كتبت (( إيمان أبوزينة ))..عن الإبداع والتقانة في التصوير الضوئي السوري ..- تاريخ الصورة الفوتوغرافية ..- كان “جون هيرشل” أول من استخدم لفظ فوتوغرافي ( Photography) في العام 1839م “جون هيرشل”

 الإبداع والتقانة في التصوير الضوئي السوري

إيمان أبوزينة

ترافقنا الصورة منذ اللحظة الأولى لولادتنا لتصبح ذاكرة تفرح أيامنا حين نشتاق لمن يجمعنا فيها، أو حتى حين نشتاق لرؤية أنفسنا حين عشنا اللحظة التي أعادتنا إليها تلك الصورة.

ومنذ الأزل مازالت الصورة هي التي تحكي عن تلك اللحظات الجميلة و الذكريات التي تخلدها، مايجعل كل الناس يحتفظون  بصور قديمة لهم ليعودوا اليها بين فترة وأخرى.

تاريخ الصورة الفوتوغرافية:

مر التصوير الفوتوغرافي بمراحل عديدة إلى أن وصل إلى الصورة الحالية ، وحين تم اختراع الغرفة المظلمة في القرن السادس عشر كان هناك الكثير من الجدل حول المكتشف الحقيقي لها،  فهناك من يقول إنه الفنان العالمي “ليوناردو دافنشي”، ومنهم من يقول “ارسطو”، ومنهم من يذكر دور عالم الفلك العربي “الحسن بن الهيثم “، وإنما لا يوجد أي توثيق حتى الآن في هذه المسألة. .

العالم الألماني “جوهان شولز”  1727 لاحظ عن طريق الصدفة تأثر أملاح الفضة بالضوء، وكان هذا الحدث هو البداية الحقيقية للتصوير الفوتوغرافي .

كانت المرة الأولى التي استخدم فيها لفظ فوتوغرافي ( Photography) في العام 1839، وكان “جون هيرشل”  أول من استخدم هذا المصطلح وهومصطلح من شقين مأخوذ من اللغة اللاتينية  Photo: ضوء ، graphy: رسم.  (1)

بعد ذلك ظهرت الكاميرات الفلمية الفوتوغرافية التي اعتبرت من اعظم الاختراعات  في فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من  القرن الماضي.

 وتطورت تقنية التصوير الرقمي منذ اختراع البث التلفزيوني 1951، وكاميرات الديجيتال في فترة الستينيات، حيث اعتبرت من أهم تقنيات التصوير الضوئي لما تقدمه من جودة عالية ودقة كبيرة وألوان مميزة وجذابة.

ومازالت تقنيات التصويرفي تطور مستمرحتى يومنا هذا، فبعد أن كانت الصور تؤخذ من عدسات الهواتف النقالة، قامت ثورة جديدة في تقنيات التصوير حولت الكاميرا فيها الى جهاز نقال  يتم الاتصال من خلاله في جميع أنحاء العالم. (2)

 التصوير الفوتوغرافي في سورية:

بدأ فن التصوير الضوئي في “سورية” متأخراً، لكنه تزامن مع نهضة  الفن التشكيلي أوائل الستينيات، واستطاع فنانوه من “المصورين الضوئيين” أن يوثقوا تاريخ وتراث وتقاليد سورية بطريقة أثبتت جدارتهم وتقنيتهم العالية في هذا الفن ومنهم “أحمد القرملي” في تصويره  للآثار السورية منذ الثلاثينيات، و”صابونجيان”، و “حكيم”،   و “جورج درزي”  المصور  الذي صور الحياة  بمختلف جوانبها .

كذلك المؤرخ ” خالد معاذ”  الذي قام بتصوير وتوثيق العديد من دور دمشق ومساجدها  وأحيائها القديمة خلال مدة ثلاثين عاماً تمتد من الأربعينيات وحتى الستينيات، وكذلك الفنان ” خليل مشاقة” والدكتور “قتيبة الشهابي”، الذين كان لهم الدور الأكبر في تأسيس نادي التصوير الضوئي عام 1980.

ومن المؤسسين أيضاالفنان المصور “مروان مسلماني” (دمشق 1935) الذي كرس ما يقارب الأربعين عاماً في متحف دمشق الوطني مصوراً أثرياً بامتياز ، وحصل عن جدارة وسام الاستحقاق السوري لأول مرة في تاريخ فن التصوير، وكان أول مصور في العالم العربي يحوزعلى هذا الوسام.

