sdfre44

“مصوّر بغداد” لمجد حميد.. اختزال شاعري لزمن عراقي يشرئبّ من الدم رُغم كل شيء

عرفان رشيد

«من يملك ناصيّة الشعر، يتملّك ناصيّة اللغة.. ومن يملك ناصيّة الشعر سيكون قادراً على اختزال قرون بكاملها في جملة واحدة.. أو حتى في كلمة واحدة، ذلك لأن الشعر اختزال وتكثيف لكل شيء في الكون…».
هذا المعنى، ربما بكلمات أخرى، قاله لي الشاعر الروسي الكبير إيفيغيني إيفتوشينكو، في حوار أجريته معه في عام 1984، عندما كان عضواً  بلجنة التحكيم الدولية لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، إلى جوار الشاعر الكبير رافائيل آلبيرتي والأخوين تافياني والوثائقي الكبير جوريس إيفينز والرسام الاسباني الراحل بالثوس وعالمة الاجتماع إيريكا يونغ والكاتب الأمريكي إسحاق بي سينغر والممثل إيرلاند جوزيفسون والكاتب الألماني غونتر غراس والموسيقي الإيطالي غوفريدو بيتراسّي، ويا لها من لجنة تحكيم دولية، تلك التي ترأسها الكبير ميكيلآنجيلو آنتونيوني.

حاوٍ يجذب الروح إلى العلبة البنيّة
في العادة أتذكّر كلمات إيفتوشينكو كلّما قرأت قصيدة شعرية جميلة، أو نصّاً نثرياً بليغاً، أو حتى عنوان كتاب أو مقالاً صحفياً قادراً على إثارة المشاعر. أمّا في هذه المرّة فقد تذكّرت تلك الكلمات وأنا أشاهد شريطاً سينمائياً قصيراً للمخرج العراقي الشاب مجد حميد بعنوان «مصوّر بغداد”والذي لا يستغرق أكثر من ثلاث دقائق وبكاميرا ثابتة لا لبس في سعيها إلى سبر دواخل من يقفون أمامها، أكثر من تصوير خوارج تلك الشخصيات أو ما يبرز من ملامحها.
من منّا لم يقف أمام كاميرا المصوّر الشمسي الذي كان يحسب وقت انطباع الملامح على ورق التصوير داخل تلك العلبة البنّية اللون بحركات راقصة من ذراعه اليمنى. كنّا نحسب تلك الحركة الراقصة بإيقاع مضبوط، بمثابة حركة الحاوي الذي يُخرج من قبّعته السوداء حمامة بيضاء أو أرنباً أبيض. وهو، أي المصوّر الشمسي، كان حاوياً بالفعل، إذْ كنّا نرى، بعد حينٍ، صورتنا منطبعة على تلك القصاصة المبلولة التي كان يُعلّقها كي تنشف من مائها وليُقطّعها في أربعة أجزاء. كان المصّور الشمسي يُراقص ذراعه اليُمنى بعد أن غطى رأسه بـ «العباءة» السوداء لأكثر من مرّة ليضبط «الفوكس”؟
كثيرون، وبالذات أؤلئك القادمين من جيلي، ومن الجيل الذي سبق، وقفنا أمام تلك العلبة وحملت شُعاعات الشمس ملامحنا وطبعتها على الورقة. وكنّا في غالب الأحيان فزعين، وكانت شفاهنا في بعض الحالات عبارة عن خيط رفيع مرسوم لأنّنا زمَمْنا الشفتين بعد أن طالبنا الأهل المرافقون لنا أو حتّى المصوّر نفسه، بأن نُظْهِر الوقار!  فتلك الصورة ستذهب لتحتلّ مكانها على الوثائق الدّالة على شخصيتنا من «دفتر نفوس» أو بطاقة تموين للمخبز «أبو أربع فلوس» أو شهادة التخرّج من الابتدائية بعد امتحان البكالوريا.

من يرسم وجهك  يمتلِكْ روحك..
كان الخوف الكامن في دواخلنا والقلق الشديد، ناتجين عن رهبة أن نبدو بشعين في الصورة، وربّما كانت تلك الرهبة وذلك الخوف هما السببان الرئيسان في عدم ظهورنا بمظهر بهي وجميل. بعد سنين عرفت أن من يأتي من بلاد شبيهة ببلادنا ومن شعوب شبيهة لشعوبنا، تهاب الصورة لأسباب ذات آصرة بامتلاك الروح أو فقدان الذات «فمن يرسمك (أو يصوّرك)، إنّما يمتلك ليس صورتك فحسب، بل روحك أيضاً..»، كما كتب كارلو ليفي في روايته الشهير «المسيح توقّف في إيبولي”والتي حوّلها الكبير فرانتشيسكو روزي إلى فيلم جميل من بطولة جان ماريّا فولونتييه وإيرين باباس.
في ذلك الفيلم بالذات ترفض الفلاحة «جوليا – إيرين باباس”لوقت طويل وتمانع أن يرسم صورتها الطبيب والفنّان الشيوعي المنفي إلى مجاهل مقاطعة «لوكانيا» الجنوبية الفقيرة كارلو ليفي. تُمانع «جوليا» طويلاً، لكنّها تنصاع في النهاية إلى رغبة منفيّ الشمال وتجلس أمامه ليرسمها. ولم يأت قبولها ذلك انصياعاً من الجنوبية الفقيرة للشمالي الغني، رُغم النفي، بل قبولاً بأن يمتلك ذلك الرجل الشمالي روحها، لأنّها، ربّما، قرّرت في قرارة نفسها بأنها باتت تُحبّ ذلك الرجل، لذا فلا ضير من أن تهب روحك إلى من تُحب.
آلاء، إياد، لبوة والآخرون..
كما أسلفت، تذكّرت كلمات إيفتوشينكو والمصوّر الشمسي، بعد مشاهدتي لفيلم «مصوّر بغداد”لمجد حميد. لن أتحدّث عن تفاصيل الفيلم لسببين، أولّهما، لأنني أدعو الجميع إلى مشاهدته، وثانيهما لأن سرد الأحداث التي نشاهدها في تلك الدقائق الثلاث، إنّما يُفرغ من مغزاه الحقيقي الاختزال والتكثيف الرائعين اللذين أنجزهما مجد حميد بشريطه. فنحن في تلك الدقائق الثلاث، أمام استحضار لثلاثة عقود من تاريخ بلادنا الدموية.. أمام المأساة والموت فهما مرويّان ببلاغة بصرية مُدهشة دون مشاهدة لقطرة دم مُراق أو دمعة مُسالة. إنه، أي الفيلم، رواية لمأساة وقعت، وهي لمّا تزال قائمة، ولا أحد يعلم أو يترقّب متى ستنتهي، إنْ كانت ستنتهي في يوم من الأيام.
هذا الفيلم هو صورتنا التي نشاهدها، ونشاهد عبرها الرعب والقلق والفقد الذي عاشه ويعيشه العراق، منذ صعود الطُّغاة سُدّة الحكم واستمرارهم حتى اليوم، فكراً وفعلاً.
قلت أنني لن أروي شيئاً من حكاية الفيلم، لكن من الضروري والواجب التذكير بإسهام عدد من فنّانينا وفنّيّينا العراقيين في هذا العمل، ومنهم آلاء نجم، إياد الطائي، لبوة صالح، مهند ستار وأمير الحنين.

 

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.