تعالوا نتعرف على ( حلقات الخط العربي ) ..وتطوره في الدول الإسلامية..

حلقات الخط العربي

أشار حفني بك ناصف أن رأي مؤرخي العرب أن حلقات سلسلة الخط العربي ثلاثة، الأول: الخط المصري وهو أصل من أصول الكتابات الشرقية، بل أقدمها وهو ثلاثة أنواع: الهيروغليفي وهو خاص بالكهان وخدمة الدين، الهيراطيقي وهو خاص بعمال الدواوين وكتاب الدولة، والديموطيقي وهو خاص بعموم الكتبة من الشعب، وهو أبسط أنواع الخطوط المصرية. الثاني: الخط الفينيقي نسبةً إلى فينيقيا، وقد كانوا أكثر الناس اشتغالًا بالتجارة مع المصريين، فتعلموا حروف كتابهم، ثم وضعوا لأنفسهم حروفًا خالية من التعقيد لاستعمالها في المراسلات التجارية، وقد أخذوا من المصريين خمسة عشر حرفًا، وأضافوا إليها بعض الحروف، فكونوا كتابه سهله، اشتهرت بواسطتهم في آسيا وأوروبا. الثالث: الخط المسند، وقد عرف منه أربعة أنواع هي الخط الصفوي نسبة إلى صفا، والخط الثمودي نسبة إلى ثمود سكان الحجر، والخط اللحياني نسبة إلى لحيان، والخط السبئي أو الحميري الذي وصل من اليمن إلى الحيرة ثم الأنبار ومنها إلى الحجاز.

أما رأي مؤرخي الإفرنج فيجعلون ثالث حلقة الخط الآرمي لا المسند، وقالوا أن الخط الفينيقي تولدت منه أربعة خطوط، اليوناني القديم ومنه تولدت خطوط أوروبا كلها والخط القبطي، العبري القديم ومنه الخط السامري نسبة إلى سامرة في نابلس، المسند الحميري ومنه تولد الخط الحبشي، الآرمي ومنه تولد الهندي بأنواعه والفارسي القديم والعبري والمربع التدمري والسرياني والنبطي. وقالوا أن الخط العربي قسمان الأول: كوفي وهو مأخوذ من نوع من السرياني يقال له السطرنجيلي، الثاني: النسخي وهو مأخوذ من النبطي.

يقول أحمد الإسكندري صاحب كتاب الوسيط في الأدب العربي: «ونحن نرى رأيهم (أي رأي العرب) لأسباب منها العثور على فروع من الخط المسند في أراضي النبط وشمالها، بعضها وهو الصفوي قريب الشبه جدًا من أصله الفينيقي، ومنها وجود الحروف الرودف (ثخذ ضظغ) في الخط المسند دون الآرمي، ومنها صريح الإجماع من رواة العرب على أن الخط العربي مأخوذ من الحيري والأنباري، وهو مأخوذ من المسند علي يد كندة والنبط. أما الكوفي الذي لم يعرف إلا بعد تمصير الكوفة فليس إلا نتيجة هندسية ونظام في الخط الحجازي، ولعل شبهة الافرنج آتية من شيوع استعمال السطر نجيلي والكوفي في الكتابة الجلية عل المعابد والمساجد والقصور وما شاكلها، مع شدة تشابه مافيها من الزخرفة والزينة».[11][12]

الخط المسند
الحروف
عربي
Himjar alif.PNG
ا
Himjar ba.PNG
ب
Himjar ta2.PNG
ت
Himjar th.PNG
ث
Himjar djim.PNG
ج
Himjar ha2.PNG
ح
Himjar kha.PNG
خ
Himjar dal.PNG
د
Himjar dhal.PNG
ذ
Himjar ra.PNG
ر
Himjar tha.PNG
ز
Himjar sin.PNG
س
Himjar za.PNG
يميل إلى س
Himjar shin.PNG
ش
Himjar sad.PNG
ص
Himjar za2.PNG
ض
Himjar ta1.PNG
ط
Himjar dad.PNG
ظ
Himjar ajin.PNG
ع
Himjar ghajn.PNG
غ
Himjar fa.PNG
ف
Himjar qaf.PNG
ق
Himjar kaf.PNG
ك
Himjar lam.PNG
ل
Himjar mim.PNG
م
Himjar nun.PNG
ن
Himjar ha.PNG
ه
Himjar wa.PNG
و
Himjar ja.PNG
ي

مراحل تطور الخط العربي

العصر الجاهلي

عرف العرب الخط منذ قديم العصور وقبل الأبجدية التي عُثر عليها في أوغاريت رأس شمرا بآلاف السنين. وقد عثر في شبه الجزيرة العربية وفي أماكن مختلفة على كتابات عربية مدونة بخط المسند، لذا اعتبره الباحثون والمؤرخون القلم العربي الأول والأصيل وهو خط أهل اليمن، ويسمونه خط حِميَر. وقد بقي قوم من أهل اليمن يكتبون بالمسند بعد الإسلام، ويقرؤون نصوصه، فلما جاء الإسلام كان أهل مكة يكتبون بقلم خاص بهم تختلف حروفه عن حروف المسند و دعوه القلم العربي أو الخط العربي حيناً و الكتاب العربي أو الكتابة العربية حيناً آخر تمييزًا له عن المسند.

كتب كتبة الوحي بقلم أهل مكة لنزول الوحي بينهم، وصار قلم مكة هو القلم الرسمي للمسلمين، وحكم على المسند بالموت عندئذ، فمات ونسيه العرب، إلى أن بعثه المستشرقون، فأعادوه إلى الوجود مرة أخرى، ليترجم الكتابات العادية التي دونت به. وجاء بعد الخط المسند الخط الآرمي نسبه إلى قبيلة إرم، وهو الخط الذي دخل الجزيرة العربية مع دخول المبشرين الأوائل بالنصرانية، حتى أصبح فيما بعد قلم الكنائس الشرقية. وهناك القلم الثمودي نسبة إلى قوم ثمود. والقلم اللحياني نسبة إلى قبيلة لحيان. والقلم الصفائي أو الصفوي الذي عرف بالكتابة الصفائية نسبة إلى أرض الصفاة وهي الأرض التي عثر بها على أول كتابة مكتوبة بهذا القلم.[13]

