المصور الفنان السوري الأرمني”وارطان ديرونيان”… أطياف التوازن اللوني للحزن والفرح – كمال شاهين ..

“وارطان ديرونيان”… أطياف التوازن اللوني للحزن والفرح

كمال شاهين

حلب
استطاع أن ينتقل بالصورة من لحظة زمنية جامدة إلى مشهد ضوئي يتجدد في كل مرة نراها فيها، ويعكس بعدسته العتيقة العمق الحقيقي لنظرته إلى الأشياء، ويلون صوره “الأبيض والأسود” بأرواح وأزمنة كل ما فيها…

تكبير الصورة

ولد الفنان السوري الأرمني “وارطان ديرونيان” (ويلفظ أحياناً فارتان) في قرية “أنجرتي” من أعمال ولاية “خاربرت” الأرمنية، في فترة الدولة العثمانية عام 1888م، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، وهاجر بعدها إلى “بيروت” عام 1908م مع جملة من هجّر، وهناك عمل ثلاث سنوات في استديو “الإخوة صرافيان” المشهور وقتها كإحدى علامات “بيروت” الفارقة.

وعن سيرة حياته مدونة وطن “eSyria” المصور الضوئي المهندس “منير كباس” بتاريخ 30 أيار 2014، وعنه يقول: «بعد أن حصل على الخبرة الكافية لممارسة المهنة، غادر إلى “السودان” عام 1911م، ومن هناك إلى “مصر” حيث عمل عند المصور الضوئي السويسري “هينزيليمن”، وفي الوقت نفسه تخصص في أسرار الضوء والظل على أفضل شكل، حتى أصبح مشهوراً، واختير ليكون مصور البلاط المصري بناء على رغبة الملك “فؤاد الأول” لتملكه سرّ الضوء ولصفاته الإنسانية الحميدة».

ويتابع: «بعد الحرب العالمية الأولى عاد إلى “حلب”، والتحق بأخويه “هاغوب” و”فيليب”، وكان “هاغوب” قد تعلم أيضاً فن التصوير الضوئي في “السودان”، وأسس محله الخاص في “حلب” بعد أن انتقل إليها قبل الحرب العالمية، فأسس الإخوة معاً محلاً للتصوير في شارع “فرنسا” الشهير، وبقي “فيليب” في “حلب” حتى عام 1926م، حيث انتقل إلى “بيروت”، أما “هاغوب” فقد غادر إلى “الولايات المتحدة” عام 1930م، وتوفي هناك بعد عامين فقط، في

تكبير الصورة
خط الدفاع الأول عن القلعة مأخوذ من الداخل

حين بقي “فارتان” في “حلب” وأسس محلاً آخر للتصوير في شارع “الخندق” وبقي يزاول عمله فيه حتى عام 1938م، حينها غادر إلى “بيروت” ثانية، بعد أن كان قد أسس محترفه الخاص للتصوير في منطقة “باب إدريس” في المدينة، وتزوج من ابنة المصور “كريكور مصريليان” أول مصور في “حلب”، وأنجب منها ابنه “ماسيس” الذي تابع عمل والده، وبقي “ديرونيان” في “بيروت” إلى أن توفي في العام 1954».

وعن أهمية أعماله جاء في كتاب “ذاكرة أرمنية”: «تبرز الأهمية التاريخية والفنية لأعماله ليس في كونها الصور الأولى لمدينة “حلب”، فقد كان هناك مصورون فرنسيون سبقوه إلى ذلك، بل في كون الشخص الذي صورها “فناناً” بمعنى الكلمة، ويتضح ذلك في الصور الخمسين التي التقطها لمخيمات اللاجئين الأرمن في “حلب” بين عامي 1922-1936م التي تبرز بشكل واضح الفقر والبؤس المسيطرَين على تلك الأماكن، وقد استعملت الصور على نطاق واسع لدى المؤسسات الإنسانية والإغاثية على مستوى العالم، ونقلت إلى مختلف أنحاء العالم لتجلب المساعدات إلى اللاجئين الأرمن في “سورية”».

من أبرز أعمال “ديرونيان” كما يؤرخ كتاب “ألبوم حلب وضواحيها” صوره لمنطقتي “اللواء” و”أنطاكية”، فقد كلفته الحكومة السورية عام 1927م بالتقاط مجموعة من الصور لهذه المناطق فعاد بألبوم من الصور المذهلة لتلك المناطق، وقد زينت صوره تلك العديد من الطوابع

تكبير الصورة
مرفأ اسكندرونة

السورية والبطاقات البريدية في مختلف أصقاع العالم، ويضاف إلى الأهمية أن تلك المناطق التي صورها قد خضعت للترميم لاحقاً، لذلك فصوره هذه وثيقة حية عن تلك الأوابد قبل الترميم، خاصة في صور منطقة “حلب” وضواحيها.

من ميزات التصوير الضوئي لديه تكامله مع نمط التصوير في تلك الفترة، وتفوقها عليه بالاختيار الصحيح للضوء والظل في التقاط الصورة، في ظل محدودية تقنيات التصوير وقتها، يضيف المهندس “كباس”: «”وارطان” هو واحد من عمالقة المصورين في منطقتنا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، اهتماماته بمواضيع الاستشراق مميزة، نقل بها المعالم الأثرية والمناظر الطبيعية إضافة إلى حياة البادية السورية، إلا أن مجموعة أعماله الأفضل، كانت ما نقله من ذاكرة مرئية عن مخيمات اللاجئين الأرمن ما بين عامي 1922-1936م، حيث ظهر إبداعه الفوتوغرافي متأثراً بتلك العاطفة الإنسانية، وهو ينقل معاناة أهله ضمن بيئة قاسية لم يعتادوها بإمكانيات العدة المحدودة وقتها، فهو يستغل تضاد اللونين الأسود والأبيض، لنقل حياة الإنتاج ضمن غرف المعيشة، ودون انتقاص للمشهد رغم قلة الإضاءة، لنرى جميع خبايا الغرفة بحالتها الطبيعية وبواقعية تصويرية، تحمل جميع أطياف التوازن اللوني للحزن والفرح».

ويتابع: «كما أنه استغل البعد البؤري أفضل استغلال ليجعل الموضوع مركزاً للرؤية، أمر لم يكن دارجاً بعد لصعوبة تنفيذه تحت الإضاءة الطبيعية، وبالإمكانات الفيزيائية التي بين يدي

تكبير الصورة
ممالح جبول في البادية السورية

مصور ذاك الزمان من سرعة غالق إلى قطر العدسة، فحساسية المسودة، أما خطوطه المتوازنة في تكوين الصورة، فكانت تنم عن مهارة تدل على أن “ألف باء” التصوير تحكَمَ بها بنظرة إبداعية عفوية وفنية عالية».

يذكر أن، “وارطان” شارك في العديد من المسابقات الدولية للتصوير الضوئي، وحازت جميع الأعمال التي قدمها الجوائز الأولى، ونالت اثنتين من صوره هما: “الدرويش السوري”، و”السيدة الأرمنية التي تنسج جورباً” نجاحاً حقيقياً في “الولايات المتحدة” و”عصبة الأمم” وقتها.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة