بالصور..”مطلوب موظفة” معرض للمصور عسّالي يسخرُ من الصور النمطية المجتمعية

رام الله – وطن للأنباء – خاص:

ضمن معرض للصور يضم عدة مشتركين محليين وأجانب في سريّة رام الله، يتناقل بصرك ما بين زوايا المشتركين حتى تكاد نتهي جولة تمعّنك بالصور  فتكتشف زاويةً مهمّشةً مخبئة في نهاية المسار تتمثل في قاعة خلفيّة، تشعرُ باختلاف مشهد العرض فور دخولك إليها.

قاعةٌ شبه مهجورة، بجدران زجاجية عالية جداً مغبرة قليلاً، ومصابيح كهربائية تعطّل بعضها وبقي بعضها الآخر ليضفي إضاءةً غير مكتملة زادت جمالية المشهد، فتبدأ مباشرة بتلمّس فكرة المعرض بكسر الصور النمطية بقاعات التصوير ذات البلاط الملمّع والفضاءات البيضاء النقية الواسعة، والإطارات المرتبة بشكل متواز وأفقي على جدران العرض.

تلفتُ انتباهك صورة العرض الرئيسية، عاكسةً دمية تقرب إلى الاستسلام والقباحة منها إلى الجمال وقد خُطّ تحتها يدوياً عبارة “مطلوب موظفة”، لتحتل العبارة عنوان معرض المصور  قيس عسّالي.

قيس عسّالي، (28 عامًا)، والذي يمتهن تدريس تصميم الجرافيك في كلية الأمة صباحاً، ويثير الجدل بفنّه الفوتوغرافي المعاصر في المساء، عمل على عرض الصور بطريقة عشوائية مدروسة على مقعد خشبٍ عتيق وسط القاعة المهجورة، ليتيح للناظر فرصة تمعن بساطة المشهد وتعقيد المفهوم الكامن خلفه.

يقول قيس عسالي معلقاً لـوطن للأنباء “يحكي المعرض عن الصور النمطية التي قد أشبع منها المجتمع الفلسطيني والعربي بشكل عام في السياسة والمجتمع، يتخللها فكرة الجنسانية المتماثلة المتناقضة في الأوساط العربية. لطالما شغلني كمصوّر موضوع الصور النمطية والتقليدية التي تشبعنا بها منذ ولادتنا، وكيفية تغير واختلاف وجهة نظرنا نتيجة للتجارب والثقافات المكتسبة بمرور الوقت”.

حاول عسّالي عكس الصور النمطية المترسخة بذهن المجتمعات المحلية من خلال صور توثيقية التقطها من الشوارع العربية، في كل من فلسطين ولبنان ومصر، والتي تناولت بعض المشاهد العامّة واليومية، أو الجمل المخطّة على الحيطان والجدران العامة، فتعكس تناقضات مجتمعية لم تخلُ من شيء من السخرية المبطّنة.

حول اختيار عنوان المعرض، يوضح عسّالي “إن هذه الصورة تتناول ثلاثة مواضيع مختلفة ومبطنة، أحدها يتمثل بالصور النمطية التقليدية المنتشرة بالمجتمع، وعن الجنسانية واختلاط المفاهيم وتناقضها، حيث تُظهر الدمية وطريقة تعليقها من رقبتها وقد سلُبت قواها بالإضافة إلى اقترانها بالتاء المربوطة باستخدام “مطلوب موظفة” إشارة للحالة المجتمعية بتوظيف النساء والعاملين بشكل عام في المجتمعات العربية والنظرة الدونية في بعض الأحيان.”

كما احتوت المجموعة على عدة مشاهد مثيرة للجدل . بنظرك للوهلة الأولى إلى إحدى الصور الفوتوغرافية وقد صوّرت أحد الطرق الرئيسية المعبّدة المضاءة والنظيفة جداً في لبنان بلافتة تتمركز بالمنتصف تشير إلى أن الطريق يقود إلى “مخيم شاتيلا” ليتناقض تجميد المشهد اللحظي بترتبيه ولمعان أضويته ونظافتها مع فكرة المخيم، ببيوته المتراصّة وطرقاته الضيّقة وغير المعبّدة غالباً فتثير غرابة في النفس. وحصة  لبنان الأخرى من الصور تمثلت بصورة ساخرة حول انقطاع الكهرباء المستمر في البلد، صوّرت عبارة “شريط الكهربا مقطوش فوقك” وقد كتبت على الأرض استنكاراً لحالة الكهرباء المهملة في البلد.

أما أم الدنيا، فكانت حصتها مجتمعية وسياسية . باحتلالها صورتين من المعرض احداهما صوّرت النظرة المجتمعية للنساء في مصر واختلاط المفاهيم ما بين الطبقات المجتمعية المختلفة، والمرجعيات الدينية والثقافية، فتناولت الصورة الأخرى تناولت عبارة “التدخين حرام شرعاً : الاخوان المسلمون”، ولا أعلم تماماً إن كان المصور هنا قد عكس الصورة إعجاباً وتأييدا للعبارة، أم استنكارا على فعل الاخوان وتناقضه مع جزئية تحريم التدخين!.

قد يختلف البعض حول معرض عسّالي، بأهميته وسخريته أو فنّ صوره أو افتقارها للجمالية والذي يكسر بدوره نظرتنا النمطية والتقليدية تجاه التصوير الفوتواغرافي الذي يقتصر على الجماليات الكلاسيكية ونغفل عن كونه توثيقاً مهماً للحظة.  ولكن لا بدّ من اعتباره معرضاً يعكس فكرةً مختلفة، يلفتُ النظر إلى مشاهد عاديّة يراها أي عابر طريق ولكنهّا أبرزت مفاهيم مخبئة لا تخطر على البال عكست شيئاً من الخطورة النمطية في فكر المجتمعات النامي غير المدركة بعد!.

 

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.