فيتوريو ستورارو

يعد المصور السينمائي الإيطالي فيتوريو ستورارو واحدا من أهم و أشهر المصورين السينمائيين في العالم. الأفلام التي صورها تتميّز بالتكوينات البصرية، الرائعة في جمالياتها، المضاءة بشاعرية و حسية أخّاذة.

 

أمين صالح

الكتابة بالضوء

أمين صالحيعد المصور السينمائي الإيطالي فيتوريو ستورارو واحدا من أهم و أشهر المصورين السينمائيين في العالم. الأفلام التي صورها تتميّز بالتكوينات البصرية، الرائعة في جمالياتها، المضاءة بشاعرية و حسية أخّاذة. أعماله تكشف عن تحكم بارع بتقنية الفيلم و رؤية جمالية استثنائية.
عمل مع الخرج برناردو برتولوتشي في أغلب أفلامه، نذكر منها: إستراتيجية العنكبوت (1969 ) الإمتثالي (1970) آخر تانغو في باريس (1972) 1900 (1975) القمر(1979) الإمبراطور الأخير(1987)..كما استعان به كوبولا في عدد من أعماله، بدءا بـ ” القيامة الآن”(1979). و قد حاز ستورارو على العديد من الجوائز، و فاز بالأوسكار ثلاث مرات عن: القيامة الآن، الحمرReds (1981- إخراج: وارين بيتي) و الإمبراطور الأخير.
بالنسبة لستورارو، التصوير السينمائي يعني ” الكتابة بالضوء”. الضوء هو حليفه الدائم. بالضوء يكشف المظاهر و الأوجه اللاواعية في الفيلم. بالضوء يعرض بجلاء أكثر ما تتحدث عنه القصة. و بالضوء يسبر غور الالتباس و اللا يقين الذي منه يعزل الوضوح.

ولد فيتوريو ستورارو في روما العام 1943. درس التصوير السينمائي في معهد السينما بروما..و عن الدراسة يقول:
” في المعهد تعلمت كل المهارات التقنية. و يوما جاء إليّ زميل و قال( توقف يا فيتوريو، يجب أن تعرف لم أنت تفعل ذلك).. عندئذ بدأت في تعلم التعبير البصري للقصة. كانت تلك لحظة رائعة في حياتي”.
عندما اتجه ستورارو إلى السينما أصبح أصغر مساعد مصور أول في إيطاليا. و بحماسة و نشاط غمر نفسه في الحرفة السينمائية، لكن دون أن يهمل الجانب التثقيفي. ففي الفترات التي لم يكن يعمل بها، كان يحاول سد الثغرات في خلفيته الثقافية.. هكذا تعرّف على رسامين مثل: فرمير و كارافاجيو، و على روائيين مثل: وليام فولكنر و سيزار بافيز، و على موسيقيين مثل: موزارت و فاجنر..و عن هذا يقول:
” كل هذا ساعدني على رؤية أشياء كنت سأظل غير واع لها لو كنت أعمل طوال الوقت دون أن أستغل أوقات الفراغ. ثمة أوقات فيها يتوجب علينا أن نعود إلى جذورنا و أن نبدأ من جديد. عندئذ يكون بوسعنا أن نواصل”.
اللحظة الأهم في بدايات مسيرته السينمائية جاءت عندما التقى بالمخرج الشاب برناردو برتولوتشي، و الذي كان يستعد لإخراج فيلمه الثاني” قبل الثورة” (1968)، و عرض على ستورارو أن يصور الفيلم.
تلك كانت تجربته الفريدة و المدهشة.. أو على حد تعبيره..” ذلك كان أشبه بالحب الأول”.. و بعد سنوات طويلة لا يزال يعتبر أن كل أعماله اللاحقة تمتد جذورها في هذا الفيلم، و عن ذلك يقول:
” أظن أن فيلمي الأول هو أشبه ببصمة.. أثر مميز لا سبيل إلى محوه”.

وعن علاقته بالمخرج برتولوتشي يقول:
” كنت محظوظا لأنني التقيت مبكرا ببرتولوتشي الذي كان يعبّر عن نفسه بصريا، و يؤلف من خلال الكاميرا، كاتبا بها مثلما يكتب فولكنر روايته. أنا و برتولوتشي نفهم بعضنا البعض، و لم نكن بحاجة إلى الكلمات لنتواصل معا. برناردو لا يكف أبدا عن العمل.. و هذا أمر رائع. العمل معه هو دائما قيد الانجاز. قبل التصوير، أنت تهيئ لمشهد ما، و فجأة يأتي هو ليقول: توقف يا فيتوريو، هذا لن ينفع..إن برناردو يحثك على أن تخلق عن طريق المضي عميقا داخل ذاتك”
أما برتولوتشي فيتحدث عن العلاقة قائلا: ” ستورارو هو الفنان و انا النصير.شخصيا لا أعرف شيئا عن الإضاءة،هو الذي يخلق الضوء لنفسه و لي”.
إن عمل ستورارو في أفلام برتولوتشي مثل ” الإمتثالي” و ” استراتيجية العنكبوت” قد رسخت حضوره و شهرته. في التكوين، الذي هو مجاله في الاشتغال على النسق اللوني، نجد التعبير الدقيق عن ثيمات الفيلم و المشاعر الكامنة.

عن توظيفه للألوان من أجل توصيل حالات ذهنية، يقول:
” استخدمت اللون البرتقالي في فيلم ( آخر تانغو) لأنني شعرت بأنه الضوء المناسب. لكل لون طاقة و ذبذبة نتفاعل معها جميعا. عندما حققته لم أكن أعرف السبب الذي جعلني استخدم اللون الأزرق بتدرجاته لفيلم ( الإمتثالي) أو اللون البرتقالي لفيلم ( آخر تانغو) لكن الغريزة هي التي أوحت لي بذلك و أخبرتني أنها الألوان المناسبة. في ما بعد، عندما أعددت بحوثا في معنى الألوان، اكتشفت ما تمثله هذه الألوان من دلالات و إيحاءات. هذا ربما يفسر اختياراتي للألوان.. مع أنها كانت، آنذاك، اختيارات عاطفية نابعة من الحدس و الغريزة”.
مع فيلم برتولوتشي ” القمر” La Luna استخدم فيتوريو ستورارو اللون رمزيا للمرّة الأولى في عمله السينمائي، و ذلك من أجل توضيح عاطفة و انفعال الشخصيات. القمر، كما يفسر ستورارو، في التحليل السيكولوجي، هو رمز للأم. باستخدام نتائج بحوثه في التعبير عن هذا المفهوم، كان ستورارو يشعر بأنه يدخل فصلا جديدا من حياته.
إن عمل ستورارو مع برتولوتشي يتوازى مع تطوره الخاص من الظل إلى الضوء. مع ذلك هو عمل على نحو مثمر مع مخرجين آخرين في إيطاليا وأمريكا..في أفلام شعر بأنه يمنحها شيئا من إبداعه.. و عن هذا يقول:
إنها دائما مسالة التعرّف على الآخر، سبر إمكانياته، محاولة اكتشاف رؤاه. خطوة خطوة أنت تشعر و تكتشف إذا كان المخرج هو مخرجك، و القصة هي قصتك.”

باب آخر..رحلة أخرى

بعد أن اعتذر فيتوريو ستورارو عن تصوير الجزء الثاني من فيلم ” الأب الروحي”، عمل مع فرانسس كوبولا في فيلمه ” القيامة الآن” ثم “واحد من القلب” one from the heart .. يقول ستورارو:
” أثناء التحضير لفيلم (القيامة الآن) قرأت رواية جوزيف كونراد (قلب الظلام) –التي استمد منها كوبولا فيلمه- و أدركت أن القصة تتحدث عن التعارض بين ثقافتين. عندئذ صرت أبحث عن طريقة لإظهار ذلك، و شعرت أن الاختلاف هو بين الطاقة الطبيعية و الطاقة الاصطناعية. كان يتعين علي أن أتخيل تلك الطاقة و أجسدها بصريا.. تلك كانت نقطة انطلاقي.”
مع ” واحد من القلب” أصبح ستورارو مشاركا في ما سيكون طليعة السينما الإلكترونية. مشروع طموح كان يهدف إلى دمج الكومبيوتر و الفيديو و كاميرا الـ steadicam في عملية صنع الفيلم. لكن لم يتحمس لهذه التجربة, و لم يدافع عنها، إلا القلة من المشاهدين و النقاد.. و بدلا من أن يكون رائدا لمرحلة جديدة في السينما، صار سببا في إفلاس كوبولا و إغلاق استوديوهاته.

و يعلق ستورارو على هذا الأمر قائلا: ” تصوير الفيلم لم يكن وظيفة على الإطلاق. كان ذلك لهواً بالفعل.. كنت أحلّق. أحببت العمل مع كوبولا، لأن الفيلم يصبح جزءً من حياته. عندما يؤمن بشيء فإنه يراهن ببيته و زوجته و أولاده من أجل انجازه، و هو أمر غير عادي تماما”.
عمل ستورارو في تصوير فيلم Reds ، للمخرج- الممثل وارن بيتي، لمدة عام. لكن قبل إكمال الفيلم بخمسة أيام، اعترضت نقابة المصورين في أمريكا على توظيف مصور أجنبي.. و في هذا الصدد، يقول فيتوريو ستورارو بمرارة:
” كان ذلك أشبه برفض منح الكاتب الإذن بإكمال الفصل الأخير من كتابه، أو عدم السماح للفنان التشكيلي بتحريك فرشاته لإنهاء اللوحة بلمسات أخيرة، أو حرمان المؤلف الموسيقي من فرصة إكمال الجزء الأخير من مقطوعته الموسيقية”.

* * *

في ما يلي مقتطفات من آراء فيتوريو ستورارو في التصوير بصفة خاصة، و الفن بصفة عامة:

  • الكاميرا قادرة أن تصف، أن تكتب، و أن تقول شيئا.
  • المصور مؤلف يستخدم الضوء، الظل، اللون. و هو يوظف تجربته وساسيته وثقافته و انفعالاته ليطبع أسلوبه الخاص و ذاتيته على العمل.
  • عندما تشرع في قراءة السيناريو فإنك تبدأ في تصور القصة بصريا.. و لهذا السبب ربما تدعى مصورا سينمائيا. إنك تبحث عن المفتاح الذي يخبرك كيف تستطيع أن تجد الضوء.. الضوء الذي به نحاول أن نعبّر عن أنفسنا. الفيلم حساس في ما يتعلق بما يريده التقني.. إنها إضاءة ذاتية.
  • الجزء الأول من حياتي المهنية، و الطريقة التي بها كنت أحاول أن أصل إلى فهم أفضل لنفسي، كانت مبنية على بحثي و دراستي للضوء و كل ما يخص ذلك، مثل الظل و شبه الظل، الاصطناعي و الطبيعي. لاحقا، أصبحت أكثر اهتماما بخاصيات الإضاءة نفسها، نطاق الضوء، و بالألوان ” أطفال الضوء”.. على حد تعبير ليوناردو دافنشي.
    لقد أمضيت وقتا طويلا و أنا أبحث في معنى اللون، كيف يستجيب إليه الجسد البشري،
    كيف نستطيع باللون أن نجسد بصريا العاطفة و الانفعال، و كيف يتصل هذا كله بفيسيولوجيا و سيكولوجيا الكائن البشري.
    بعد ذلك، بعد ” الإمبراطور الأخير”، أدركت بأن علي أن أقوم بخطوة أخرى في محاولة إيجاد توازن بين كل هذه الأشياء المختلفة. في البداية، كنت أحاول بالدرجة الأولى أن أفصل الضوء عن الظل، و أن أعزل الأحمر عن الأزرق، لون معين عن لون آخر. لم يكن ذلك عن وعي دائما، لكن نتيجة لما كنت أحاول فعله. الآن حان الوقت لرؤية ما إذا أستطيع أن أقوم بتركيبها معا، أن أجد تناغما و تناسقا أكثر.
  • بحساسيتي، بخلفيتي الثقافية، بتجربتي الخاصة، أحاول أن أعبّر عما أكونه حقا. أحاول أن أصف قصة الفيلم من خلال التجسيد البصري، من خلال التصوير، بحيث يستطيع المشاهد أن يشعر و يفهم، بوعي و بلا وعي، ما تتحدث عنه القصة. بالطبع أنا دائما أبذل جهدي لإتمام رؤية المخرج، لكنها أيضا قصتي الخاصة، لأنني أوظف كل ما يوجد داخل نفسي لفعل ذلك.
  •  الضوء هو الطاقة.. و أظن أننا لا ننشأ من هذه الطاقة فحسب، لكنها أيضا واقعنا. إن لجوهر الضوء هذه الخاصية الروحية، سواء أ كنا نعرفها أم لا نعرفها. حتى لو أننا لا نفهم، حتى لو أننا لا نؤمن، حتى لو أننا نرفض، حتى لو أننا لا نعرف، فهذا ما ينبغي أن يكونه الضوء.
  • أعتقد أن كل فيلم هو جزء من حياتك، حتى لو لم ترد منه أن يكون كذلك، لأنك تعمل بينما تعيش، و من خلال عملك تعبّر عن نفسك. وخطوة خطوة، فيما تعبّر عن نفسك، تنمو ككائن بشري. و بطريقة مماثلة، كلما تنمو ككائن بشري، تعبّر أكثر عن ذاتك.. هذا يحدث في أي يوم من حياتك، يحدث في أي وقت تكلف بانجاز عمل ما.
  • عندما أنتهي من فيلم ما، أقول لنفسي، لا.. إنها ليست النهاية على الإطلاق. هذه بداية شيء آخر. لقد فتحت بابا آخر. سوف أشرع في رحلة أخرى. لا أعرف إلى أين ستأخذني الرحلة، أو أين سوف تنتهي. لا أعرف ما الذي سأفعله غدا.. لكن ذلك هو جمال الاكتشاف.

المصادر:
– مجلة Films، عدد يوليو 1984
– مجلة Film Quarterly ، عدد شتاء -95 1994

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.