أما الفنان الدكتور “صباح قباني” (دمشق 1928)  الذي تفوق في لوحته المميزة “وعاء الحليب”  فقد كان حسب الباحث “سعد بشير فنصة”: «يعالج بفنيته الراقية العوالم الغامضة للمرأة ويلتقط رموزها،  وكانت المرأة  تطلق في عدسته إشعاعاً سحرياً وإدراكا واسعاً بعلم وفن التصوير الفوتوغرافي». (3)

توثيق آثار سوريا بعين الراحل <b />مروان مسلماني

توثيق آثار سورية بعين الراحل “مروان مسلماني”

المصورون الضوئيون السوريون وإبداعاتهم (4):

المصور الفنان “جورج عشي” كان باحثا في علم الصورة الجمالية التوثيقية، ومؤسسا لنادي فن التصوير الضوئي في سورية. وقد  قال في لقاء سابق مع المفكرة الثقافية بتاريخ 20/1/2009 : «أنا إنسان يبحث عن الجمال قبل كل شيء، جمالية الصورة والتغيير فيها لأنها انعكاسات عن داخلي، فعندما أًصور سماء فيها غيوم يكون هذا الجو الذي أحبه، الجو الذي يبشر بالمطر، كما أن التعبير الإنساني أهم شيء بالصورة الضوئية وخاصة إذا كان ممزوجاً بطبيعة ملائمة لهذا التعبير».

وعن رأيه في تحديد موقع المصور الضوئي من العالم، وفرض حضوره ومكانته أضاف:«الامتداد نحو الخارج يجب أن يسبقه امتداد نحو الداخل، فلكي تعرف موقعك من العالم عليك أن تعرف ماذا لديك في بلدك.. فإذا زرت الأهرامات في “مصر” مثلاً ولم تكن تعرف “تدمر” أو قلعة “سمعان” في “حلب” أو المكان الأثري في التاريخ السوري لن تحسن تحديد هذا الموقع، والأحرى أن نكون ملمين دائماً بالمعارف والثقافات الموجودة لدينا في “سورية” حتى نتطلع لأعمال الآخرين في الخارج، ونحقق امتداداً له حضوره ومكانته».

 ثم قال:«قبل كل شيء يفترض أن تثق بالأدوات والأجهزة التي تتعامل معها، فالبعض يقول إن الكاميرا ليست مهمة وإنما الأهم عين المصور، وهذا كلام نصفه خاطئ  فالعين التي ترى جيداً يجب أن يكون بين يديها أجهزة تعمل جيداً وتلبي جيداً، أو تقدم التأثير المطلوب سواء كان كاميرا أو فيلم أو محاليل إظهار أو ورق تكبير،  ومن جانب آخر  على المصور الفوتوغرافي أن يتأمل المشهد البصري الذي يصوره بعمق، وأن يكون في مخيلته بقدر ما أمكن، وأن يرقب امتداد الضوء عليه و درجات الجمال في  انتشاره، وما دام المشهد البصري ثابتاً، وليس هناك من شيء متحرك، فلديه متسع من الوقت للهدوء والتأمل وإخراج صورة ذات جمالية خاصة تعكس الجمال الحسي في نفسه، فالصورة الفوتوغرافية توثيقية بالدرجة الأولى،  وهي توثيق للمكان والجغرافية والتاريخ والعمارة والفنون».

حازت لوحته المنفذة بالأبيض والأسود بعنوان “البائع الأعمى” على أرفع الجوائز العالمية ومنها على الأخص في معرض “إنتربرس فوتو” الدولي. (5)

لوحة البائع الأعمى للفنان “جورج عشي”

أما المصور الضوئي السوري “أديب طيبا” فينقلنا عبر أعماله “الفوتوغرافية” إلى عتبات التاريخ وإنسانها المتوالد في حديثه مع موقع المفكرة  بتاريخ 26/7/2008 ويقول:« أعتبر اللونين الأبيض والأسود في “الصورة الضوئيّة” لغة بصرية لها قواعد يجب على “المصور الضوئي” أن يتعلمها ويتقنها عبر التجريب والبحث في أدق تفاصيل محيطه الحياتي لينتقل إلى ما هو أوسع منه علماً وأكثر منه إدراكاً، وينهله من معرفة العالم وطبيعة الحياة التي يتسم بها. واللغة تتعلق بتناسق الضوء والظل بين اللونين في الصورة وتدرج الرمادي بينهما، وفي كيفية تحديد الرؤية الدقيقة للمشهد البصري الذي نصادفه في الواقع، فقد يكون حصاة على الأرض، أو كرسيا في زاوية معتمة، أو شجرة لها تشكيل غريب، أو بابا خشبيا مهترئا، إلا أن المقدرة الابداعية حقاً هي في اكتشاف تلك الرؤية والسيطرة على أبعادها المكانية ودلالتها الزمنية بلغة الضوء الفوتوغرافي الأبيض والأسود الذي يحدد لنا تلك الأبعاد والدلالات بعمق له انعكاسه الحسي على النفس والحدس ذلك المكنون المنبئ  بحقائق الرؤى الواقعية الذي يدفعنا بتوق نحو الوصول إليها». (6)

من تصوير الفنان “أديب طيبا” بالأبيض والأسود

“وائل محمود الضابط” مصور فوتوغرافي مغترب، أجرى أبحاثه ودراساته حول التصوير أثناء تجواله بين “أميركا وأوروبا والشرق الأوسط”، فعرف عنه الفلسفة والإبداع في اختيار المشهد الإنساني الغني بالدلالات والرموز، كذلك مقدرته على تحديد أبعاد الصورة الضوئية المبنية على الفرضيات المنطقية والمثل خلف تجريد الأمكنة والشخوص، وتحريكها بتقنية التموج الضوئي وتردد الظل.

من خلال استخدام كاميرا فوتوغرافية حديثة، قال لنا الفنان المصور في حديث بتاريخ 25/12/2008 إنه تنقل بها من مكان إلى آخر، جاعلاً عدستها مفتوحة طوال الوقت لتوثيق حركات الناس والمشاهدات البصرية متعمدا إخراج الصورة بأسلوب تجريدي تشكيلي، أبعاده المثل والفرضيات المنطقية، وحكمتها في الصورة ترجمة أحاسيسه وتطلعاته للحياة، كفرضية الومضات الضوئية المتداخلة وتردد الظل، وتجريد الشخوص بلغة الضوء.

ثم قال عن “التجريد” في الصورة الضوئية المعاصرة عبر أسلوبه :«إن التجريد يلغي الزمان والمكان، ويغيب المعالم الأساسية في شكل الوجوه والشخصيات، وبالتالي يمنح الحالة الإنسانية المأخوذة في المشهد الفوتوغرافي غموضاً جميلاً لا حاداً، مبدأه فكرة تردد الظل والسطوع في المساحة الضوئية،  وأعتقد أن ذلك يقدم غنىً في الرؤية الجمالية لدى المتأمل كونه يقف أمام فكر جديد في عالم الفوتوغراف من حيث تشكيل الصورة وتقنية التصوير، وهذا يشعره بالمتعة ويخلق في ذهنه التساؤل حول حقيقة الشخوص التي يراها متلهفاً لمعرفة بيئتها وانتماءاتها وعرقها، و كيف أخذت وأين، وهنا فقط أستطيع ملامسة داخله  وتحريك تخيلاته إلى كشف ذاك المجهول في الصورة  حتى تتكون لديه حصيلة صور متخيلة توحي له بحقائق تلك الشخصيات والبيئة المكانية التي تعود إليها ». (7)

من تصوير الفنان “وائل الضابط” لوحة بعنوان “زهرة من الطبيعة”

ستبقى الصورة هي القيمة والمعنى لتوثيق الأحداث والفعاليات الانسانية خاصة أنها أصبحت في متناول الجميع  بعد ان كانت من المقتنيات الثمينة التي لايمكن اقتناؤها، وسيبقى التصوير فنا للعديد من المصورين المبدعين الذين قاموا بتوثيق الاحداث بالعدسات التي يحملونها .

المراجع:

(1)  ويكيبيديا

(2) وكالات أنباء

(3) تاريخ التصوير الضوئي والتوثيق الأثري في سورية :سعد بشير فنصة

(4) موقع مدونة وطن :- لقاءات المراسل “علاء الجمال” مع المصورين الضوئيين  لموقع المفكرة الثقافية حصريا

(5) جورج عشي: مواليد منطقة “ضهر صفرا ـ طرطوس” في العام /1940/، تخرج في المدرسة الدولية “بلبنان” ـ قسم الديكور في العام /1972/، وحصل على دبلوم ديكور بامتياز، وهو  عضو مؤسس رقم “1” لنادي فن التصوير الضوئي في “سورية”، وعضو في نقابة الفنون الجميلة “بدمشق”، وفي الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب، وفي جمعية المؤلفين والملحنين والموزعين في “باريس” بصفة شاعر أغنية، ومدرس مادة التصوير الضوئي في كل من معهدي الآثار والمتاحف والفنون التطبيقية “بدمشق”، ومن الأعضاء  المؤسسين للفرقة السيمفونية الوطنية لعام /1960/.

(6) أديب طيبا: مواليد “دمشق” عام 1945، عضو في “نادي التصوير الضوئي بدمشق”، وعضو في “نقابة الفنانين بسورية”، وعضو “بالفياب الدولي” المنظمة العالمية “للتصوير الضوئي”.

(7) وائل الضابط: 1966 – طرطوس ، سورية

درس العلوم الهندسية في جامعة city collegeفي مدينة نيويورك حتى العام1997، عضو الجمعية الأميريكية للتصوير الضوئي، شارك في عدة معارض جماعية خارج سورية

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة