أخبار عاجلة
الرئيسية / الكل / الصديقان اللدودان

الصديقان اللدودان

صديقان لدودان
لايطيقان بعضهما و لا يطيقان بعدهما …
الفنان و الناقد…


و للمعركة الأزلية بين هذين القطبين حكاية فالفنان يعيب الناقد بأنه ينتقد فنا لا يستطيع إنتاجه و الناقد يعيب الفنان بأنه منجرف وراء رغباته بلا قيد أو قاعدة، و إن سألنا معظم الفنانين في شتى المجالات عن رأيهم بالنقاد لسمعنا أبياتا و أبياتا في الهجاء و الشتم أحيانا، فهل يمكن للفن أن يستقيم بلا النقد و هل للفنان أن يستمر بلا الناقد؟

في البداية يجب أن نحدد الفرق بين الناقد و بين الفنان، فالفنان هو شخص امتهن التعبير بطرق شتى يميل إلى أحدها و يبتعد عن الآخر و يتبع في تعبيره أساليب و قواعد تمكنه من التعبير عن فكره و رسالته بحيث تصل إلى المتلقي بالشكل الأمثل تكنيكيا و جماليا فالفن الجميل بلا تكنيك كوجبة مطهوة جيدا و مقدمة بطريقة خاطئة و الفن التكنيكي بلا جمال كوجبة مطهوة قبل أيام و مقدمة بأبهى حلة و في كلا الحالتين لم تحقق هذه الوجبة غرضها كاملا بالشكل الأمثل و قد يميل الفنان إلى إهمال جانب على حساب الآخر أحيانا أو إلى انتقاص جانب من الجوانب عمدا ككسر للقواعد أو دون عمد في غمرة تدفقه الحسي و التعبيري و هنا يأتي دور الناقد الذي لا يتقن الطهو لكنه يتقن التذوق لذا فالاثنان متكاملان طاه يقدم هذه الوجبة الفنية و ناقد يتذوقها و يصوب اندفاع الفنان الذي يتبع أحاسيسه و مشاعره و الإرهاصات التي يعيشها خلال مراحل إنجاز تعبيره الفني ليكون الناقد صوت المنطق و راسم الحدود و القواعد و قد يحتج بعض الفنانين على النقاد متعللين بشعبية فنهم عند المتلقي العام و هنا يجب الانتباه إلى أن المتلقي العام يخضع لتأثيرات عدة منها الموضة الرائجة و التقاليد و العرف و المجتمع المحيط و حتى الوعي الجمعي العالمي المتمثل بالتيارات الفكرية و الثقافة العالمية التي أصبحت أسهل انتشارا بفضل مواقع التواصل الاجتماعي بينما النقاد يبقون معزولين نوعا ما أكثر من العامة عن هذه التأثيرات لنجد تقاربا يصل إلى حد التماثل أحيانا بين النقاد عالميا دون أن يلتقي هؤلاء النقاد وجها لوجه، و لأن معظم الفنانين يعتبرون فنهم جزءا منهم و ابنا و ليدا لروحهم فإنهم لا يتقبلون أي إشارة سلبية من أي ناقد حتى لو كانت في محلها و هو أمر يؤدي بالفنان إلى التحجم وتوقفه عن التطور و الصقل لأدواته التعبيرية و الفنية حيث أنه يقدم عمله عندما يكون قد رضي عنه و أضاف له لمساته الأخيرة ليكون بمعتقده كاملا مكتملا و الأجدر به تقبل النقد حتى لو آلمه لأن في هذا النقد رؤيا لمتذوق محترف يرى عمل هذا الفنان دون العاطفة الفنية لمنتج العمل بل بحدة المتلقي العارف و عليه فإن الناقد يحمل مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الفنان في حمل الفن على التطور و التقدم من خلال التعاون مع الفنان على تصويب دفة التوجه الفني شكلا و مضمونا و ان يكون نقده عمليا قواعديا بعيدا عن الشخصنة و أن يكون في المقدمة منفتحا لا متأثرا أو متعصبا لتيار فكثيرا ما نرى ناقدين متعصبين إلى مدرسة تشكيلية رافضين لأي تطوير و تحديث و بذلك يشكلون صخرة في وجه تيار التقدم و التحديث الفني، بينما الأجدر بهم أن يتقبلوا هذه التيارات الجديدة و يعملوا يدا بيد مع الفنان المبتكر ليرسموا خطوطا تحدد ماهية هذا التوجه الجديد و ترسي ركائزه عند جيل جديد من الفنانين و النقاد يقومون بدورهم بإكمال سلسلة التطور التفاعلية للفنون عامة.
و الحديث يطول في مابين المدارس الفنية النقدية و أساليبها و طرق النقد و خطواته و علم الجمال و قواعده و ارتباطه بالنقاد و الفنانين و استقلال كل منهم و ارتباطه بالآخر في سيرورة العمل الفني، و تبقى الرسالة الموجهة لكليهما أن تقبلا بعضكما فلا غنى عن الفنان المنتج  و لا غنى عن المتذوق المحترف في رفع سوية المنتج الفني و على هذه العملية أن تتم باحترافية و حب و بلا شخصنة فعلى الناقد أن لا يهاجم في نقده و ألا يكون لاذعا و على الفنان أن يتعلم التقبل و الانفتاح على آراء أخرى حتى إن لم تعجبه ولو لم تكن على هواه.

 

هيثم فاروق المغربي