وصل الخط من اليمن إلى الحيرة والأنبار بواسطة كندة والنبط، لأن أهل الحيرة والأنباط كانوا يتقارضون التعليم فيأخذون عن بعض، ومن الحيرة والأنبار وصل الخط لأهل الحجاز، بواسطة عبد الله بن جدعان وبشر بن عبد الملك. وقد اختلف في أول من أدخل الكتابة الحجاز، فقيل حرب بن أمية القرشي (جد معاوية بن أبي سفيان)، وقيل سفيان بن أمية وقيل أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وقيل غير ذلك. أما دخول الكتابة مكة فقد أجمع المؤرخون على أن أول من أدخل الكتابة للحجاز حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان قد تعلمه في أسفاره من عدة أشخاص منهم بشر بن عبد الملك، يدل على ذلك ماروي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن أبيه أنه قال لابن عباس من أين أخذتم يا معشر قريش هذا الكتاب قبل أن يبعث محمد، تجمعون منه ما اجتمع، وتفرقون ما افترق، قال: أخذناه عن حرب بن أمية، قال: فممن أخذه حرب، قال: من عبد الله بن جدعان، قال: فممن أخذه ابن جدعان، قال: من أهل الأنبار، قال: فممن أخذه أهل الأنبار، قال: من أهل الحيرة، قال: فممن أخذه أهل الحيرة، قال: من طاريء طارأ عليهم من أهل اليمن من كنده، قال: فممن أخذه ذلك الطاريء، قال: من الخفلجان كاتب الوحي لهود عليه السلام.[14][15] وكان حرب بن أمية قد تعلم الخط عل يد بشر بن عبد الملك من كندة، وهو أخو أكيدر صاحب دومة الجندل، وكان بشر قد تعلم الخط في الأنبار، وكان له صحبة مع حرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق. سافر بشر معه إلى مكة فتزوج بالصهباء بن أمية، وأقام بها، فتعلم جماعة من قريش منه الخط.[16]

وصل الخط الكوفي إلى الحجاز على شكلين: التقوير والمبسوط. الخط المقور يسمى باللين أو النسخي، وهو ما كانت عراقاته منخفسه إلى الأسفل كقاف الثلث، وهو الذي كثر تداول وعم استعماله في الرقاع والمراسلات والكتابات المعتادة. الخط المبسوط هو ما يسمى باليابس، وهو ما كانت عراقاته منبسطة كالنون الطويلة، ولا يستعمل عادة إلا في النقش على المحاريب وأبواب المساجد والمعابد وجدران المباني الكبيرة، وفي كتابة المصاحف الكبيرة، وما يقصد به هو الزخرفة والزينة. هذا التقسيم إنما كان بناءً على كتابة بعض الحروف على شكل مخصوص، كالقاف والنون الطويلة.[17]

العصر النبوي

صُورَة لورَقَة من مصحف مكتوب بالخط الحجازي الذي يُعد أول خَط يُشْتَق مِن الخُطُوط النَّبَطِية، للآيَات (53-54) من سورة سبأ والآيًات (1-4) من سورة فاطر).

جاء الإسلام في أمة تسود فيها الأميَّة، وتنتشر فيها عقدة الأنا خلال فترة وصفها المؤرخون بالجاهلية فهي آخر ما امتلكه العرب من روح الحياة الحضارية والمدنية قبل الإسلام، فكان الإسلام نقطة البدء، منذ أن نزلت أول آية وأول سورة من القرآن الكريم وهي سورة العلق وقول الله: إقرأ، راح النبي محمد يدعو للأخذ بالعلم، ويحث الصحابة على التعلُّم.

كان ممن تعلم الكتابة من بشر بن عبد الملك وحرب بن أمية مجموعة من الفتيان منهم: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وعلي بن أبي طالب وأبو عبيدة عامر بن الجراح، ومعاوية بن أبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان. اهتم المسلمون بتعليم الكتابة ونشرها، ولما كانت غزوة بدر الكبرى، أسر المسلمون مجموعة من قريش وكان عددهم أكثر من سبعين رجلًا، فأرادوا افداء أنفسهم بالمال، فقبل الرسول محمد الفدية من الأُميين، وجُعلت فدية الكاتب تعليم عشرة من صبيان المدينة.[18] قال عكرمة بن أبي جهل بلغ فداء أهل بدر أربعة آلاف، حتى إن الرجل ليفادي على أن يعلم الخط لما هو مستقر من خطره، وظهور نفعه وأثره.[19] اتخذ الرسول محمد لنفسه كتابًا من أجلاء الصحابة لكتابة الوحي وكتابة الرسائل التي يبعثها للملوك، ومنهم الخلفاء الأربعة وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان، وكانا مُلازمين للكتابة بين يديه في الوحي وغيره، إلا أن زيد لكثرت كتابته للوحي سُمي كاتب النبي.[20] كان كتاب النبي محمد يكتبون القرآن بالخط المقور النسخي[17] [21]

العصر الراشدي

استمرت حالة تطور الخط العربي في بداية عهد الخلفاء الراشدون على ما كانت عليه في العهد النبوي، وقد كتب زيد بن ثابت صحف القران بالخط المقور في عهد أبو بكر الصديق، وذلك في الجمع الأول للقران الكريم. وكان الصحابة يكتبون القرآن بخط الجزم جنبًا إلى جنب مع الخط المقور.[17] ولما قام عثمان بن عفان بجمع القران الجمع الثاني، بعد أن انتشر اللحن والإختلاف في قراءة القران، حيث قال: «أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إمامًا».[22] اختار لمهمة نسخ المصاحف أربعة هم: زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأمَّر زيدًا فيهم بكتابة المصحف على حرفٍ واحد. كان أبرز ما ميز مصحف عثمان هو الرسم العثماني، الذي استمر ميزة لكتابة المصاحف حتى الوقت الحاضر.

لما أُرسلت المصاحف إلى إلى مكة والشام واليمن والبصرة والكوفة وغيرها، تسارع الناس إلى نسخها، وتنافسوا في كتابتها، وتفننوا في أوضاعها، وأبدعوا في اجادة تنميقها، حتى اتخذ النساخ في كل جهة وبلدة طريقة خاصة بهم تميزت باسم خاص. من ذلك الخط المدني ويسمى المحقق والوراقي، والخط المكي والبصري والكوفي والأصفهاني والعراقي (وهو ثلاثة أنواع: المدور والمثلث والتَّم، ومعنى التم في الأصل المولود مع آخر في بطنٍ واحد، ويمكن أن يشبه خط التم بخط التعليق وهو ما كان بين خطي الثلث والنسخ)، والخط المشق والتجاويد والمصنوع والمائل والراصف والسلواطي والسحلي، والقيراموز وهو الذي تولد منه الخط الفارسي.[23]

الرسم العثماني

نَمُوذَج مِن الرَّسْم العُثْمَانِي لسُورَة الفَاتِحَة.

تطلق كلمة الرسم القرآني على الكتابة القرآنية التي كُتب بها مصحف عثمان، وجاء هذا الرسم مخالفًا في بعض الكلمات لما اقتضته قواعد الإملاء وليس متطابقا مع اللفظ المنطوق،[24] ويُعرف الرسم العثماني في الاصطلاح بأنه: الوضع الذي ارتضاه الصحابة في عهد عثمان بن عفان في كتابة كلمات القرآن الكريم وحروفه، وعُبر عن كذلك بـ: علمٌ تُعرف به مخالفة خط المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي، ويعود هذا الاصطلاح إلى المصاحف التي نسخها الخليفة عثمان بن عفان، وهي المصاحف التي أرسلها إلى الأقطار الإسلامية، وكانت مجردة من النقاط والشكل، محتملة لما تواترت قرآنيته واستقر في العرضة الأخيرة ولم تنسخ تلاوته. يعود سبب تسمية هذا الرسم بالرسم العثماني إلى أولًا: أن عثمان هو الذي أمر بنقل هذا الرسم ونسخه في المصاحف التي استنسخها ووزعها على الناس في الأمصار وأمرهم بإحراق ما عداها، فهذا التعميم الصادر منه هو الذي ألصق هذه النسبة إليه، يقول الإمام البغوي في ذلك: «المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العَرَضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك قطعاً لمادة الخلاف». ثانياً: أن الرسم الذي تمّ به مصحف عثمان له طريقةٌ خاصّة في التوزيع، بحيث يحتمل في رسمه كل القراءات القرآنية المتواترة. ثالثاً: أن عثمان بن عفان جمع الناس كلّهم على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، وهو الحرف الذي نزل عليه عامة القرآن الكريم ودُوِّن به، فألزمهم بهذا الرسم الذي كتب به عامة القرآن، وترك لهم رخصة القراءة بغيره بما يوافق الرسم، فيكون عثمان قد أبقى لهم القراءة ببقية الأحرف السبعة بما يتوافق مع الرسم،[25] ويوضح ذلك مكي بن أبي طالب بقوله : «فالمصحف كتب على حرف واحد وخطه محتمل لأكثر من حرف، إذ لم يكن منقوطًا ولا مضبوطًا، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية»،[26] ويقول ابن تيمية: «وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك لهم، إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع لا إلى الرأي والابتداع».[27]

أما فيما يخص قواعد الرسم العثماني فإن الأصل في المكتوب أن يكون موافقًا للمنطوق، من غير زيادة ولا نقص، ولا تغيير ولا تبديل، مع مراعاة الابتداء به والوقف عليه، والفصل والوصل، وقد مهد له العلماء أصولا وقواعد، وقد خالفها في بعض الحروف خط المصحف الإمام ولذلك قيل: خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط العروض،[24] وينحصر أمر الرسم في ستة قواعد:[28][29][30][31][32]

  • الوجه الأول الحذف: حذف الألف في قوله تعالى: (العلمين) حيث حُذفت الألف بعد العين، وقد كُتبت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، والأصل في كتابتها حسب الرسم الإملائي (العالمين). حذف الواو في قوله تعالى: (الغاون) وقد وردت في موضعين من القرآن، والأصل فيها (الغاوون). حذف الياء في قوله تعالى: (النبين) وقد وردت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، وعدد مواضعها ثلاثة عشر موضعًا، والأصل في كتابتها (النبيين). حذف اللام في قوله تعالى: (اليل) وقد كُتبت كذلك في جميع مواضعها، وعددها ثلاثة وسبعون موضعًا، والأصل فيها (الليل). حذف النون في قوله تعالى: (نجي) من سورة الأنبياء، وهو الموضع الوحيد في القرآن الذي حذفت فيه النون من ثلاثة مواضع وردت فيه الكلمة، والأصل في رسمها (ننجي).
  • الوجه الثاني الزيادة: وتكون في الألف والواو والياء. الزيادة في الألف في قوله تعالى: (وجائ) وردت في موضعين، والأصل فيها (وجيء). الزيادة في الواو في قوله تعالى: (سأوريكم) وردت في موضعين، والأصل فيها (سأريكم). الزيادة في الياء في قوله تعالى: (بأييد) وهو الموضع الوحيد في القرآن، والأصل فيها (بأيد).
  • الوجه الثالث الهمزة: حيث وردت الهمزة في الرسم العثماني تارة برسم الألف، وتارة برسم الواو، وتارة برسم الياء. ورودها ألفًا في قوله تعالى: (لتنوأ) وهو الموضع الوحيد، والأصل فيها (لتنوء). ورودها واواً في قوله تعالى: (يبدؤا) وهي كذلك في مواضعها الستة من القرآن، والأصل فيها (يبدأ). مجيئها ياءً في قوله تعالى: (وإيتائ) وهو الموضع الوحيد من ثلاثة مواضع، والأصل فيها (وإيتاء).
  • الوجه الرابع البدل: ويقع برسم الألف واواً أو ياءً. مجيئها واواً في قوله تعالى: (الصلوة) وهي كذلك في جميع مواضعها الأربعة والستين، والأصل (الصلاة) ومثلها (الزكاة). مجيئ رسمها ياءً في قوله تعالى: (يأسفى) والأصل فيها (يا أسفا). ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (والضحى) ولم ترد إلا في هذا الموضع، والأصل فيها (والضحا).
  • الوجه الخامس الفصل والوصل: فقد رُسمت بعض الكلمات في المصحف العثماني متصلة مع أن حقها الفصل، ورُسمت كلمات أخرى منفصلة مع أن حقها الوصل. ما اتصل وحقه الفصل ما يلي: (عن) مع (ما) حيث رسمتا في مواضع من القرآن الكريم متصلتين، من ذلك قوله تعالى: (عما تعملون) وقد وردت كذلك في جميع المواضع. (بئس) مع (ما) رسمتا متصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: (بئسما اشتروا) وهي كذلك في مواضعها الثلاثة. (كي) مع (لا) رُستما متصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) وهي كذلك في مواضعها الأربعة.
  • الوجه السادس تعدد القراءة: بمقتضى هذه القاعدة تكتب بعض الكلمات التي تقرأ بقراءتين برسم إحدى القراءتين، كما في قوله تعالى: (ملك يوم الدّين) تكتب بغير ألف، وتقرأ بالألف وبحذف الألف، وكذلك الأمر في كثير من الألفاظ التي تكتب وفقا لإحدى القراءتين، وتقرأ بالقراءتين معا، وهذا كله خارج نطاق القراءات الشاذة، وأحيانا تراعى في الرسم بعض القراءات الشاذة.

العصر الأموي

يَظْهَر مع الزَّخْرَفَة الدَّاخِلية لقِبَّة الصَّخرة أحد أقدم ما كتب من الخط العربي، والذي أطلق عليه اسم الخط الجليل.

أحرز الخط في العصر الأموي تقدمًا ملموسًا على ما كان عليه في العصرين السالفين، عصر الرسول وعصر الخلفاء الراشدين، واستطاع أن يُبرز ولأول مرة الخطَّاط ومهنته إلى الوجود، رغم أن الحروف كانت خالية من النقط في بداية هذا العصر، وقد لمع نجم عدد من الخطاطين يأتي في مقدمتهم الخطاط الشهير قطبة المحرر، الذي ابتكر خطًا جديدًا يعتبر مزيجًا من الخطين الحجازي والكوفي، وسمي هذا الخط بالخط الجليل حيث استعمله قطبة ومن عاصروه أو جاؤوا بعده في الكتابة على أبواب المساجد ومحاريبها. لم يكن خط الجليل هو كل ابتكار قطبة، ولكنه ابتكر عدة خطوط أخرى، أجاد فيها وأحسن منها خط الطومار وهو أصغر من سابقه، وكذلك اخترع قطبة خط الثلث وخط الثلثين وذلك حوالي عام 136 هـ، وكان له فضل السبق في ذلك.

خط الطومار يعني خط الصحيفة وجمعه طوامير، وقد سمَّاه الأتراك خط جلي الثلث. وراح الخطاطون في العصر الأموي ولأول مرة يخطُّون خطوطًا جميلة تزين القصور والمساجد والخانات، ويكتبون بهذه الخطوط في سجلاَّت الدولة الفتية ودواوينها الحديثة، فنالوا حظوة لدى الأمراء والخلفاء، وجعلوهم في صدارة مجالسهم، واستعملوهم في دواوينهم. وأصبح يُرى هذه الخطوط الحديثة الجميلة في هذا العصر تزين القباب والمآذن والمساجد والقصور التي حُلِّيت بالفسيفساء والخشب المحفور والمطعم بالفضة والمعادن والزجاج، ليس في العاصمة دمشق فحسب، بل في أبعد المدن القاصية عنها والثغور، وهذا ما يرى واضحًا بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا في المسجد الأموي في دمشق، وقصر الحير الشرقي، وآثار رصافة هشام، ومحراب المسجد الأقصى وقُبَّته وغيرها.

كان الخطاطون في العصر الأموي يكتبون في سجلاّت الدولة بخط الثلثين، الذي أطلقوا عليه لكثرة ما كتبوا به السجلاّت اسم خط السجلاّت، أما خلفاء بني أمية فكانوا يكتبون بخط الطومار وبالخط الشامي. وقد نشط عدد من الخطاطين في هذا العصر، لعبوا دورًا هامًا في النهوض بالخط كحركة فنية فتية يأتي في مقدمتهم: خالد بن أبي الهياج وقد كتب عددًا من المصاحف، ومالك بن دينار الذي غلب عليه الزهد والورع فذكروه في عداد الفقهاء والمحدثين، والرشيد البصري، ومهدي الكوفي. ثم اشتهر خطاطون آخرون لا يقلُّون عن سابقيهم شهرة وعددًا انتشروا في الأمصار البعيدة عن مركز الخلافة منهم: شراشير المصري، وأبو محمد الأصفهاني، وابن أبي فاطمة، وابن الحضرمي، وابن حسن المليح. كان لخلفاء بني أمية الدور الأكبر في نهضة الخط العربي، ودفعه إلى الأمام لمجاراة النهضة الشاملة للدولة الإسلامية التي أرسوا أسسها.[33][34]

النِّقاط والتَّشكيل

مثال على تطور نظام الكتابة العربية منذ القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر، (1) البسملة كتبت بخط كوفي غير منقط ولا مشكّل. (2) نظام أبي الأسود الدؤلي المبكر ويَعتمد على تمثيل الحركات بنقاط حمراء تكتب فوق الحرف (الفتحة) أو تحته (الكسرة) أو بين يديه (الضمّة)، وتُستعمل النقطتان للتنوين. (3) تطور النظام بتنقيط الحروف. (4) نظام الخليل بن أحمد الفراهيدي المستعمل إلى اليوم، وهو وضع رموز مختلفة للحركات فيما تبقى النقاط لتمييز الحروف.

منذ أن كُتبت مصاحف عثمان، ظلت خالية من النقط والتشكيل، واستمر ذلك أكثر من أربعين سنة، وخلال هذه الفترة توسعت الفتوح، ودخلت أممٌ كثيرة لا تتكلم العربية في الإسلام، فتفشت العجمة بين الناس، وكثر اللحن، حتى بين العرب أنفسهم بسبب كثرة اختلاطهم ومصاهرتهم للعجم، ولما كان المصحف الشريف غير منقوط خشي ولاة أمر المسلمين عليه أن يتطرق له اللحن والتحريف.

استمر الوضع على ماكان عليه حتى تولى علي بن أبي طالب الخلافة، فشكا أبو الأسود الدؤلي إلى علي هذه الظاهرة فعلمه مبادئ النحو، وقال له: «الاسم ما دل على المسمى والفعل ما دل على حركة المسمى، والحرف ما ليس هذا ولا ذاك، ثم انح على هذا النحو».[35][36]

وقيل بأن أول من التفت إلى نقط المصحف هو زياد بن أبيه، وفيه أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى زياد عندما كان واليًا على البصرة أن يبعث إليه ابنه عبيد الله، ولما دخل عليه وجده يلحن في كلامه، فكتب إلى زياد يلومه على وقوع ابنه في اللحن، فبعث زياد إلى أبي الأسود الدؤلي يقول له: «إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت مِن ألسنة العرب، فلو وضعت شيئًا يُصلح به الناسُ كلامَهم، ويعربون به كتاب الله»، فاعتذر أبو الأسود فلجأ زياد إلى حيلة، بأن وضع في طريقه رجلًا وقال له: إذا مرّ بك أبو الأسود فاقرأ شيئًا من القرآن، وتعمد اللحن فيه، فلما مرّ به قرأ الرجل آية من القران ولحن فيها، فشق ذلك على أبي الأسود، وقال: «عزّ وجه الله أن يتبرأ من رسوله». وقال لزياد: «قد أجبتك إلى ما طلبت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن».[37]

وضع بعد ذلك أبو الأسود الدؤلي نقطه كضبط للقرآن، وكان أبو الأسود أول من وضع النقط للضبط، حيث وضع النقطة أمام الحرف علامة على الضمة، والنقطة فوقه علامة على الفتحة، وإذا كانت تحته فهي للكسرة، واستمرت الكتابة على هذا النحو إلى أن جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فوضع ضبطًا أدق من ضبط أبي الأسود الدؤلي فجعل بدل النقط: ألفًا مبطوحة فوق الحرف علامة على الفتح، وتحته علامة على الكسر، وجعل رأس واو صغيرة علامة على الضمة، ثم جعل النقاط على الحروف لإعجامها وتمييزها فيما بينها.[38][39]

ترتيب الحروف العربية

ضُبطت الحروف العربية بثمانية وعشرين حرفًا. خضعت هذه الحروف لترتيبات مختلفة تفاوتت في الوجاهة والمعايير المستعملة:

  • الترتيب الأبجدي: تم تصنيف هذه الحروف بناءً على معيار الأصول التاريخية، و بناء عليه تم تفريعها إلى حروف سامية: أي من أصل سامي، وعددها اثنان عشرون حرفًا وهي: (أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت). حروف عربية: وعددها ستة أحرف قام باضافتها العرب إلى الأصل السامي وتنفردوا بها، و تسمى هذه الحروف الروادف وهي: (ث، خ، ذ، ض، ظ، غ). تم تسمية هذا الترتيب الترتيب الأبجدي، بالنسبة إلى الكلمة الأولى من الكلمات التي جمعت فيها هذه الحروف حسب ترتيبها التاريخي (ساميَّة فعربية) تسهيلا لحفظها وجريانها على الألسنة، وهذه الكلمات هي: أبْجَدْ، هَوَّزْ، حطِّي، كَلَمُنْ، سَعْفَصْ، قَرَشَتْ، ثَخَذْ، ضَظَغْ. أما الحروف كاملة فترتيبها التالي: (أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت، ث، خ، ذ، ض، ظ، غ).
  • الترتيب الهجائي: تم ترتيب الحروف الهجائية العربية ترتيبًا شكليًا يعتمد على الأشباه و النظائر، أي تشابه أشكال الحروف من حيث الرسم، ويعود هذا الترتيب إلى اللغوي نصر بن عاصم الليثي الكناني (ت: 90 هـ / 708م) وذلك في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وقد تم الاشارة الى هذا الترتيب اصطلاحًا بالترتيب الهجائي حتى يستطاع تمييزه عن الترتيب الأبجدي. ترتيب نظام الحروف فيه: (أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي). يُعد هذا الترتيب أكثر تداولًا في الاستعمال، فقد تم بمقتضاه ترتيب المادة اللغوية في العديد من المعاجم القديمة، وفي كل المعاجم الحديثة. كما يتم اعتماد هذا الترتيب اعتمادًا كليًا في إنجاز الفهارس الملحقة بالمصنفات والأبحاث ، فعلى أساسه يتم ترتيب المصادر و المراجع اعتمادا على اسم المؤلف أو عنوان الكتاب، والمؤلفون والأعلام والآيات وكل مادة يحتاج فيها إلى فهرسة. يتم استعمال هذا الترتيب مدخلًا للجذاذات في المكتبات سواء أكان المدخل اسم المؤلف أو عنوان المصنف أو موضوعه أو مجاله.[40][41]

العصر العباسي

ما كاد الخطاطون يتربعون على عرش الخط في دمشق حتى أخذ العباسيون عرش الخلافة، فاتجهت أنظار الخطاطين والفنانين إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، وكان من الطبيعي أن يرحل إليها الخطاطون كما رحل إليها الأدباء والعلماء، ليكونوا أقرب إلى الخليفة والدولة وينالوا أجر إبداعهم من الخلفاء والأمراء والموسرين وغيرهم.

وإذا كان العصر الأموي عصر تأسيس وبناء، فإن العصر العباسي عصر ازدهار ورخاء وبذخ، وفي مثل هذا العصر لابد أن يزدهر كل فن، وينبغ كل من يمتلك أدنى ملكة فنيّة أو علمية. في العصر العباسي ذاعت شهرة الخطاط الضحاك بن عجلان في خلافة أبي العباس السفاح، والخطاط إسحاق بن حماد في خلافتي أبو جعفر المنصور وأبو عبد الله محمد المهدي، حتى بلغ الخط في عهدهما أحد عشر نوعًا. وتعددت أقلام الخطاطين وخطوطهم في عهد هذين الخطاطين حتى كانت مضرب المثل في إظهار ملكتهم في الحرف العربي. فلما جاء عصرا هارون الرشيد والمأمون نضجت العلوم والفنون والمعارف، وراح الخطاطون يجوّدون خطوطهم، وينافسون في ذلك، حتى زادت الخطوط على عشرين خطًا، منها المستحدث ومنها المطوَّر، فقد طوَّر الخطاط إبراهيم الشجري خط الثلث وخط الثلثين أكثر مما ابتدعه الخطاط قطبة المحرر، وقبيل نهاية القرن الثالث الهجري اخترع الخطاط يوسف الشجري أخو إبراهيم الشجري خطًا جديدًا سماه الخط المدور الكبير، حيث أعجب الفضل بن سهل وزير المأمون، فراح يعمِّمُه على جميع الكتب السلطانية الصادرة عن دار الخلافة، فأطلقوا عليه لقب الخط الرياسي، بينما انتشر عند سائر طبقات المجتمع باسم خط التوقيع، وقد استطاع الخطاط الأحول المحرر البرمكي أن يأخذ عن إبراهيم الشجري، وأن ينجح في اختراع خط جديد اسمه خط النصف الذي تفرعت منه خطوط جديدة فيما بعد.

نَمُوذج لخط المُدَور الكَبير أو الخَطِّ التَوقِيع أو خط الإجازة الذي اخْتَرَعَه الخَطَّاط يُوسف الشَّجَري في العَصْر العَبَاسِي.

جاء أبو علي محمد بن مقلة الوزير (272328 هـ) فضبط الخط العربي، ووضع له المقاييس، ونبغ في خط الثلث حتى بلغ ذروته، وضرب به المثل، كما أحكم خط المحقق، وحرر خط الذهب وأتقنه، وأبدع في خط الرقاع وخط الريحان، وميَّز خط المتن، وأنشأ الخط النسخي الحاضر وأدخله في دواوين الخلافة، وقد ترك ابن مقلة في الخط والقلم رسالته الهندسية. وقد زاد ابن مقلة في الأوساط الفنية كخطاط أنه كان وزيرًا لثلاثة خلفاء، ولفترات مختلفة، فقد كان وزيرًا لجعفر المقتدر بالله، والقاهر بالله والراضي بالله. وحينما غضب عليه الخليفة الراضي بالله قطع يده اليمنى، لكنه لم يترك الخط، بل كان يربط على يده المقطوعة القلم حينما يشرع في الكتابة، ثم أخذ يكتب بيده اليسرى فأجاد كما كتب بيمناه. استمرت رياسة الخط لابن مقلة حتى القرن الخامس الهجري، فاشتهر علي بن هلال المعروف بابن البوّاب المتوفى سنة 413 هـ، فهذّب طريقة ابن مقلة في الخط، وأنشأ مدرسة للخط، واخترع الخط المعروف بالخط الريحاني.

أما المصاحف التي خُطَّت في العصر العباسي فإن معظمها ترجع إلى القرن التاسع الميلادي، وهي مكتوبة على الرِّق بلونه الطبيعي، أو الملوّن الأزرق والبنفسجي أو الأحمر، وبمداد أسود أو ذهبي، وتظهر الحروف الكوفية فيها غليظة ومستديرة وذات مدَّات قصيرة، وجرَّات طويلة. وبلغت الخطوط في أواخر العصر العباسي أكثر من ثمانين خطًا، وهذه الكثرة شاهد على تقدم الفن والزخرفة إلى جانب الخط. وظهر في العصر العباسي خط اسمه الخط المقرمط وهو خط ناعم، حتى راح الخطاطون يتفنَّنون في رسم المصاحف رغم صغر الحجم، فهم يزوِّقونها، ويعتنون في جميع صفحاتها التي قد تصل إلى أدنى من (6×8 سم) وقد استطاع الخطاط أن يبري قلمه إلى جزء من المليمتر. ولم يكن الخط العربي وقفًا على الرجال في العصر العباسي، بل كانت المرأة تبرز في هذا المضمار الفني، ففي القرن التاسع الميلادي كانت هناك امرأة برزت في النسخ وجودة الخط، فأعجب بها أحمد بن صالح وزير الخليفة المعتضد بالله، وكتب عن براعتها ما يلي: «كان خطها كجمال شكلها، وحبرها كمؤخر شعرها، وورقها كبشرة وجهها، وقلمه كأنملة من أناملها، وطرازها كفتنة عينيها، وسكِّينها كوميض لمحتها، ومقطَّتها كقلب عاشقها». أما هندسه الحروف العربية و تجويدها فقد ازدهرت في الفتره الأولي من العصر العباسي، وكانت تنسب إلي رجلين من اهل الشام هما: الضحاك بن عجلان وإسحاق بن حماد. في العهد العباسي تعددت الأقلام العربيه حتي بلغت 12 قلما هي: قلم الجليل، وقلم السجلات، وقلم الديباج، وقلم الطومار الكبير، وقلم الثلثين، وقلم الزنبور، وقلم المفتح، وقلم الحرم، وقلم المؤامرات، وقلم العهود، وقلم القصص، وقلم الخرخاج.[42][43][44][45][46]

الخط العربي في الأندلس

نَمُوذَج للخط الأندلسي من مصحف كتب بقرطبة في القرن الرابع عشر الميلادي.

في الأندلس وقع استعمال الخط الشامي إلى جانب الخط القيرواني في مصاحفهم ورقاعهم ومراسلاتهم، وقد قام الأندلسيون بتطوير الخط القيرواني، وأدخلوا عليه ليونة جديدة جيدة، ميزته عن المألوف وولدوا خطًا أسموه بالخط الأندلسي أو القرطبي، بالرغم من أن المسلمين الأولين كانوا يكتبون بالخط المشرقي. كان ظهور الخط الأندلسي في العهد الأموي مظهرًا من مظاهر استقلالهم عن المشرق، يقول ابن خلدون: «وتميز ملك الأندلس بالأمويين، فتميزوا بأحوالهم في الحضارة والصنائع، وتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد». إن العصر الذي تم فيه الاندماج بين الأندلسيين والمغاربة كان عصراً غلب عليه الخط الأندلسي وانتشاره في بلدان المغرب. لم ينته الخط الأندلسي بنهاية الأندلس الإسلامية، وإنما ظل مرجعًا معتمدًا بعد ذلك في المغرب الأقصى، الذي احتضن تراث الأندلس، ومنه الخط وما يتعلق به. وأخذ الخط الأندلسي يطغى على القيرواني في ظل الحكم المرابطي، وظهر في هذا العصر خطاطون على الطريقة الأندلسية بين مغاربة وأندلسيين استوطنوا المغرب، وقد أدت مزاحمة الخط الأندلسي للقيرواني إلى حدوث منافسة بين الخطين.

تخضع الكتابة الأندلسية لنسبة هندسية هامة وترتيب يشهد بكثرة الصبر والتجويد، يظهر الخط الأندلسي مقوس الأشكال، والسطر العمودي هو دعامته، أدق من السطر الأفقي. تتجمع الحروف القصيرة والمستديرة على شكل الخط الإفرنجي القديم على رأي هوداس. وقد بلغت كتابة المصاحف عند أهل الأندلس من الكمال وحسن الخط ما لم تدركه من قبل ولا من بعد. والنتيجة الطبيعية لجودة الخط أن ألقى الخط بظلاله على المخطوطات. تحول الخط الأندلسي إلى المغرب، وفي مدينة فاس استقر وتفرغ، وامتاز الخط الفاسي باستدارات في حروف النون والباء الأخيرة والواو واللامات والصاد والجيم وما شابه ذلك، وبقي الخط الفاسي كما هو تقريبًا. وقد فقد قليلاً من أشكاله المتحررة وكسب مظهراً أكثر بساطة لما اقتبس من الأندلس رتابة في تناسق الحروف. جودت مدرسة المغرب والأندلس الخط الكوفي في القرون الخمسة الأولى للهجرة. وعندما لينته لأغراض التدوين، حافظت على عدة حروف منه على حالتها في الكوفي، وكانت أنواع الخطوط قليلة وفروعها ضئيلة، وليس لها قواعد تضبطها.[47][48][49]

العصر الفاطمي

نَمُوذَج لأحَد أَقْلام الحِبْرِ السَّائِلَة التي أُخترعَت في عَهْد المعز لدين الله الفاطمي

اعتنى الفاطميون في مصر بالخط العربي عناية كبيرة، وقاموا بكتابته على المآذن والقباب والأروقة وقصور الخلفاء وأضرحة العلماء، وزيَّنوا به واجهات الحمامات والمكتبات العامة ومضامير الخيل وواجهات السجون والأماكن العامة، وظهر في مصر الخط الفاطمي، والخط الكوفي الفاطمي، وامتاز كل منهما بهوية خاصة، واختلفا عن غيرهما من الخطوط الأخرى.

ازدهرت مصر خلال العصر الفاطمي ثقافيًا، وانتعش الكتاب صناعة وزخرفة وتجليدًا وتذهيبًا وتسويقًا،. بل إن المبدعين استطاعوا خلال العصر الفاطمي أن يخترعوا قلم الحبر السائل الذي امتاز بخزَّان صغير للحبر وله ريشة، وهو لا يختلف عن أقلام الحبر السائل الحديثة، وقدَّم مخترعه هذا القلم للخليفة الفاطمي هدية، لكنه لم يعممه ولم يصنع منه أقلامًا أخرى ويبيعها لسائر الناس، لأن المجتمع المصري كان يحفل بأنواع مختلفة من أقلام الخط الدقيقة الصنع، التي تبلغ ريشتها جزء من عشرة من السنتيمتر الواحد، والتي خطُّوا بها مصاحف صغيرة جدًا توضع في الجيب، أو ربما تعلق بالحلق.

استمرت فترة الخلافة الفاطمية أكثر من مائتي سنة (359 هـ566 هـ) وكان عصر المعز لدين الله الفاطمي عصرًا ذهبيًا لهذه الفترة، وهو الذي كتب بقلم الحبر السائل. لا تزال قصور الخلفاء والأمراء الفاطميين تحكي قصة الفن الذي توصل له الخطاط والنقاش والنُحَّات في ذلك العصر، بل إن المآذن التي أقيمت خلال تلك الفترة تعتبر اليوم من روائع البناء الإسلامي. كان منطلق الخط في مصر ديوان الإنشاء، وكان لا يرأس هذا الديوان إلاّ أجل كتاب البلاغة، ويلقب بـ كاتب الدست الشريف. وكان المحمل الذي يتقدم قوافل الحجيج المصريين، والفاطميون من أوائل من ابتدع المحمل الشريف، حيث كان يزدان بالخطوط الذهبية الرائعة، والزخارف الإسلامية الجميلة، بحيث أن من يقود ذلك الجمل يزداد شرفًا، ويحمل لقبًا، ويورث ذلك لأحفاده من بعده.[50][51]

العصر الأيوبي والمملوكي

عندما استولى الأيوبيون على القاهرة عاصمة الخلافة الفاطمية، شاع في العصر الأيوبي خط الثلث، والذي يسميه البعض بالخط الأيوبي، حيث زينت به أبواب المساجد الكبرى، ودور القران والمدارس الأيوبية. كذلك بدأت الخطوط المستديرة تحل مكان الخطوط الكوفية على واجهات القصور والأبنية.

في العصر المملوكي عاد الخط الكوفي إلى الظهور مجددًا بعد أن اتخذه المماليك عنصر زخرفي، ولكن الخط الكوفي انتشر بشكل واسع، حيث زينت به أبواب المساجد والخوانق والمدارس المملوكية. وقد جدد في العصر المملوكي الخطوط المشتقة من خط الطومار الكبير، وهما: خط الثلث وخط الثلثين (خط السجلات)، الذي دونت به سجلات الحكومة في العصر المملوكي.[52][53]

العصر العثماني

مُتْحَف آيَا صُوفْيَا في إسطنبول، ويَظْهَر فيها لَفْظَ الجَلالَة بِجَانِب اسْم مُحَمَّد مَعَ اسْمَي أَبُو بَكر وعُمَر، وكُلُّهَا مَكْتُوبَة بِخَط الثَّلُث.

ورث العثمانيون الخط عن مدرسة تبريز التي ازدهرت ليس في الخط فحسب، وإنما في صناعة الكتاب أيضًا، بل ونشطت فيما يتعلق بالكتاب من صناعة الورق والخط والزخرفة والتجليد والرسوم والتذهيب وغير ذلك. كان للأساتذته الإيرانيين الفضل في هذا التفوق الذي أحرزه العثمانيون، فصاروا لهم بعد ذلك أندادًا، وصاروا يمثلون مدرسة مستقلة ذات شهرة متميزة في خط الثلث، ولكبار الخطاطين الأتراك مصاحف كثيرة محفوظة إلى الآن في المتاحف التركية، وخاصة في متحف الأوقاف في اسطنبول، حيث أضافوا إلى هذا الخط زخرفة وتجليد. وراح الخطاطون يبدعون في خط المصاحف الصغيرة التي توضع في الجيب، وحيث أن الدولة العثمانية دولة خلافة إسلامية سُنِّيَّة فإنها شجعت على انتشار الخط العربي بأنواعه، بحيث انتحل الترك أنفسهم الخط العربي، ولا تجد في تركيا إنسانًا على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن بسهولة. ونال الخطاطون احترام الخلفاء، فنالوا منهم الحظوة، وأغدقوا عليهم العطايا، وجعلوهم من المقربين منهم، وأسندوا لهم العمل في الدواوين التابعة للدولة، وبرواتب عالية.

امتلأت مساجد الخلافة العثمانية بالخطوط الرائعة، والزخارف الجميلة لكبار الخطاطين الأتراك، وغير الأتراك الذين استقطبتهم دار الخلافة العثمانية للعمل في عاصمة الدولة برواتب عالية. في الفترة المتأخرة لهذه الخلافة برز خطاطون طبَّقت شهرتهم العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وخلدوا لنا لوحاتهم الرائعة، أولهم: الخطاط حمد الله الأماسي الذي يعتبر إمام الخطاطين العثمانيين، الثاني: الخطاط الحافظ عثمان الملقب جلال الدين الذي كتب خمسة وعشرين مصحفًا بيده. وقد طبع مصحفه في سائر البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في دمشق فقد تبنّته مطبعتان عريقتان هما مطبعة الملاح والمطبعة الهاشمية، ولأكثر من نصف قرن طبعتا عشرات الطبعات بعضها مهمَّش بتفسير الجلالين، أو أفردوا أجزاءه في طبعات مستقله، الثالث: الخطاط يوسف رسا الذي خط لوحات في المساجد التركية، ومساجد بلاد الشام وغيرها لا تزال باقية لوحاتها المعدنية أو المرقومة على الجدران الجصية أو المنحوتة على الرخام.

يُعتبر العصر العثماني عصر نضوج الخط العربي في العصور المتأخرة، ويكاد يطلق عليه العصر الذهبي للخط العربي وذلك لأسباب كثيرة منها: أن الدولة العثمانية دولة واسعة المساحة جمعت الجنسيات والألسن والألوان البشرية المختلفة تحت مظلة الإسلام، وأن فترة حكمها طالت حتى بلغت قرونًا، وكانت تعتبر التصوير حرامًا، لذلك شجَّعت الخطوط والزخارف والنقوش لسد فراغ تحريم التصوير. وكان الخلفاء يقربون منهم العلماء والأدباء والمبدعين، ويستقطبونهم إلى عاصمة خلافتهم، ويغدقون عليهم المنح والعطايا المختلفة، بل نجد بعض الخلفاء قد تتلمذ على أيدي الخطاطين وأخذوا عنهم مبادئ الخط العربي، ومن ذلك تتلمذ السلطان مصطفى الثاني والسلطان أحمد الثالث على يد الخطاط الحافظ عثمان، وكان خطاط السلطان الخاص يتقاضى أربع مائة ليرة عثمانية ذهبًا في الشهر، وبلغ العثمانيون من الترف ما جعل ذوي الإبداع يعملون في قصورهم النقوش والزخارف والرسوم بمبالغ عالية.و استطاع الخطاطون في ظل تكريم الدولة لهم، وإغداقها العطايا عليهم، أن يبتكروا خطوطًا جديدة كخط الرقعة والطغراء والديواني والديوني الجلي وغيرها.[54][55][56][57][58][59]

الخط العربي في إيران

خَط النَّسْتِعْلِيق أَحَد ابتِكَارات الإيْرَانِيِّين فِي فَن الخَطِّ العَرَبِي.

استطاع الفنانون الإيرانيون أن يبدعوا في الفن التصويري لمضامين المخطوطات الفارسية والعربية، كما نجحوا في تجويد الخط وتحسينه وتطويره، فقد امتاز الخطاط الإيراني بالجودة والإتقان، وكان في أغلب أحيانه مبدعًا في لوحاته. ابتكر الخطاطون الإيرانيون الخط الفارسي في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي). ثم ابتكروا خط النستعليق من الخط الفارسي والنسخ والتعليق،[60] وكان هذا الابتكار بجهود الخطاط عماد الدين الشيرازي الحسني، إذ وضع له قاعدة اشتهرت باسمه فيما بعد فسمِّيت قاعدة عماد. كما حوَّروا الخط الكوفي فأصبحت المدَّات فيه أكثر من الجرَّات.

اشتهرت مدينة مشهد بخط النستعليق حتى كادت أن تسبق جميع المدن الإيرانية، ومن أهم شواهده ما وجد في جامع الإمام الرضا ذي القباب الذهبية، إذ تجسد إبداعات الخطاطين الإيرانيين، فالخطوط التي نقشت على القباب والمآذن شاهدة على مدى الإتقان والجودة التي حظوا بها. وقد أجاد الخطاطون في نقش الخطوط وزخرفتها على قطع السيراميك في شوارع مدينة مشهد على كثرتها، بحيث يرى السائر فيها أنه في متحف مفتوح للخط العربي. أما مدينة أصفهان التي يقول أهلها أنها نصف جهان أي نصف العالم، فكانت عاصمة الدولة الصفوية التي خلفت خطوطًا ولوحات وزخارف غاية في الجمال. من هذه الأماكن الأثرية التي احتوت خطوطًا رائعة: الجامع الكبير في أصفهان، وجامع لطف الله، والأربعون عمودًا، والجسور الكثيرة المنتشرة على نهرها الكبير زينده رود مثل جسر خاجو.

اهتم شاهات فارس وأمراؤها بالخط، فقد أنشأ الوزير المغولي رشيد الدين ضاحية سماها ربع رشيد، كذلك أصبحت هراة في عهد الصفويين عاصمة الخط والتصوير، وكان كمال الدين بهزاد معلم التصوير، وموجه الخطاطين. ولم تقتصر أمور الخط والإبداع على الخطاطين الذين اعتمدوا الخط فنًا ومهنة، بل تعدتهم إلى الأمراء والحكام وذوي السلطان، فقد كانوا يجدون في النسخ والخط شرفًا وبركة ومجدًا.[61][62]

العصر الحديث

استمر تطور الخط العربي في العصر الحديث بعد سقوط الدولة العثمانية، فقام الخطاطون العرب بابتداع أنماط وخطوط هجينة اختلطت فيها أنماط الخط،[63] ومن ذلك خط التاج الذي ابتدعه الخطاط المصري محمد محفوظ، الذي كان يعمل خبيرًا فنيًا بالمحاكم في عهد الملك فؤاد، وسميت بحروف التاج لأن الفكرة كانت فكرة صاحب التاج ملك مصر الأسبق فؤاد. وهو عبارة عن افشارة كأنها لام ألف مقلوبة مقوسة وموضعها فوق رأس الحرف على غرار الحروف الكابيتال في اللغة الإنجليزية، وذلك ليهتدي القارئ لما ترمى إليه الجمل أو الكلمات، وقد رجح استعمالها في حروف خط النسخ لأنها أجمل وقعًا عليه من سائر الخطوط الأخرى.[64][65]

أضاف خطاطو العصر الحديث بعدًا جماليًا جديدًا للخط العربي، فأصبح الخط العربي فنًا تشكيليًا له عناصره ومقوماته الخاصة به، حيث يمكن أن تتم اللوحة كتابة وتكوينًا باستخدام الألوان المتعددة، أو اللون الواحد بدرجاته، أو اللونين أبيض وأسود أو غيرهما، كما يمكن أن تكون الكتابة جزءًا من اللوحة التشكيلية، أو أن تكون الحروف في لوحة ما عناصر لا تتعلق بالمضمون، أي أن الحروف هنا تكون أشكالًا وهياكل متممة للوحة فقط.[66] كما ظهر في العصر الحديث توجُّه للاعتماد على الكمبيوتر في المساعد على الكتابة العادية، ويعتقد الخطاطون أن هذه البرامج تساعد على الكتابة، أما الخط فلا يمكن أن يكتبه بإتقان إلا متعلم للخط يلم بفنون كتابته، وبالنسب العليمة للحروف وأشكالها وأطوالها وطمسها أو مدها وسوى ذلك من قواعد كتابة الخط العربي، وأضافوا أن البرنامج لا يُستخدم بالشكل الأفضل إلا من قبل خطاط.[67][68]

نُشرت بواسطة

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.