صور ساكنة ولكنها تحتوي على حركة التطور الذي شمل فن التصوير الفوتوغرافي وشمل تطور المجتمع المصري من القرن التاسع عشر حتى الآن..- صالح الأشمر ..

مصر القرن التاسع عشر

لقطات لأوائل المصورين الفوتوغرافيين
مشاهد آتية من الماضي ولكنها نابضة بالحياة. صور ساكنة ولكنها تحتوي على حركة التطور الذي شمل فن التصوير الفوتوغرافي وشمل تطور المجتمع المصري من القرن التاسع عشر حتى الآن. أيام قليلة وينتهي معرض الصور الشمسية (الفوتوغرافية) لمصر في القرن التاسع عشر الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس من أول يوليو حتى آخر سبتمبر الحالي وهو يقدم مشاهد نادرة وقوية التعبير عن ناس مصر في تلك الحقبة وأسواقها وشوارعها ومرافق المعيشة ومبانيها التاريخية الإسلامية والفرعونية.

تتراءى هذه الصور العائدة إلى أوائل المصورين الفوتوغرافيين أمام أبصارنا كمرآة صادقة الانعكاس عن أحوال مصر آنذاك وترتد إليها انعكاسات مرآة حاضرها (وحاضرنا) في حركة تواصل مدهش وحوار حميم: هكذا كنا منذ أكثر من قرن، كأنما يقول ناس تلك الصور، وهكذا أنتم الآن، وبالعين التي تنظرون إلينا بها سوف ينظر إليكم أحفادكم الآتون بعدكم. وهكذا تتابع الأجيال ناسا ومدنا وحضارات وثقافات على مدى الزمن، في تبدل دائم لكنه متصل الحلقات وثيق العرى.

قد يكون هذا أول مايستشعره المتأمل في صور هذا المعرض الملتقطة في النصف الثاني من القرن الماضي، والمختارة بعناية لتكون جامعة لمختلف جوانب الحياة المصرية جمعا غير شامل ولا واف بالطبع لكنه كاف على أي حال.

وهذه الصور من أوائل ثمار التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) الذي عرف بدايته الفعلية المميزة عام 1939 مع الأسلوب الذي ابتكره الفرنسي لوي مانديه داغير (1785 – 1851) ، في صفه التصوير مستبدلا بمادة القصدير في لوحة التظهير صفيحة النحاس مسجلا بذلك اكتشاف يتفوق على سابقه وشريكه جوزيف نيسفور نيبس في تظهير الصورة الشمسية. وسرعان ماتطور فن التصوير هنا على يد مبتكرين آخرين، ومن وقتها تبدت مصر مختبرا رائعا لهذا الفن وتلك التقنية وبخاصة أن داغير نفسه قال حين عرض أسلوبه الجديد في التصوير إن استظهار الصورة تحت أنوار مصر الساطعة لا يستغرق سوى دقيقتين أو ثلاث بدلا من عشرين دقيقة في باريس. وهذا ماكان فعلا حين توجه إلى مصر الرسام هوراس فيرنيه مصطحبا المصور غوبيل فيسكيه ليشرعا في أولى تسجيل فوتوغرافي شامل للآثار الفرعونية وكتاباتها في سرعة وبكمية تحتج إلى جيش من الرسامين المحترفين.

وكان ذلك “فاتحة الدخول في العصر الحديث والخروج من العصور القديمة” على حد تعبير الكسندر فون هومبولت الذي استقدمه ملك فرنسا فيليب ليطلب رأيه في ابتكار داغير. ولا تحتاج هذه العبارة في أيامنا إلى مايؤكدها فهذه الصور متحركة وساكنة تحف بنا في كل مكان وتنقل حركاتنا وسكناتنا عبر القارات وتدني منا الأفلاك حتى لنرى. تفاصيل تكوينات الأجرام الفضائية.

بطاقات من الشرق تغزو الغرب

تعود الصور المعروضة إلى نحو خمسة عشر مصورا أكثرهم فرنسيون وبريطانيون ومنهم التركي واليوناني والإيطالي. وهؤلاء جميعا قصدوا مصر بآلاتهم وأقاموا في القاهرة والإسكندرية وغيرهما معامل لتظهير الصور الموجهة لأغراض البعثات العلمية الأوربية في التنقيب عن الآثار أو المسح الجغرافي – الحضاري أو لأغراض أخرى لا تبتعد عن نوازع العصر الأوربي التوسعية آنذاك في مختلف الميادين السياسية أو المعرفية. ومنهم من ارتحل إلى مصر لالتقاط الصور المحلية عن تلك البقعة الفاتنة من الشرق الذي كان في عز سلطان إغوائه للغربيين المبهورين بالشرق لا عبر الفتوحات الاستعمارية وماتنطوي عليه من مكاسب وحسب بل عبر تأثير الأدباء والشعراء والرحلة والرسامين الذين وضعوا في أذهان مواطنيهم عن الشرق أساطير من نسج مخيلاتهم في الغالب وبحسسب أهوائهم وأغراضهم ولكنها مثيرة وجذابة لنفوسهم على أي حال.

وكان لهذه الفئات من المولعين بالشرق مصوروهم الذين كانوا يلتقطون في مصر الصور التي يرون أنها أشد جذبا لجمهورهم في المشاهد والموضوعات الطبيعية والإنسانية والعمرانية على هيئة البطاقات السياحية ويستنسخونها بالآلاف لتباع في أوربا ويحققون بذلك ثروات طائلة.

