الرواية المعاصرة تعبر الحدود بين أشكال الكتابة

إيغلستون: الروايات الحديثة غدت معولمة على نحو مضطرد، فهي تعبر الحدود الفاصلة بين التقاليد والثقافات وتمازج بينها.

ميدل ايست أونلاين

القاهرة ـ من أحمد رجب

لنتيح للإبداع أن يتحرر من أشكال الوصاية

الرواية كشكل فني لا تحتضر، بل هي تختنق في خضم الجلبة الصاخبة التي تحدثها الأشكال الفنية الأكثر حداثة، وفي مواجهة هذه الأشكال تجاهد الرواية لتأكيد حضورها وإثبات دورها. وهذا يلقي على الناقد عبء التفكير في “موضوعة” الرواية وعلاقتها الأوسع بالعالم.

فالرواية “ترمي في المقام الأول وقبل كل شيء لأن ترينا من نحنُ في زماننا هذا الذي نعيشه. وهي الطريقة الفضلى لفهم من نحن؟ بالمقارنة مع الفنون الأخرى لأنّ الرواية هي الوسيلة الأكثر إعمالاً للفكر، والأكثر قرباً للروح الإنسانية”، لذا فهي الشكل الفني الأكثر عمقاً في تأثيره والأكثر توغّلاً وتماسّاً مباشراً بالكائنات الإنسانية.

نحنُ نعيش في الروايات بأكثر ممّا نفعل مع أي لون فنّي آخر، وبعد قراءتها فإن الروايات تظلّ معنا (وهو ما يُعرَفُ بظاهرة “مابعد القراءة”) فإن الرواية المعاصرة هي الوسيلة الفضلى للتفكير بشأن “من نكون؟” لأنها الوسيط الذي يوفّر حرية في التعبير أكثر بكثير من الحرية التي يوفّرها سائر الأشكال الفنية الأخرى.

هذه هي الفكرة التي يسعي لترسيخها الأكاديمي البريطاني روبرت إيغلستون، في كتابه “الرواية المعاصرة: مقدمة قصيرة جداً”، والكتاب الصادر منذ سنوات عن جامعة أكسفورد، ترجمته الكاتبة العراقية لطفية الدليمي، وصدرت الترجمة مؤخرا عن “دار المدى”.

ويعمل البروفسور روبرت إيغلستون بصورة موسّعة في ميدان الأدب المعاصر، وتتناول أعماله كتابات الأدباء المعاصرين وبخاصة سلمان رشدي وجي. إم. كوتزي، ويسعى في أعماله إلى استكشاف الطريقة التي يعمل بها الأدب وبخاصة علاقته بالموضوعات الخاصة بالأخلاقيات، كما يركّز كثيراً على موضوعات الذاكرة والإعاقات الروحية والذهنية، ويمنح أهمية خاصة لفكر كلّ من حنّة آرندت وجاك دريدا الذي وصف الأدب بأنه “مؤسسة تعجّ بالغرابة” ويرى في الرواية “القدرة على قول كلّ شيء، وعلى الإنطلاق بعيداً عن كلّ القواعد والمقيّدات” وتلك المقولة هي خلاصة أول فصول الكتاب الذي يسعى إلى استكشاف الثيمات الرئيسة للأدب المعاصر، وأساليبه والنقاشات حوله، من حيث النوع والتجريبية والإرث الحداثي وما بعد الحداثي.

• الشكل والمعاصرة

يمكن القول بصورة فجّة ومبالغة في التبسيط أن الشكل أمر لا يختصّ بما يُكتَب، بل بكيفية كتابته، فهو لا يصف محتوى الرواية بل يُعنى بكيفية عملها. وهو ما يضفي قيمة فنية على العمل الفني، أي هو ما يجعل العمل الأدبي مستحقاً الوصف بأنه أدب حقيقي. فالشكل هو وسيلة الكاتب في رؤية العالم مثلما هو وسيلته المتوخّاة في الإخبار عن حكايةٍ ما، وحينما يسأل الناس عن الأمر العظيم في الأدب، فهم لا يسألون عن الموضوع بل يقصدون طريقة الحكي التي تخبرنا عن رؤيتنا للعالم ولأنفسنا، هكذا يكون الشكل هو حجر الزاوية بالنسبة للرواية لكنه غالبا ما يكون خفيا عن الأنظار.

هنا يتوقف إيغلستون عند النمط الروائي ما بعد الحداثي مشخصا بعض التوجهات العامة التي لم ترتق بعد لتكون حركة أدبية معتد بها، كما يلحظ تراجعا ملموسا عن ما يسميه “ملاعبات شكلية ما بعد حداثية”، كذلك يلحظ ميلا للتخلي عن التعقيدات النصية يقترن مع الشغف بإعادة سرد الحكايات، وهنا يؤكد أن مرد ذلك “ليس للميل إلى معاكسة تقنيات ما بعد الحداثة بل لتكون الرواية أكثر قدرة على بلوغ روح القارىء”.

ويرى في ذلك عودة إلى نوع ما من الحداثة، يعتمد فيها الروائي في تطوير روايته على تراث وولف وجويس وبيكيت وولعهم بالتقنياتز أما السمة الثالثة للشكل الروائي المعاصر فتتجلى في تهشيم الحدود الفاصلة بين الرواية وأشكال الكتابة غير الروائية.

• شبح هاملت

كذلك تشهد الرواية المعاصرة ولعا بالماضي والتأريخ والذاكرة، لكنها تهمل تماما مفهوم “المفارقة التاريخية” مقابل اهتمامها بتقديم رؤى معاصرة للماضي، فيمكن تعريفها الآن بأنها الروايات التأريخية التي تراجع قراءة الماضي وتعيد فهمه، فهي تعمل كمرآة لإهتماماتنا المعاصرة، على نحو ما فعلت هيلاري مانتل في روايتيها الحائزتين على جائزة المان بوكر (“صالة الذئاب” 2009، “إرفع الجثث” 2012). هنا يعود إيغلستون ثانية لدريدا مستعيرا مفهومه عن “المساكنة التاريخية” للتعبير عن علاقة الماضي بالحاضر، حيث شبه دريدا التقاليد الراسخة بشبح الأب المقتول الذي يطالب هاملت بأن يثأر له.

هكذا يبدو الأمر مع الماضي الذي يأسرنا كما لو كنا نسمع أصواتا لموتى وأشباح، فهي حاضرة وغائبة في ذات الوقت، هكذا تبدو العلاقة مع الماضي كنوع من المساكنة التي لا فكاك منها. ونستطيع – بحسب إستعاررة دريدا المجازية – التحدث إلى شبح الماضي والسكنى في تقاليده العتيقة، كما نستطيع أيضا أن ننكر ذلك الشبح ونلغي وجوده من حياتنا.

فكيف تتعامل الرواية المعاصرة مع الحاضر؟ هذا هو سؤال الفصل الخامس من الكتاب، حيث يسلم بقدرة الرواية المعاصرة بقول كل شيء، وبالتالي قد تختار التركيز على أمر ما في الحاضر وتترك غيره من الأمور، فليس ثمة قواعد تحكمها في ذلك، لكنها تحافظ على قدر من راهنيتها المرتبطة بعصرها، وبالتالي ستتورط في مقاربة جانبا من الموضوعات السائدة في وقت كتابتها، فتجد نفسها مضطرة لتقديم صورة شاملة للحاضر.

• ما بعد القومية

هنا يلزم الرواية البحث عن خصيصة جامعة، يستعيرها الكاتب من “حنة آرندت” فقد حللت طبيعة الأنظمة الشمولية التي حكمت في القرن العشرين، ورأت أن مكمن الشر فيها يرجع إلى طريقة تعاملها مع من تحكمهم، فقد جردتهم من حقوقهم الفردية، ثم خلقت ظروفا استثنائية ومؤلمة، تضع الفرد في مواجهة عدوانية مع الآخرين لتأمين سبل حياته، وأخيرا أحدثت تدميرا كاملا وشاملا لفردانية الإنسان.

وقد وصفت حنة آرندت هذه الحالة بأنها “فقدان للحس الفردي التلقائي في تخليق شيء جديد باستخدام الوسائل الفردية المحضة”.

ترى آرندت في الرواية وسيلة لمواجهة ذلك فهي وحدها القادرة على جعل الأشياء محسوسة وحائزة لخصيصة التلقائية والعفوية، مع الإستحواذ على انتباه القارىء.

ويطرح الكاتب هنا مصطلح الرواية ما بعد القومية أي تلك التي استطاعت تجاوز فكرة المكان التقليدي في العمل الروائي، من ارتباط النص بالجغرافية التي ينتمي إليها كاتب النص، حيث ثمة افتراض ظل سائدا إلى وقت قريب أن الأعمال الأدبية لا بد لها أن تناقش هموم المناطق التي تنتمي لها، أي تلك التي ينتمي إليها المؤلفون.

لكن ثمة العديد من القيم والاصطلاحات والمفاهيم التي ظلت سائدة لفترة طويلة في هذا الإطار، تعرضت لخلل بنيوي وحقيقي، من خلال التجارب الحديثة في الكتابة، وهذا يترادف مع صورة العالم الجديد الذي تشظت فيه حكاية الإنسان المنغلق على المكان والجغرافيا، إلى الانفتاح على المضمون والمحتوى الإنساني ككل، ويساعد على ذلك تقنيات العصر الجديد والإنترنت والوسائط الاجتماعية اللامحدودة في التواصل مع الدنيا.

بهذا فالروائي لم يعد يكتب عن هم محصور في إطار محدد من المكان والحيز أو الزمكان، حيث ربط المكان بجهة تاريخية أو أحداث بعينها تحدث في بلد ما، فقد تجاوز التاريخ الحديث الخط الكرونولوجي لمعنى الأحداث وتفسيرها أو محاولة تأويلها في النص، كما أن المكان قد تشظى ولم يعد موجودا إلا كفضاء من المجازات.

ويرى إيغلستون بأنه “يُنظر إلى الرواية على أنها مكان يتمّ فيه الكشف عن التقاليد القومية وبما يعزّز روابط الجماعة البشرية التي تمثلها الـ نحن، ولكن الروايات الحديثة غدت معولمة على نحو مضطرد، فهي تعبر الحدود الفاصلة بين التقاليد والثقافات وتمازج بينها”، لتتيح للإبداع أن يتحرر من أشكال الوصاية المقيدة بحدود الهوية والأنا التقليدية .(خدمة وكالة الصحافة العربية).

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.