الدنيا هيكالكل

” الفنانة “عائشة عجم .. مدام بيكاسو” – ريشة “عائشة” تنطلق بعد 85 عاماً – روشاك أحمد – ( فن تلقائية الكبار) – د. غازي الخالدي – عبد الرحمن مهنا..

ريشة “عائشة” تنطلق بعد 85 عاماً

 روشاك أحمد

رسمت وهي في الخامسة والثمانين من عمرها، فلقبتها إحدى الصحف بـ”مدام بيكاسو”، وسطر أحد النقاد مقالته في جريدة “المحرر” بقول “بيكاسو”: «كلما ذهبت في الزمن، ذهبت في الالتباس»، لقد استوحت “عائشة عجم” رسوماتها من ذاكرتها التي حملت الكثير من القصص، الحكايا والأساطير، وذلك كان يدفعها إلى الرسم وهي واقفة لساعات طويلة تروي بلسانها وتخطّ بيدها لتترجم ذلك الموروث الحضاري الذي بداخلها.

تكبير الصورة

موقع “eSyria” وللوقوف عند أهم المحطات في حياة الفنانة “عائشة عجم” والدة الفنان “عبد الرحمن مهنا” التقى عدداً من النقاد والتشكيليين الذين تحدثوا عنها وعن رشتها العفوية التي خطت ملامح مسيرتها الفنية في سن متأخرة، وعن ذلك يحدثنا الأستاذ “معد استانبولي” ناقد تشكيلي الذي تحدث عن ربة المنزل قائلاً: «كانت زوجة مثالية تعيش مع زوج متواضع الإمكانيات تزوجت في سن الخامسة عشرة من عمرها، وأنجبت تسعة أطفال بقي منهم خمسة على قيد الحياة انشأتهم على حب الفن ومعاني الجمال، رأت ذاتها المبدعة وحققت طموحاتها في الفن والحياة من خلالهم، ومن صعوبات الحياة تعلمت الكثير وضيق الحال دفعها لأن تصنع أشياء جميلة بيديها لتأسيس منزلها، ومن سحاحير الخضرة وقصاصات القماش تنسجها وتزخرفها عوضاً عن المفروشات اللازمة، وعلى الرغم من صعوبات الحياة كانت تشعر بالسعادة، وهذه الإبداعات التي تضفيها وتزين بها بيتها كانت تساعدها على نسيان صعوبة الحياة».

يتابع: «عندما تفجرت طاقاتها الإبداعية وهي في سن متأخرة عادت إلى ذكريات الطفولة وصعوبة الحياة التي مرت بها تنهل منها ما علق في ذاكرتها من قصص، حكايا وأساطير تستمد منها بعض حالات الفرح القليلة التي كانت تطل عليها بين الحين والآخر في غفلة من الزمن، فجاءت رسوم هذه الفنانة فيها حس الطفولة وبراءتها، استعادت حيويتها ونشاطاها عبر رسوم تطوي من خلالها تلك السنين الطوال التي مرت على حياتها، فحين سمحت لذلك المارد الذي حبسته في داخلها طوال تلك السنين بالخروج؛ فجر أعمالاً فنية ورسوماً تحمل أصالتها وتعبر عما كان يعيش في وجدانها بعيداً عن ثقافات وتناقضات وتلوثات العصر الحديث».

وصف “استنبولي” أسلوب “عائشة” بكلمات قالها الفنان الفرنسي “جان دوبوفي”؛ «إنه الفن البدائي فن “البروث” هو هذا الأسلوب الذي يميز الأعمال التي أنجزها أشخاص لم تؤثر بهم الثقافة الفنية»، نعم هي أعمال بعيدة عن التقليد أو ما يؤخذ من خبرات الآخرين في اختيار المواد والإيقاع وأسلوب التعبير.

كتب الكثير عن فنها وعفويتها التشكيلية المرتبطة بذاكرة طفولية عاشت الكثير من الصعوبات، وعن هذه السمة يقول المدير السابق لمعهد ثربانتس بدمشق “كارلوس بارونا”: «تنبثق الطاقة من الروح أحياناً أكثر مما تنبعث من الجسد والبرهان على لحظات تشارك فيها “عائشة عجم” الرسامة التي تحمل الستة

تكبير الصورة
ألوان الإبداع

والثمانين عاماً، والتي بدأت فقط بالرسم منذ فترة قصيرة في آواخر عمرها، فهي تفرش لزائرها حشد من قصص الخيالة، الوحوش، التنانين، الشعراء، الفرسان، المغنين، المحاربين والسيدات.. بحيث تعرض له كل هذه الحكايا التي تحتفظ بها منذ الطفولة الأولى؛ مخزنة في مخيلتها المشرقة الجلية، فأساطير ما قبل الإسلام وقصص القرآن الكريم والحكايا التي حدثها بها والدها في زمن لم يبق فيه شاهد عليها إلا ما ندر، تقفز كلها بين يديها لترسمها وتخطها على أكثر أنواع الأوراق اختلافاً دون كلل أو توقف للراحة، فمن الود أن ترى رسوماتها الفطرية، ولكن من الود أكثر أن تتأملها وهي في منزلها ترسم وتلون على طاولتها، طاولة تلميذة ابتدائية، مع ألوانها ودفاترها».

بدأت بالرسم من ألوانها العادية التي لا تشبه ألوان الآخرين من الفنانين، وعلى صفحات ورقية جاهزة كانت أولى معارضها في “دمشق” العاصمة التي احتضنت حبها وعشقها وولهها بالألوان، وعن اكتشاف ولدها لموهبتها يقول الشاعر “محمد خالد الخضر”: «عندما اكتشف موهبتها الزاخرة ولدها الفنان “عبد الرحمن مهنا” انفتح ضوء موهبتها على عالم جديد، فأدركنا أنها سليل موهبة تختزن شموس وأقمار “حلب” موطن والديها، حينها سالت أصابعها بمواجع التاريخ منذ أن أطلق قيّمها “عنترة العبسي” إلى أن طرد المناضلون الغزاة والاستعمار الجديد إلى يومنا هذا، من هذا وذاك أدركت بفطرتها أن الفن رسالة اجتماعية وإنسانية سامية، تثبت أن لوجودها معنى وبسرعة فائقة خلال أيام انطلاقتها الأولى وهي في عامها الخامس والثمانين قدمت مجموعة أحلام مزهرة، تحولت فجأة إلى عالم فني قائم له خصوصية وذاتية رغم كل المعوقات، فها هي اليوم كونت شخصيتها الأصيلة المتجذرة من تراث عريق ليبقى تراثنا على وجه التاريخ».

رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، رئيس رابطة نقاد الفن في “العراق” “نوري الراوي” عنها قال: «ثمة إيقاع خفي بين الرغبة اللاعجة في التعبير عن دواخل النفس، وبين رؤية أخرى تفصح عن تعلقها بالتعبير عن مراءٍ واقعية لمشاهد الحياة المنظورة، تنطلق دوافع الفطرة الخالصة النقاء لتلبية تلك الرغبة عبر تأليفات تشكيلية مفعمة بالرؤى والألوان، وهكذا تتحرك يد الفنان الفطري طوع إيحاء إيمائي لتعبر عن الهواجس الخفية للنفس، من خلال الصور عبر لغة تشكيلية ذات خصوصية تتسم بالبراءة».

يتابع: «مثلما تتميز بالعفوية والتفرد،

تكبير الصورة
خلال الرسم

باعتبارها لغة الينابيع الصافية للرؤية الإنسانية، فيما تلتقي ظواهر هذه اللغة الجميلة بفن الشعوب البدائية تارة، وبفن الأطفال تارة أخرى، لأنها تخضع لما يشبه النمذجة الجوانية، وهي ذات القوانين التي تمتلكها الفنانة الفطرية “عائشة عجم مهنا” وتطبقها على مشاهد عالمها الطريف الذي تتوهج فيه الألوان حتى درجاتها القصوى كما تتحد فيه صور الحياة وفق مسرحةٍ تلقائية بقصص الخيال الشعبي، حيث يتجاسد الحياتي المنظور بالخيالي المتصور، وتنتهي الرؤية بما يمكن أن يؤنسن فيه الحيوان والنبات ليصبحا عالماً كلياً لا تعارض في مشاهده ولا تقاطعات. ثمة واشجة تجمع ما بين هذا العالم الذي أبدعته الفنانة السورية ابنة التسعين، وبين مثيله في الفن الفطري التونسي».

رحلت تاركة وراءها لوحات تتحدث عن ذاكرة حملت الكثير من الحب والأحلام والطفولة، في رحيلها يقول الناقد التشكيلي “أديب مخزوم”: «بدأت الرسم في الخامسة والثمانين من عمرها، أي دخلت دائرة الخطوط والألوان في مرحلة متأخرة جداً، وطرحت في لوحاتها الأجواء التشكيلية الأكثر تلقائية وعفوية من خلال التأكيد على ملامح الانحياز نحو العناصر الزخرفية والشعبية والتراثية عبر إطلالات عناصر إنسانية وحيوانية ونباتية جسدت من خلالها تداعيات القصص الشعبية المستمدة من التراث الحضاري القديم، هكذا زاولت الرسم الفطري بعد أن خمرت حبها للفن سنوات طويلة جداً، وعملت على إيجاد ما هو خارج عن المألوف في حياتنا الفنية حين عادت لمزاولة التشكيل في الخامسة والثمانين من عمرها».

يتابع “مخزوم” ليتحدث عن أهم إنجزاتها ومعارضها الفنية الفردية والجماعية: «شاركت خلال السنوات القليلة الماضية في ملتقيات فنية كملتقى “خان الحرير”، وقامت بالرسم أمام الجمهور، الشيء الذي أكد بطريقة لا تقبل الجدل قدرتها على التشكيل بدعوى الإثبات الفعلي القاطع لكل الشكوك، هذا إلى جانب المعارض الفردية التي أقامتها، وكان آخرها في مركز ثقافي “أبو رمانة”، كما شاركت في معارض جماعية، وحازت عضوية شرف من نقابة الفنون الجميلة، إلى جانب المعارض الجماعية التي أقيمت كتحية لها وبمشاركة مجموعة من الفنانين، نأمل أن يتم تكريمها بمعرض يتضمن مجموعة من لوحاتها، فألوانها المتشحة بالسواد لا تغسلها إلا الأحلام الباحثة عن مزيد من البياض الآتي بعد كل سواد».

يذكر أن أول ظهور للفنانة “عائشة عجم مهنا” على الساحة الفنية التشكيلية كان في شهر أيار 2000

تكبير الصورة
من الأساطير

خلال سوق الأحد للفنون الذي أقيم في فندق “شيراتون” دمشق؛ حيث كانت ترسم في الهواء الطلق بشكل مباشر وباسترسال وثقة أدهشت الجمهور الذي أخذ يراقب عملها عن كثب مبدياً إعجابه ودعمه، وسرعان ما أقامت معرضها الأول في الثالث عشر من شباط عام 2001 في المركز الثقافي الإسباني بدمشق الذي رشحها في العام التالي من خلال معهد “ثربانتس” للمشاركة في مسابقة “فكر مع يديك”، وجاء معرضها الثاني في شهر أيار عام 2001 في صالة نقابة الفنون الجميلة بحلب، كما أنها شاركت في مهرجان “خان الحرير” بجناح خاص أقيم لها مع ورشة عمل حيث مارست الرسم بحرية وانطلاق أمام الجمهور، فنالت شهادة تقدير من المهرجان، وحصلت على عضوية اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، فغادرت رسومها وألوانها بعد ست سنوات من بداية مسيرتها الفنية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عائشة عجم مهنا… ظاهرة جديرة بالدراسة نحو تغيير حياة المسنين في دور العجزة!
د. غازي الخالدي
موعدنا مع التلفزيون كان قبل رحيلها بأسبوع واحد.. كنت على موعد مع عبد الرحمن مهنا..
لنتحدث عن تجربة متفردة في التعبير اللوني من خلال فن خاص اسمه (فن تلقائية الكبار) وقد أطلق عليه النقاد الغربيون اسم فن (الناييف)، أي فن الناس الذين لم يرسموا في حياتهم ولم يدرسوا الفن.. ولم يتأثروا بمدرسة أو بفنان، فن يعتمد على الإحساس الفطري العفوي الذي يلتقي مع فنون الأطفال بقواسم مشتركة أهمها: الصدق، والجرأة، وعدم التخطيط المسبق.. فن غير مطالب صاحبه بالأبعاد أو النسب أو إظهار البعد الثالث.. أو التشريح، أو محاكاة الطبيعة في تفاصيلها وأشكالها وألوانها.. فن أساسه الحرية الكاملة شكلاً وموضوعاً ومضموناً! ‏
هذه الفنانة الشعبية عائشة عجم مهنا، دخلت موسوعة الفن التشكيلي السوري متأخرة.. وأعطت في سنواتها الأخيرة مجموعة لوحات لا تقل أهمية من حيث التعبير التلقائي عن أي فنان (ناييف) في العالم.. ‏
فهذا النوع من الفن هويته الأساسية: البيئة المحيطة بالفنان، والبيئة لا تعني الجغرافيا بقدر ما تعني التقاليد والعادات والموروثات الشعبية من تراث الزخرفة، والتصوير والعمارة.

تأملت أعمالها مطولاً، وشعرت أن مفرداتها كثيرة، والأرضية التي تعتمد عليها في توزيع هذه المفردات غنية ومتشابكة مع تاريخ عريق وبعيد يمتد إلى الأجداد والجذور القديمة. إن رسمها وتلوينها يذكرنا بصناعة السجاد اليدوي المزدحم بالأشكال والزخارف النباتية والهندسية والإنسانية والحيوانية لدرجة تشعر أنك أمام ملحمة من العناصر المتداخلة بحيث لا تترك أي فراغ في اللوحة، وهذه الميزة خاصة بهذه الفنانة المبدعة، فهي تبدأ برسم بطل اللوحة وغالباً ما يكون رجلاً أو امرأة له شاربان مفتولان يقف عليهما الصقر.. وتستكمل باقي الفراغات بأشكال قد لا تكون لها علاقة بالبطل كالأشجار والأزهار.. إنها ترسم من وسط اللوحة من مركزها الرئيسي وتنطلق إلى الأضلاع الأربعة حتى تملأ كامل المساحة حتى لو احتاجها الأمر إلى وضع عناصر تزيينية على أطراف الشكل دون مبرر لأنها ترسم كما تشعر وكما تحس وإحساسها دائماً يرتبط بإشغال الفراغ حول بطل اللوحة وبطلتها. ‏
والذي يلفت النظر أكثر كيف تعكس أحاسيسها في رسم التعبير الإنساني الذي يطل بإلحاح في القسوة المباشرة التي تبدو في العيون.. والتي قد تتداخل مع الأنف.. و قد تكون أبرز ما في الوجه، إلى جانب ذلك تقرأ مجموعة معطيات تبدو للعين لأول وهلة أنها هامشية، ولكنها في الواقع هي تفسير عفوي وتلقائي بل غريزي لمشاعرها وأفكارها المختزنة عبر سنوات طويلة، ولكن لم يتح لها أن تظهر وأن ترى النور إلا بعد أن اكتشفها ابنها الفنان عبد الرحمن مهنا الذي أدرك ما معنى أن ترسم سيدة وهي في الخامسة والثمانين من العمر. ‏
إن هذه الأم الطيبة تشكل ظاهرة هامة جديرة بالتأمل والدراسة.

أولاً: إن اهتمام ولدها بها أتاح لها فرصة التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها وأفكارها مما أوصل رأيها إلى الآخرين بيسر وسهولة، وهذا يعني دعوة غير مباشرة لكل الأسر ولكل الشابات أن يفكروا في هذا الاتجاه والبحث بشكل جاد عن السيدات أو السادة المسنين سواء من المتقاعدين أو غير المتقاعدين إذ يمكن اكتشاف مواهب فطرية لديهم رغم أنهم لم يمارسوا الفن طوال حياتهم، وقد تكون المفاجأة مذهلة عندما يتوفر لهم الأدوات اللازمة لممارسة الرسم كالورق والألوان، والأهم من ذلك الرعاية الصادقة والجدية التي تتمثل بالكلمة الطيبة والمتابعة المخلصة لمن يعيشون حولها، وبالوقت نفسه تكون بمنزلة اعتراف بالفضل ورد جميل لها ولأمثالها لما قدموه لنا من تربية ورعاية وسهر الليالي والأيام على صحتنا وعلى حياتنا. ‏
ثانياً: إن التوجه لهؤلاء المسنين لا يحتاج إلى خبرة فنية أو معرفة بمبادئ الفن التشكيلي بل يكون فقط محصوراً في طلب استكمال المساحة التي بين أيديهم ومراعاة النظافة، ويفضل عدم استخدام الأدوات الهندسية، والابتعاد عن الرسم بالقلم الرصاص، والرسم بالألوان مباشرة. ‏
والمطلوب عدم التدخل وعدم إعطاء أي ملاحظة لهم أثناء الرسم مهما كان شكل أو مضمون أو موضوع اللوحة التي يرسمونها، حتى لو كان أحد أفراد الأسرة فناناً أو خبيراً بالفنون التشكيلية وهذا ما نفعله مع الأطفال عندما يرسمون. ‏
ثالثاًَ: إن إشغال أوقات فراغ هؤلاء المسنين برسم لوحات بالألوان يفتح أمامنا أفقاً جديداً وهو دعوة المسؤولين عن الدور الخاصة برعاية المسنين أن يدرسوا جدياً هذه الظاهرة، ولنبدأ في ممارسة الرسم واللون أثناء أوقات الفراغ، لاسيما أن أوقات الفراغ لدى المسنين تشكل ظاهرة خطيرة أصعبها هي التفكير المستمر بأوضاعهم وشعورهم بالإحباط والحزن لهذه العزلة الاجتماعية التي يعيشونها، وقد يكون الرسم والتلوين هو مخرج جديد لحياة أفضل وأحلام أجمل وتفكير سليم أكثر.. يخرجهم من عزلتهم ويأسهم ومعاناتهم. ‏
لاسيما إذا ما فكرنا بإقامة معرض لأعمالهم سواء في الدار نفسها، أو في أي مركز ثقافي عربي تابع لوزارة الثقافة، حتى لا يتحكم بهم وبأعمالهم أصحاب المصالح التجارية والمادية من أصحاب الصالات الخاصة التابعة للقطاع الخاص. ‏
رابعاً: ان مجرد اهتمام الولد بوالده أو بجده أو بجدته، أو بأي شخص مسن في العائلة، يحقق أمرين إيجابيين اثنين، الأول أن الحفيد يشعر بأعماقه أنه يقوم بعمل تربوي وأخلاقي وحضاري مقدس، ومفيد للمجتمع ويحفزه على المتابعة في دراسة هذه الظاهرة ووضع معايير وأسس دقيقة لتقويمها بالمقارنة مع الفنون التشكيلية التقليدية التي نعرفها ونقرأ عنها. ‏
أما الهدف الإيجابي الثاني: فهو إيجاد حل جذري لمسألة العطالة الفكرية التي يعيشها المسن التي ينتج عنها عطالة كاملة بين أفراد الأسرة لدرجة أن أفراد الأسرة يحاولون أو يتمنون إبعاد هذا المسن عن البيت ووضعه في دار العجزة تخلصاً منه ومن ملاحظاته ومن حضوره الذي أصبح متعباً ومعوقاً لهم ولنشاطاتهم ولأعمالهم ولمشاريعهم. ‏
خامساً: وفي حال اكتشاف موهبة حقيقية دفينة، أزيح عنها الغطاء، وظهرت إلى الوجود إمكانات بسيطة، وبظروف سهلة قابلة للتحقيق نجد أنفسنا أمام كسب حضاري وفني وأخلاقي واجتماعي يغير شيئاً فشيئاً طبيعة المجتمع من حالة الاسترخاء واللامبالاة والموت البطيء إلى حالة اليقظة والعمل والنشاط ومحاولة تحقيق الذات بشكل إيجابي جميل ومفيد له وللآخرين الذين يعيشون معه. ‏
ومن هذه الزاوية نجد في تجربة الفنان عبد الرحمن مهنا مع والدته المرحومة عائشة عجم مهنا، تجربة رائدة رائعة أعطت أفضل النتائج في زمن قياسي رغم أنها بدأت الرسم في عمر متأخر كثيراً. ‏
وهي مع ذلك تشكل موهبة نادرة استطاع الفنان عبد الرحمن بخبرته الفنية الواسعة واطلاعه على مجموعة تجارب فنية مشابهة مثل تجربة الفنان /أبو صبحي التيناوي/ صاحب لوحات أبي زيد الهلالي والزير سالم، وعنترة وعبلة.. وكذلك اطلاعه على تجارب فنية عالمية مشابهة مثل تجربة هنري روسو الذي ذاع صيته في العالم كرسام (ناييف) رغم أنه بدأ الرسم في عمر متأخر بعد أن تقاعد من عمله الوظيفي في الدولة ـ إدارة الجمارك ـ وعاش في الغابات خمس سنوات كاملة يرسم كما يحلو له دون التقيد بتعاليم مدرسة فنية أو توجيهات فنان معين. ‏
إن اطلاع عبد الرحمن مهنا على كل ذلك ساعده في اكتشاف موهبة والدته وجعلته يتابع تجربتها وأعمالها ويعرضها علينا حتى أصبحت معلماً هاماً من معالم الحركة الفنية التشكيلية السورية المعاصرة. ‏
تحية لك أيها الفنان الوفي المخلص لوالدتك أولاً، وللحركة الفنية ثانياً ورحم الله الفنانة الشعبية المتميزة عائشة عجم مهنا. ‏

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى