حيدر حيدر روائي محب للبحر والأدب

لمى يوسف

الخميس 27 آذار 2008

ولد ونشأ في بيئة ريفية مطلة على البحر، نمت في أعماقه تموجات شفافة وطليقة صقلتها القراءة الباكرة والشغف العميق بالأدب، بدأت صدمته الأولى مع المجتمع من خلال هذا الأدب لدى

تكبير الصورة

نشر أول قصة حب له في مجلة محلية حين علم بها أهل الفتاة التي أحب، أدى ذلك إلى موت حبه الأول، تواصلت صداماته المرة عبر المغامرة الأدبية في مواجهة العالم حتى الآن. ومذ بدأ الكتابة كان في أفق تفكيره وحلمه أن يكون مغايراً في اللغة القصصية والروائية والأسلوب والبناء. وحقق هذا الحلم من خلال التثقيف الذاتي والتأمل والاستبصار في مجالات متنوعة من المعرفة العامة ومجال التكثيف والاقتصاد الأسلوبي للغة القصة والرواية بعيداً عن الإسهاب في لزوم ما لا يلزم، مركزاً على الحالة الداخلية للشخصية وأبعادها النفسية والتاريخية داخل نسيج أسلوبي مشحون بطاقة تعبيرية كثيفة وعميقة تقترب من عبق الشعرية لكنها ليست الشعر.. فكان أسلوبه الروائي أقرب إلى الملحمية والتراجيدية المأساوية.

الروائي حيدر حيدر ذاك الأديب الكبير المتواضع المحب للبحر والطبيعة والأدب قراءة وكتابة، دغدغ قلوب جميع قرائه بشعرنة السرد التي ينزع إليها والتي يعتبرها ميزة حداثية متطورة في أسلوب السرد الروائي ففي العصور الحديثة مع تطور الأدب والرواية واللغة انكسرت الحدود المرتسمة بين النثر والشعر ودخل المجاز، الاستعارة،الكناية، التجريد، والكثافة وهي من أدوات الشعر في السرد الروائي، فحين يمتدح عمل روائي كبير يقال عنه هذا العمل شعري كشهادة امتياز، لأن لغة الشعر هي الأرقى والأقرب إلى مسام الروح..

ويرى الروائي حيدر حيدر أن الاهتمام باللغة جزء أساسي وجوهري من تطوير البنية الأسلوبية في الحداثة الأدبية، علينا أن نغادر أسلوبية الرواية الواقعية التي تعتمد على الهذر في سرد الأحداث والوقائع وهي ترويها بلغة عادية ويومية ميتة لا لون لها ولا طعم ولا معنى. ومنذ أكثر من مائة عام وحتى اليوم ونحن نقرأ تلك اللغة الإنشائية المدرسية من عصر المقامات إلى ألف ليلة وليلة والسير إلى المنفلوطي وعبد القدوس والسباعي والمازني وتيمور وغيرهم هؤلاء الذين ورثوا أسلوب رواد القرن التاسع عشر الأوربي: بلزاك، فلوبير،زولا ستاندال تولستوي إلى آخر القائمة التي أرست أسس الواقعية الاجتماعية في عصرها الذهبي الكلاسيكي.فيما بعد تخطى هذا الأسلوب في الغرب.ابتكرت أساليب حداثية جديدة واكبت التطور الاجتماعي والثقافي فتجلت في أعمال جويس، فوكز،بروست،فرجينيا،وولف،ساباتو،كافكا، كازنتزاكي، وكتاب أمريكا اللاتينية.أضف

تكبير الصورة

إلى البعد الواقعي الاجتماعي في حياة الإنسان أبعاد وفضاءات أخرى كالحلم والأسطورة واللاوعي،والسريالية واللامعقول والتاريخ الموضوعي والفردي، والفلسفة وعلوم النفس،هذه الاكتشافات عمقت المنظور الروائي وأغنته وأخصبته كرؤية شمولية للإنسان والعالم.اخترقت الطبقة السطحية للاجتماعي إلى ما هو أبعد وأعمق،حين أوغلت بعيداً نحو الظلمات الداخلية للفرد في الوجود سواء في الغرب أم الشرق. هذا التطور المذهل في الاكتشافات الجديدة، اقتضى لغة جديدة وبنية أسلوبية جديدة تواكب هذا التطور الحداثي في العالم. من غير المعقول ومن الجمود والتكهف والسيرورة الأحادية المغلقة، أن يظل الأدب العربي والرواية العربية والبنية الأسلوبية على ما جرى عليه الأسلاف منذ مئات الأعوام. هذا ما يفسر تطور الشعر وحداثيته الجديدة كذلك حداثة الموسيقى، والمسرح والفن التشكيلي والسينما وحتى منظومة الفكر وإعادة النظر بالتراث على ضوء وإيقاع العصور الحديثة..إدوار الخراط كروائي حداثي متطور تندرج أعماله الأدبية في هذا السياق، وما يجمعنا هذه الرؤية الحداثية لتجاوز أفق الرواية الواقعية العربية الحديثة لغة وأسلوباً وبنية وتجريباً.

وينفي الروائي حيدر أن تكون الرواية تاريخاً بالمعنى الحداثي، الواقعي، المرجعي. لكنها قد تستند إلى التاريخ وتحيل عليه في سياق تطور المجتمع ومخاضاته الملحمية، ففي رواية وليمة لأعشاب البحر كرواية ملحمية على نحو ما، كان لابد من الإحالة على التاريخ المأساوي، والسقوط التراجيدي لما جرى في الجزائر والعراق كبلدين عاشا خضم تجربة ثورية، كل منهما مختلف ومتقاطع في آن عبر مخاض منكسر، تقاطع فيه الأمل مع الخيبة والنهوض مع السقوط، والحرية مع الاستبداد، والموت مع الحياة وهما في البعد الروائي والواقعي تعبيران عن انهيار الحلم ودورة التاريخ العربي وهو ينجرف نحو الهاوية، والسقوط والدمار الذي نحياه الآن في ظل المهانة والشتات والخراب والوطء والإرهاب الدموي في الجزائر والعراق وفلسطين.

ويؤكد الروائي المتواضع على انه سعيد مع جاره البحر وليس نادماً على العيش بعيداً عن العاصمة أو أي مدينة أخرى فيقول:مرتاح لأني بعيد عن الضوضاء والأضواء والصحافة والشهرة التي أمقتها وما كتب في الآونة الأخيرة في الصحافة لم يكن لقاءات وإنما كانوا بزيارة لي في منزلي وكل واحد منهم وضع آلة التسجيل دون استئذان وما كتب في أغلبه مغالطات.

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.