حوار مع الذّات.. ألف سؤال وسؤال..الجزء الأول – السؤال من 51 – إلى 75 – للأديب و التشكيلي السوري#صبري_ يوسف Sabri YOUSEF ..

حوار مع الذّات.. ألف سؤال وسؤال..الجزء الأول – السؤال من 51 – إلى 75

للأديب و التشكيلي السوري#صبري_ يوسف Sabri YOUSEF ..

 

  1. من أقصى الغرب من ديريك نحو أقصى الشَّرق وأنت غضُّ العود التحقت بابتدائيّة ناظم الطَّبقجلي، تحدّث عمَّا كنت تعانيه وأنت تجابه أكوام الطَّين أيّام الشِّتاء متوجّهاً نحو قاعة الصّف؟

إنَّ كل ما كنت أعانيه آنذاك تحوَّل إلى ذكريات غارقة في خيوط الحنين، تمنحني تلك الذّكريات فرحاً رغم سماكات الطِّين الَّتي كانت تعانق أقدامي وأنا أعبر أزقَّتي متوجِّهاً نحو مدرستي؛ كي أنقش حروفي الأولى على دفاتري الطَّافحة بدموع لا تخطر على بال!

.. “مراراً صدَّني شارع “كلُّوش” المتاخم لبيت العزيز عزيز كوركيس پولو من متابعة المسير، حيثُ أكوام الطِّين كانت تضاهي قامتي الصَّغيرة، وهدير السَّاقية الهائجة كان يهدِّد حقيبتي المدرسيّة، فكنتُ أتراجع مركِّزاً سيري على محاذاة بيت الأحبّة عزيز وهاني، ثمَّ أعبر من الجهة الخلفيّة إلى أن أصل إلى بيت إسحق مرادي المقابل لبيت القس أفريم الرّاحل في سماوات الغربة، وهناك كنتُ أنظرُ حولي متمتماً، إنَّ المخطّط الأسلم للوصول إلى الشَّارع الإسفلتي هو قطع الشَّارع المؤدّي إلى إعداديّة يوسف العظمة، الملاصقة أسوارها عبر الأشرطة الشَّائكة لحوش القسّ أفريم، عابراً باحة المدرسة من خلال فتحة صغيرة في الشَّريط الشَّائك، أسير من خلف المدرسة؛ كي أخرج من الباب الرئيسي، عندها أصبح في برّ الأمان!

أي أمان هذا الَّذي كنت فيه وأنا أقطع الأزقّة المرصرصة بأكوام الطِّين والبيوت وباحات المدارس مبتعداً عن مدرستي أكثر من الاقتراب نحوها، ولكن مع كلِّ هذا شعور بالفرح كان ينتابني لمجرّد أنّني على شارع إسفلتي سيؤدِّي بي إلى باحةِ مدرستي مستسلماً لقدري المكتنف بالطِّين والمطر وأحزان الشِّمال. حكّمت يدي على حقيبتي المدرسيّة، والَّتي كانت عبارة عن كيسٍ من النَّايلون السَّميك الَّذي خاطته لي أمِّي بدقّة شديدة؛ كي تمنع عبور البلَل إلى دفاتري وكتبي المدرسيّة.

وصلت إلى مدرستي، ناظم الطَّبقجلي، الَّتي كانت في أقصى شرقي المدينة، وأنا كنتُ أسكن في ديريك العتيقة في أقصى الشِّمال الغربي من ديريك، وكم كنتُ أتمنَّى لو باع والدي بيتنا العتيق واشترى لنا بيتاً بالقرب من مدرستي، ولكنَّه كان مصرَّاً أن يظلَّ بيتنا بالقرب من البيادر؛ لأنَّ مخطّطاته مع بقيّة الفلّاحين كانت مركَّزة على قربهم من البيادر وللبيادر والنَّوارج، ذكريات تأخذ كتابتها معي فصولاً مسترخية على ينابيع هضاب الرُّوح! آهٍ يا روح وألف آهٍ يا بيادر!

وصلت المدرسة والتَّلاميذ مصفوفين على مساحة كبيرة من باحة المدرسة، عبرتُ من تحت الشَّريط الشَّائك بعيداً عن أنظار الأستاذ المناوب عند مدخل المدرسة، أخذتُ ركناً قصيَّاً من جدار المدرسة، وبدأت أغسل جزمتي الطَّويلة بسرعة بماء المرزيب المتدفّق من بوري كبير، ثمَّ دخلت خلسةً من الجهة الخلفيّة مع الطُّلَّاب المتدفِّقين مثنى مثنى إلى صفوفهم، شعرت بفرح كبير عندما جلست على مقعدي، وكأنَّني وصلتُ إلى قمّة جبال هيمالايا!” ..

  1. هل تلقَّيتَ إشرافاً ما من أسرتك خلال مرحلة التحاقك بالمدرسة الابتدائيّة أو الإعداديّة؟

كان والدي الَّذي لا يفكُّ الحرف، يستهويه أن يشرف عليَّ بطريقته الفلّاحيّة، وكان يمتلكُ روح الدُّعابة والفكاهة، حيث إنّه  بعد عودته من الفلاحة، يستحمُّ ثمَّ نتناول العشاء، وبعد أن نأخذَ قيلولةً، يطلب منّي أن أعمل دروسي أمامه، كان ينظر إلى خطّي وأنا أكتب درس القراءة كوظيفة كتابيّة، قائلاً لي: أكتبْ خطّكَ “شدَّامْدَة”، أيوه “هيك شدّامْدة” أي بشكل مستقيم ومساوٍ وعلى أفقٍ واحد، لا تتركه فوق أو تحت الخطِّ الرّفيع الَّذي تكتب عليه، أكتبه بشكل جيِّد مثلما تخطُّ سكّتي خطوط الفدّان بشكلٍ مستقيم.

كنتُ أضحك وأقول له: وما علاقة خطوط فدَّانك يا بابا بخطوط دروسي وكتابتي؟!

يضحك هو الآخر، متوعِّداً والده الّذي لم يضعه في المدارس كي يتعلّم القراءة والكتابة، مع أنَّ جدّي في حينها كان متوفِّياً منذ أكثر من ثلاثةِ عقودٍ من الزّمن، فقد توفَّاه الأجل في مقتبل العمر، فأصبح والدي يرعى أسرته، وكأنّه ربّ الأسرة، وهو في الرّابعة عشرة من عمره تقريباً، ثمَّ تزوّج في مقتبل العمر، عندما كان ينظر إلى خطّي، بدعاباته المعهودة كان يقول: “خطّك ينقّط منه سمّ”، قاصداً أنّه جميل ولا مثيل له. هذه كانت كلّ رعاية أسرتي بي، فقط جملة واحدة قصيرة من والدي: خلّي خطّك “شدّامْدَة”!

كم لهذه الكلمة من وقعٍ على تفوّقي، على خطّي، حقيقة الأمر كان خطّي من أجمل خطوط التّلاميذ في مرحلتي، حتَّى أنَّ بعض المعلِّمين اتَّهموني مراراً أنَّ وظائفي الكتابيّة لا أكتبها أنا، بل إخوتي الكبار، فكنتُ أدافع عن نفسي، مؤكّداً للأساتذة على أنَّ إخوتي لم يتابعوا دراساتهم، وخطِّي هو أحلى من خطّهم، وأنا في الصَّف الثَّاني، وعندما كنتُ أشرح للمدرسين عن إشراف والدي عليّ، وكيفية تركيزه على جماليّة استقامة الخطّ، وضرورة أن يكون خطّي “شدّامدة” مثل خطوط فدّانه المستقيمة وهو يشقُّ الأرض في سكّته، سرعان ما كانوا يضحكون، ويبتسمون لي قائلين: لهذا خطّك “شدّامدة” وأجمل من خطوط أقرانك!

كنتُ أجيبهم بدروي: ولهذا أيضاً خطوط فدّان والدي أكثر استقامة من خطوط أصدقائه الفلّاحين!فيردُّ عليّ الأستاذ: طبعاً وإلَّا كيف سترثُ جمال الخطّ واستقامته البديعة، لو لم تَكُن خطوط فدّان والدك متفوّقة على خطوط فدّان أصدقائه؟!

أضحكُ ويضحكُ الأستاذ ويضحكُ من حولي أصدقائي التّلاميذ!

  1. عندما نجحتَ في الصَّف الأول الابتدائي، أمسكتَ جلاءَكَ، وركضتَ من المدرسة بكلِّ فرح وأنتَ تردّد:”ولا سنة ما رسبتُ ولا سنة ما رسبتُ” إلى أن وصلت إلى البيت، ما تفسيرك لهذا الفرح الطُّفولي؟

.. “كنتُ خجولاً في المدرسة وغير معتاد على هكذا أجواء، هادئاً لا أحبُّ المشاغبات، استهواني التَّعليم، وفكّ الحروف وكتابتها بدقّة، وسرّني أن أتعلّم كتابة الحرف في بداية الكلمة وفي منتصف الكلمة وفي نهايتها، كنت أندهش كيف نربط هذه الحروف مع بعضها ونشكّل كلمةً ويكون لها معنى، ابتكار اللّغة حالة عبقريّة، وجذبني عالمها منذ اليوم الأوّل.

اللُّغة المحكيّة الَّتي يتعلّمها المرء ليست اللّغة الّتي يتعلّمها في المدرسة، نحن نتعلّم اللُّغة اصطلاحاً وجُملةً وفكرةً؛ لهذا لا نفهم في البداية كيف تتشكّل الكلمة، نسمعها ونردِّدها ونحفظها على السّليقة ومن كثرة ترديدها وسماعها ومن خلال استخدامها في جملة نتعلّمها، وعندما نتعلّم اللُّغة شفهيّاً نتعلّمها بطريقة جمليّة وليس كلمة كلمة لهذا أحياناً لو نفكّك الكلمات الَّتي نتعلّمها شفهيّاً حتّى في لغة الأم وفي أيّة لغة أخرى نتعلّمها شفهيّاً منذ الصّغر أحياناً كثيرة نجد بعض ألفاظ الجملة لا معنى لها أو لا نعرف معناها منفصلةً عن الجملة، فنعرف معناها في سياق الجملة؛ لأن معنى الجملة هو الَّذي تعلَّمناه في البداية وليس كلمة كلمة، بينما في التَّعليم نتعلّم الحرف، ثمَّ كيفيّة ربط الحرف بالحرف ثمَّ الكلمة ونعرف معناها من خلال ربط الكلمة في صورة ما، وحقيقة الأمر عندما نتعلّم اللّغة في البداية لا نتعلّمها ككلمة مجرّدة، بل نتعلّمها من خلال ربطها بصورة مدلول الكلمة، ثمَّ نحفظها ككلمة بعد أن عرفنا معناها، وعندما نقرَؤُها نكون قد عرفنا معناها مسبقاً من خلال الصُّورة الّتي في ذهننا أنّها تعني كذا وكذا وكذا، لهذا نحن نتعلّم الكلمات كصُور وقوّة التَّمييز الذّهنيّة الخارقة والعميقة في المخ تجعلنا أن نفهم ونترجم هذه الصُّور إلى كلمات ومعاني، والذّهن له طاقات عجيبة في هذا السِّياق وهو فعلاً أشبه ما يكون بكومبيوتر للكائن الحي، ويبدو لي وكأنَّ الّذي اخترع الكومبيوتر اعتمد على طريقة المخ والذّهن والتّفكير، وهو أي الكومبيوتر يشبه مخ إنسان عبقري لأبعد الحدود، وأصلاً مخترع الكومبيوتر هو سلسلة طويلة من العوالم العبقريّة للإنسان، بدأها بالحرف، وتطوَّر مع مرور الزّمن إلى ما نحن عليه من علوم تكنولوجيّة مدهشة، ولهذا أرى أنّنا عندما نتعلّم الألفباء نؤسّس لمرحلة عميقة في الذّهن والمخ، ونخزّن المعلومات كما يخزّن الكومبيوتر المعلومات، مع فارق بسيط أو كبير هو أنّنا في الكومبيوتر نحرّك ما في مخِّ الكومبيوتر من معلومات ونسترجعها وإلخ، بينما في حالتنا نسترجع معلوماتنا مباشرة من ذهننا، وأحياناً لا نفلح في استرجاع ما نريد بسبب النّسيان وأعدُّ النّسيان أشبه ما يكون ببعض الخلل الّذي يصاب جهاز الكومبيوتر في بعض الأحيان ويتطلّب التّصليح، ولهذا حتّى مخّ الإنسان يحتاج إلى صفاء ذهني وتنظيفه من الكثير من الغبار العالق فيه من تشويشات الحياة، ولو دقّقنا في اللُّغة وبداية حفظ الكلمات أحياناً نجد صعوبة في فهم معنى الكلمات الّتي لا صور لها، وهي مفاهيم مجرّدة، لها مدلولات معيّنة ولا يفهمها التّلميذ في البداية، لهذا يتعلّمها فيما بعد عندما يصبح لديه ذخيرة معلومات مثلاً: كلمة العدالة، والحرّية، والمساواة، والدِّيمقراطية، والعلم .. وهناك مصطلحات وأدوات وحروف جر والكثير من التَّفاصيل المتعلّقة باللُّغة المجرّدة نتعلّمها خطوة خطوة، وتبقى أحياناً بعض المفردات لا يفهم الطَّالب معناها بدقّة،حتّى ولو درسها عشرات المرَّات، وحتّى لو أصبح جامعيّاً؛ لأنّه فهمها من سياق الجملة، ولم يفهمها بعمق ولا يستخدمها إلّا نادراً، ولهذا عندما يسأله شخص ما عن معناها لا يستطيع شرحها بدقّة، وهكذا فإنّ اللُّغة هي وعاء المعرفة الإنسانيّة.

وضعت خطوتي الأولى في المدرسة الابتدائية، أعمل وظائفي المدرسيّة يوماً بيوم، ما كنتُ متفوّقاً جدّاً، كنت مجتهداً بشكلٍ جيّد، ولكني ما كنت ممتازاً ومتقدّماً على زملائي، ولا كسولاً في مادّة ما، وكانت المواد سهلة نوعاً ما في الصَّف الأوّل، نتعلَّم القراءة، والكتابة، والحساب، والرِّياضة، والأشغال اليدويّة، أو الرّسم، والسّلوك، ومواد خفيفة أخرى، وأطرف موقف حصل معي في نهاية العام الدّراسي، وفيما كان المدير يوزّع الجلاءات للصف الأوَّل، نجحتُ بترتيبٍ جيِّد، وإذ بي أمسكُ جلائي؛ أي شهادة الصَّف الأوَّل بكلِّ فرح، ثمَّ أركضُ بها من المدرسة متوجّهاً نحو البيتِ دون أي توقّف، مردِّداً طوال الطّريق: ولا سنة ما رسبتُ ولا سنة ما رسبتُ! مع أنّني نجحتُ من الصَّف الأوَّل إلى الصَّف الثَّاني، وأتساءل، لماذا كنتُ أردّدُ “ولا سنة مارسبت” إذا كانت كلّ سنوات دراستي هي سنة واحدة وصفاً واحداً؟ أظنُّ وكأنّ هذه الرّدّة فعل كانت نوعاً من الطّموح بأنْ لا أرسب أبداً خلال دراساتي القادمة، وفعلاً لم أرسب في حياتي في أيّة مرحلة من مراحل دراستي، سررتُ جدَّاً عندما قطعت العتبة الأولى بنجاح، واندهشَ المارَّة من فرحتي، فرحٌ ينمو في القلب وأنا طفل وظلَّ ينمو وينمو هذا الفرح كلّما أنجح في مجالٍ ما، وأقدِّم عطاءً رهيفاً في تجلِّياتي الإبداعيَّة!” ..

  1. ماذا كانت ردّة فعل الوالدين وأنت تنجح إلى الصَّف الثَّاني، وأنت في قمّة فرحك؟!

.. “استقبلني أهلي بفرح عميق، باسوني، وجدتُ في وجه أبي علامات الفرح وصفّق لي، وأمِّي هلهلَتْ زغرودتها الرَّائعة “كليليليليلي”، أكثر من مرّة، فجاء الجيران وهم يفرحون لفرحي ونجاحي، قرأتُ الدَّهشة المرسومة على وجوه النِّساء والرِّجال والشُّبّان والأطفال الَّذين زارونا وقدِّموا لنا التَّهاني، شربوا الشَّاي وهم يباركون لوالدي ووالدتي بنجاحي، كانت نساء الحارة يبتسمون لي ثمَّ يبوسوني ويهلهلون مع تهاليل أمّي. ترتسم أمامي هذه المشاهد كأنّها حدثت البارحة؛ لما فيها من فرحٍ غامر، ظلَّ محفوراً في حنايا القلب، أدهشني سلوكي الطّفولي لاحقاً، وعندما دقَّقتُ في حالتي من بعض جوانبها، رأيتُ أنّ شخصيّتي فرحيّة تفاؤليّة طموحيّة منذ البداية، وإلّا ما هذه المشاعر الّتي انتابتني وعبَّرتُ عنها من خلال نجاحي من الصَّف الأوَّل إلى الصّف الثّاني، ما لم يَكُنْ هناك طموحات وطاقات معشّشة في داخلي وعبِّرتُ عنها بطريقةٍ نادراً ما يعبّر عنها الأطفال، إلَّا مَنْ يشبهونني في بعض طموحاتهم ومشاعرهم الفرحيّة؟

الآن، أدقِّق في مراحل طفولتي وعفويّتي، أدهشني حقَّاً هذا السُّلوك الطُّفولي الجميل، سلوك يتقاطع مع روحانيّة شاعر وشغف إنسان حسّاس يتلمّس بحساسيّة كبيرة لأي نجاح يحقّقه، وينمّ عن أنَّ سلوكي يشبه خيال روائي من حيث الفرح الغامر الّذي غمرني وترجمته على أرض الواقع، كأنّ الطّفل الّذي كنته يكتبُ سرده منذ طفولته من خلال سلوكه الطُّفولي العفوي البريء. عشتُ طفلاً حالماً، غارقاً في الطُّموحِ، وظلَّ هذا الطُّموح الممتدّ على أحلامٍ مفتوحة، جزءاً من شخصيّتي وتطلُّعاتي حتّى الآن!” ..

  1. أراك شديد الحساسيّة في تذوِّق الإيقاع، اللَّحن، الموسيقى، الكلمة، ما مردّ هذه الرَّهافة الجامحة؟

أعتقد أن مرّد هذه الحساسيّة في الكثير من قضايا الحياة والرّهافة الجامحة في تذوِّق الإيقاع واللّحن والموسيقى والكلمة، هو على الأرجح وراثي، ورثتها من والدي ووالدتي، ومن عمِّي، وسلالتي معروفة في الصَّبر واستمراريّة العمل دون كلل أو ملل، فأبي كان معروفاً في دقّته وشغفه في العمل كفلّاح يعمل ساعات طوال في حراثة الأرض، يحرثها بدّقة كبيرة، ويلملم الحجارة الصَّغيرة والكبيرة منها، ودقيق جدَّاً في الحصاد فلا يترك شاقاً من العدس يفلت منه أثناء الحصاد، ولا سنبلة من الحنطة، ودقيق للغاية في دراسة الحنطة والشَّعير والعدس بالنّورج على مدى أيّام وأسابيع وشهور، وكم كان مرهفاً في التّذرية، يذرِّي الحنطة في مساءات صيف ديريك عندما يهبُّ النّسيم من جهة الغرب، وبعد أن ينتهي من التّذرية بمساعدة إخوتي الكبار، يعود ويذرِّي مرّة أخرى التّبن الخشن المختلط مع الحنطة، ثمّ يأتي دور أمِّي في غربلة الحنطة على مدى ساعات وأيام، ونقل الحنطة إلى المنزل، وإعداد قسم من الحنطة للبذار وقسم لمؤونة الشِّتاء وبقيّة الفصول، حيث كانت أمِّي تغسل الحنطة، ثمَّ تجفِّفها وتنقِّيها على السّفرة حبّة حبّة، كذلك كانت تعمل مع العدس بعدغسله وتنقيّه من البحصات الصّغيرة والبربور وبعض حبّات الأعشاب البرّيّة، كلّ هذه الدّقّة أشبه ما تكون كتابة قصيدة شعر، أو كتابة قصّة قصيرة وغيرها من الحساسيّة الإبداعيّة، وأكثر ما تشرّبته من أمّي هو العمل بهدوء واستمراريّة وبحبٍّ كبير، وتمّيزت أمِّي بصوتٍ رخيم وطبقات عالية يصدر من الرَّأس كما كان يُقال في حينها، حيث كانت تنشد بشكل ارتجالي في التّعازي أثناء الوفيات الّتي لها طابع الفجائعيّة، وكان الجمهور الَّذي يسمع صوتها وأداءَها يبكي على إيقاعات صوتها، ويموج الجموع في حالة بكاء، وقد حضرت عشرات الحالات وأنا طفل ويافع وشاب، كانت تدهشني بقدراتها العالية في صياغة الأداء بشكلٍ ارتجالي، والغريب بالأمر كانت تنشد الرثائيّات باللُّغة الكرديّة، وعندما سألتها أكثر من مرّة، أجابتني: هكذا جرت العادة أن نقدّم هذه الرّثائيّات بالكرديّة يا ابني؛ لأنّها كانت تتمكّن من صياغة هذه الرثائيّات بسهولة، وعندما درستُ السَّبب لاحقاً تبيّن لي أنّها معها الحقّ؛ لأنّها لم تسمع في حياتها مَن كان ينشد قبلها وهي طفلة ومراهقة بتقديم هذه الرّثائيّات بالعربيّة الماردلّية أو الأزخينيّة، ولاحظت أنَّ أغلب النِّساء كنَّ يقدِّمن هذه الرّثائيّات بالكرديّة إلّا بعض النِّساء السّريانيّات كنَّ يقدِّمنها بالسّريانيّة؛ لأنهّن كنَّ يتقنَّ السِّريانيّة، وتعلمْنَ هذه الرّثائيّات من نساء أخريات، وهكذا تعلّمتُ الإيقاع والموسيقى من أمّي ومن المرحوم خالي يعقوب الرّديف، فقد كان عازف طنبورة ومغنِّياً، كما تعلّمتُ من ابن خالي جورج ومن استماعي من حفلات الزّفاف الّتي حضرتها في ديريك من موسيقى كرديّة وماردلِّيّة وسريانيّة، كلّ هذا عمّق تذوّقي للشعر والغناء والموسيقى، وجعلني شغوفاً في هذه الفضاءات، وخلق في عوالم خيالي جموحاً نحو هذه الفضاءات الشَّفيفة، وتنامت اهتماماتي من خلال خبرتي ومطالعاتي الغزيرة  في الحياة إلى أن وصلت إلى حالة انغماس في الكتابة والرّسم والموسيقى، وأصبحت هذه الفضاءات تنعش روحي وكياني وتبهج خيالي، وغدت جزءاً لا يتجزَّأ من حياتي وأهدافي وطموحاتي العميقة في الحياة!

  1. ماذا يراودك ممّا كنتَ تتميّز به عندما كنتَ طفلاً، ويافعاً وشاباً وظل مرافقاً بكَ حتَّى الآن؟

هناك عادّة ظلّت مرافقة لي منذ أن كنتُ طفلاً في الحلقة الابتدائيّة، واستمرّت في المرحلة الإعداديّة والثّانوية والصَّف الخاص والمرحلة الجامعيّة، وخلال مطالعاتي وقراءاتي للأدب العربي والكثير من الأدب العالمي، وهي عادة كشف الأخطاء المطبعيّة الإملائيّة والنّحويّة، خاصّة الَّتي أتمكّن من معرفتها وتصحيحها وتصويبها، فكلّما أقرأ كتاباً، تضرب عيني في الكلمة الَّتي تتمّ طباعتها خطأ مطبعيّاً، مثلاً عندما يتقدَّم حرف على حرف أو كتابة التَّاء بدلاً عن الثَّاء، أو النُّون بدلاً عن التّاء، والظَّاء بدلاً عن الطّاء وهكذا، فاكتشاف الخطأ المطبعي أصبح إحدى عاداتي، حتّى أنّ هذه العادة سحبت معي في اللُّغة الإنكليزيّة والسُّويديّة، خاصَّة عندما أكون واثقاً من المفردة تماماً، فيتمُّ كشف الخطأ معي بسهولة وكأنّني في حالة تدقيق النّص وأنا أطالع النّص الرِّوائي والقصصي والشّعري والأدبي والمقال والمسرحيَّات .. إلخ.

وأكثر ما كان يميِّزني أيضاً هو أنّني ما كنت أستطيع أن أخرج من المنزل من دون أن يكون معي كتابٌ معينٌ، خاصّة بعد المرحلة الابتدائيّة والإعداديّة، وتنامَتْ لدي عادة القراءة وشغفي في القراءة خلال المرحلة الجامعيّة، وبعد المرحلة الجامعيّة أصبح حمل الكتاب ومرافقة الكتاب معي في الباص والقطار والرّحلات وفي الطّائرة وفي الباخرة وفي أي مكان أكون فيه، طقساً من طقوسي، وكأنّه حبيبة وعاشقة وصديقة الصَّديقات، وكلّ هذا الشَّغف جعلني أغوص عميقاً في عوالم وفضاءات الأدب والفن والإبداع؛ لأنّ كلّ هذا الاهتمام بالمطالعة شكّل عندي ذخيرة معرفيّة وثقافيّة وأدبيّة وفكريّة وانسيابيّة، وعمّق من شغفي في الكتابة، وولّد عنّدي حالة تدفُّق وغزارة في كتابة أغلب الأجناس الأدبيّة، حيث كتبتُ مثلاً في العام 2015م خلال ستة شهور ثلاث روايات، وديوان شعر، وكتاب ديريك معراج حنين الرُّوح! وراجعت هذه الكتب الخمسة مراراً، ولا أزعم أنَّ نصوصي وكتاباتي خالية من الأخطاء، لكنِّي أحاول جهدي مراجعتها وتدقيقها، ولكن بكلِّ تأكيد الفقيه اللّغوي بدوره يكتشف بعض الهنّات اللُّغويّة عندي؛ لأنَّ اللُّغة هي بحر ولا يحتاج الكاتب أن يكونَ فقيهاً لغويَّاً؛ لأنَّ المدقِّق اللُّغوي الفقيه في اللُّغة موضوع آخر وتخصُّص آخر، لكنِّي أقصد هنا في سياق ردِّي على تساؤلي هذا أنَّ ما أكتشفه من أخطاء في الكتب هو ما أنا متأكِّد من صوابه تماماً، وقد ظلّت هذه العادة مرافقة لي وتدفعني لمراجعة كتاباتي عشرات عشرات المرّات، فمثلاً أجيب عن حوار مع الذَّات مباشرة على الحاسوب، وأعيد مراجعة إجاباتي وتدقيقها عشرات المرّات إلى أن تصل إجاباتي إلى صيغتها النّهائيّة، وأعيد قراءتها بعد نشرها وأصوِّب ما تقع عيناي عليه!

  1. أنت من أسرة فلّاحيّة وأصغر إخوتكَ، ما سبب تركيزك على العلم والدِّراسة منذ باكورة العمر؟

سؤال وجيه جدّاً، هناك الكثير من الأسباب الّتي دفعتني لأن أركّز على متابعة تعليمي ودراساتي بشغف كبير؛ لأنّني قارنتُ نفسي مع إخوتي الأكبر منّي، الّذين لم يتابعوا دراساتهم، فأصبتُ بالرّعب تماماً لواقع الحال حالهم، حيث كنتُ أراهم يحملون تنكات الإسمنت ويصعدون بها على سلِّمٍ خشبي، وينقلون كمائن الرّمل ويملؤونها بالرّفش، ويشتغلون بصبِّ البلوك وإعداد جبلات الطِّين/ الإسمنت مع الرّمل، كلُّ هذه الأعمال وغيرها من الأعمال المرهقة تحت الشَّمس الحارقة أو في برودة الشّتاء القارسة، جعلتني أن أركّز جلّ اهتمامي للتخلّص من هكذا مصير مخيف، خاصّة أن جسمي النّحيف ما كان يساعدني نهائيّاً علي حمل تنكات الإسمنت وصبّ البلوك ورفع الحجارة والبلوك واللّبن/الكربيج للمعارجي .. وغيرها من الأعمال المرهقة ممّا جعلني أركّز قصارى جهدي على متابعة دراساتي، وأكون متفوِّقاً في دراستي على أقراني؛ وأحقِّق ما لم يحقِّقونه إخوتي؛ لأنَّني كنت أشعر بالأسى والخيبة لو فشلتُ في المدرسة، متسائلاً، كيف سأحمل الحجارة الكبيرة، والكربيج/ اللّبن المجفّف الثَّقيل، وأكياس الإسمنت وتنكات الرّمل والطّين، كيف سأعمل في مواسم الحصاد، أحصد بالمنجل طوال فترة الصّيف الحارق؟!

كان يرعبني العمل كعامل عند أبو كربيس، إملاء كميون كبير من الرّمل بالرَّفش من الجبل، وصبّ البلوك بعد حمل البلوك الطَّريّة مع القالب، والعمل كعامل مع معمارجي، وحصاد الحنطة بالمنجل، كنتُ مُرعَباً عن حقِّ وحقيقة من العمل الجسدي؛ لأنّني اشتغلت مع عمّي كعامل أقدّم له البلوك والكربيج/ اللّبن والطِّين وأعدُّ له جبلات الطِّين، وشعرت أنَّ العمل كعامل هو أشغال شاقة عن حقِّ وحقيقة! وأتذكّر جيّداً عندما كنتُ أعمل عاملاً مع عمّي أو مع غيره في فترات العطلة الصَّيفيّة، كنتُ أفكّر طوال الوقت متى سينتهي العمل وتغيب الشَّمس وأتخلّص من الكارثة والورطة الَّتي أنا فيها؟ وكان ينتابني نفس الشُّعور عندما كنّا نحصد الحنطة والعدس بالمنجل، أفكّر باليوم كأنّه بلوة عليّ، متمنِّياً أن يمرَّ النَّهار بسرعة البرق ويصبح مَغيْباً؛ كي أعود إلى المنزل وآخذ دوشاً وأخرج مع أصدقائي نتمشَّى في شارع المشوار، كلّ هذه الصُّعوبات في الأعمال المرهقة جعلتني أركّز بهمّة عالية على تحصيلي الدِّراسي، تفادياً من أن أصبح عاملاً مثل إخوتي وأصدقائهم الّذين لم يتابعوا دراساتهم، إضافة إلى أنّني كنت أعشق الحرف والعلم والدّراسة واللّغات، وهكذا أسهمت الظّروف كلّها في أن أحقِّقَ نجاحاً على صعيد كافّة المراحل الدِّراسيّة، واشتغلتُ بعد حصولي على الصّف الخاصّ معلِّماً، ثمّ موجّهاً في إعدادية يوسف العظمة، وكان راتبي أعلى من راتب أخي الّذي كان يكبرني بسبع سنوات، وكان في حينها يعمل عاملاً في شركة رميلان النّفطيّة، وهكذا وجدت نفسي منخرطاً بشغفٍ كبير في عوالم القراءة والدّراسة والتّحصيل العلمي، متابعاً دراساتي الجامعيّة في جامعة دمشق، قسم الدِّراسات الفلسفيّة والاجتماعيّة شعبة علم الاجتماع، بعد حصولي على الصّف الخاص، كما تابعت دراساتي الجامعيّة في ستوكهولم، قسم الفنون، الخاص بالتّدريس، ودرست اللُّغة السُّويديّة أيضاً، وتخرَّجت في الجامعة بعد قرابة (25) عاماً من تخرّجي فيجامعة دمشق!

  1. هل لاهتمامك بالموسيقى والغناء والرّقص دور في حبّك للشعر والكتابة عندما شبَبْتَ عن الطَّوق؟

جائز؛ لأنَّ فضاءات الموسيقى والغناء والرّقص تصبُّ في وهج انبعاث الشِّعر، فكلُّ الأغاني مستمدّة من قصائد شعريّة، فهذه الفنون تصبُّ في فضاء الشّعر والكتابة بلا أدنى شكّ، كما أنَّ للطبيعة الَّتي ترعرعتَ فيها خلال مرحلة الطُّفولة واليفاعة والشَّباب، دوراً كبيراً في تنامي حبّي للشعر والكتابة بكلِّ أجناسها؛ لأنَّ هذه العوالم تسهم في استلهام القصائد والنُّصوص؛ لما فيها من فسحات رحبة لتجلّيات الحرف وابتهالات اللّون، فلو لم أعِشْ في بيئة وطبيعة جميلة خلَّابة كهذه، كان من الممكن أن تتوجّه اهتماماتي لقضايا أخرى، وأكثر ميولي وماتزال هي الأفكار الفلسفيّة، خاصّة أنَّني تخصَّصتُ فيها، واخترت علم الاجتماع في السّنة الثّانية؛ لأنَّ عبر هذا التَّخصُّص ندرس بناء المجتمع وفلسفة الحضارة والبحوث الاجتماعيّة وعلم الجمال والمواد الّتي تفسّر المذاهب الفكريّة والتِّيَّارات الاجتماعيّة والايديولوجيّة، ويستهويني جدّاً الغوص عميقاً في القضايا الفلسفيّة؛ لأنّها أمّ العلوم في شرح أدق الأفكار ونظريَّات التّطور البشري عبر التّاريخ الكوني برمّته، ولهذا أراني أحمل فكراً في كتاباتي وقصصي وأشعاري ونصوصي ومقالاتي؛ لأنَّ شخصيَّتي الأدبيّة في العمق تصبُّ في رؤية فكريّة أكثر من مجرّد كتابة قصص وقصائد وروايات ونصوص، وأميل جدّاً إلى الرُّؤية التَّنويريّة، والفكر الخلّاق الَّذي يسهم في تطوير الشُّعوب والبلدان، ومجنَّح إلى فضاءات السَّلام والحبّ والفرح؛ لأنّني أرى أنَّ الحياة خاوية ولا أهمّيّة لها ما لم يركّز المرء بحسب موقعه على قضايا التَّنوير والتَّطوير والحرِّيّة والعدالة والمساواة وتحقيق الأهداف الَّتي تخدم البشريّة، ولدي موقف لا مهادنة فيه ضدّ كلّ أنواع الحروب والصِّراعات البشريّة الّتي تقود بعض البلدان إلى صراعات وحروب مدمّرة لكلَّ الأطراف، كما هو الآن في دنيا الشَّرق، وأعدُّ كلَّ الحروب الّتي تمّت عبر كلّ مراحل الجنس البشري هي ضرب من الجنون والقباحات الَّتي دمَّرت البشر، والحروب كلّها مجرّد مصالح سخيفة عقيمة وغير أخلاقيّة ورؤية قميئة في تطلُّعات بعض البشر، وأعدُّ صنّاع الحروب مجموعة مجانين لا أكثر، ومندهش كيف ممكن أن يفكِّر المرء بالحروب أمام كلّ هذا التّطور البشري دقيقة واحدة؛ لأنّه من الضّروري أن يفكِّر سياسيو هذا العالم في رفع لواء السَّلام والتَّطور والعدالة والدِّيمقراطيّة والحرِّيّة والعيش الكريم، بعيداً عن لغة الحروب الَّتي تقود إلى الدَّمار والخراب، خاصّة أنّه لا بدَّ بعد أيِّ حرب مهما طالت إلّا أن يجلس كافّة الأطراف المتصارعة، والتّحدث بلغة الهدنات والمصالحات والسّلام، فلماذا إذاً يتحاربون منذ البداية؟ يتحاربون من أجل مصالح سياسيّة واقتصاديّة وقوميّة ودينيّة وقضايا عديدة أخرى، ومهما تَكُن الأسباب يجب على كلِّ الأطراف معالجة خلافاتهم عبر الحوار؛ بما يحقِّق العدالة والمساواة لكافّة الأطراف، وهكذا فإنَّ الكتابة عندي تهدف إلى تجسيد حالة وئاميّة بين البشر، وتقديم كل ما فيه خير ورفاهيّة البشر أينما كانوا، وكلّ أدب وفن وفكر وثقافة لا يخدم الإنسان والبشر هو إبداع فاشل وعابر وغير خلَّاق، لهذا علينا أن نركّز على كلّ ما من شأنه أن يمنح السَّعادة والفرح والسَّلام والرّفاهيّة للإنسان؛ كي تصبح الحياة أجمل ضمن فسحة الحياة القصيرة الّتي نعيشها!

  1. ما هي أبرز ما حقَّقته في المرحلة الابتدائية، وتعتزُّ به غير قراءة دروسك المدرسيّة؟

إن أجمل وأبرز ما حقَّقته خلال هذه المرحلة غير دروسي المدرسيّة هي الألعاب الَّتي لعبتها مع أقراني في المدرسة وخارج المدرسة والمشاوير الَّتي كنّا نقضيها في الطَّبيعة، خاصَّةً عندما كنّا نتوه في البراري الفسيحة أيّام الرّبيع، نلمّ باقات الحمّص الأخضر ونأكله بلذّة عميقة، ونعبر في أعماق حقول البطِّيخ والجبس والقتّي والعجّور/ الفنجكات، كم كان لذيذاً البطّيخ الأحمر الحلو والبطّيخ الأخضر الحامض قليلاً، والقتّي بأنواعه والعجّور نأكلها من الشّاق مباشرة، خيرات لا تحصى وكروم العنب كانت تغدق علينا أشهى أنواع العنب والزّبيب والحليلة والباستيق، هذه المرحلة من العمر هي ينبوع عميق من الفرح ولا يمكن نسيان تلك الأيَّام؛ لأنّها محفورة في أعماق الرُّوح وسهول القلب.

وكم ساهم هذا الينبوع الفسيح من الذّكريات في بناء فضائي الإبداعي على أكثر من صعيد، وقد استلهمت من وحي هذه المرحلة فضاءً روائيَّاً فسيحاً بعوالم الطّفولة، وكم أشعر بالسّعادة؛ لأنَّني تمكّنت من أن أمسك خيوط هذا العمل الرِّوائي الّذي تمحور حول أبهى ما في عوالم الطُّفولة من أفراح وألعاب وذكريات في غاية الدِّفء والحميميّة والبهاء، كما استوحيت العشرات من القصائد والقصص والنّصوص، وعشرات بل مئات اللّوحات من وحي بهاء الطَّبيعة الّتي أنعشت روحي وذاكرتي، كما بنيتُ صداقات رائعة ومورقة اخضرارها حتّى الآن، وتبعثر الأصدقاء في الكثير من بلاد العالم، وها نحن الآن نتواصل عبر الشّبكة العنكبوتيّة وفضاءات التَّواصل الاجتماعي، يقرَؤُون كتاباتي وأقرأ كتاباتهم ومنشوراتهم وأتابع أخبارهم الطَّيّبة. وأشعر في الكثير من الأحيان أنّني غير قادر على ترجمة خيوط الحنين  بكلِّ ما يعتريني من أشواق حميميّة إلى تلك الأيَّام، حيثُ تتزاحم الذّكريات الجميلة مثل الغمام في معالم المخيّلة فأحتار كيف أصيغ رونقها فوق شاشة الحاسوب ضمن كلمات وجمل ومحطّات معيّنة ممّا كان له أجمل الأثر في حياتي، فلا أجد قلمي قادراً على الإحاطة بذكريات الماضي البعيد، لما لهذه المحطَّات من أثرٍ عميق في حياتي، ويبدو أنّني سأنبش بين حين وآخر من عذوبة هذه الينابيع؛ لأستلهم من فضاءاتها قصصاً وأشعاراً ونصوصاً جديدة؛ كي أهدهدها فوقَ أغصانِ الحياة لتبقى مرجعاً حميميّاً لنا وللأجيال القادمة!

  1. تحدَّث عن شغفكَ ببيع العنب، وبيع التّشكيلة، وحضور الأفلام الهنديّة في سينما قريبك هتِّي؟

عندما أصبحت في حدود العاشرة والحادية عشرة من عمري، بدأت أبيع عنبنا بنفسي وأعفيت أمّي من البيع، فاستغربتْ وقالت: يا ابني، أنتَ ما تزال صغيراً، كيف ستبيع وحدك هذه السِّلال من العنب؟ فقلت لها، خلَّيك معي، كم يوم فقط كمشرفة على كيفية بيعي، وحالما تقتنعين من قدراتي في إدارة بيع العنب، عندها اتركيني أقوم بالمهمّة وحدي، وفعلاً ظلّت معي حوالي أسبوع وأنا أبيع العنب، أناقش سعرها مع الزّبائن وأزن لهم العنب في ميزان صنعته أمّي من القشِّ، من سيقان الحنطة على شكل طبق صغير ومرتبط بثلاثة قنّبات بعود، وفي وسط العود من الأعلى قنّب قوي لرفع الميزان.

كنتُ أبيع العنب بمهارة، وأستلم قيمته من الزّبائن، وأعيد لهم الباقي، وأضع ثمن العنب في جيبي بطريقةٍ دقيقة، حيث كان لي جيب فيه سحَّاب، أضع فيه نقودي؛ كي لا تقع من جيبي؛ أو ينتشلها منِّي أحدهم وأنا منهمك مع الزّبائن! وحالما وجدَتْ أمّي، أنّني قادر على بيع العنب وحدي، باستني وقالت: صدّق عم تبيع أحسن منّي يا ابني، وهكذا أصبحت منتجاً وأنا في العاشرة والحادية عشرة من عمري!

عقل اقتصادي متفتّح لطفل، حيث إنَّني خصّصت دفتراً لبيع المحصول أولاً بأوّل، منذ أوَّل يوم بعت فيه العنب وحدي، واتّفقت مع أمّي أن أخصِّص لي ربع ليرة يوميّاً لقاء جهدي كي أذهب إلى سينما اشبيننا هتّي، أبو جاك، مع شكري ابن عمّي، فكنّا نحضر كل فيلم جديد، وباقي الغلّة كنتُ أسلّمها لأمِّي، وأسجِّل ما استلمَتْهُ أمِّي منّي، وما استلمْتُهُ أنا، ونادراً ما كنتُ أصرف مخصّصاتي، إلَّا في السِّينما، أو شراء “مزعار، أو كلل”، أو تخصيصها لشراء دفاتر وأقلام وأدوات مدرسيّة، أو لشراء لباس و”كلاش” جديد، وهكذا ترعرعتُ منذ باكورة عمري ضمن ظروفٍ فيها مسؤوليّة وحسابات دقيقة من جانبي، فعرفت قيمة الفرنك الَّذي أربحه بعرق جبيني، وانطلاقاً من واقع الحال، جنحتُ نحو التَّقشّف والاقتصاد منذ أن كنتُ طفلاً، لا أصرف فرنكاً من فرنكاتي إلّا لما هو ضروري، وضروري جدّاً.

