كتب الناقد مروان ياسين الدليمي ..عن ما بعد الحداثة: الرؤية في التجربة الفنية وتقاطعات مفهوم اللوحة ..

ما بعد الحداثة: الرؤية في التجربة الفنية وتقاطعات مفهوم اللوحة
ما بعد الحداثة: الرؤية في التجربة الفنية وتقاطعات مفهوم اللوحة
5 – ديسمبر – 2020 م.
مروان ياسين الدليمي
على ما يبدو فإن ديمومة القراءة لاستجلاء التعارضات القائمة بين “الحداثة” و”ما بعد الحداثة” ما تزال تحتفظ بقوة حضورها في السجالات الثقافية، وهذا ما يشير إلى أهمية وحيوية ما تمخض عنهما من تجارب، لها القدرة على إحداث صدمة في الذائقة الفنية، وتجارب ما بعد الحداثة تأتي استلهاما لما أقدم عليه الدادائيون في مطلع القرن العشرين من سخرية واستهزاء بكل ما هو منطقي، وتجلى ذلك بشكل صارخ بما أحدثته مبولة دوشامب من صدمة كبيرة لدى المشهد الفني حال عرضها.
ما يميز فنون ما بعد الحداثة انها تتسم بجرأة لا حدود لآفاقها، وغالبا ما تستعير موضوعاتها مما هو متداول في حياة الإنسان اليومية من سلع استهلاكية ومجلات ورسومات إعلانية يضخها التلفزيون والأفلام والكتب المصورة، والقصاصات غير المتوقعة من القمامة، وخردة الحديد الصناعية وأقنعة الغاز واللباد والجماجم البشرية وإضاءة النيون والمطاط الرغوي وعلب الحساء والخرسانة والملابس القديمة وكل شيء، والفكرة من وراء التعامل مع هذا الخليط المتنوع والمختلف ليس إلا محاولة لإضفاء الطابع الشعبي على الفن، على النقيض مما انساقت إليه فنون الحداثة.
واجمالا فإنها تعبر من خلال تعاملها مع هذه المفردات داخل التجربة الفنية عن غياب أي معنى حقيقي للحياة، كما تعكس حالة رفض للقيم الجمالية التي عبرت عنها الحداثة التي كانت قد أعلنت عن نفسها في مجمل النتاج الفني خلال الفترة (1870-1970) والفكرة المركزية التي عارضتها ما بعد الحداثة في فنون الحداثة أن “الفن شيء خاص” وينبغي ان يبتعد تماما عن كل ما يمت بأي صلة للذوق الشعبي، فأنتج لنا هذا التعارض الفلسفي في رؤية العمل الفني وعلاقته مع المتلقي تجارب جديدة ومتنوعة خلال العقود الخمسة الماضية، وجاء هذا التنوع في سياق من الانسجام والتماهي مع ما شهده العالم من تغيرات هائلة على المستوى التكنولوجي. وعلى ذلك فإن المشهد الفني بدأ يتعامل مع عوالم جديدة باتت تفرض حضورها في الكثير من المعارض، منها على سبيل المثال “الفن المفاهيمي” و”فن التركيب”. ومع ما أحدثته هذه التجارب من صدمة لدى المتلقي الذي تعود على التفاعل مع نخبوية فنون الحداثة فإن ما لا يمكن تجاهله مقدار ما أحدثته من تغييرات على مستوى تلقي التجربة الفنية، حتى ان الجمهور بات على استعداد لأن يعتق ذائقته من الضوابط القيمية التي أفرزتها الحداثة والتي عادة ما تحكمه عند تقييم العمل الفني.
والذي حصل في مجال الفنون ان التكنولوجيا لعبت دورا كبيرا في التقليل من أهمية مهارات الرسم التقليدية التي عادة ما تأخذ حيزا مهما من الدراسة المنهجية، وأخذت الكفة تميل لصالح القدرات الهائلة التي تتمتع بها التكنولوجيا الجديدة، وهذا ما ساعد الفنانين في جوانب كثيرة من عملهم، حتى انهم تمكنوا من اختصار العمليات التقليدية في بناء اللوحة أو العمل الفني.
مصطلح فضفاض
هناك حاجة ملحة لوضع تعريف محدد لفنون ما بعد الحداثة، ويمكننا القول وببساطة بانها سياق من الأعمال الفنية التي خرجت في بنيتها عن النمطية، وبدت في رؤيتها للعمل الفني أكثر اجتهادا وسعة في تخصيب التفاعل مع الأشياء، حتى انها كانت مستوعبة لكل ما أفرزته التكنولوجيا من كشوفات، وذلك باستخدام أشكال فنية جديدة تتمظهر فيها عملية تناص خلاقة مع تقنيات الفيديو والحاسوب. ومصطلح “فن ما بعد الحداثة” يبدو فضفاضا وليس من السهولة الإمساك بابعاده، حتى ليبدو وكانه في حالة تمدد باتجهات مختلفة، رغم ان غالبية النقاد ومؤرخي الفن يكاد ان يتفقوا على ان المصطلح ظهر على السطح منذ حوالي عام 1970 وما بعده. ويمكن القول إن ما بعد الحداثة ليست حركة انما تعبيرا عن موقف فلسفي يتقاطع مع سلطة الذاكرة ويتماهي مع قوى التخييل، ومن غير الممكن الاتفاق على خصائص معينة تؤطره، والمهم هنا أن فناني ما بعد الحداثة افترقوا عن الأجيال الفنية التي سبقتهم في تعاملهم من المنتج الفني، حيث لم يولوا أهمية للمنتج نفسه بقدر اهتمامهم بالمفهوم الذي يطرحونه من خلاله، وعلى هذا فإن كل شيء من الممكن ان يصبح عملا فنيا، وبذلك تكتمل الإجابة حول الأسباب التي تقف وراء طرح مصطلح الفن المفاهيمي في أعمال فناني ما بعد الحداثة .
أبرز ما يمكن الإشارة إليه حول الفنانين المعاصرين الغربيين ان ايمانهم بالقوانين العلمية والفكر العقلاني كان على درجة عالية من الرسوخ ولم يتزعزع على الرغم مما شهدته القارة الأوروبية من كوارث وحروب، وظلوا على قدر كبير من الايمان بأهمية الفنون وتطورها وبالمساحة التي تلعبها في الارتقاء بذائقة ووعي المتلقي بدلاً من الميلان إلى ناحية الفن البسيط الذي يذهب بالاتجاه الذي يحقق التسلية للجمهور، بما يعني انهم كانوا قد انخرطوا في مسار الحداثة وانحازوا إلى اللحظة التي يكون فيها نهجهم متقدما ازاء الفن.
نيويورك وباريس
ظلت مدينة باريس عاصمة الثقافة والفنون الأوروبية التي تنطلق منها الاتجاهات والمدارس الفنية لعقود طويلة حتى مطلع القرن العشرين، ولهذا استحوذت على اهتمام الفنانين الطامحين إلى إثبات تفردهم، إلا ان واقع الحال لم يستمر على هذا المنوال، وهذا من طبيعة التحولات التي عادة ما تتحقق في مسار التاريخ، فكان للأحداث التي شهدتها القارة الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، إضافة إلى انتشار الانفلونزا الإسبانية 1918- 1919 الدور الكبير في إحداث تحولات جذرية في مراكز القوى الفنية وما يترشح عنها من حمولات ثقافية، ومن هنا لم تعد باريس لوحدها الذات الساردة للفعاليات الفنية بخطاباتها الجانحة إلى التمرد، بعد ان بدأت مدن أخرى تنافسها وتزاحمها مثل نيويورك. والأهم ان تحولا كبيرا على مستوى الأساليب بدا واضحا في تفكير الرسامين المعاصرين في هذه المدينة وبات يتجه إلى ناحية الفن التجريدي، وكانت أعمالهم تحمل شحنات عاطفية حادة بشكل مثير للدهشة، ويمكن الوقوف أمام ما شهدته فترة الخمسينيات من القرن الماضي من تحولات فنية مهمة قادتها مدرسة نيويورك التي ضمت لوحات جاكسون بولوك ومارك روثكوعلى سبيل المثال، ويكاد يتفق غالبية مؤرخي الفن على ان عصر “الحداثة” اقترب من مرحلة افوله مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي هذا السياق يشيرون إلى المحرقة اليهودية باعتبارها من أبرز الأحداث التي كان لها دور في هذا التحول إضافة إلى قضية اختبار القنابل الذرية وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وحرب فيتنام التي ابتدأت عام 1964 ومجموع هذه الأحداث أدى إلى شيوع مشاعر الخيبة لدى الناس، ومن المنطقي ان تنعكس على تفكير الفنانين، ولهذا كان المشهد الفني العالمي في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي قد شهد أول أعمال ما بعد الحداثة .
هناك ما يمكن التوصل إليه من المبررات والدوافع الواقعية التي أوجدت “ما بعد الحداثة” بمعنى انها لم تكن تيارا فنيا ابتكره الفنانون في ورشهم المنعزلة بعيدا عن مؤثرات محفزة في المحيط الإنساني والمجتمعي، وفي هذا السياق فإن ما بعد الحداثة تعكس في جوهر خطابها خيبة أمل ازاء المستقبل الإنساني، هذا إضافة إلى التأكيد على أهمية ما لعبته التكنولوجيا من تغييرات هائلة في منظومة الحياة. وبالتالي كان لابد ان تنعكس على الفنانين وتجاربهم، حتى انهم باتوا أكثر حذرا بشأن الأفكار الكبيرة التي كانت مثار اهتمام الفنانين الذين سبقوهم من الناحية الزمنية وكانوا قد تشابكوا في خطابهم النخبوي مع تشفيرات الحداثة بمدوناتها البصرية، ومن ناحيتهم، أي فناني ما بعد الحداثة، تخلوا عن تلك النظرة النخبوية، التي همشت ما يتم إنتاجه في الأطراف مقابل هيمنة فنون المركز، وتجلى ذلك بشكل واضح في تأييدهم لفناني العالم الثالث والنسوي والأقليات.
الثقافة الشعبية
ما يحسب لفناني ما بعد الحداثة انهم منحازون إلى الثقافة الشعبية وتبرز هذه الخاصية في أنهم وقفوا عند نقطة مضادة من فناني الحداثة الذين عملوا على تكريس مفهوم نخبوية العمل الفني، ويمكن الإشارة إلى هذا الافتراق المفاهيمي أزاء التجربة الفنية لدى فناني البوب، حيث تجتمع مواد مختلفة استهلاكية في تركيبة العمل، فقد لجأوا إلى طباعة أعمالهم على الحاجات المادية التي يتعامل بها الإنسان يوميا، مثل الأكواب والأكياس الورقية وقمصان التي شيرت، والغرض من هذه الحركة لن يخرج عن إضفاء سمة الشعبية على نتاجهم، بذلك يكون فنانو ما بعد الحداثة قد حققوا قفزة كبيرة في ضخ عناصر مختلفة وجديدة إلى الأشكال التقليدية التي تدخل في التجربة الفنية، فقدموا لنا عوالم غريبة وجديدة جمعت ما لم يكن ممكنا جمعه في العمل الفني كما في أعمال فرناندو بوتيرو وجورج باسيليتز وغيرهارد ريختر الذي جمع بين فن الكاميرا والرسم، بينما جمع أندرياس غورسكي بين التصوير الفوتوغرافي والصور بواسطة الكمبيوتر، وهنا يمكن الإشارة إلى خصوصية تجربة الفنانة المسرحية مارينا أبراموفيتش (1946) عندما أقدمت على منح المشاهدين مساحة مطلقة للمشاركة في تجربتها الفنية. وإجمالا يمكن القول إن كل شيء بات قابلا للدخول إلى عالم التجربة الفنية التي يقترحها فنانو ما بعد الحداثة .

نُشرت بواسطة

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.