تعرفوا على الفنان التشكيلي الفلسطيني “فتحي صالح” المولود في منطقة البطيحة السورية عام 1966، تعود أصول أهله وذويه الفلسطينية إلى مدينة طبريا في شمال فلسطين. برزت ملامح تشكله الفني في مراحل تعليمه الأساسي والإعدادي

الفنان فتحي صالح

الفنان التشكيلي الفلسطيني “فتحي صالح” المولود في منطقة البطيحة السورية عام 1966، تعود أصول أهله وذويه الفلسطينية إلى مدينة طبريا في شمال فلسطين. برزت ملامح تشكله الفني في مراحل تعليمه الأساسي والإعدادي، وبعد نيله الشهادة الثانوية انتسب إلى قسم التربية الفنية في معهد إعداد المدرسين بدمشق. متخرجاً بشهادة دبلوم تأهيل تربوي إعدادي لتدريس مواد الفنون عام 1985، عمل بعدها مدرساً في المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدارس ريف دمشق الحكومية وما زال.

تسلم إدارة صالة الشهيد “ناجي العلي” بدمشق ما بين 2003-2008، عمل في مجال الإخراج الفني الصحفي، وميادين الكتابة الفنية والأدبية في صحف سورية ومجلات فلسطينية عديدة، وله مجموعات رسوم توضيحية حول قصائد الشاعر “طلعت سقيرق”، ومجموعة تداعيات حول فنانين تشكيلين وتعبيرين وكتّاب أحبهم ورسم لهم لوحات على شكل إهداء شخصي. وله محاولات عديدة في تأليف مخطوطات وكتب ذات صلة بالفنون التشكيلية والأدب، ما زالت تنتظر النور ومطوية في أدراجه لضرورات الرعاية والتمويل. هو عضو في اتحادي الكتاب والصحفيين والفنانين التشكيليين الفلسطينيين بفرع سوريا، مُشارك في معارض الاتحاد العام للفنانين التشكيلين الفلسطينيين في سورية منذ العام 1986، وله أكثر من معرض فردي.

رسومه ولوحاته هي نتاج تجارب شخصية خاض غمارها من بوابة التربية الفنية ودراستها أكاديميا، كمرحلة مهمة في حياته الشخصية، وعامل مساعد كان له أكبر الأثر في تكوين ملامح شخصيته الفنية، وخصوصيته وتفرده في أسلوبه وميدانه. ساهمت مراحل الدراسة التخصصية في صقل مواهبه الفطرية عن طريق الدربة والخبرة ومزيد من التعلم المدرسي، وفتح نوافذ عريضة لتعلمه الذاتي وإطلالته الشخصية على تجارب الفنانين الآخرين التشكيلية، ومد جسور التواصل والعلاقات والصداقة في الساحة الفلسطينية والسورية والعربية والعالمية، وأدمن متاهات النضال الطلابي والنقابي، وأعطته دفعة قوية كخطوة متقدمة إلى الأمام لتخير مساراته الفكرية ومدراته الفنية التشكيلية، وتحديد نمط أسلوبه الفني وتقنياته.

بدأ مسيرة فنه وإنتاجه وفق الاتجاهات الواقعية بالفن، بحكم دراسته الأكاديمية والتربوية، ثم انتقل للواقعية التعبيرية التي أعطته مداداً واسعاً لتفريغ ما يجول في نفسه من ترجمات حسيّة وانفعالية، ومقدرة على التقاط المواقف السردية لمعين ابتكاره، وانتهى به المطاف إلى مزاوجة شكلية ومدرسية جامعة ما بين الاتجاهات التعبيرية والتعبيرية السريالية، المتدثرة بشيء من الرمزية، وتتناغم مع سيرته الذاتية كباحث مجتهد في ثنايا الفن والكتابة الثقافية والأدبية والتربوية، ولتجد لها مُستقراً بصرياً ملائماً، ومكانة ما بين أقرانه من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين الشباب.

يعتمد الفنان “فتحي” في بناء لوحاته التصويرية ورسومه التخطيطية التي هي من نوع موتيف صحفي، على مجموعة من التالفات الشكلية المتسقة العناصر والمفردات المنثورة داخل حيز التكوينات، جوهرها الشكلي الإنسان، كمفردة أساسية وجوهرية في عموم لوحاته، يستحضرها من معالم نص بصري هنا وحكاية سردية هناك. ويجمع فيها أشتات حلمه الذاتي ورؤاه الشخصية للأمور والشخوص والمواقف، وتكون في كثير من الأحوال منقوصة الملامح والمكونات بشكل شكلي مقصود، لتترك لعين المتلقي وبصيرته العنان لالتقاط بعضاً من التفسيرات المجازية للغاز حبكته السردية، وإيقاظ مسحة تفاعلية ما بين بصره وبصيرته لنبش ركام رمزيته وسرياليته المحملة برؤى وأفكار.

خطوطه واضحة المعالم والتفاصيل، تحتضن مساحات ملونة تشغيل حيز الكتل البشرية المرسومة داخل أسوار اللوحات، تبوح برمزية المعنى المتسع على التأويل الحسن، وشكلية تضم مدادها الوصفي من خلال توضع العناصر والمفردات، وتناغم جماليات الصورة المأمولة المتوقعة والمرسومة في ذهن المبتكر والفنان، من كونها ترجمان ذاته الشخصية ومرآة عاكسة لمناطق حدسه وانفعالاته الحسيّة المتوارية في ثنايا النصوص.

تجود بإنسانيتها الشكلية التي تُخفي في طياتها بعض القول المباح، معنية بعادات سلوكية أتقنها الفنان في تعامله مع أصدقائه المقربين، الذين أحبهم وأحبوه، وكانت لهم مكانة خاصة في نفسه، وهي مُكرسة في مبتكراته المشهودة والمهداة بعناوينها وشخوصها. وأشبه بعربون مودة وصداقة وتآخي مُقيم وتذكارات امتنان وتقدير، وهي حالة تعبيرية إنسانية لافتة تُقرب المسافات ما بين الفنون والفنانين من مختلف المدارس والميادين ومشارب الابتكار.

تجد للفنان مصطفى الحلاج مكانة مميزة في لوحاته، ولفنانين آخرين أمثال “عبد المعطي أبو زيد، محمد الوهيبي، سليمان العلي، غازي عانا، حاتم علي، بسام كوسا، وسواهم كمساحة ود، فضلاً عن كتاب وشعراء وباحثين أمثال” أحمد دحبور، خالد أبو خالد، طلعت سقيرق، فراس السواح، شوقي بغدادي”وآخرين ممن شملتهم فسحة التقدير والإهداء.

فلسطين حاضرة بأعماله من خلال تخير شخوصه، وأبطاله القادمين من واحة المخيم، ومدارات الثقافة الفلسطينية المرتحلة مع عذابات اللاجئين والنازحين الفلسطينيين أينما تواجدوا. رايته الوحيدة العلم الفلسطيني كعربون انتمائه السياسي المنحازة لفلسطين في ملوناته المعروفة، كدلالة رمزية على ضرورات الوحدة الوطنية والتوحيد تحت ظلالها، وما الشخوص المتناثرين في خلفيات بعض لوحاته الذين يُظهرهم في عمق خلفياتها بلا ملامح واقعية، هي دلاله رمزية أيضاً على اندماج الشعب الفلسطيني في لحمة إنسانية تكاملية جامعة، تنتفي فيها الطبقات وتمايز المدن والقرى والمخيمات.

هذا الأمر الوصفي والتحليلي في لوحاته ورسومه التخطيطية، لا يُنقص من حيوية الفنان وتقويم تجربته من إشارات القول النقدي في لوحاته والتي نجد فيها متسعاً ومسحة شكلية مُستعارة من عين الكاميرا التصويرية الضوئية، ولكن بحسبة تقنية ومحتوى موضوعي تشكيلية. تجدها في مناطق بؤرها المنظورة ثلاثية الأبعاد، أي الإيهام التصويري لأبعاد المسافات المرئية، المتناغمة مع توزع العناصر والمفردات والشخوص من طول وعرض وعمق بؤري، وتداخل خطوط وملونات، تشابه إلى حد ما عين الكاميرا التجسيمية. وفيها ترجمات متجانسة وروح النص البصري وطريقة الفنان وأسلوبه في وصف وتصوير مقاماته السردية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

نُشرت بواسطة

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.