والمجموعة المعروضة في معهد العالم العربي تكتسب قيمتها التاريخية من حيث ارتباطها بنشأة فن التصوير الشمسي، قيمة جمالية رفيعة من حيث نوع موضوعاتها. وبعض هذه الصور يمثل مشاهد بديعة من مصر تلك الأيام: مساجد القاهرة (جامع قايتباي، والسلطان حسن، والأزهر) ومعالمها العمرانية الحديثة من شوارع ومتنزهات وفنادق عصرية وجسور وغيرها من المنشآت، فضلا عن المواقع الأثرية الفرعونية وورش التنقيب فيها.

ويقدم المعرض شهادة أصيلة على حركة التحديث العميقة التي شهدتها مصر آنذاك عبر الصور التي تمثل الجسور المنشأة حديثا على النيل وتلك التي تصور مراحل حفر قناة السويس حتى الافتتاح وهي من تصوير الفرنسي أيبوليت أرنو الذي أقام معمله في بورسعيد خصيصا لهذه الغاية وكان يستخدم مركبا فيه غرفه معد ة لتظهير الصور كان يتنقل به عبر القناة لتصوير وقائع هذا الحدث الكبير.

وللمصريين حضور في معظم تلك الصور بمختلف فئاتهم وحصولهم الحضرية والبدوية وأنشطتهم ولاسيما التقليدية منها في الأسواق والمقاهي وفي الشوارع والأزقة والمتنزهات وفي الصحاري والواحات. والاختلاط سمة بارزة إن على صعيد الأزياء التقليدية أو الأوربية المستوردة أو المظاهر الاجتماعية والزحمة ماثلة في شوارع القاهرة خصوصا حيث نشاهد حركة عبور كثيفة تختلط فيها الجمال والجياد والحمير والعربات تجرها الخيل.

صور تكاد تنطق

ومن الصور ما تم التقاطه بعناية واعداد جيدين من خلال استحضار المصورين لنماذج لافتة ومثيرة في أعين الغربيين من سحنة سمراء وتقاسيم وجه مميزة ونظرات ثابتة وعمامة وعباءة من صوف، والأفضل على مايبدو أن تكون الشخصية بدوية زيادة في التأثير. وتقدم بعض الصور لقطات بديعة لبعض النسوة في ثيابهن التقليدية، ويلفت النظر منها صورة لامراتين شابتين تحملان على رأسيهما الجرار، ولا يهمل المصورون أن يستحضروا لقطات فيها تعارض كمثل الحلاق الشعبي قاعدا على ضفة النيل يأخذ من لحية فلاح بين يديه فيما ينتظر آخرون أدوارهم قعودا، وفي لقطة أخرى يبدو الحلاق العصري يصفف في “صالونه” شعر أفندي. وهناك مجموعة من الحواة حول حية تتراقص وسط حلقتهم على أنغام المزمار فيما يحمل بعضهم حيات ملتفة حول الأكتاف. وللمقاهي الشعبية حضور بارز مع روادها التقليديين ونراجيلهم، وكذلك يظهر في بعض الصور فلاحون وفلاحات في أعمالهم، ونماذج أخرى من ناس الحضر والبداوة. ولعل من أبرز صور المعرض تلك المأخوذة لوصول “المحمل” الحجازي قافلا من الحج يشق بعض الشوارع المزدحمة بالعائدين والمستقبلين وبالزينة. ولو أمكن الصورة أن تنطق لسمعنا أصوات التأهيل والتهليل.

وصور المعرض تعود إلى متحف الأليزية في لوزان بسويسرا وإلى أحد مسئولي المتحف وهو شارل هنري فافرود الذي عرف مصر وأحبها منذ كان صحافيا شابا وزارها مرارا وعمل على مدى ثلاثين سنة لجمع الصور الفوتوغرافية الخاصة بها في القرن الماضي. وحدثنا عن ظروف جمعه لهذه الصور مشيرا إلى جهد طويل بذله للعثور عليها واحدة واحدة وفي أماكن مختلفة ما بين عروض المزادات والمكتبات المختصة، وفي أسواق السقط من المتاع والأدوات وغيرها من المستعملات.

ويلفت فافرود النظر إلى أن الصور الفوتوغرافية لمصر في تلك الحقبة كانت حتى أوائل هذا القرن كثيرة ومتوافرة ولم يلتفت إلى جمعها على اعتبار الاعتقاد بأنها متوافرة دائما ما دامت مستنسخة من ألواح تظهير يمكن الحصول عليها بسهولة، والحال أن العكس ما بدا بعد سنوات إذ باتت هذه الصور نادرة وضاع معظمها كما ضاعت أصولها أو خربت، حتى بات من الصعب الحصول على بعض المتبقي من تلك الصورة لندرتها وغلائها.

ويوضح فافرود أن مصر مرتبطة ارتباطا وثيقا بتاريخ التصوير الفوتوغرافي إذ كانت بسبب آثارها الفرعونية خصوصا أول بلد سارع علماء الآثار إلى إرسال أوائل المصورين إليه لإجراء مسح فوتوغرافي شامل للمواقع الأثرية الفرعونية والنصوص الهيروغليفية، وبالتالي اتسع الاهتمام ليشمل جميع المظاهر العمرانية والاجتماعية والحضارية لمصر. ويشير في هذا الصدد إلى أن التصوير الفوتوغرافي الشامل لمصر سبق نظيره لفرنسا وكذلك إيطاليا التي لم يكن قد جرى مسحها الفوتوغرافي إلا بمقدار الثلث في النصف الثاني للقرن الماضي.

 

صالح الأشمر

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.