حالما أصبح رصيدي خمس ليرات سوريّة، خطر على بالي أن أبدأ بمشروع خاص، وهو شراء تشكيلة من المصَّاصات والبسكويت والرَّاحة والعلكة والنّعناع والكاكاو، وغيرها من أنواع السّكاكر، وبيعها بعد الغداء أمام بيتنا في الشَّارع، فوافق والدي ووالدتي، وبدأت أشتري علبة من كلِّ نوع، وعندما كنتُ أبيع قليلاً من تشكيلتي، كنت أشتري ما ينقصني من السَّكاكر الّتي يحبّها الأطفال، إلى أن أصبح عندي تقريباً عشرة أنواع من أفخر أنواع التّشكيلة الخاصّة بالأطفال، أربح أسبوعيّاً قرابة خمس ليرات سوريّة في حينها، ولكن والحق يقال كان شكري ابن عمّي، أكثر تفوّقاً منّي بكثير في بيع التّشكيلة؛ لأنّه كان ذكيّاً جدَّاً في تطوير تشكيلته، فقد اشترى لعبة السَّهم، وكان الأطفال والمراهقون يلعبون معه بالسّهم، ويشترون منه بما يربحون، وفي أغلب الأحيان كان يربحهم بلعبة السّهم؛ لأنّه كان يتدرّب في رمي السّهم ويحقِّق نتائج رائعة، واللُّعبة تتضمَّن ثلاث رميات، ونجمع الرَّميات الثّلاث، والّذي يحقِّق رقماً أكبر يربح!

تطفح من عيني دموع الحنين، الحنين إلى طفولة من لون المطر، طفولة منسابة مثل مياه دجلة في أوج اهتياجها وعبورها في أخاديد الوديان الّتي احتضنتها منذ أمدٍ بعيد، آه الذَّاكرة البعيدة بعيدة للغاية، كأنَّها حلم من أحلام الرُّوح الشَّهيّة، كأنّها ذكريات لزمن آخر غير زمننا هذا، زمنٌ معفَّرٌ بالغدر، زمنٌ مهووس بالاحتيال والحروب والصِّراعات وجنون لا يخطر على بال.

أين نحن الآن من أطفال أيّام زمان؟! يساعدون آباءَهم في الكثير من الأعمال، حنان عميق كان يربطهم مع بعضهم بعضاً، كم نحتاج إلى حنان الأسرة وتعاونها، وحنان الأوطان إلى أبنائهم ومواطنيهم؛ كي نعيشَ جميعاً في حالةِ عطاءٍ ومحبّة ووئامٍ ما بعده وئام!

  1. ما هي المواد الَّتي كنتَ تحبُّها في المرحلة الابتدائيّة، وبأيّة مواد كنت متفوِّقاً وأبرز ما قمت به؟

كنتُ متفوِّقاً بالقراءة والكتابة والمواد الاجتماعيّة، درستُ في ابتدائيّة ناظم الطَّبقجلي حتّى الفصل الأوّل من الصَّف الرّابع، ثمَّ انتقلتُ إلى مدرسة المأمون الرّيفيّة، وأبرز ما قمتُ به أنّني خضتُ امتحان مادّة الاجتماعيات في الصَّف السّادس مع مدرسة بنات “سُكينة بنت الحسين” بنجاح كبير، وحالما خبَّرنا الأستاذ مصطفى أحمد عن موعد امتحان المسابقة، حضَّرتُ مادّة الامتحان بشكلٍ مكثّف، ولخّصت كلّ ما هو مطلوب من المواد الثلاث، وقرأتها ليلة الامتحان، وراجعتها في صباح يوم الامتحان أيضاً.

أتذكّر جيّداً أنَّ القاعة كانتالقاعة نفسها الَّتي أصبحت فيما بعد مستودعاً للكتب المدرسيّة. جلسَتْ بجانبي وعلى المقعد نفسه الطَّالبة مارتا قرياقس، عينان سوداوان جميلتان، ممشوقة القوام، كنتُ قد حضَّرت الامتحان بشكل جيّد، لكن رهبة كبيرة سيطرت علينا لمجرَّد أنَّنا سنخوض الامتحان مع البنات كنوع من المنافسة!

أجبتُ عن الأسئلة بكلِّ هدوء ودقّة وراجعت إجاباتي، وبقي حوالي (20) دقيقة من الوقت، همست للطالبة الَّتي بجانبي فيما إذا تريد مساعدة ما؟ فزّوَّرتني، واعتبرَتْ نفسها أعلى من أن أساعدها، وأعلى من أن تطلب منّي مساعدة ما، حتّى ولو كانت بحاجة لذلك! .. راقبنا الأستاذ مصطفى أحمد ومعلّمة البنات، كانت المراقبة شديدة وأسماؤنا مغلقة على أوراق الإجابة وكأنّنا نخوض امتحانات للثانويّة العامّة. كان معنا آنذاك الطَّالب جتّو أحمد، عمر رمضان، عمر الخالد، طاهر عبدالرحمن، كابي نعمان، نعيم كبرو، خليل إبراهيم، بحدود (40) طالباً في الصَّف السَّادس.

قبل أن أسلِّم ورقتي قلت للطالبة الّتي بجانبي: لو عندك سؤال ما لا تتذكَّرين تعداداته سأذكِّركِ به، فقالت وهي تزوِّرني سلِّم ورقتك، مين مسكك!

سلّمت ورقتي، وانتظرتُ رفاقي. كنتُ من أوائل الَّذين سلّم ورقته، خرج الطُّلاب رويداً رويداً، انتهى الامتحان، دخلنا إلى الصَّف، بعد أن استلم مدرّس الصَّف والمعلّمة أوراق الطّلَّاب والطّالبات.

قال الأستاذ مصطفى: بعد أسبوعين من الآن، سنعلن عن أسماء النّاجحين والنَّاجحات، والطُّلاب والطَّالبات الثَّلاثة الأوائل سينالون شهادات تقديريّة، مرحى من إدارة المدرسة!

بعد ثلاثة أسابيع حضر أستاذ المادّة ومعه ظرف كبير فيه الإجابات، مصحّحة باللَّون الأحمر، كل طالب ينتظر نتيجته. بعد مقدّمة قصيرة قال: سأوزّع الآن أوراق الإجابات، وهي مدوّنة عندي في دفتر العلامات، وكلّ طالب لديه ملاحظة معيّنة ويشعر أنّه مظلوم، أو هناك خطأ ما في جمع العلامات، ممكن أن يرفع يده ويطالب بحقّه! كانت العلامة من ستّين، كل مادّة (20) درجة، بدأ يقرأ العلامات، تجاوزت علامة جتُّو أحمد فوق الخمسين بقليل، وأغلب الطُّلاب تفاوتت علاماتهم بين الثَّلاثين والأربعين، وقسم منهم بين الأربعين والخمسين، وثلاثة طلاب بما فيهم جتو أحمد قفزوا عن الخمسين، فظّلت الورقة الأخيرة، شعرت برهبة وقلق ونوع من الخوف، وإذ به يقول صفّقوا لصبري صاموئيل يوسف، حصل على العلامة التَّامّة (60 من 60).

نطّيتُ فرحاً ونظرتُ إلى زملائي وهم يصفِّقون لي، شعرتُ أنّني أطير من الفرح، كنتُ أتمنّى لو كان والدي بعقاله وكوفيّته وشرواله موجوداً، ويرى كيف زملائي يصفِّقون لي، ثمَّ صفَّقوا لجتُّو أحمد بعد أن أعلن عن ترتيبه الثَّاني، والدَّرجة الثَّالثة كانت من نصيب إحدى الطَّالبات!

تمت دعوة إدارة سكينة بنت الحسين مع إدارة المأمون الرِّيفيّة لحضور احتفال يوزِّعون فيه الشَّهادات التَّقديريّة من إدارة المدرسة للمتفوِّقين الثَّلاثة الأوائل!

بعد مقدّمة من مدير المدرسة الأستاذ “جدعون رميحان”، ومديرة سكينة بنت الحسين، تحدّث الأستاذ مصطفى ومعلِّمة البنات، ثمَّ قرأ مدير المدرسة أسماء الأوائل مع درجاتهم:

حصل على العلامة الأولى والتامّة الطَّالب صبري صاموئيل يوسف.

ثمّ قرأ المدير التَّرتيب الثَّاني لجتُّو أحمد، وقرأ اسم الطالبة الَّتي حصلت على التَّرتيب الثَّالث.

صفّق الطُّلاب والطَّالبات لنا وذهبتُ إلى المنصّة لأستلم شهادة التَّقدير، وسلّمت على المدير والمديرة وأستاذ المادّة ومعلِّمة المادّة. وعدت وقلبي يدقُّ من الفرح والبهجة، ثمَّ تبعني جتّو فالطّالبة الثَّالثة.

سمعتُ الطَّالبة مارتا تقول لرفيقتها: لَكْ شوفي شوفي هذا الطَّالب الَّذي حصل على العلامة التَّامّة، كان قاعد جنبي وسألني أكثر من مرّة فيما إذا أحتاج مساعدة ما، لكنِّي رفضتُ أن يساعدني!

جاءت وسلّمتْ عليّ، أنتَ كنت قاعد على نفس مقعدي بالامتحان.

ابتسمتُ لها بفرح، نعم كنتِ قاعدة جنبي، وحاولتُ عدَّة مرات أن أساعدكِ، لكّنكِ رفضتِ ذلك.

ما عرفت أنّك هيك شاطر.

وهلَّا عرفتِ.

ضحكتْ وقالت:أنتَ فرحان؟

نعم أنا فرحان، فرحان كتير كتير.

شو يشتغل أبوك صبري؟

والدي فلّاح، يشتغل بالفلاحة.

برافو، الله يوفّقك، تعرف صبري هلّا أنا عم أحسدك!

إن شاء الله أنتِ كمان تنجحي في مواد أخرى وتكوني من الأوائل!

الله يسمع منك يا رب.

تعرفي، أنتِ كتير حلوة.

شكراً، هاد من ذوقك.

ودّعتني بابتسامة، وظللتُ أتذكَّرها إلى أن أصبحت معلِّمة، لكنِّي لا أظن أنَّ مارتا قرياقس تتذكّر كلّ هذه التَّفاصيل المنقوشة على واحات الذَّاكرة البعيدة، وهكذا نكبر وتبقى قامات الأصدقاء والصَّديقات والأهل، وأزقّتي الَّتي احتضنتني طويلاً، شامخةً فوق شواطئ الذَّاكرة المسربلة بالحنين!

  1. ما دور اللّغة، مفردات واصطلاحات اللُّغة الّتي توغّلت في أعماقك منذ الطُّفولة في الكتابة؟

لمفردات واصطلاحات اللُّغة دورٌ كبير في الكتابة، كما لمصطلحات ومفردات اللّهجة المحلّيّة دور كبير أيضاً في تعميق الكتابة، وقد كان لدي عادة بديعة منذ الطُّفولة وهي حفظ الكلمات الجديدة والمفردات والمصطلحات الجديدة، وهذا ساعدني في تقوية زادي اللُّغوي وقاموسي الإبداعي لاحقاً، وكأنِّي لا شعوريّاً كنت أخطِّطُ أن أكون كاتباً في مستقبل الأيَّام، حيث كنتُ أكتبُ المفردات الجديدة والكلمات الّتي تعجبني في دفتر خاص، وأحفظ كيفية استخدامها في الجمل؛ وإذ بي أجدني وأنا في بداية المرحلة الإعداديّة وبعد أن اجتزت المرحلة الابتدائيّة قادراً على التّعبير عمّا يراودني، وأصبح لدي شغف في كتابة مواضيع الإنشاء؛ كي استخدم المفردات والمصطلحات والتّعابير الّتي حفظتها، وفعلاً كنتُ من الطلّاب المتفوّقين في مادّة التَّعبير والإنشاء، كما كنتُ متفوّقاً في المواد النّظريّة الّتي تتطلّب الشّرح والتّعبير عن الأفكار الّتي حفظناها، وأحياناً ما كنتُ أحضّر بعض المواد ويسمّعني المدرّس فقرة معيّنة، ومع أنَّ تحضيري للفقرة كان سريعاً وأحاول أن استرجع ما شرحه أثناء الدّرس فلا أتوقّف مكتوف الأيدي بل سرعان ما أجيب عن سؤاله بسلاسة وأشرح الفقرة بطريقة وكأنّني حضَّرت الدَّرس والفقرة بشكل جيّد، فيقول: جيّد صبري تفضَّل لكن حاول أن تركّز على مضمون الفقرة ولا داعي الدُّخول في التّفاصيل من خارج ما جاء في الفقرة، وهكذا كان يظنُّ أنّني حضّرت الدّرس، لكن دخلت في تفاصيل خارجة عن الفقرة الأساسيّة، وحقيقة الأمر كنت أشرح الفقرة من خيالي دون تلكّؤ على أساس أنّني قرأتها وحضّرتها بأحسن ما يكون التَّحضير. وهذا يؤكِّد على أهمّية اللُّغة الَّتي تشكّلت عندي للتعبير عن فكرة ما ويؤكّد أنَّ هناك زاداً لغوياً تشكّلَ لدي أستطيع من خلاله التّحدُّث شفهيّاً عن بعض المواضيع المناسبة لعمري آنذاك، واستمرّت عندي عادة التّركيز وحفظ المفردات الجديدة والهامّة والمصطلحات حتّى المرحلة الثّانويّة، وبعد أن كتبت قصصاً وأشعاراً ركّزتُ على قاموسي الشِّعري والقصصي، وبدأت أخزِّن في ذاكرتي آلاف الكلمات والمفردات والمصطلحات، وأحياناً أدوِّن بعض المفردات العامِّية من اللّهجات السُّوريّة أو المحلِّية الجزراويّة؛ لأنَّ هذه المفردات ممكن أن أستفيد منها خلال كتابة القصص والنّصوص والقصائد، وتطوّر معي المخزون اللُّغوي، وأشتغل على مدى مراحل الكتابة الَّتي بدأتها في منتصف السّبعينيات كهواية، ومنذ قدومي إلى السُّويد خطَّطتُ أن أطرح نفسي كاتباً محترفاً من حيث التَّركيز على كتاباتي وتبويبها ونشرها، ولا أزال أخطِّط في كلِّ يوم على تطوير لغتي وأسلوبي وفضائي وعالمي الإبداعي من خلال بناء جملة جديدة وصياغة فنَّية جديدة، فالبناء الفنّي للنص مهم جدّاً عندي، وخلق صور فنِّيّة جديدة مهم للغاية؛ لعدم تكرار نفسي ولتقديم نصٍ جديدٍ وصورٍ جديدة في كل عمل أدبي جديد، إلى أن وصلت إلى أسلوبٍ يخصّني، فكلُّ مَنْ يقرَؤُني ولديه اطِّلاع على تجربتي الأدبيّة، يستنتج أنَّ الكاتب هو صبري يوسف، وهكذا أظلُّ ذلك الطّفل الّذي كان ومايزال هاجسه البحث عن فضاءات جديدة، وبناء فنّي جديد، مثلما كنت أبحث عن مفردات وكلمات جديدة، أدوِّنها في دفتري، إلى أن وصلتُ بعد نصف قرن من المماحكة مع الكلمة إلى ما أنا عليه الآن!

  1. ما رأيك بالاختلاط وهل راودك أو تمنّيتَ لو كانت المدرسة الابتدائيّة مختلطة بين البنين والبنات؟

أنا مع الاختلاط، مع الدِّراسة المختلطة، وبكلِّ تأكيد كنتُ أتمنّى لو درست في مدرسة مختلطة، لكن واقع حال الدِّراسة في الشَّرق والعالم العربي ضمن الأفكار والرُّؤية السّائدة لا يمكن بالأمر السَّهل أن تكون مختلطة؛ لأنّ التّلاميذ والتَّلميذات ينحدرون من ثقافات ومشارب ومستويات متعدّدة، وهناك من الآباء مَنْ يرفض أن تدرس بناته في مدارس مختلطة، مع بعض الاستثناءات في بعض المدارس الخاصّة وبعض البلدان الَّتي تحمل رؤية انفتاحيّة، وترى ضرورة افتتاح مدارس مختلطة عبر كافّة المراحل الدِّراسيّة.

من جهتي كرأي شخصي أنا مع الاختلاط قلباً وقالباً في كافَّة المراحل الدّراسيّة، ابتداءً من الابتدائيّة والإعداديّة والثَّانوية والجامعيّة! لأنَّ نموّ الطّفل يكون طبيعيّاً، ويخفّف على الجنسين الكثير من الكبح والعنف والكبت والجمود الّذي يلازم التَّلميذ الَّذي يدرس في مدرسة بنين، كذلك التّلميذة تشعر أنَّ هناك مللاً وجموداً وكبحاً وكبتاً وجموداً خلال دراستها في المدرسة الابتدائيّة والإعداديّة والثَّانويّة في مدرسة بنات؛ لأنَّ التَّجارب في المجتمع الغربي أكّدتْ نجاح المدارس المختلطة، إلَّا أنَّ الرُّؤية والفكر الغربي التّنويري والحرِّيّة المتاحة للجنسين، البنين والبنات، والقوانين السَّائدة في البلاد تساعد على نجاح هكذا تجارب في الاختلاط، وحول هذا الموضوع ممكن الإجابة بعشرات الصَّفحات، وكتابة بحوث وكتب عن هذا الأمر، لكنّي سأختصر جوابي بالإشارة إلى ضرورة أن يغيّر المجتمع العربي تفكيره في هذا السِّياق، ويخطِّط في تنشئة طفل بشكل سوي وطبيعي، وضرورة أن يدرس آلاف البحاثة وعلماء النّفس ما يحتاجه الجنين وهو في رحم أمّه، ثمّ تأمين احتياجات هذا الجنين قبل أن يرى النّور، وتوفير كل وسائل العيش من مأكل ومشرب وملبس، لكلا الجنسين على حدٍّ سواء، وتأمين حاجياتهما في الرّعاية، ثمَ توفير مدارس مختلطة بعد تهيئتهما عبر تربية، وضمن دراسات وبحوث وقوانين تساهم على تنشئتهما تنشئة صحيحة بموجب قوانين يتمّ سنّها بحسب دراسات وعلى ضوء هذه الدِّراسات والقوانين تتم رعاية وتعليم وتربية الأطفال، على أن يتمَّ نشر هذه الثّقافة في المجتمع، بحيث يطّلع عليها الآباء والأمّهات، وإقناعهم بأهمية الدِّراسة المختلطة، وهكذا جيلاً بعد جيل سيتمُّ تحقيق النّجاح والأهداف المأمولة من الاختلاط كما حقّقه الغرب، ولا بأس من الاطّلاع على أحدث النّظريات والبحوث والدِّراسات العالميّة الّتي تمَّت في هذا السِّياق؛ وبالتَّالي الاستفادة منها أثناء وضع القوانين وسنّها في دنيا الشّرق، مع الأخذ بعين الاعتبار الكثير من الأفكار الشَّرقيّة ومراعاتها ومعالجتها وإيجاد تفنيد وحلول لها ضمن منظومة مناسبة. ومن الخطأ أن يترعرع التَّلاميذ والتَّلميذات ويكبر المراهقون والمراهقات ويصلوا إلى سنِّ البلوغ وهم لا يعرفون إلّا القليل القليل من الفروقات بين الجنسين، لهذا أرى ضرورة إيجاد مادّة لتعليم التّلاميذ والطُّلَّاب كل ما يحتاجه من معلومات بشكل علمي، بحيث أن يصبح الطَّالب ملمّاً بالثّقافة الجنسيّة والعاطفيّة، ويعرف كيف يتصرّف مع زميلته، وتعرف زميلته كيف تتصرّف معه بحكمة، وكلّما كانا مطَّلعين على هذه الثّقافة، تصرَّفا بشكل أصوب وأدق، وكلّما كانا جاهلَين بهذه الثّقافة، وقعا في مواقف ومطبّات غير مأمولة! ونظراً لأنّهما أوَّلاً وأخيراً سيدرسان في الجامعة سويَّة، فلماذا لا نؤهَّلهما في المراحل الأولى؛ كي يستعدّا في المرحلة الجامعيّة للقاء بدون أيّة ارتباكات ويكونان على قدر كبير من المعلومات المتعلّقة بين الجنسين ويكونان على ثقافة جنسيّة وعاطفية تؤهِّلهما من المعرفة العميقة للتعامل مع بعضهما وبالتَّالي يكونا مسؤولَيْن عن تصرُّفاتهما ويعرفان كيف يتعاملان مع بعضهما ضمن ما هو متاح لهما من القوانين والأعراف الَّتي تنظِّم المجتمع والأسرة، وكلّما تحقَّقت هذه الظُّروف للجنسين، خفَّفت جرائم الاغتصاب والانحراف، وأصبحت العلاقات سويّة أكثر حتّى ولو تخلَّل بعض المواقف الخاطئة والاستثناءات بين الطَّرفين؛ لأنَّ أخطاء كهذه ممكن أن تحصل في كلِّ مجتمعات الكون، لكن الأهم أن ينمو البنون والبنات بشكل طبيعي، ويعيشان ضمن ظروف سلسة للتواصل والدّراسة، وحتّى لو وقعَ حب معيّن بينهما يتمُّ عن دراية وعن وعي، ولهذا يستطيعان أن يقرِّرا كيف يتصرَّفان، بينما عندما يكونا جاهلَين، فإنّه من الممكن أن يقعا في بعضِ الأخطاء؛ ولهذا يمكن تجنُّب المجتمع الكثير من المشاكل لو تمّ افتتاح مدارس مختلطة منذ المرحلة الابتدائيّة وحتَّى آخر مرحلة دراسيّة يدرس فيها الطَّرفان!

  1. ماذا تعني لك الموسيقى، زقزقات العصافير، تغريد البلابل، هدير الرّيح، حفيف الأشجار؟

الموسيقى، زقزقات العصافير، تغريد البلابل، هدير الرِّيح، حفيف الأشجار، أنغامٌ تناجي القلب، لغةٌ رحبة تنقلنا إلى منارةٍ شامخة، كأنّها محبوكة من دندناتِ ترتيلة بهجة الرُّوح. الموسيقى أنغامٌ منبعثة من أحلام دقّات القلب، قبل أن تناغي أزاهير الصّباح. عناقٌ الكائنات لأحضان الطّبيعة في هدوء اللَّيل.

تبدو لي الموسيقى كأنّها شهقة نيزكٍ منبعث من حنايا السّماء على إيقاع زخّات المطر، أحلامٌ مجدولة من سديمِ اللَّيل، على تجلّيات قبلة عاشقٍ في أوجِ الاشتياقِ إلى أحضان عاشقة مزدانة بلونِ الشّفقِ الصّباحي، الموسيقى لغةُ ابتهالِ القلب على مدى العصور، منذُ أن عانقت البحار اليابسة حتّى حلّقَت المراكب أجواء السّماء وحطَّتْ فوق تخوم القمر. بسمة الرّوح وهي تناجي ضياء السّماء في ليلةٍ ممهورةٍ بأجراسِ الحنين.

الموسيقى ذبذبات مرنّمة من إيقاع بوح الرّوح، وهي في أوج تجلِّياتها وحنينها إلى بسمة الأطفال وأغاني الأمّهات وهنَّ تُهدهدْنَ الأطفال في مهودهم؛ كي يَغفَو على هدهداتهنَّ بين رحاب أحلامٍ ورديّة. الموسيقى صوتُ السّماء وهي تهطل مطراً متناغماً معَ حبورِ الابتهال، صوتٌ منسابٌ معَ أنغامِ هديرِ الرِّيحِ وهي تعانقُ اهتياجَ موجات البحار، الموسيقى شوق الطّبيعة إلى تلألؤاتِ نجيماتِ الصّباح الغافية بينَ جفونِ السَّماء. سؤالٌ مفتوح على هلالاتِ بوحِ القصائد، حيثُ إشراقة الرّوح تزادُ سطوعاً فوقَ شواطئِ القلب!

مراراً تساءلتُ، هل استلهم الملحّنون أنغام الأغاني من تغريدِ البلابل وهدهدات اللّيل وحفيف الأشجار على إيقاعِ خيوط حنين القصائد وهم ينشدون أحلام الطّفولة على هبوب نسائمِ الرَّبيع في صباحٍ مبلَّلٍ بندى معبّق بأريجِ الياسمين، هل استنبطَ الملحّنون الأغاني من زقزقات العصافير وهي تناجي إشراقة خيوطِ الشَّمس المتناثرة بكلِّ انتعاشٍ فوقَ أغصانِ الحياة؟!

  1. ماذا تعني لكَ لحظة إشراقة الشَّمس، هبوب نسيم الصَّباح، تفتّح الورود والأزاهير؟

لحظة إشراقة الشّمس، تعني لي الولادة، الفرح، الحب، العطاء، البهاء، الحياة، تراودني قصيدة القصائد لحظات بزوغ الشَّمس، أشعر وكأنّي في حالة تجلٍّ مبهجة للروح، يغمرني حنين إلى والدي؛ لأنّه كان ينهض قبل إشراقة الشِّمس متوجِّهاً نحو حقله؛ ليحرث أرضه العطشى لعناق سكّته، وشوقٌ لا يضاهى إلى أمّي وهي تنهض مع أبي متوجّهَين إلى كرمنا قبل بزوغ الفجر، وهناك تقطف سلال العنب. كم كنتُ أفرح وأنا أنظر إلى بزوغ هلالات الفجر، كأنَّ الشَّمس تنعم دفئها على العالم، الشّمس صديقة الكائنات كلّ الكائنات، صديقتي الأزليّة، تبهجُ روحي وقلبي وهي تسطع علينا في كلِّ يوم، ماذا سيحلُّ بنا لو غابت عنّا الشَّمس على مدى سنين؟

كيف خطر على بالي أن أسأل ذاتي هذا السُّؤال، هل هناك تخاطر بيني وبين ضياء الشَّمس، أم أنَّ الشَّمس بركة السّماء للأرض، الشَّمس عاشقة لا تنام؟ حلمٌ مفتوح على بوّابات النَّعيم، حرفٌ مندّى بأسرارِ دفء الحياة، الشّمس شهيقُ الأرضِ على مدى الزّمان.

هبوب نسيم الصّباح يعانقُ حنيني إلى انبعاثِ بهاءِ الحرف، يشبه خدود الأطفال وهو يلفّح وجنة الغابات بعذوبة النّدى، يشرح صدري، يمنحني بهجةً وأنا أتجوَّل في أعماق المروج، هديّةٌ من نعيمِ السّماءِ، كيف يعيش المرء بعيداً عن هبوب النَّسيم، كيف تعيش الكائنات بعيدةً عن نداوةِ النّسيم؟ هبوب نسيم الصَّباح بلسمٌ شافٍ لأوجاع الكائنات؛ لأنّه يمنحُ الكائنات شهيق الحياة!

يذكِّرني تفتُّح الورد والأزاهير بالطُّفولة المبرعمة فوق خدودِ اللَّيل، بعذوبةِ الماء الزّلال، بتفتُّح أغصان الحبّ وتوهُّجات ألق الشَّباب، بأناشيدِ العيدِ، بقبلة الحبيبة وهي تموجُ فوق أعشاب الحنين، يشبه تفتُّح الورد  والأزاهير خصوبة الحرف وهو في أوج انبعاثه ليرسم دندنات بوح القلب فوقَ خميلة الحياة!

  1. ما قصّة العواصم العربيّة والعالميَّة وحفظها والتّباري بها في المدرسة وخارج المدرسة؟

قصّة حفظ العواصم العربيّة والعالميّة قصّة طريفة ومعبّرة وتنمّ عن طموحات طفل في الصّف الخامس الابتدائي، يحبُّ أن يحفظ العواصم، ويحقّق حضوراً وتفوّقاً على أقرانه، فقد حصلت على مفكّرة تتضمّن العواصم العربيّة والعالميّة، وإذ بي أحفظها خلال أيام قلائل، ويسمع بي مدرّس الجغرافية، ويقوم بمباريات مع طلّاب الصَّف فأتفوَّق على زملائي، وينتشر الخبر إلى بقيّة الصُّفوف داخل وخارج المدرسة، وإذ بي أجدني في حالة تساؤل من قبل المدرّسين والأصدقاء والطُّلَّاب عن عواصم العالم، تردني في المدرسة والبيت والشَّارع، وأصبحت خلال أيام أتبارى مع طلّاب الصّف السّابع والثَّامن، ثمّ طلّاب في المرحلة الثّانويّة، وأتفوّق عليهم، ودفعني هذا التَّباري إلى مراجعة العواصم يوميّاً وحفظها غيباً دون أيِّ تلكّؤ، وكان تفوّقي يحقِّقُ لي متعةً وثقةً واعتباراً، ويبدو أنَّ نشوةَ الفرادة والتّفوُّق تشبه إلى حدٍّ بعيد نشوةَ الإبداع.

كانت أيَّاماًجميلة وأنا أقف أمام طلّاب من المرحلة الإعداديّة والثَّانويّة وأتفوّق عليهم، حيث كنّا نتبارى بأن يسأل كلّ واحد منّا الآخر عن عاصمة ما، فكنتُ أحدّد عواصم لم يسمع بها من الدُّول الّتي لا ترد في كتب الجغرافية ومن خارج المنهاج المدرسي، فلا يحزر سؤالي فأتفوّق عليه، وهذا السُّلوك الطُّفولي ينمُّ عن طموحٍ ونزوعٍ نحو التّمايز وروح التَّفوِّق دون أن أدري، وظلَّت هذه الرّؤية الطّموحيّة تعشِّشُ في أعماقي، وتراودني فيما يتعلّق بفضاء آفاق الكتابة والإبداع، حيث أراني دائماً في حالة نزوع نحوَ كتابةِ قصصٍ ونصوصٍ وأشعارٍ جديدة وحديثة في بنائها وفضائها وموضوعات تجلِّياتها الخلّاقة!

  1. كيف اشتغلتْ أختك كريمة بالمغزل والخيط محرام كبير لسرير مزدوج(2 × 2)م على مدى شهور؟

أتذكّر جيّداً هذا العمل الَّذي قامت به أختي كريمة، وهي فنّانة مدهشة في الغزل بالمغزل المعدني الرّفيع، والنّقش بالإبرة على القماش الخام، واندهشتُ جدَّاً على تبنِّيها صفقة غزل محرام بلون طحيني فاتح، بعد أن قدّم لها صاحب الفكرة لغزل المحرام، نموذجاً يتألّف من صليب على شاكلة وردة بحيث تغزل المحرام بقياس الصَّليب/ الوردة نفسها وبخيطان خاصّة أشبه ما تكون خيطان السّاتان، لكنَّ الخيطان كانت أرفع من خيط السّاتان العادي، وهكذا اتفقا على الصّفقة، حيث أعطت أختى مهلة العمل ما بين (5 ــ 6)شهور، وبعدها يستلم المحرام جاهزاً، وفي حال لم تغزل المحرام بحسب الطّلب، تفقد الصّفقة شرطها، وتدفع أختي له كلفة الخيطان، ثمّ ودَّعنا بعد أن اتّفق مع أختي على مبلغ (400) ليرة سورية في حال لو كان العمل مستوفياً شروط الاتِّفاق الَّذي تمَّ منذ قرابة أربعين عاماً!

قلت لأختي في حينها: كيف تتَّفقين معه على مبلغ قليل كهذا، ستعملين ستة شهور متواصلة مقابل مبلغ زهيد من المال!

ضحكت وقالت: يا أخي أنا أعمل بالمغزل كتسلية، وأنْ أعمل هذا المحرام، أفضل من أن أجلس في المنزل بدون عمل، وهذا المبلغ البسيط سنقضي به حاجة ما من حاجاتنا الضّروريّة!

أقنعتني في طرحها وأدهشتني في قناعتها وثقتها بنفسها، ابتسمتُ لها قائلاً: على راحتك يا أختي. قدَّم صاحب المحرام لأختي كمّيات كثيرة من الخيطان، وبدأت تعمل في غزل المحرام، تألَّف المحرام من (20)صفّاً، كل صف فيه (20) صليباً، يشبه وردة في تداخلاته وتفرّعاته، وهو مربّع الشّكل (20×20) يساوي (400) صليب. أذهلني خيالها وصبرها ورجاحة عقلها، وقدرتها البديعة في العمل المتواصل على غزل الصّلبان وحبكها مع بعضها بعضاً بدقّة منقطعة النّظير، حيث كانت تَعدُّ كلّ خط رفيع وكلّ تفرّع من تفرّعات الوردة بدّقة متناهية، مع أنَّها كانت أمّية لا تفكُّ الحرف، لكنّها كانت تفكُّ أعقد مشكلة في الغزل، حقيقة شعرت أنّني جاهل أمام إمكانيَّاتها العالية في الغزل ومهاراتها في ربط الورود/الصّلبان بدقّة مدهشة، كأنّ الصُّلبان مصنوعة بآلة صناعيّة لها القياسات نفسها وتغزلهاعلى الملم! ومنذ ذلك الوقت وحتَّى الآن أعدُّ أختي ليست أمّيّة، ولا أظن أنّ الأمِّيّة تُقاس فقط بالكتابة والقراءة؛ لأنّ قدراتها تفوق معلّمة ومدرّسة في الجغرافية أو التّاريخ أو الحساب. الأمّيّة الحقيقيّة هي أن يكون المرء جاهلاً ومتخلِّفاً حتّى في مجالات عمله وتخصّصه، فكم من الأمِّيِّين والأمِّيات في العالم من المتعلِّمين والمتعلِّمات!

أنجزت العمل بعد أربعة شهور ونصف، ولم يكُنْ لديها وسيلة اتصال معه، وكان من أهل الدّاخل السُّوري، من المدن الصَّغيرة التَّابعة لحمص، وبعد ستّة شهور جاءنا إلى المنزل، وفرحت أختي بقدومه، وبعد أن استقبلناه جلبت له المحرام وفرشته على سرير أخي الكبير وهو تقريباً (2 × 2)م، وعندما نظر إليه فغرَ فاه مشدوهاً للدقّة والرّوعة المحبوكة، فأخرج من جيبه خمس مئة ليرة سورية، وقدّمها لأختي وقال لها: أنتِ تستحقِّين مئة ليرة مكافأة منّي؛ لأنّني لم أجد مَنْ تقوم بغزل هذا المحرام بهذه المواصفات الرّائعة إلَّاكِ.

قالت أختي له: ولكنَّنا اتَّفقنا على (400) ليرة، أجابها قبل أن تتمم حديثها والمئة ليرة هي مكافأة كما يحصل أي عامل أو عاملة ماهرة في إنجاز عملها، ثمّ قال لها: أنتِ فنّانة مرهفة في عملكِ يا كريمة!

فرحتْ أختي لثنائه وإعجابه بالمحرام، ثمَّ ودَّعنا حاملاً محرامه كأنّه هديّة الهدايا سيأخذه إلى زوجته!

يراودني أنَّ عملاً فنّيَّاً كهذا بالأعمال اليدويّة وبهذه الدّقة والحجم لو كان في متحف من متاحف أوروبا لقدّر مدير المتحف قيمة العمل الفنِّي اليدوي ربَّما بما لا يقل عن مئة ألف دولار.

مَن يصدِّق أن أختي المرتبطة بالأرض قدّ وجّهت أنظارها من ربوعِ القامشلي نحو سماء بيروت مع ابنها وابنتها وحفيدتها وزوجها، تنتظرُ مع أسرتها طلب الهجرة إلى سماء استراليا، تاركةً خلفها الكثير الكثير من المحارم الفنّيّة الّتي غزلتها، وأعدَّت عشرات عشرات بل مئات الألحفة والوسائد الَّتي صمّمتها واشتغلتها على مدى أكثر من نصف قرن من الزّمن، تقف الآن بجانب النّافذة والدُّموع طافحة من عينيها، متسائلةً كيف سأعبر البحار مثلما عبر أخي وابني من قبلي، وأترك خلف ظهري ذكريات عقود من الزَّمان، قاصدةً مع أسرتي وحفيدتي الصَّغيرة ما وراء البحار وفي ذهني يتراقصُ بحنينٍ عميق ألف سؤال وسؤال؟!

  1. ماذا كان ينتابك وأنتَ تنظر إلى والدك وهو يركب على بغلته ويجرّ الأخرى وعليها عدّة الفدّان/ الخشب والنّير والبرمولكات واللّابوسة/ المسّاس والسّكّة وغيرها من العدّة الخاصّة بالفدّان؟!

سؤال لا يخطر على بال، حقيقةً أبهجني هذا السُّؤال؛ لما يحمل بين طيّاته من ذكريات حميميّة بديعة؛ لأنّه يذكّرني بوالدي وأصدقاء والدي، حيث أراهم كأنّهم مجبولون من طين الأساطير، لمجرّد أن أتخيّل والدي بهذا المشهد، يركب على بغلته، ويحمّل بغلته الثّانية بعدّة الفلاحة بطريقة دقيقة وموزونة؛ كي لا تقع من على ظهر البغلة، خاصّة أن تلك البغلة المحمّلة كانت شمّوسة، أي غير أليفة وتجفل فجأة بسبب أو بدون سبب، وترفس ولا تهدأ بسهولة، يحمّل والدي عليها خشبه/ الَّذي يشكّل الجزء الأكبر من الفدّان، مع النّير الّذي يتموضع فوق رقاب البغلتين، ويضع حول رقبتيهما البرمولكات؛ كي تساعد على حماية رقبَتي البغلتين، والسّكة والمسّاس، وغيرها من أدوات وعدّة الفلّاحة. تبدو لي هذه العدّة أنّها تحتاج إلى “بيكآب”؛ كي يتمَّ تحميلها فيه، ومع هذا كان يحمّلها على ظهر بغلته، ثمّ يوجِّه أنظاره نحو حقول القمح، وهناك بعد وصوله ينزّل عدّته، ويبدأ بربط الفدّان من خلال العدّة الكاملة، وفي مثل هذه الحالات كان يحتاج إلى مساعدة أختي كريمة، فكانت ترافقه سيراً على الأقدام دون أن تركب، ويسيران إلى أرض الفلاحة، وتساعده أثناء ربط عدّة الفلاحة وتركيب النّير والبرمولكات فوق رقاب البغلتين، ثمَّ يشقُّ طريقه ويحرث الأرض طوال اليوم، يتخلَّل حراثة الأرض استراحات الغذاء والعصر ويترك البغلتين تسترتيحان من دون أن يفكّهما من عدّة الفلاحة، وبعد أن يتناول زوّادته يعود للفلاحة. أتذكّره الآن وكأنّه ماثل أمامي بقامته القصيرة وكوفيّته وعقاله وشرواله وچاروخه، والچاروخ حذاءٌ يُصنع باليد من جلد البقر؛ كي لا يلتصق به التّراب المبلَّل فيسقط بسهولة كلّما تلملم حول الچاروخ؛ لأنّه لا يساعد الچاروخ على التصاقه؛ لأنّه أملس ولا كعب له، لهذا كان يرتاح بچاروخه أثناء الفلاحة، وبرأيي أنَّ الجهد الّذي كان يبذله والدي خلال يوم واحد يعادل الجهد الّذي أبذله في كتابة عمل روائي؛ لأنَّني لا أستطيع أن أتخيّل أن رجلاً في عمر السّتين وما فوق، ممكن أن يحرث الأرض على مدى ساعات النّهار قرابة (10 ــ 12) ساعة، يحرث الأرض بفدّانه ويسير خلف بغلتيه ويديه مضغوطَتين فوق قبضة الفدّان لمدّة ساعات وساعات، يا إلهي كيف كان يتحمّل والدي وفلّاحي ذلك الزَّمان كلّ ذلك الجهد لو لم يكُنْ لديهم طاقة أسطوريّة وصبرٌ لا يضاهيه صبرٌ آخر؟ ومع كلّ هذا ما كانت البسمة والبشاشة تفارق وجوههم، وكم كان والدي يحبُّ القصص الفكاهيّة والحديث الَّذي يحمل طابع الطّرافة والفكاهة والضّحك، يأكلُ قليلاً من الزّاد، ويحرث أرضه بكلِّ همّةٍ ونشاطٍ، وكأنّه في رحلة في الهواء الطّلق. كم أشعر بالأسى أنّنا ما كنّا في ذلك الوقت نمتلك كاميرات من أي نوع كان، كي أصوّره وهو يحرث أرضه ويحصد حنطته مع إخوتي وأخواتي وأمِّي، يا إلهي كم أشعر بالحنين إلى تلك الأيّام كأنّها عصرٌ أسطوري ومن وحي الخيال، لا أستطيع أن أصدّق أنّني عشت تلك المرحلة البديعة من حياة أسرتي، وخاصَّة جهود والدي ووالدتي، إلّا أنّني أشعر بسعادة غامرة؛ لأنّي حالما تخرّجتُ من الصّف الخاص وبدأت أشتغل معلِّماً، ثمَّ موجّهاً في إعدادية يوسف العظمة، أحَلْتَه على التَّقاعد، وناقشت معه طويلاً إلى أن أقنعته بضرورة أن أحيله على التَّقاعد، فقال كيف سأعيش؟ فقلت له أنتَ ربَّيتني إلى أن أصبحتُ معلِّماً، الآن جاء دوري كي أعيلكَ إلى آخر دقيقة أنتَ حي وعلى وجه الدُّنيا، ولابأس أن نعطي أراضينا لمزارع كي يقوم بحراثة الأرض بالجرّار/ التراكتور، ويحصد الحنطة بالحصّادة، ويأخذ ثلث الإنتاج ونحن نحصل على ثلثي الإنتاج، وهكذا أعفيتُ والدي من حراثة الأرض، لكنّه لم يبقَ بعيداً عن عوالمها فكان يزورها ويحرسها من دخول الأبقار والحيوانات الشّاردة، ويحرس مع حنطتنا كافّة الحقول المجاورة مجّاناً، والجميل في الأمر أنّنا كنّا نحصل على منتوج أكثر خلال مرحلة الاعتماد على مزارع، ونقبض آلاف اللّيرات السُّوريّة، وكانت تعادل أضعاف راتبي السَّنوي، وإذ بي أجدني أنَّ والدي كان يربّيني من إنتاج أراضيه أكثر ممَّا كنت أنفق عليه من راتبي، ولم يقبض في حياته ليرة واحدة من الموسم، حيث خوَّلني أن أقبض حصّتنا من الإنتاج، وتركَ الغلّة تحت تصرُّفي وتصرُّف الوالدة، مركّزاً على المرح والفرح والفكاهات إلى أن ودّع الحياة وهو في أوج ابتهاله وانصهاره مع الأرض، وحبّه العميق للبنين والبنات والأحفاد!

  1. ماذا تعني لكَ عشيفة الأعشاب من القطن وأنت تشتغل مع أختك وبقيّة الصَّبايا في أوائل الرّبيع؟

تعني لي الكثير، تعني لي الجمال، تعني لي العطاء، تعني لي المساواة بين الرَّجل والمرأة، تعني لي التَّعاون العميق بين أفراد الأسرة، تعني لي بناء الوطن؛ لأنّه لو عشف أو عزق واقتلع كلّ طفل وشاب وشابّة الأعشاب والحشائش من حقول القطن والخضار وبساتين الفواكه، سيرتفع محصول إنتاج القطن والخضار والفواكه، وسيدرُّ على الوطن المزيد من الخيرات.

كنّا ننهضُ في الصَّباح الباكر، نأخذ زوَّاداتنا معنا، يستلم كل عامل قدّومه في الصَّباح ونسلّمها في نهاية اليوم، أحياناً كانت بعض الصّبايا يغنّين بكلِّ عذوبة وفرحٍ، كم كنتُ أستمتع بفترات الاستراحة ونحن نتناول الجبن وخبز التنّور والخيار والبندورة، والبيض والبطاطا المسلوقة، كأنّنا كنّا نأكل أشهى طعام، للأكل نكهة ألذّ عندما نتناوله في الطَّبيعة بعد جوعٍ وعملٍ مجهد، وللاستراحة نكهتها وبهائها خاصّة أنّنا كنّا نعمل صبياناً وبنات! كانت يوميّة أختي أكثر منّي، فقد كنتُ أتقاضى (4) ليرات سوريّة بينما أختي تتقاضى (6) ليرات سوريّة؛ لأنّها كانت أكبر منّي بحدود عشرة(عشر) سنوات، وأنا كنت مراهقاً بحدود الرابعة عشرة من العمر، وكانت تعشف أفضل منّي بكثير، كم كان لتلك اللَّيرات أهمّيّة، وكم كنّا نفرح ونحن نقبض ليراتنا في نهاية كلِّ أسبوع! يخيّل إليّ أن شبّان وشابّات هذا الزّمان لو قبضوا آلاف اللَّيرات ومئات الدُّولارات أسبوعيّاً، لا أظنُّ سيفرحون بما يقبضون مثلما كنّا نفرح أيَّام زمان بليراتنا القليلة!

ماذا تغيّر كي تتقلّص البسمة ويتوارى الفرح من قلوب أجيال هذا الزّمان؟ انّي أرى أحياناً كثيرة، وكأنَّ البشر يمرّون في حالة تطوُّر انزلاقي نحو الخلف، نحو أسفل السَّافلين في بعض الأحيان، وإلّا ما معنى كلّ هذه التّخبّصات والصّراعات والحروب القميئة الَّتي تتفاقم فوق جبين وصدغ البلاد في دنيا الشَّرق، والكثير من بلدان العالم، في الوقت الَّذي كنّا أيام زمان نعشف الأعشاب من حقول القطن، ونتابع في الوقت نفسه دراساتنا، والبسمة مرتسمة على وجوهنا ووجوه آبائنا وأمّهاتنا وإخوتنا وأخواتنا وأصدقائنا، نتعاون صغاراً وكباراً في بناء أُسرنا وأوطاننا، حتّى ولو كنّا في ظروف قاسية، مع كلِّ هذا كنّا نفرح ونغنّي ونذلِّل الصُّعوبات الّتي تعترضنا ونحدّد الأهداف، ونصل إلى مرامينا بعيداً عن هدرِ الدِّماء الّذي نراه الآن؟!

  1. ماذا تتذكَّر من رفس الكرم، والكسيحة/ تقليم الأغصان، وإزالة القشرة من جذوع أشجار الكرمة؟

أتذكَّر أجمل الأيام، نذهبُ في أوائل الرَّبيع إلى كرمنا المطلِّ على دير مار يعقوب، بعد شتاءٍ طويل كي نرفس الكرم بالمرِّ، وهو كالرفش، ذو نصْلٍ مستوٍ بحدود (30) سم طولاً و (20) سم عرضاً، وفوقه قطعة خشبيّة، وله زند طويل يصل إلى الصّدر، نضغط على الخشبة الصَّغيرة بباطن قدمنا اليمنى أو اليسرى، بحسب استخدام القدم بأعمال كهذه، فيدخل النّصل عميقاً في التّربة الرّخوة، ونقلب ما نحفره، فيستقبل التّراب المقلوب أشعة الشَّمس الدّافئة، أشعر وكأنَّ التُّراب النَّدي يفرح وهو ينقلب فوق وجه الأرض، ويتنفّس ببهجة عميقة، أشمُّ رائحة التُّربة المباركة كأنّها عبق الحياة، تخرج منها بعض الحشرات الصَّغيرة، وتتشمَّس بمرح، وتسير فوق التُّراب النّدي وأشعّة الشّمس تداعبها. تستقبل هذه الكائنات الصَّغيرة إشراقة الشَّمس ودفئها بكلِّ فرحٍ، كم هو مريح المشي على التُّراب النّدي، وتخرج السَّحالي والحشرات الصّغيرة وتمرح بين التُّراب وهي تسير مزهوّةً تحتَ دفء الشَّمس، حتَّى الكائنات الصَّغيرة تمرح وتفرح لإشراقة الشَّمس عليها، نرفس الأرض على محاذاة بعضنا، وأحياناً نرفس زوجين زوجين، أي نضرب ضربة مزدوجة، ونقلب دفعة واحدة التُّراب الَّذي نرفسه، خلال أيّام قليلة ننتهي من رفس الكرم، ونلمُّ الأعشاب والحشائش والأحجار، وتصبح التّربة ناعمة وطيبّة، وتساعد في تغذية الدَّاليات؛ كي تثمرَ عنباً شهيَّاً من كلِّ الأنواع.

يقلّم أخي الكبير الكرم من الأغصان الطَّويلة، ويترك هذه الأغصان الرّفيعة الطَّويلة في الكرم إلى أن تجفّ، ثمَّ ننقلها في “الكارات” على ظهر حمارتنا “حيصة” إلى المنزل؛ كي نستخدمها حطباً للتنّور، كما كنّا نستخدم قسماً منها لبناء أرضيّة عرزيلتنا خلال الصَّيف، يكسح أخي الأغصان؛ كي تصبح الدَّاليات جاهزة لنموّ أغصان خضراء جديدة من خلال نمو براعم جديدة، وكم كنّا نفرح عندما نشاهد تشكُّل براعم جديدة، وكأنّنا نشاهدة حالة ولادة جديدة، ولِمَ لا؟ إنّها ولادة البراعم، أجل كلّ ولادة تبدأ كبرعم، حتّى الأطفال يولدون كبراعم ثمَّ ينمو الطّفل ويتفتّح كبرعم إلى أن يصبح شجرة وارفة مخضوضرة بأشهى أنواع العطاء.

بعد أن يتمَّ تقليم الدَّاليات، تبدو جميلة وكأنّها حليقة الرَّأس، يطلب منّي والدي ومن أختي أن نزيل قشور السَّاق، ونبدأ بإزالة القشور اليابسة من جذع الدَّالية المتفرّع إلى فروعها العديدة، فتبدو بعد تقشير قشرتها كأنّها لبست حُلَلها الجميلة، نلملم القشور اليابسة في أكياسٍ كبيرة، ثمَّ نرميها في العراء في ساحة قريبة من الكرم ونحرقها، بدَتْ لي هذه الحالة الاشتعاليّة وكأنّ لكلِّ شيء ولكلِّ كائن حي دوراً في الحياة، ثمَّ ينتهي سواء بالاشتعال، أو بأيّة طريقة فنائيّة أخرى! وبعد أن نبذل جهوداً طيّبة في الكرم، نتناول الطّعام في الهواء الطّلق، نفرش زوّادتنا، ونبدأ بتناول الطَّعام بشهيّة مفتوحة، كنتُ أحبُّ الحلاوة، والتَّمر، والأجبان بمختلف أنواعها والخضار وخبز التَّنّور، نأكل بلذّة عميقة، ونشرب الماء البارد من الجرّة المغطّاة تحت تراب الدّالية النّدي، ننظرُ بكلِّ فرحٍ إلى الدَّاليات وكأنّها صبايا جميلات تشمخ بهاءً، وفي انتظارِ نموِّ اخضرارها الجميل وعطاءِ ثمارها اللّذيذة بعد شهور! ..

  1. ماذا يعني لك صديق الطُّفولة وأنت تسمع صوته عبر الهاتف أو تتلقَّى منه رسالةً أو سلاماً؟

صديق الطّفولة هو جناح الحنين إلى مرابع الذّاكرة البعيدة في أبهى حُلَلِها، هو بسمةُ فرحٍ في دنيا الاغتراب، هو إشراقةُ بوح القصيدة وهي تنسابُ مثلَ عذوبةِ الماءِ الزّلال فوقَ خميلةِ انبعاثِ الخيال، شوقاً إلى أزقّةِ البيوتِ العتيقة، حيثُ ظلالُ الرّوح تغفو بين مرافئ القلب هناك بين أزقّتنا الّتي ترعرعنا فيها.

أفرح عندما أتلقَّى اتّصالاً من صديقٍ أو صديقة، تستنهض ذكريات الطُّفولة والشَّباب وأشعر بفرح يبهج القلب، تطفحُ دموع الحنين، وكأنّي طفل شاهد ألعابه البهيجة فجأةً، لو علمَ أصدقاء الطُّفولة إلى أيِّ مدى يتظلّلون بين مرافئ القلب، لوجّهوا أنظارهم نحو محراب هذه الشَّواطئ قبل انبلاجِ الفجر. الحياةُ  حلمٌ مسروجٌ بخيوطِ متشابكة مع شفير الانكسار، رحلةٌ عابرة فوقَ أجنحةِ الرِّيح، أشواقٌ مبلَّلة بلهيبِ الذّكرياتِ، لغةٌ محبوكةٌ بآهاتِ بوحِ السُّؤال، طفولةٌ مبرعمة بين مساراتِ أحلامنا الهاربة نحوَ الذَّاكرة البعيدة، حيثُ قهقهاتنا تغفو فوقَ أسوارِ أحواشِنا السّاطعة فوقَ هلالاتِ حروفٍ متدفِّقة من حبورِ الشَّوقِ.

نحن البشر لا نعلم أهمّيّة الصَّداقاتِ، ولا ندري إلى أيِّ مدى للطفولة أثرٌ في تشكيلِ بسمةٍ وارفةٍ فوقَ عذوبةِ ينابيعِ الرُّوحِ. نغوصُ في خضمِّ الحياةِ، نتوهُ في انشغالاتِ العمرِ، ننسى بسمةَ الماضي الجميل، نضيعُ في روتينِ الصّباحاتِ، ونتآكلُ رويداً رويداً بينَ أنيابِ الزّمنِ الغادر، يطحنُنا هذا الزّمان بجواريشَ غربةِ الرُّوحِ، يدمي خيوطَ الحنين، زمنٌ مشحونٌ بالانشطارِ، تائهٌ خلفَ أحلامٍ من سراب، ضاعَتْ أحلامنا بين طموحاتٍ سرابيّة؛ لأنّنا ابتعدنا عن وهجِ الطّفولةِ، عن عفويّةِ الحياةِ، عن براءتنا المبرعمة فينا منذُ أن عبرنا اخضرارَ الحياةِ هناك عند بيوتنا العتيقة، زمنٌ لا يرحمُ أصحابَ القلوبِ الرَّهيفةِ، زمنٌ معتّقٌ بالآهاتِ، ملبّدٌ بضجيجِ القهرِ، لا ينجو من أجيجِ النّارِ، وحدَها الطُّفولةُ تستعيدُ عافيتنا، تزرعُ فوقَ شفاهنا بسمةَ الحياةِ؛ لهذا يبهجني صوتُ الأصدقاءِ الآتي من خدودِ الطُّفولةِ، حيثُ هدهداتُ القصيدة تنسابُ فوقَ ملاعبِ الصِّبا، تحتَ ظلالِ الدَّالياتِ، الممتدّة فوقَ أغصانِ اللّوزِ، حيثُ أشجارُ التّوتِ تشمخُ شوقاً إلى أفواهِ الأطفالِ وهم يلملمون حبيباتِ التّوتِ، كم أحنُّ إلى ربوع طفولتي، إلى أصدقاءٍ تعفّرتْ خدودهم مراراً بمذاقِ التِّينِ، عندما تتناهى أصواتُ أصدقاءِ الطُّفولة إلي مسامعي من خلفِ البحارِ، تدغدغ بيادرَ الذّكريات، وتزرعُ عبيرَ الأملِ في سماءِ ليلي، وتبلسمُ قلبي بأشهىأهازيجِ بوحِ الرُّوحِ!

  1. أوَّل موسيقى سمعتها في حياتك وأنت طفل، كانت الطّبل والمزمار، ثمّ الكمچاية/ الرَّبّابة، الَّذين كانوا يعزفون عليها الغجر الأكراد، ثمَّ الجمبش والطَّمبورة، ما دور هذه الموسيقى في فضاءات الكتابة؟

للموسيقى دورٌ كبير في تجلِّيات بوحي في فضاء الكتابة، كما أنّها تنعش خيالي وتهدِّئ من صخبي ومن ضجري، وتمنحني صفاءً روحيَّاً وذهنيّاً، وتبلسم كياني كلّما أسمع إلى موسيقى رهيفة، وقد فتحتُ عينيّ وأنا أسمع الموسيقى الكرديّة، وكان لها دورٌ كبير في تنمية حبِّي وشغفي بالموسيقى والغناء، إضافة إلى أنّ الموسيقى ساعدتني كثيراً في فتح مساحات شاهقة للكتابة، حيث إنّني سمعت مراراً كل أنواع الموسيقى المحلِّيّة من: ماردلِّيّة، وسريانيّة وآشوريّة، وكرديّة، وعربيّة، وتركيّة، وتوقّفت عند موسيقى الرّحابنة، وأدهشتني أغاني فيروز وموسيقى أغانيها واستلهمت من فضاءات أغاني فيروز ديواناً شعريّاً يحمل تجلّيات مستمدّة من وهج أغانيها الرّاقية؛ لما تحمل بين فضاءاتها روحانيّة راقية، وألحاناً تمنحني فرحاً وألقاً، وتفتح خيالي على رحاب التَّدفُّقات الإبداعيّة الشّاهقة، وقد حمل عنوان: “فيروز صديقة براري الرُّوح”، أحد أجزاء أنشودة الحياة، كما أعجبني أسلوب الفنّانة المبدعة جاهدة وهبة، واستلهمت من وحي استماعي لأغانيها الأصيلة الرّاقية نصّاً سرديّاً شاعريَّاً حلّقتُ فيه في فضاء فرحي، أبهجَ حرفي وخيالي، وسأعود في ملف الحوار الخاص بالموسيقى والغناء إلى فضاءات فيروز وجاهدة وهبة ونصير شمة وايرين پاپاز وكونسيرتات يينّي، وغيرهم من الفنّانين والفنّانات، لأكتب عن عوالم وفضاء كل مبدع ومبدعة منهم على حدة بما يخصُّ تجلّيات حرفي، مستشهداً بمقاطع شعريّة وسرديّة وأدبيّة عمّا كتبتُ عن هؤلاء المبدعين والمبدعات، مؤكِّداً على دور الموسيقى الكبير في تفعيل واستنهاض خصوبة نصِّي في فضاء الإبداع، وهكذا تنامى عندي الحسّ الموسيقي وشغف عميق بالموسيقى، وبدأتُ أسمع الموسيقى الهنديّة، والفارسيّة، الصُّوفيّة، والموسيقى الأصيلة لوديع الصّافي، وصباح فخري، وأم كلثوم، كما أستمع إلى موسيقى الأخوين جميل ومنير بشير وعمر بشر، وموسيقى نصير شمّة وغيرها من أنواع الموسيقى والغناء الأصيل، كما أسمع الموسيقى العالميّة، وخاصّة الّتي تحمل بين مساحات أنغامها تجلّيات عالميّة أصيلة وراقية، كموسيقى كونسيرتات الموسيقار اليوناني يينّي، وأغاني الفنّانة الإيطاليّة ايرين پاپاز، وهكذا تنامى شغفي بالموسيقى إلى درجة أنّني عندما أستمع إلى موسيقى تستهويني، أستلهم أحياناً من فضاءاتها نصوصاً شعريّة وسرديّة وأدبيّة راقية، تليق بالموسيقى المستوحى منها حرفي.

  1. ماذا بقي في الذّاكرة من مناسبات الأفراح والأتراح على مدى مرحلة الطُّفولة واليفاعة والشَّباب؟

بقي الكثير الكثير من هذه المناسبات في مروج الذّاكرة، وستبقى هذه المناسبات بكلِّ تفرّعاتها وبساطاتها وأفراحها وأتراحها معيناً لا ينضب للكتابة على امتداد كافّة مراحل العمر الّذي قضيته هناك، واستلهمتُ الكثير من كتاباتي من معالمها الرّحبة، فقد كتبتُ قصصاً وأشعاراً ونصوصاً من وحي بهائها وحفاوة أحداثها، وتشكَّلت انبعاثات حرفي من ينابيعها الثَّرّة؛ لما فيها من خصوبة يانعة تناسب يراعي وبوحي وحنيني، فكم أشعر بالانتعاش وأنا أحلّق عبر فضاءات الذَّاكرة في ربوع هذه المراحل والمنعطفات المجبولة بأشهى تجلّيات العطاء، كأنّي أحصل على نعمة النّعم، فهي زادي الّذي لا بديل عنه، حيث أراه يتجدَّد في مسارات إبداعيّة عديدة، فلا يمكن أن تخبو جذوة الحنين والشَّوق لهذه المناسبات المبرعمة في ذاكرتي إلى أجلٍ مفتوح على مساحات بوح الخيال، ولا أشعر بالارتواء من استلهام رؤى وأفكار جديدة من فضاءاتها، وهي تشبه شلّالاً متدفِّقاً من رحيق الإبداع، تبلسم يراعي بأشهى ما في طين الحياة من عطاء، منطلقاً من تجاربي وخبراتي وأحداث وقائع عمري الّذي قضيته هناك، واستكملته هنا وأنا بأشدِّ الشَّوق والحنين إلى هناك، وهكذا أراني معجوناً ومجبولاً من أزقّتي الطّينيّة ومنعرجات يفاعتي وأحلام الصِّبا والشّباب، مسخّراً كلّ هذه الحفاوة وابتهالات حنين بوح الرّوح لمدادي المنبعث من تجارب عقودٍ من الزّمان!

  1. كيف تشكَّلت اهتماماتك بالموادّ النّظريّة في المراحل الدّراسيّة الأولى وما تأثيراتها في الأدب؟

تشكَّلت اهتماماتي بالمواد النَّظريّة واللُّغة العربيّة منذ المرحلة الابتدائيّة، وأصبح لديّ شغف عميق باللُّغة الإنكليزيّة منذ أوَّل خطوة خطوتها في المرحلة الإعداديّة، مروراً بالمرحلة الثّانويّة وما بعدها من مراحل دراسيّة أكاديميّة، وقد انعكس اهتمامي بالمواد النَّظريّة الاجتماعيّة والفلسفيّة واللّغات، على الإبداع الأدبي، ومهّدت هذه الاهتمامات لظهور رغبة عميقة لديّ في الكتابة والأدب والإبداع، وبدأتْ هذه الرّغبات والاهتمامات تزدادُ شغفاً يوماً بعد يوم ومرحلةً بعد أخرى، وقد بدأتُ بالكتابة في البداية كنوع من الهواية والشَّغف لترجمة مشاعري وتطلُّعاتي وبعض آفاقي في الحياة عبر القصص القصيرة والقصائد الشِّعريّة، وسرعان ما تطوّرت هذه الاهتمامات إلى أن غدت محور حياتي، وبدأتُ بعد اغترابي أركّزُ على هذا الجانب من اهتماماتي، إلى أن وصلتُ إلى مرحلة التفرّغ للكتابة معظم وقتي، وشيئاً فشيئاً أصبحتُ أسيرَ الكتابة، وأصبحتْ جزءاً لا يتجزّأ من شخصيّتي وحياتي، وطغت على كلّ ما عداها من اهتمامات، وبدأت أضمُّ كتاباتي وأؤرشفها بدقّةٍ وحرفيّة، وأصدرت عام (1997) م مجموعتي القصصيّة الأولى، ثمّ أسّست  (دار نشر صبري يوسف) عام 1998م، وأصدرت مجموعتي الشِّعرية الأولى عبر دار نشري، “روحي شراعٌ مسافر”، مقاطع شعريّة باللُّغة العربيّة والسُّويديّة معاً، ترجمتي وتأليفي، وتوالت إصداراتي بغزارةٍ أدهشتْ مَن يتابعني، فقد أصدرت حتّى الآن (2016) قرابة (60) كتاباً ما بين: شعر، وقصص قصيرة، وروايات، ودراسات، وحوارات، ونصوص أدبية، ومقالات، وأسّست في بداية 2013 مجلّة السَّلام الدّوليّة، وأصدرتُ أربعة أعداد تباعاً؛ والمجلّة هي أدبيّة فكريّة ثقافيّة فنّيّة سنويّة مستقلّة، وهكذا أصبحت الكتابة أولى أولويات إبداعي في الحياة!

  1. كيف استقبلتَ الحلقة الإعداديّة، هل ثمة ما بقي محفوراً في الذّاكرة وتعتزُّ به من هذه المرحلة؟

نعم، هناك ما ظلَّ محفوراً في الذَّاكرة حتّى الآن، “عندما انتهيتُ من دراسة المرحلة الابتدائيّة التحقت بإعداديّة يوسف العظمة، وقد حصل معي موقف طريف وبديع للغاية، يدور هذا الموقف حول موضوع سحب القرعة لفرز الطُّلاب إلى شعبة اللُّغة الإنكليزيّة وشعبة اللُّغة الفرنسيّة، وكان هاجسي الأكبر أن أكون من عدادِ الطُّلاب الَّذين سيدرسون مادة اللُّغة الإنكليزيّة كمادّة أجنبيّة جديدة، ففكَّرتُ بطريقةٍ ناجحة أجتاز عبرها هذه المحنة الَّتي راودتني منذ أنْ اِنتهيتُ من المرحلة الابتدائيّة. ذهبتُ وحدي إلى إدارة الإعداديّة، وألقيت نظرة من بعيد لبعيد، لآخذ فكرة عن كيفيّة سحب القرعة، وجدت أن أغلب القرعة الَّتي سُحبت كانت فرنسية، فاقتربت شيئاً فشيئاً من الطُّلاب وهم يسحبون قرعتهم، وراقبت الجوَّ العام بدقّة، ودقَّقتُ بالخطِّ وقصاصة الورقة الخاصَّة بالقرعة، ثمَّ خرجتُ من الإدارة دون أن ينتبه إليّ أحد الموجِّهين.

كان الأستاذ الرَّاحل حبيب كوركيس هو الَّذي يشرف على سحب القرعة، دخلتُ أمانة السِّر، وطلبتُ ورقة بيضاء؛ على أساس أنّها للموجِّه، أخذت الورقة وخرجتُ بعيداً عن أسوار المدرسة،لتطبيق مخطَّطي في خوض أوَّل تجربة في خلخلة القوانين الخنفشاريّة السَّائدة آنذاك في فرز اللُّغات، حيث لم يكُنْ لي دعماً ولا سنداً، وتبيَّن لي أنَّ أغلب القصاصات الورقيّة هي فرنسيّة، إلّا ما قلَّ وندر إنكليزيّة، وتبيَّن لي أيضاً أنَّهم حسبوا حسابهم؛ كي تكون أغلب نتائج القرعة فرنسيّة؛ كي يحوّلوا عدداً كبيراً منهم فيما بعد إلى الإنكليزيّة من خلال الوساطات، وهكذا أحببتُ أن أخوض مغامرة فريدة من نوعها بالنسبة لطفل، وبهدوء تام، وبعيداً عن الوساطات.

أمسكتُ الورقة وقسَّمتها إلى قصاصات ورقيّة بالحجم نفسه لورقة القرعة الَّتي دقَّقت في حجمها وكيفيّة طيِّها، وبدأتُ أقلّد خطّ الموجِّه؛ لأنَّني دقَّقتُ جيّداً كيف كان يكتب إنكليزي، فرنسي، ورحتُ استخدم قلماً ناشفاً”بيغ”، أكتب إنكليزي عدّة مرَّات، مُقلِّداً خطَّ الموجّه، ثمَّ اخترتُ أكثر كلمة قريبة من خطِّه وطويتها ووضعتها بين السّبابة والوسطى، ورميتُ ما تبقَّى من القصاصات، ثمَّ دخلتُ غرفة الإدارة أنتظر دوري في القرعة، وعندما جاء دوري وضعتُ يدي في الكيس؛ لأسحب قرعتي، وهناك أخرجت الورقة الَّتي كتبتها، وقلت: يارب تطلع قرعتي إنكليزي، يا رب تطلع إنكليزي، ثمَّ أعطيتها للموجه، فنظرَ إليّ وهو يبتسم لي: هل تريد أن تكون قرعتك إنكليزي؟ فقلتُ له: نعم أستاذ، لكن أخاف أن تكون فرنسي، فقال لي أنتَ وحظّك.

أظهرت له أنَّني في غاية القلق تفادياً لأيِّ شك، فتح الورقة، ثمَّ قال: عجيب! فقلتُ: ما هو العجيب يا أستاذ؟، فقال: طلعت إنكليزي، صرختُ بفرح وقلت: أبوس الله؛ طلعت قُرعتي إنكليزي، شكراً أستاذ شكراً.

سجَّل اسمي في شعبة الإنكليزي، وهو يتمتمُ: حظّك يشقّ الحجر، فقلت له: لماذا أستاذ؟ فقال: لأنَّ أوراق القُرعة الخاصَّة بالإنكليزي أقل بكثير من الفرنسي ومع هذا كانت قرعتك الَّتي اِخترتها إنكليزي؛ لهذا فأنتَ محظوظ، همستُ في قلبي لِمَ لا أكون محظوظاً وقد أدخلتُ “كولي” عليكم دون اللُّجوء إلى واسطة فلان أو علَّان؟! وهل ثمّة مَن يهتمُّ بفقراء ذلك الزَّمان؟!

تابعت دراستي وحصلت على الإعداديَّة، متقدِّماً على أقراني باللُّغة الإنكليزيّة، وحصلت على التَّرتيب الأوّل على دفعتي في المرحلة الثَّانويّة باللُّغة الإنكليزيّة، وهكذا كان لتلك الحركة الطُّفوليّة منعطفٌ رائعٌومهمٌ في حياتي الدِّراسيّة!

كان هاجسي وشغفي الوحيد أن أتابع دراساتي في قسم اللُّغة الإنكليزيّة، ولكن الظُّروف الاقتصاديّة المريرة الَّتي كنَّا نعاني منها، أحالت دون تحقيق رغبتي، فالتحقت بالصَّفِّ الخاص، آخر دورة من نظام السَّنة الواحدة،  اِختزالاً للفقر، ووصولاً إلى لقمة العيش بأقصر الطُّرق، وبعدها ممكن أن أخطِّط بكلِّ هدوء للوصولِ إلى الأهدافِ البعيدة!” …

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة