تكبير الصورة

أحد المزهريات الزجاجية التي يصنعها ابو حسن

صناعة الزجاج اليدوي إرث الفينيقيين

دوران جاسم

“دمشق” مدينة الحضارة والمهن اليدوية العريقة مازالت تحتفظ ضمن أزقتها القديمة بمهنة عريقة تسمى صناعة الزجاج اليدوي.

تكبير الصورة

“eDamascus” التقى السيد “محمد نور الدين” أحد المهتمين بالزجاج اليدوي فيقول: «لهذه الصناعة تاريخ عريق وهام في المدينة القديمة، ولها روادها ومقتنوها المحليون والأجانب، حيث مازالت تحافظ على عراقتها المحلية المرتبطة بتاريخ المنطقة، فنرى أنواعاً كثيرة منها تحتل واجهات المحلات القديمة والحديثة».

“محمد نزار القزاز” صاحب معمل الزجاج اليدوي في سوق المهن اليدوية بالتكية السليمانية في “دمشق”، حدثنا أولاً عن تاريخ عائلته في هذه المهنة الدمشقية، قائلاً: «تعلمت هذه المهنة “صناعة الزجاج اليدوي” عن والدي الذي بدوره تعلمها عن أجدادي، علماً أن تاريخ العائلة في هذه المهنة الجميلة يعود إلى أكثر من 450 سنة، تعلمتها منذ أن كنت صغيراً في العاشرة من عمري، وصار لي أكثر من 48 عاماً في هذه المهنة، وهي مصدر رزقي الوحيد، وأنا بدوري علمتها لأحد أولادي حفاظاً على هذه المهنة واسم العائلة، علماً أنه يحمل شهادة “هندسة إلكترون” وهو يحاول أن يوفق بين مهنته كمهندس ومهنة أجداده “صناعة الزجاج اليدوي”، علماً أن تاريخ إنشاء هذا المعمل هنا في “التكية السليمانية” يعود إلى أكثر من 45 سنة حيث أنشئ عام 1965م».

وحول الأدوات التي يستخدمها “أبو حسن” في معمله وطريقة تصنيع هذه الزخارف الزجاجية، يقول: «أدواتنا بسيطة جداً، فليس لدينا أي آلات ولا قوالب جاهزة كما في الزجاج الصناعي، وهو الفرن الذي يتكون من آجر حراري كما يبنى من التراب الحراري، ويتحمل الآجر حرارة تصل إلى

تكبير الصورة
أبو حسن و معمله القديم

1300 درجة، ومواده الأولية هي المازوت، وعن طريق الهواء والمازوت يولد الآجر حرارة عاليه، كما من أدواتنا الأنابيب التي تستخدم لسحب الزجاج السائل من الفرن والنفخ فيه لإخراج القطعة الزجاجية المراد تصنيعها حسب الطلب من الحجم والسماكة، بالإضافة إلى استخدام الملاقط الحديدية لقص الزجاج المسحوب من الفرن بعد نفخه».

يضيف “القزاز”: «نبدأ العمل أولاً بإحماء الفرن إلى درجة حرارة 1000، ثم نضيف الزجاج المكسر إليه وكلما نقص نزيد عليه الزجاج حتى يمتلئ الفرن بالزجاج السائل، ثم نسحب كمية من الزجاج السائل من الفرن عن طريق الأنبوب وننفخ فيه لتتشكل لدينا القطعة الزجاجية المراد تصنيعها، وطبعاً نراعي في هذه الأثناء كمية الزجاج المستخرج من الفرن حسب الحجم أو الوزن وسماكة القطعة الزجاجية، ثم نقوم بقصها عن طريق الملقط المخصص لهذا الغرض، وبعدها تترك القطعة الزجاجية حتى تبرد، وطبعاً كلما نقص الفرن من الزجاج نضيف إليه كمية آخرى حتى تمتلئ من جديد».

وأشار “أبو حسن”: «إن هذه المهنة شاقة جداً حيث يشيب الإنسان على بكير، لأنها تتطلب تحمل الحرارة العالية وجهداً عضلياً كبيراً، ولهذا السبب يتجنبها شباب هذا الجيل ما يهددها بالزوال، ولهذا حاولنا التعاون مع بعض الوزارات لكي نعمل برنامج تأهيل مهني لبعض الشباب وتعليمهم صناعة الزجاج اليدوي حفاظاً عليها من الزوال، وليس لدي الإمكانية لكي آتي بشباب وأعلمهم وحدي، لهذا السبب أتمنى من الحكومة مساعدتي في هذا المجال حفاظاً على

 

تكبير الصورة
أواني الزجاجية المزخرفة

هذه المهنة الأصيلة التي أصبحت مهددة فعلاً».

كما التقينا السيدة “ميسون كركوكلي” مديرة المعمل ومدرسة فنون يدوية، فتقول: «يعود الفضل في اختراع الزجاج وانتشاره في العالم إلى سورية التي كانت مهد هذا الاختراع، حيث يعود تاريخ اكتشافه إلى عهد الفينيقيين، حيث كان يستخدم قبل ذلك الحديد أو الذهب والفضة في صناعة الأدوات التي نصنعها اليوم من الزجاج، كما يعتبر الزجاج السوري من أفضل أنواع الزجاج في العالم وله مكانة وحضوراً لأفتاً في جميع الأسواق حتى الأوروبية والأمريكية».

وتضيف “كركوكلي”: «نصنع جميع أنواع الأدوات التي يمكن استخدامها في المنزل، من الكاسات بجميع أنواعها إضافة إلى مزهريات وثريات وغيرها من الأدوات وبأشكال وأحجام مختلفة حسب رغبة الزبون، وطبعاً أسعار الزجاج المصنوع يدوياً أغلى من الزجاج الصناعي، لأنه يتطلب وقتاً أطول وجهداً وتكلفة أكبر من الصناعي،لأن الأخير يستخدم الآلات والقوالب الجاهزة في التصنيع، حيث يثمن سعر كل قطعة مصنوعة يدوياً حسب الحجم، والوزن، والسماكة والزخارف المضافة إليها، حيث يتراوح سعر الكاسة الصغيرة بين 50 و75 ليرة سورية، وكاسة الشاي 30 ليرة، والمزهرية الكبيرة بين 150 و200 ليرة، والثريا من 500 إلى 3000 حسب حجمها وزخارفها».

وتواصل “كركوكلي”: «كما نقوم برسم الزخارف على القطع الزجاجية، ما يضيف إليها جمالية تشد النظر إليها، بعد الانتهاء من تصنيع القطعة الزجاجية وتبريدها نبدأ بالرسم عليها، فنرسم رسومات مستوحاة من الدين الإسلامي، من آيات قرآنية، حكم قديمة، أبيات

شعر، رسومات إسلامية، شعبية وبخطوط عربية مثل الخط الكوفي، ويتم الرسم بشكل عفوي وسريع من إلهام الرسام ذاته فيبدع في الرسم لينتج قطعة زجاجية في غاية الجمال، كما هناك من يحفر على الزجاج، حيث تغطس القطعة بالشمع وبعدها يبدأ الحفر عليها».

وأشارت “كركوكلي”: «نعتمد في أغلب الأحيان على الأجانب والعرب الذين يقتنون الزجاج الدمشقي المصنوع يدوياً حباً بهذا التراث الأصيل، كما نعتمد على أبناء البلد الذين يقتنونها للزينة، لما تضيف هذه القطعة الزجاجية المزخرفة من الجمال والروعة على ديكور المنزل».

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.