّذي لا يخطر على بال الحالمين، وتُهمل إلى حدٍّ بعيد في دنيا الشَّرق، الغائص في متاهات الحروب المريرة؟!

كم شعرْتُ وأنا أشاهد تصاميمها الرّاقية أنّني أمام فنّانة تشكيليّة ونحّاتة وروائيّة وقاصّة وشاعرة وموسيقيّة ومعماريّة خلّاقة من الطّراز الرّفيع. زها حديد مبدعة أسطوريّة في فنِّ العمارة؛ حيث دخلت هذا الفضاء بتصاميم غير مسبوقة على مستوى العالم، وتساءلتُ في أعماق أعماقي: كيفَ تولد عندها هذه التَّصاميم إن لم يكُنْ لها خيال عشرات المبدعين والمبدعات من شتّى التّخصُّصات، ما هذا يا زها حديد، ما هذا الجمال والبهاء والعطاء والخيال الجامح نحوَ زرقةِ السّماء؟!

يحتار المشاهد عندما يشاهد تصاميمها على أرضِ الواقع، حيث تبدو وكأنّها تصاميم لعشرات المصمِّمين؛ لما فيها من تفاصيل وفضاءات متشعّبة ودقيقة. لقد تفوَّقتْ على مدرِّسيها وأساتذتها ومَن سبقوها ومَن لحق بها. إبداع غير مسبوق في فنِّ العمارة بكلِّ أبعاده وتاريخه العريق. كيف حقَّقَتَ زها حديد هذه الرُّؤية الفنّيّة العالميّة في تصاميمها، من أين لها كل هذا الخيال والعبقرية إن لم تكُنْ سليلة الحضارات الكونيّة؟!

شاهدتُ أغلب اللّقاءات والحوارات الّتي أُجريَتْ مع زها حديد عبر الشَّبكة، ووجدْتُ كيف انطلقت من بغداد وهي تحمل الشَّهادة الثّانويّة، والتحقت بالجامعة الأميريكيّة في بيروت كي تدرسَ الرّياضيّات، وبعد أن تخرّجت، التحقت بالهندسة المعماريّة في جامعات لندن ونجحت بامتياز وحازت على الدّكتوراه في الهندسة المعماريّة، وهي تحمل بين أجنحتها طموحات كبيرة للغاية، مثل حضارة العراق الموغلة في أعماق تاريخ الشَّرق القديم، الّذي انبثق من أرضه أرقى الحضارات، فجاءت زها حديد كي تقول للعالم: مهما دمَّرتم العراق، ومهما حارب العراق ذاتَه بذاتِه وحاربه الغرب والشّرق والشَّمال والجنوب، سيبقى هناك مَن يقدِّمُ العراقَ للعالم رغمَ انكساره وتصدُّعاته. أنّه كان وسيبقى من أعرق وأقدم الحضارات؛ فها هي المعماريّة العبقريّة زها حديد تحمل رايةَ العراق في بقاع الدُّنيا وتحصل على جوائز عالميّة وترفع رأس العراق عاليًا في أرقى عواصم العالم، وتتقدَّم بكلِّ جدارة على أهم مهندسي العمارة في العالم، حيث تميّزت تصاميمها بخيال مدهش لا يخطر على بال أحد، وكأنّها في سياق إبداع عمل خرافي اسطوري حلمي، وكأنّه حلم الأحلام. وبدَت مشاريع تصاميمها للكثير من الجهات والحكومات الّتي تبنّت هذه التّصاميم أنّها تصاميم وأحلام على الورق ولا يمكن لتصميماتها أن تتحقَّق على أرض الواقع لصعوبة ودقّة فضاءات تصاميمها؛ لأنّها تبدو فعلًا كأنّها أعمال من الخيال العلمي، أو أعمال من قصص الخيال الخرافي وليست أعمالًا كي تُبنى على أرض الواقع، وبعد انتظارٍ طويل تحقَّقت أعمالها بجدارة غير مسبوقة على أرضِ الواقع، وحقَّقت شهرة عالميّة، ثمَّ بدأت عواصم العالم توجّه أنظارها نحو هذه المعماريّة الآتية من دول العالم الثّالث كعبقرية لا منافس لها في تصاميمها المتعانقة مع فضاء السَّماء، وممتدّة بمنحنيات وزوايا حادّة ومنفرجة وتكويرات بيضويّة يتخلَّلها انحناءات مدهشة، كأنّنا إزاء أعمال سحريّة من حيث جمالها وتناغمها وتداخل تفاصيلها المبهرة، تبدو أمامنا كأنّها تنضحُ بإيقاعات موسيقيّة وتناغمات عمرانيّة مبهجة وممتعة للمشاهد، حتَّى أنّني شكَكْتُ أن تكون مهندسة معماريّة واحدة وعقل إنسان واحد فقط صمّم كلّ هذه التّفاصيل والمساحات الّتي يعجز الخيال عن تصوّره وهو يشاهد كل هذا الجمال الخلّاب، فكيف لعقلِ امرأة جاءت من العراق تحمل طموحاتها وبسمتها وتفاؤلها وتحقّق معجزات القرن في أسلوبٍ ينضح حداثةً وما بعد الحداثة في عمرانها؟! كم أشعر بالفرح والزهوِّ والافتخار أن تكون زها حديد من دنيا الشَّرق ومن مشارب عالمنا الَّذي قدّمَ للبشريّة أولى الحضارات، وفي الوقت نفسه أشعر بالأسى عندما أراها غير مكرّمة عبر تاريخها الإبداعي الطّويل بالشّكل الّذي يليقُ بقامتها الإبداعية العالميّة في موطنها ومسقط رأسها وفي العالم العربي الَّذي تنتمي إليه، أم أنّها تنتمي للكون ككائنة كونيّة عالميّة، ولكن مع هذا الانتماء الكوني لكنّها في النّهاية هي عراقيّة بامتياز!

تحيّة للعراق بكلِّ جنونه وانشراخاته، تحيّة لهذه الأرض العراقيّة العريقة الّتي أنجبت زها حديد وعشرات، بل مئات وآلاف المبدعين والمبدعات، كم أرى أنَّ هذه المبدعة الرَّاقية تستحقُّ أن يُشيَّدَ لها ألف تمثال في أرقى عواصم ومدن قارّات العالم؛ إنّها قدّمت للحضارة المدنيّة مدنيّة لا يسبقها مدنيّة في فنِّ العمارة، وهي تعتبر من أهمِّ روّاد العمارة في العالم، وتستحقُّ أن يُشَيَّدَ لها تمثالٌ من الذّهب الخالص في متاحف العالم؛ في العراقِ أولًا وفي كلِّ عواصمِ الدُّنيا؛ تكريمًا وتخليدًا لها؛ خاصّة أنّها رحلت وهي في أوجِ عطائها، ولكن شركتها قائمة ومستمرّة وفريق العمل الخاص بها مستمر في عطائه، ويسيرُ زملاؤها على خطاها!

لماذا يحارب العراق ذاتَه بذاتِهِ وأغلب الدُّول العربية تحاربُ ذاتَها بذاتِها وتتصارعُ مع ذاتِها تارةً ومعَ جيرانِها تارةً أخرى ويهدرون مليارات الدُّولارات في صراعات مجنونة فيما بينهم؟! ولو دقّقنا في كلِّ الصِّراعات الدَّائرة في العالم العربي وصراعات العراق وحروبه الحمقاء مع إيران واجتياح الكويت وحروبه الآن مع ذاتِهِ ومع مواطنيه، لوجدنا أنَّ كل حروبه جوفاء وسقيمة وعقيمة، وأندهش كيف لا ينبثق من العراق امرأة من فصيلة زها حديد، حديديّة الرُّؤية والخيال والعطاء وتقود العراق إلى برِّ الأمان بكلِّ صلابتها الحديديّة، ما دام كل الرّجال الَّذين قادوا العراق تباعًا بعد العهد الملكي قادوها إلى بوَّابات الجحيم، فأين مكانة واقتصاد العراق من الدَّول العريقة، وهو يمتلكُ اقتصادًا عالميًّا في نفطه وموارده، لكنّنا نراه يرزحُ -بكلِّ أسف- في الدَّرك الأسفل من سلّم المدنيّة والحضارة والاقتصاد والحريّة والدِّيمقراطيّة، فهو متقدّم عن الصّومال بدرجة أو درجتين، وربّما هناك فساد وتحجُّر يفوق الصُّومال في بعض جوانب الحياة فيه؟ والسُّؤال الأهم من المهم: لماذا لا يهتمُّ العراق والعالم العربي بمفكِّريه ومبدعيه وفنّانيه ومثقّفيه في شتّى التّخصُّصات ويستفيدون من خبرات مبدعيهم في بلدانهم، ويتركونهم يقدّمون أرقى العطاءات للمجتمع الغربي والعالمي، ويحتفي بهم الغرب ويقدّم لهم جوائز عالميّة، بينما نرى أحيانًا بعض الدُّول العربيّة تصدر قرارات بمنع مبدعيها من الدُّخول إلى بلدانهم الأم، أو تسقطُ الجنسيّة عنهم، وكأنَّ هذه البلاد مُلك السّلاطين والحكومات والسِّياسات الحجريّة الممجوجة، وقد نسى هؤلاء السَّلاطين والملوك والزّعماء أنَّ أغلبهم يغوصُ في نومٍ عميق عندما يعقدون مؤتمرات القمم العربيّة، وبدلًا أن يقرِّروا التَّعاون والتَّقارب وحلّ المشاكل النّاشبة فيما بينهم، نراهم يتسابقون في الغوصِ في نومٍ عميق، وكأنّهم يتنافسون فيما بينهم في كيفية النَّوم الهادئ في قمَّةِ القممِ، وكأنَّ لا همّ ولا غم لمواطنيهم، وكلّ شيء على مايرام، مع أنّنا لو نظرنا إلى العالم العربي لوجدناه كأنّه يعيشُ في العصر الحجري من حيث التّخلف والتّحجّر، مع فارق طفيف ما بين دولةٍ وأخرى، ولو وجدنا دولة ما أو مملكة ما متقدِّمة عن دولة أخرى، سرعان ما نرى ثلاثة أرباع اقتصاد تلك الدّول يذهب هدرًا في الحروب والصِّراعات، وبدلًا أن يُصالحوا الدُّول العربيّة المتصارعة مع بعضها، يشعلونها نارًا لا تُخمد ولا تُحمد عقباها، وكأنّ لديهم هواية في الحروب وهدرِ وتدمير الاقتصاد بأيّة طريقة كانت. إلى متى سيبقى هذا العالم تائهًا عن حضارة العصر وحضارة الكون، ويركّز على ما هو تدميري وتحجرّي وكأنّه -أي العالم العربي- ليس من هذا الكوكب، بل من كوكب مرصرص بكلِّ أنواعِ التَّحجُّر، ومرتكز على كلِّ ما هو متخلّف ورجعي وحربي وسقيم وعقيم؟!

أبهجتني تصاميم المعماريّة المبدعة زها حديد، وآلمني رحيلها المفاجئ وهي في أوج عطائها، شاهدْتُ أغلب ما جاء في الشّبكة من لقاءاتٍ معها ومع غيرها وهم يتحدَّثون عن إبداعها، وشاهدتُ أغلب تصاميمها، كنتُ أحلِّق مع جمال تصاميمها كأنّها أعمال خرافيّة خياليّة مستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة من حيث جموحات الخيال والبهاء والجمال. شعرتُ أنّني أمام مخيال إنسانة كونيّة، لها طاقات إبداعيّة خلّاقة تليق بحضارة العراق الأصيل؛ حضارة سومر وأكّاد وبابل وكلدو آشور السّريان والمندائيين والميديين. وجدتُ حدائق بابل المعلّقة معرّشة في فضاءات تصاميم زها حديد، وجدتها عملاقة الفن المعماري في العالم من دون منازع، وهذا ما أكَّده الغرب قبل الشَّرق وأعمالها المنتشرة الشّامخة في عواصم العالم شاهدة على عبقريّتها الخلَّاقة.

كم شعرتُ بالفرح والغبطة وهي تتحدّث بكلِّ أريحيّة وثقة وهدوء عن أعمالها وعطاءاتها الرّاسخة فوق أرقى عواصم ومدن العالم! تحلِّق زها حديد بتصاميمها في فضاءٍ باهر في منحنيات تشكيلاتها وكأنّها تصمّم تشكيلًا فنِّيًّا خالدًا يعانقُ وجنةَ السّماء في شموخه وتجلّياتها وروعته، وزواياه مجنّحة بتلافيف بديعة نحو خاصرة السّماء، بدا لي أنّ تشكيلها المعماري متعانق مع بعضه بعض، وكأنَّها تريد أن تقدّم حالات عشقيّة متماهيّة بكلِّ رهافة، كيف تصوغ تصاميمها، ما هذا الخيال الّذي تمتلكه وما هذه الجرأة في كسر وخلخلة الأعمدة العموديّة عبر زوايا قائمة؛ فكل تصاميمها خارجة عن المألوف، بل خارقة وأشبه ما تكون مستحيلة التّنفيذ، ومع هذا تمَّ تنفيذها بدقَّةٍعالية كما جاءت في تصاميمها تمامًا؟ وقد قالت عبر حوارات أُجريت معها أنّ أعمالها الأولى ظلّت عشر سنوات وأكثر دون أن يتمَّ تنفيذها؛ لأنّ الّدولة الّتي كانت توافق على تبنِّي تنفيذ مشاريع تصاميمها ما كانت تتجرّأ الإقدام على تنفيذ المشروع؛ ظنًّا ممَّن يقرّر تنفيذ المشروع أنّ هكذا تصميم يستحيل تنفيذه؛ لأنّه يرتكز على منحنيات وزوايا منفرجة وحادّة، وأغلب الظَّن خُيَّل للمسؤولين عن تنفيذ هكذا تصاميم عمرانيّة شاهقة بكلِّ هذه الأطنان الحديديّة والإسمنتيّة ليس بالأمر السَّهل، بل يصعب تنفيذه وتساءلوا: كيف سيتمُّ تشييد وبناء هذه التَّصاميم العملاقة دون أن ترتكز على قواعد عموديّة متينة تحمل هذه الجبال الإسمنتيّة والحديديّة؟! إلّا أنَّ المهندسة العمرانيّة زها حديد أثبتت للعالم أنَّ خيالها العمراني الشّاهق إلى أقصى مساحات الخيال قابل للتحقيق، وإن بدا ضربًا من المستحيل، وهكذا عبرَتْ سلّمَ العمران الكوني من أقصى أبوابه، وسجّلت اسمها في سجلِّ الخالدين من خلال الجوائز والأوسمة الّتي حصلت عليها كأوّل مهندسة معماريّة في تصاميمها في العالم!

ستوكهولم (4/ 2019).

 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏ ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏بما في ذلك ‏‎Sabri Yousef‎‏‏، ‏‏بدلة‏‏‏‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اسم المؤلِّف: صبري يوسف.

عنوان الكتاب: تجلِّيات الخيال.- الجزءالأوَّل.- مقالات نصوص أدبيَّة.- الطَّبعة الأولى: ستو كهو لم (2020م).

الإخراج،التَّنضيد الإلكتروني،والتَّخطيطات الدَّاخليّة : (المؤلِّف).- تصميم الغلاف:الفنّان التّشكيلي الصَّديق جان استيفو.- صور الغلاف:للأديب التَّشكيلي صبري يوسف.- حقوق الطَّبع والنَّشر محفوظة للمؤلِّف.

دار نشـر صبري يوسف – [email protected]

Sabri Yousef – (محررمجلةالسلام)

لا يتوفر وصف للصورة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*يليه بالنشر مجموعة الجزء الثاني :

 

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.