الدنيا هيكالكل

ترى هل تقود صورة «هدى» السورية التي إستسلمت لفوهة الكاميرا و أصبحت حديث المواقع …مصورها التركي المصور «عثمان صغيرلي» إلى نيل جوائز عالمية مثلما فعلت صورة «كيم فوك»، التي قادت مصورها إلى الحصول على جائزة «بوليتزر» عام 1973م – والسؤال : من علّم هُدى أن ترفع يديها؟..- علي عبيد ..- الصحفية : نادية أبو شعبان..

علي عبيد
 من علّم هُدى أن ترفع يديها؟
«عندما عرف الجنود أن الطائرات سوف تقصف المبنى لم يصدقوا أعينهم، ونادوا الأطفال للخروج منه. كنت خائفة جداً، وخرجت إلى الشارع مع أولاد عمومتي، ثم رأيت أربعة انفجارات، وفجأة تغطى كل شيء بالنابالم. وجدت نفسي محاصرة وسط حريق رهيب، ثيابي وجلدي كلها احترقت، وبأعجوبة لم تتأثر قدماي، وهكذا استطعت الجري. صرخت: إنه يحرق.. إنه يحرق». حدث هذا في الثامن من يونيو عام 1972، عندما ذهبت الطفلة «كيم فوك» ذات السنوات التسع من قرية «ترانج بانج» شمالي فيتنام مع أهلها ليختبئوا في مكان آمن، أو هذا ما اعتقدوه، حيث كانت معهم عائلات لجنود من الفيتناميين الجنوبيين حلفاء أميركا، لكن الطائرات الأميركية جاءت لتقصف المنطقة، وخرجوا إلى الطريق هاربين. تقول «كيم فوك»، التي جاوزت الخمسين الآن: «كل ما أذكره أنني كنت أركض مذعورة. أبكي بسبب الحرارة الشديدة، التي كانت تؤذيني وتلتصق بجلدي، بعد أن أحرقت ملابسي». في هذه اللحظة تصادف وجود المصور «نيك أوت»، الذي كان يعمل لوكالة «أسوشيتدبرس» فالتقط لهم صورة. نشرت الصورة، التي غدت بعد ذلك واحدة من أشهر صور مآسي الحروب، في الصحف بعد أربعة أيام من التقاطها، وشكك الرئيس الأميركي نيكسون وقتها في صحتها. تضيف الطفلة، التي هزت صورتها وجدان العالم كله، وقيل إنها كانت من أسباب إنهاء الحرب الأميركية على فيتنام: «لقد رآها العالم كله من دون أن أعرف أنا بها، إذ شاهدت الصورة في ما بعد، ولم أدرك تأثيرها في الرأي العام إلا وأنا كبيرة». منذ منتصف الأسبوع الماضي ووسائل الاتصال الاجتماعي منشغلة بصورة طفلة سورية التقطها مصور صحافي تركي في مخيم للاجئين السوريين على الحدود التركية. الطفلة ذات الأعوام الأربعة ظهرت في الصورة وهي ترفع يديها فوق رأسها وقد زمّت شفتيها، وفتحت عينيها، وبدا الخوف مرتسماً على وجهها، بعد أن ظنت أن عدسة الكاميرا فوهة بندقية موجهة إليها، فاستسلمت لها في مشهد يبعث على التساؤل عن مدى استيعاب طفلة في هذه السن لمعنى الاستسلام ورفع اليدين فوق الرأس عند رؤية سلاح مسدد نحوها. المصور «عثمان صغيرلي»، الذي تواصلت معه BBC لتسأله عن الطفلة، التي التقط لها الصورة قال، إن اسمها هدى، تعود أصولها إلى حماة، وقد لجأت إلى تركيا مع أمها واثنين من أشقائها، بعد أن فقدوا والدهم. وقد قام بتصويرها في مخيم «أطمة» للاجئين السوريين أواخر عام 2014. وأضاف: لقد استخدمت العدسة المقربة، فظنت «هدى» أن الكاميرا سلاح. لقد عرفت أنها خائفة بعد أن التقطت الصورة. لقد نظرت إليها فرأيتها قد زمّت شفتيها ورفعت يديها. الأطفال عادة يهربون أو يخفون وجوههم أو يبتسمون عندما يرون الكاميرا. قصة الصورة، التي تناقلها الآلاف عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» بدأت من غزة في فلسطين، عندما قامت الصحفية نادية أبو شعبان بوضعها على موقعها فانتشرت بسرعة البرق، وكانت تعليقات المغردين حولها متعاطفة بشكل كبير، حيث أعيد تغريدها آلاف المرات، كما تم وضعها على موقع «Reddit»، فحصلت على تعليقات كثيرة، وكانت محور حلقة يوم الخميس الماضي من برنامج «نقطة حوار» في إذاعة BBC العربية، فهل تقود صورة «هدى» السورية مصورها التركي إلى نيل جوائز عالمية، مثلما فعلت صورة «كيم فوك»، التي قادت مصورها إلى الحصول على جائزة «بوليتزر» عام 1973؟ إذا كانت صورة الطفلة الفيتنامية «كيم فوك» قد جسدت مدى بشاعة الحرب الأميركية على فيتنام التي كانت خسائرها مليوناً ومئة ألف قتيل، و3 ملايين جريح، ونحو 13مليون لاجئ فيتنامي، فإن صورة الطفلة السورية «هدى» تجسد مدى بشاعة الواقع، الذي يعيشه السوريون داخل وطنهم وخارجه، بعد أن قتلت الحرب منهم حتى الآن أكثر من 220 ألف شخص، بينهم 10 آلاف طفل، وحولت أكثر من 12 مليون سوري إلى نازح داخل سوريا، أو لاجئ خارجها، نصفهم تقريباً من الأطفال، هم اليوم في حاجة إلى المساعدات الإنسانية بمختلف صورها الطبية والنفسية والأسرية، ناهيك عن التعليم بمختلف مراحله، وذلك بعد أن تعرضت نحو 25% من المدارس داخل سوريا للتدمير، أو تم استخدامها ملاجئ أو لأغراض عسكرية، علاوة على آلاف الأطفال السوريين في مخيمات اللاجئين الذين حرموا من حقهم الطبيعي في التعليم. «كيم فوك» تعيش حالياً مع زوجها في كندا، وقد اختارتها اليونيسكو سفيرة للنوايا الحسنة. وفي ذكرى حرب فيتنام دعتها الولايات المتحدة عام 1996 لإلقاء خطاب قالت فيه: «لا نستطيع أن نغير الماضي، ولكن نستطيع أن نعمل جميعاً من أجل مستقبل يعمه السلام». وهناك قابلها «جون بلامار» الطيار، الذي قصف قريتها بقنابل النابالم التي أحرقتها، وحاول الاعتذار لها عما فعله. تقول كيم: «حررني الغفران من الكراهية. لا تزال لديّ ندبات كثيرة على جسدي، وألم شديد في معظم الأيام، لكن قلبي نظيف. النابالم قوي جداً، لكن الإيمان والغفران والمحبة أقوى بكثير». تُرى.. من علم الطفلة السورية «هدى» أن على الإنسان أن يرفع يديه فوقه رأسه عندما يواجه سلاحاً؟ وأي مشهد رعب كانت تستعيد عندما وجدت نفسها أمام عدسة الكاميرا فظنتها بندقية؟ وهل ستغفر، عندما تكبر، لمن جعلها ترفع يديها وتزمّ شفتيها أمام عدسة كاميرا؟ وهل ستستطيع التخلص من الندوب، التي ستتركها هذه الحرب الملعونة على نفسها عندما تنتهي؟ تُرى.. متى سترى نهايتها؟

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى