“القراءة”
لا شك في أن كل مرحلة من المراحل الفكرية والثقافية التي مرت بها الإنسانية كان لها طابعها الخاص ومشكلاتها التي تتطلب الإستجابة لها من الفلاسفة والمفكرين والمثقفين ، فالأفكار التي برزت في عصر التنوير كانت إستجابة مهمة لطبيعة القضايا والسجالات الفكرية بين مختلف الأطراف المتنازعة والتي أدت في النهاية إلى إنتصار العقل والنزعة العلمية والإنسانية على غيرها من الأفكار.
سماح بن جعفر تتجه في هذا المسار وتتبنى هذا المبدأ الوجودي من خلال الفن التشكيلي ، إذ تركز على الثقافة وتعتبرها تمثل الوجه الجديد للتنوير رغم إختصاصها العلمي الإقتصادي ، بمعنى أن نقد الثقافات المختلفة ومحاولة ومعالجة مكامن الخلل فيها هو عمل من يسعى عليه عمل من يسعى لإحياء التنوير وأفكاره. فالفكر ذي الطابع الشمولي وغيره من الأنساق العقلية الفلسفية لم يعودا هدف التنويريين بعد تراجع الفكر والمفكرين على مستوى العالم.
في هذا الصدد نأخذ بالقراءة إحدى لوحات الفنانة تحت عنوان “…….” بتقنية الزيت على القماش يظهر فيها التكوين الفني متجانسا ومتناسقا وكأن الفنانة تعرض لوحتين في عمل واحد بمزج الطبيعة الصامتة داخل علم مجرد ومبهم لحدّ ما.
إنطلقت سماح بن جعفر من الرسم الكلاسيكي وذلك بالمحافظة على خطوط التكوين في تلك الجمادات والغلال في غير بيئتها الطبيعية في ظروف تم التحكم بها مسبقا بغية الوصول لصيغة فنية معينة وتوصيل أفكار معينة من خلال ذلك التكوين وإبراز ذاتها داخل العمل عبر القيم الفنية والجمالية إذ يمكن إعتبارها قد نجحت بإختيار عناصر المجموعة حيث يوجد بينها تآلف وتناسق في ألوانها وأحجامها وملامسها وتتجلى لنا القدرة على الصياغة وترتيب العناصر في كيان متناسق يجعل العين تتنقل من عنصر إلى أخر دون ملل مع مراعات البساطة والوحدة والعمق والتوازن ومركز الإهتمام.
من المطبخ نقلت لنا الفنانة أشكالا وأطعمة وأذواقا مختلفة كالأواني وما تحتويه والغلال بمختلف أشكالها وأذواقها كالليمون والرمان والتفاح والبصل وفي ذلك دلالة على التنوع والإختلاف داخل المجتمع الذي لا يزيد العالم إلا جمالا وتجانسا.
يظهر الموضوع متزنا، إذ كانت عناصره موزعة توزيعا ومنسجما وتتناسب أجزاؤه مع بعضها البعض سواء في توزيع الكتل أو الملابس أو الضوءأو اللون أو المساحات . هنا يمكن إعتبار الفنانة قد نجحت في توظيف الإتزان والإنسجام النفسي والإجتماعي والوصول إلى صيغة فنية معينة وتوصيل أفكار ورموز معينة من خلال تصوير الطبيعة الصامتة.
الملفت للإنتباه في هذا العمل الفني هو مزج الفنانة بين الطبيعة الصامتة والمدرسة التجريدية فيظهر ذلك التكوين في تماهي وتجانس مع عمل تجريدي أغدقت فيه الفنانة فيض مشاعرها وفكرها فجسدت الأرض البنفسجية العطرة ومدى تعلقها بها والفضاء الرحب الأزرق ونور الحياة والأمل في ذلك الأبيض الناصع..
إن ما يعيشه العالم اليوم من أزمات ومشكلات وقضايا متعددة وما يتمخّض عنها من نتائج سلبية في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والبيئية ، وغياب الوجهة الفكرية التي توجه الإنسان إلى سلك السبل الكفيلة بخلق واقع أفظل ، جعلتنا نعيش في عالم تغيب عنه الحكمة والتفكير والإلتفات إلى الأهم وهيمنة الجوانب الغريزية على الإنسان ، وأصبحت الأجيال الناشئة تواجه مشكلة الضياع في عالم يتجرد شيئا فشيئا من قيمه الإنسانية.
وإن كان البعض يرى بأن المستقبل المظلم هو ما ينتظر هؤلاء فلا يوجد طريق لمواجهة هذا المستقبل إلا من خلال العقل المستنير الذي قاد البشرية في أحلك الظروف إلى عالم أقل حدة مما نراه الأن.
يمكن إعتبار الفنانة سماح بن جعفر قد نجحت في إيصال رسالة التنوير التي ربطت من خلالها بين الإنسان والجماد والأرض والفضاء وبين الماضي والحاضر رغم كل التشابكات والإختلافات تنطوي كلها تحت مفهوم واحد وهو الإنسانية.
تحولت الفنانة في هذا العمل المعاصر الشيّق من الطبيعة الصامتة بما هي رمزية إلى المستقبلية بالتحول من الخطوط والأشكال إلى التجريد وإدخال تفاصيل أخرى رغم كل الوضوح والتماهي في التكوين واللون ، بالإضافة إلى إعتماد عناصر معبرة عن الزمن من خلال الظل والخلفية والبروز في الشكل وعناصر أخرى معبرة عن المكان من الأرض الضيّقة إلى الفضاء الرحب من خلال الدرجات اللونية البنفسجية المعبرة عن البسيطة الجميلة كالبنفسجة والأزرق والأبيض ومدلولات السماء والكواكب والنجوم المتلألئة.
أستاذ فريد هي ليست مسيرة الفنانة هي قراءة لإحدى لوحات الفنان أو الفنانة “……” مقطفة من كتاب “زينه” للفنان التشكيلي نبيل بالحاج.

 

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.