السينما والتليفزيون » هندسة المناظر وتصميم الأزياء
تاريخ الديكور في مصر

عندما نتكلم عن تاريخ تصميم المناظر السينمائية في مصر فإنه من الممكن أن نقوم بتقسيم هذا التاريخ إلي أربع فترات أساسية هامة يندرج تحتها كل الأعمال التي تمت حتى وقتنا هذا . ولاشك إن بدايات مصر السينمائية بشكل مبكر جعلت لها الريادة في المنطقة من ناحية , ومن ناحية أخري فقد كثفت من الخبرات المتوارثة في هذه المهنة قدمت بالضرورة أعمالاً لها ثقلها من خلال الدراسات التاريخية المتتابعة والتحليلية المقارنة .
1- جيل الرواد – المصريون والأجانب يرسخون مهنة الديكور :
بعد أن تعددت جهود السينمائيين في مصر لبناء استوديوهات علي مستوي جيد , كان لابد أن يكون هناك أستوديو سينمائي بحجم ستوديو مصر تم تشييده وفقاً لتخطيطات علمية سليمة , بل وبمفهوم راقٍ للغاية عندما تم إرسال بعثات تدريبية لعدد من الشبان المصريين إلي أوروبا قبل افتتاحه حتى يكونوا جاهزين لإدارة هذه المؤسسة العملاقة .. ومن خلال كل ذلك كان من الممكن عندما نري أفلاماً مثل “وداد” إخراج فريتز كامب 1936 و “لاشين” لنفس المخرج عام 1939 و “دنانير” إخراج أحمد بدرخان 1940 والتي كان يستحيل أن تري النور بدون هذا الأستوديو العملاق . وبين أحضان ستوديو مصر تراكمت خبرات عمال ورش النجارة والجبس والحدادة وهم يتلقون التعليمات من مهندس وآخر , وقد كان أهم هؤلاء المهندسين ولي الدين سامح , وهو من الرواد المؤسسين لأستوديو مصر واشتهر بثقافته الواسعة ومنهجه العلمي وإبداعاته في عالم تصميم المناظر السينمائية وخاصة في الأفلام التاريخية .
البداية كانت مع فيلم “وداد” أول إنتاج لأستوديو مصر , وقد استطاع سامح أن يقدم من خلال عمارة المكان وزخارفه ملمحاً راقياً لفترة العصر العباسي الذي تدور فيه أحداث الفيلم . أما في فيلم “ليلي بنت الصحراء ” إخراج بهيجة حافظ 1937 أو “ليلي البدوية” والذي أنتجته وأخرجته أيضاً الفنانة بهيجة حافظ 1944 , فيبدو العمل مشتركاً بين ولي الدين سامح و شارفنبرج وتميز الديكور أساساً بالطابع الفارسي . وفي “العزيمة” من إخراج كمال سليم عام 1939 فقد حمل بداية التأسيس لفكرة واقعية المنظر السينمائي , حيث ينتبه ولي الدين سامح إلي تأثيرات الزمن وعوامل التعرية علي الحوائط وقشور البياض المتساقطة , وإلي الشقوق التي خلفها الإهمال ورخص الخامات . ويرسم بئر السلم بدرجاته الخشبية المتآكلة والمتكئة علي بعضها , وأبواب الشقق بشراعات زجاجية تحميها زخارف من الحديد تؤدي إلي صالة يغطي أرضيتها المتواضعة سجادة قديمة ممزقة .
أما في فيلم “دنانير” فيقدم سامح التجربة الثانية الناجحة لفيلم تدور أحداثه في بلاط الرشيد والبرامكة , وبين شعر أبو نواس وأبو العتاهية , حيث تظهر لنا مناظر أكثر إتقاناً للعصر ترسخ بالضرورة مدي ثقل ستوديو مصر في تنفيذ الفيلم التاريخي . كما أصبح مفهوم مصمم المناظر مهنة لها تعريف علمي بعد أن كثفت مدرسة الأستوديو من هذه المفاهيم . وفي “لك يوم يا ظالم” من إخراج صلاح أبو سيف 1951 يثبت ولي الدين سامح أقدامه في مجال الفيلم الواقعي , حيث تجري أحداث الفيلم في حمام شعبي يمثل قاعة كبيرة بها مغطس , ويتبع الحمام مستوقد تستخدم فيه القمامة وتوضع فيه قدر الفول المدمس . واستغل صلاح أبو سيف فرصة هذا الجو الشعبي فأخرج لأول مرة مشاهد الحارة بصورة واقعية صادقة ورأي المتفرجون صورة جديدة للحارة وابن البلد بطريقة جديدة لم تعرفها الشاشة منذ أخرج كمال سليم “العزيمة” .
ويقدم ولي الدين سامح جواً واقعياً بصورة أخري في فيلم قسم اللَبان وبيت العصابة والخمارة وزنقة الستات في فيلم “ريا وسكينة” إخراج صلاح أبو سيف.
أما شارفنبرج فهو أحد الفنيين الذين استعان بهم ستوديو مصر لتدريب المصريين علي المهن السينمائية المختلفة , وقد اشتهر بتصميم المناظر في الأفلام التاريخية , ومنها “ليلي بنت الصحراء” , “لاشين” , “فتح مصر” من إخراج فؤاد الجزايرلي 1948 , “أمير الجزيرة” , ” خالد بن الوليد” إخراج حسين صدقي عام 1958 , “عنتر بن شداد” إخراج نيازي مصطفي 1961 , “الناصر صلاح الدين” إخراج يوسف شاهين عام 1963 . وإذا شاهدنا فيلم “لاشين” الذي نفذ عام 1939 نجد تأثيرات المدرسة التعبيرية الألمانية ظاهرة بشكل واضح علي الخطوط الهندسية للمناظر . وقد وظف الديكور توظيفاً درامياً مع التشويه الذي يعطي للأشياء والخلفيات شكلاً عضوياً وكأنما الروح قد دبت فيها أيضاً .
كما يمكن أن نطلق علي استخدام السلالم استخداماً روحياً في مشاهد كثيرة بحيث تبدو كأنها مسكونة . نلاحظ أيضاً مدي توظيف الديكور في قاعة العرش عند دخول لاشين بعد الانتصار حيث نري قاعة ذات أعمدة ولها باب له عقد جميل . كما استخدم مقر لاشين في قصره بطريقة درامية جيدة حيث بنيت له خلفيات مُحكمة وغير مرسومة .
وقد كان أنطون بوليزويس من الأسماء الكبيرة أيضاً في عالم هندسة المناظر , وقدم العديد من الأفلام منذ فيلمه الأول “قضية اليوم” إخراج كمال سليم عام 1943 وحتى “السوق السوداء” من إخراج كامل التلمساني عام 1945 والذي تعقد المقارنات بين حارة بولزويس وحارة ولي الدين سامح في “العزيمة” , حيث يرى البعض أن حارة كمال سليم فلكلورية , فهو يستعرض نماذج لجزار , وبائع حلوى , وحلاق , أما عند كامل التلمساني فتعرض الحارة نماذج عديدة , ولكن من خلال الحدث وخدمته وليس بهدف الاستعراض , لذلك نجد حارة كمال سليم واسعة ونظيفة بينما الحارة عند التلمساني ضيقة وقذرة ومظلمة .
ويقدم بولزويس مع صلاح أبو سيف فيلمه الشهير “الفتوة” عام 1957 والذي امتاز بجوَه الجديد لسوق الخضار بروض الفرج , حيث راعي مهندس المناظر نقل تفاصيل السوق الدقيقة بشكل واقعي ناسخاً عقوده وأقبيته , وحتى الثلاجة الضخمة التي كانت هي وساحة السوق مسرحاً لأكبر معركة شهدتها السينما المصرية في ذلك الوقت . وفي “أمير الانتقام” يقدم بولزويس الجو التاريخي من خلال الأحجار الضخمة والأقواس العريضة المتكررة والسلالم الحجرية التي تنزل بنا إلي حجرات مظلمة , رطبة , ومخيفة , ومحصنة بالحديد ولها أرضيات خشنة ومؤلمة .
وإذا كان عام 1927 عاماً خالداً في تاريخ السينما المصرية حيث قدمت وقتئذ فيلمي “ليلي” لعزيزة أمير و”قبلة في الصحراء” لبدر لاما فإن السينما المصرية التي نطقت منذ فيلم”أولاد الذوات” إخراج محمد كريم عام 1932 و “أنشودة الفؤاد” إخراج ماريو فولبي 1932 قد مالت لأن تكون غنائية في أغلب الأربعينات في عصرها الذهبي , وأصبح نجوم أفلامها هم المطربون من أمثال إبراهيم حمودة وعبد الغني السيد وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب . وقد ساهم ذلك إلي حد كبير في زيادة الخبرات المكتسبة لمصممي المناظر السينمائية واتساع قريحتهم في إيجاد مناظر مبتكرة عديدة للمشاهد الغنائية والاستعراضية . ربما لم يكن البعض منها بالقدر الكافي من الإتقان إلا أن الفكرة الخيالية التي كانت وراء المشهد عوضت بعض الشيء عن عدم دقة ومهارة الصنعة .
2- جيل الوسط :
أفرزت الخمسينات ثلاثة من أعمدة مهندسي الديكور في مصر , هم ماهر عبد النور , وحلمي عزب , وشادي عبد السلام . وربما كانت أهمية هؤلاء الثلاثة أنهم بدأوا حياتهم العملية مع الخطوات الأولي لثورة 1952 , ثم اكتملت تجربتهم معها من خلال سينما القطاع العام في ذلك الوقت وتغير هيكلة الصناعة ودولاب عملها . وقد صدرت قوانين التأميم عام 1961 ولم تقترب الدولة من السينما بالتأميم , ولكنها لم تكن تمتلك من استوديوهات السينما سوي أستوديو مصر الذي ركزت علي تطويره والاهتمام برفع مستوي معداته وكفاءاته وأدواته ورصدت نصف مليون جنيه لتزويده بمعدات حديثة للصوت والتصوير ومعامل لطبع الأفلام الملونة والأبيض والأسود . وكان لأحداث الانفصال مع سوريا كذلك توتر العلاقات المصرية العربية ما عجل بنقل النشاط السينمائي إلي بيروت بالإضافة إلي تخوف المالكين المتمصرين أو المصريين من قرارات التأميم , فلجأوا إلي بيع ممتلكاتهم إلي القطاع العام , وتم شراء أستوديو الأهرام وأستوديو نحاس وأستوديو جلال وضمها للمؤسسة المصرية العامة للسينما التي صدر بها القرار الجمهوري رقم 48 عام 1963 وقد أصدر مجلس إدارة المؤسسة الجديدة قراراته بإنشاء 4 شركات تابعة للمؤسسة وهي :
1- الشركة العامة لتوزيع وعرض الأفلام
2-الشركة العامة للاستوديوهات

3- شركة الإنتاج العربي (فليمنتاج)

4- شركة الإنتاج العالمي (كوبرو)

وفي منتصف عام 1964 تم إنشاء شركة خاصة لدور العرض بعد فصلها عن التوزيع وإنشاء شركة جديدة للإنتاج السينمائي وبذلك أصبحت شركات السينما ست شركات خلال عام ونصف تقريباً . وقد تقدمت المؤسسة بمشروع مدينة السينما والذي وضع حجر أساسه عام 1964 علي مساحة تبلغ 30 فداناً . كما قامت ألمانيا الاتحادية ببناء بلاتوهين كبيرين وملحق بهما الأبنية الإدارية ولم يتم استكمال تجهيز البلاتوهات لوجود خلافات سياسية في ذلك الوقت بين البلدين . وقد تم دمج الشركات الست في شركتين إحداها للإنتاج والأخرى للعرض والتوزيع وتم دمجهما مرة أخري عام 1970 في المؤسسة العامة للسينما التي استمرت عاماً واحداً قبل أن تتحول إلي الهيئة العامة للسينما والمسرح عام 1971 .
وبعد أن قدم القطاع العام السينمائي 155 فيلماً روائياً طويلاً تعد من أبرز إنتاج السينما المصرية , توقف عن الإنتاج تماماً عام 1971 بعد أن تعرضت التجربة للنقد الشديد . واستبدل شكل الهيئة بتلك الأخرى الخاصة بالشركات لكي يتوقف دور الدولة علي تقديم الخدمات الفيلمية من معامل وصوت ومونتاج وخلافه دون ممارسة عملية الإنتاج السينمائي ذاتها .
سنجد إذن المهندسين الثلاث , عبد النور وعزب وعبد السلام , قد بدأوا عملهم مع القطاع الخاص ثم استمر عملهم بعدها في ظل سينما القطاع العام .
وأولهم المهندس ماهر عبد النور صاحب الرقم القياسي في عدد الأفلام الروائية الطويلة التي قام بتصميمها في كل تاريخ السينما المصرية بدءاً من “عدو المرأة” إخراج محمود ذو الفقار عام 1966 وانتهاءاً بآخر أفلامه “توت توت” إخراج عاطف سالم عام 1993 ورغم دراسة ماهر عبد النور الأكاديمية الهندسية . فقد فهم أن تمسكه الدوجماتي بالقواعد الهندسية سيعوقه عن تحقيق الشكل السينمائي الأمثل للمنظر . وقد كان لماهر ولع بكل الحيل المهنية التي تكسب المنظر ثراءاً بصرياً , مثل المستويات المتعددة , الفتحات , الأقواس والبرانق والنيشات , المعابر الكثيرة المتوازية والمتعامدة , القواطع بأشكالها وطرزها المختلفة , الأسقف , حتى لو كانت متعارضة مع ما يمليه منطق المنظر أو الطبقة الاجتماعية للشخصيات .
في فيلم “درب المهابيل” لتوفيق صالح عام 1955 نلاحظ هذه الظاهرة بوضوح فهناك غلبة للخشب علي التكوين الأمامي للصورة كالنوافذ والشبابيك والسلالم , ويبدو ذلك بوضوح في منزل نعيمة في الريف في فيلم “حسن ونعيمة” لبركات 1959 , إلا أن هناك انتقادات وجهت لشكل الديكور باعتبار أنه لو تم تجريده من الطلاء الخارجي وبعض التفاصيل كالأقواس لظهر هو نفسه كديكور بيوت الأثرياء في المدينة كما تبدو في أفلام تلك المرحلة .
ومثلما قدم بولزويس أفلام الرومانسية , سمة هذه المرحلة مثل أفلام “بين الأطلال” إخراج عز الدين ذو الفقار 1959 و”نهر الحب” لنفس المخرج 1960 , قدم ماهر عبد النور العديد من تصميمات المناظر في أفلام من نفس النوعية أبرزها “دعاء الكروان” لبركات 1959 و”في بيتنا رجل” لنفس المخرج 1961 و”لا تطفيء الشمس” . ويلاحظ في دعاء الكروان الفخامة في ديكور منزل المهندس الزراعي , والحكمدار واحتمي عبد النور في هذه الفكرة باستراحات وبيوت الريف قبل الثورة . أما المنزل في “لاتطفيء الشمس” و”في بيتنا رجل” فيبدوا واضحاً فيه الولع الشديد بالممرات الطويلة التي تطل عليها الغرف من الجانبين ولكن لا يمكن الجزم إذا كانت هذه من إلهاماته أم طبقاً لرغبات المخرجين .
أما ثاني مهندسينا فهو حلمي عزب الذي يملك مشواراً طويلاً آخر في عالم التصميم حيث امتلأت الرحلة بعديد من الأفلام الهامة أبرزها “بداية ونهاية” لصلاح أبو سيف عام 1960 وهو مأخوذ عن قصة نجيب محفوظ ذات المذهب الطبيعي . وقد تعمد حلمي عزب أن تبدو مظاهر الفقر المدقع علي منزل الأسرة التي رحل عائلها من خلال الفتحات والشقوق في الحوائط . والأثاث المتواضع الضروري لاستخدامات الحياة اليومية فقط , وآيات القرآن الكريم علي الحائط ومأثورات مثل “الصبر جميل” و”القناعة كنز لا يفني” , وأثواب نصف محاكة وبكر خيط , وأطباق الأكل القنوعة , ولمبة جاز , بل إن الشقة نفسها أسفل مستوي الشارع , فلا تري أعين قاطنيها سوي أرجل المارَة , فهم مهمشين شكلاً ومضموناً .
وفي فيلم “زقاق المدق” لحسن الإمام1963 والذي يدور أيضاً في عالم نجيب محفوظ , نري الخطوط المعمارية للزقاق من خلال مقعد المشربية المطلة عليه من منزل حميدة , خطوط معمارية غير منتظمة تتلوي خلال عديد من البروزات ومعينات أشكال الدكاكين . أما في “المستحيل” لحسين كمال 1965 فيلعب حلمي عزب بالكتل المبالغ فيها والمشوهة عمداً في أعمدة السرير والحوائط , ويذكرنا بالمدرسة التعبيرية الألمانية في فيلم “دكتور كاليجاري” وبأن المكان يعيش داخل الشخصيات بنفس الدرجة التي تعيش بها الشخصيات داخل المكان .
وفي “البوسطجي” عام 1968لنفس المخرج يحاول حلمي عزب أن يجاري المخرج في اختزال العناصر المكانية وانتقاء ما هو دال منها واستبعاد ما هو مكرر , وذلك في بيت البوسطجي القديم الذي يؤجره له العمدة زاعماً أنه كان مقراً للعمودية فيما مضي بينما كل ما نلمحه يجعل المنزل أقرب للحظيرة , بينما في مكتب البوستة فوضي الفساد والإهمال في شكل أقفاص الحمام والطرود المرسلة من البندر , فضلات البط والأوز جنباً إلي جنب مع علي الأطراف مع طوابع البريد الملكية . العناكب والدوسيهات , الذباب والبوص وجريد النخل مع حوائط الطوب النيىء الذي يلفظ التبن , مكان حكومي تحكمه الفوضى , معزوفة من الضجيج والأصوات القبيحة وراديو خشبي خرب , وشباك حديد يسجن خلفه البوسطجي , ويدفعه للهوس والجنون .
أما “شيء من الخوف” لحسين كمال أيضاً عام 1969 فهو صراع بين الفلاحين والسلطة الجبارة المتمثلة في عتريس ورجاله . ويظهر منزل عتريس كأنه قلعة حصينة بنوافذه التي تشبه نوافذ الحصون , وفي نفس الوقت يمتد الدرج من الدور العلوي إلي الدور الأرضي في ميل شديد يلغي أي انبساط في المساحات ويخلق جواً من التوتر والرهبة يكثف الجو العام ويجسد الحالة النفسية لقاطني هذا المسكن .
وأخيراً كان دخول شادي عبد السلام مجال الديكور السينمائي انقلاباً في هذا المجال , فقد استطاع أن يلخص المفهوم والسمات التاريخية للحقبة التي يتناولها من خلال مفردات عديدة يبرزها بأسلوبه كمصمم للديكور والملابس . وأصبح لكل شيء معناه في مناظر شادي عبد السلام : فتحات الأبواب والقباب والممرات ومساقط النور وعمارة المكان وشكل الأعمدة بل وخطوط الجلابيب أو تمويجات القلنصوات وأغطية الرأس وكل تفصيلات إكسسوار تلك الملابس . لقد سبق دخول شادي هذا المجال فترة طويلة من استخدام الديكور كإطار يحوي الأحداث ويعتمد علي الإبهار من خلال عناصر معمارية تفتقد الدراسة الدقيقة للفترة التاريخية التي يحكي عنها الفيلم , مع مبالغة في العناصر الزخرفية مستلهمة بذلك تراث المسرح . ولا شك أن أعمال شادي السينمائية اتسمت بوحدة الطراز وبساطة التصميم وتوظيفه في خدمة الحدث والاهتمام بالتفاصيل المعمارية الدقيقة وحسن التنسيق بين عناصر الصورة واهتمامه بجغرافية المكان مما أكسب الصورة صدقاً شديداً جعلها قريبة من وجدان المتفرج .
ومن السهل مثلاً إعادة بناء معبد فرعوني أو تصميم زى لفرعون أو نبيل , فأمامنا مراجعه الغزيرة من متاحف وأبنية وتماثيل ومخطوطات , أما حين يتعرض الفنان لإعادة تصميم زى إسلامي أو مملوكي مثلاً فتلك مشكلة , فلم تترك الحضارة الإسلامية من أثر سوى العمارة وأقل القليل من الملابس الحربية , حيث أن رجال الدين الإسلامي حرَموا رسم الأشخاص , وهنا تكمن عظمة شادي عبد السلام حيث قام بتصميم أكثر من ستين زياً مملوكياً لأفلام تاريخية إسلامية منها “واإسلاماه” إخراج آندرو مارتون 1961 و”أمير الدهاء” إخراج بركات 1964 وغيرهما , وهي ملابس حربية للسلاطين والحكام , وملابس السيدات والجواري . وقد كانت هذه التصميمات محصلة لبحث طويل وشاق قام به شادي ليصبح تسجيلاً دقيقاً لما فقده التاريخ من مراحل هامة . وقد استعان شادي في بحثه بالعديد من المصادر كرسوم المستشرقين أمثال روبرتس , وفون هارف , وكذلك كتابات الرحالة الأوربيين كإدوارد لين , بالإضافة للمنمنمات التركية والفارسية الحافلة بقصص ألف ليلة وليلة , وكليلة ودمنة علاوة علي كتب معاصري تلك الفترة من المؤرخين مثل ابن إياس والمقريزي وغيرهم .
في فيلم “واإسلاماه” نجد أن شادي يفكر في العمارة الضخمة بما يفوق الخيال , ويهتم في نفس الوقت بالتفاصيل في العمارة مثل الجدران والعقود وزخارف الجدران كالجبس المنقوش أو تطعيمات الرخام , وينقش تفاصيل الدرج الموجود بسفل مزخرف مثل الجوامع وكل ذلك مع مراعاة مستويات الديكور والتي يوصل بينها عادة درج صغير , أو كبير , طبقاً لارتفاع المستوي . وكل هذه التفاصيل يعمل لها المساحات المريحة التي تظهرها , وهذا ما يعطي تصميمات ديكوراته نبلها المستحق .
في “ألمظ وعبده الحمولي” إخراج حلمي رفله عام 1962 نري شادي وهو يكسر دائماً الواقع المفترض وجوده , فعند القيام بتصميم مشاهد ألمظ في الحرملك , من البديهي لأي مصمم أن يجعل ألمظ ترتدي ملابس مختلفة ومتباينة عن ألوان الديكور والممثلات والكومبارس المحيطين بها , لكنه يفعل ما يخالف ذلك فيجعلها ترتدي فستاناً بنفس ألوان الديكور, ورغم ذلك فقد كانت مركز الانتباه .
وعند ملاحظة العمارة من الخارج في “رابعة العدوية” إخراج نيازي مصطفي عام 1963 نجد شادي وقد بني ساحة كاملة من خلال نقطة رئيسية حولها جامع وقد شيد مستوحي من عمارة سمرقند أي أن قبابه تتخذ شكل البصلة وبواجهات مدروسة بدقة . وفي الركن علي اليمين نجد عدة بيوت ومباني وفوق أحد البيوت نجد هناك قبة لها نفس شكل قبة الجامع ليعطي نوعاً من الإيقاع المدروس للمكان وإضفاء التناغم الهندسي عليه وقد استخدم لون موحد للمكان وهو اللون الأبيض ويقطع هذا المسطح الحفر الغائر الموجود في الجامع بينما هناك علي البيوت مشربيات خشب بلونها البني .
أما “أمير الدهاء” فيمثل نوعاً من تصميم المنظر السينمائي المبهر سواء في سجن المغول الذي حبس فيه حسن الهلالي سنوات كثيرة , أو في قاعة عرش قصر الوالي , أو في قصر الأمير عز الدين (الهلالي بعد هروبه من السجن) ونجد اهتماماً شديداً بأرضيات القصر وتفاصيل زخرفتها وتوزيع الأوان فيها في تناسق مع ملابس الممثلين وألوان الديكور . وقد تم ذلك بجعل الأرضية بلون واحد ثم في المنتصف زخرفة هندسية مثل كنار ملتف حول هذه الأرضية , ونجد أن الجدران قد تركت خالية إلا من أشكال خورنقات تعطي نوعا من الإيقاع للمنظر العام . ومن خلال كل هذه التصميمات والزخارف نجد أن هناك إبداعاً يتجاوز الدراما الخاصة بهذه النوعية من الأفلام ذات الطابع التاريخي , ولكنها لا تحمل فلسفة ما أو رؤية خاصة بالتاريخ . لذلك فإن قيمة هذه الأفلام تبقي غالباً في هذه التصميمات .

المصدر :

http://magdy.tv-soap.com/montada-f5/topic-t46.htm

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.