جياكوميتي.. نحات آثر شظف العيش على الشهرة

ألبرتو جياكوميتي نحات سويسري، يعد من أبرز وجوه الحركة السريالية في باريس أَثْنَاءَ الثلاثينيات، درس النحت في بلده وفي إيطاليا وفرنسا، وآثر حياة التواضع وشظف العيش عكس رفاقه، اشتهر بتماثيله ذات الوجه الدائري وأجسام على هيئة خطوط مستقيمة، توفي سنة 1966.

المولد والنشأة
ولد ألبرتو جياكوميتي يوم 10 تُشَرِّيَنَّ الْأَوَّلُ/أُكْتُوبرُ 1901 في بلدة بيرغل السويسرية، بالقرب من الحدود الإيطالية، وبها قضى طفولته، وكان من نسل اللاجئين البروتستانت الهاربين من محاكم التفتيش، والده كان رساما معروفا يدعى جيوفاني جياكوميتي.

الدراسة والتكوين
التحق جياكوميتي سنة 1919 بمدرسة للفنون الجميلة في جنيف، وبين عامي 1920-1921 قام برحلة للدراسة في إيطاليا، توقف خلالها طويلا في البندقية، حيث أدهشته لوحات الفنان “تنتوريتو”.

ثم انتقل في كَانُونُ الثَّانِي/ينَايرُ 1922 إلى العاصمة الفرنسية باريس لدراسة النحت، وكانت باريس وقتها تعج بالأفكار الجديدة وبالفنانين الكبار من أمثال بيكاسو وسترافنسكي.

التجربة الفنية
ترعرع جياكوميتي في بيئة تعشق الفن وتمارسه، حيث كان والده رساما وكذلك اثنان من إخوته، وبعض أفراد أسرته، وظهرت لدية ملكة فن التصوير والنحت منذ صغره، حيث كان يعمل في ورشة والده.

وانفجرت موهبة الفنان السويسري في باريس من أَثْنَاءَ عمله النحتي، حيث قدم لوحات ورسوما ومحفورات وأعمالا من الجص والبرونز، لكنه آذَارُ أيضا فني الرسم والتلوين بالمهارة نفسها، كما يتجلى ذلك بقوة في المعارض التي أقيمت له.

تأثر بالعديد من التيارات وعرفت حياته تحولات عدة، فقد تأثر جياكوميتي بالتيار التكعيبي الذي كان الفنانان بابلو بيكاسو وجورج براك من رواده، لكنه انجذب بعدها إلى الحركة السريالية (1930-1934) ليصبح لاحقا من أبرز نجومها.

وانطلقت شهرته من أَثْنَاءَ الرسوم واللوحات الزيتية التي أنجزها أَثْنَاءَ هذه الفترة، من بينها منحوتته الشهيرة “الرجل الذي يمشي” و”كرة معلقة”، و”منقاش في العين”، و”امرأة مذبوحة”.

كما تأثر جياكوميتي بالفن الفرعوني والسومري والبيزنطي والأفريقي والأوقياني والأزتيكي، إلى جانب الفن الأتروري الذي اكتشفه باكرا في متحف اللوفر بباريس، أَثْنَاءَ الأبحاث التي قادها خِلَالَ مرحلته السريالية وسعى فيها خلف حلول مركبة غامضة مثالية لاستحضار أشكال جديدة ترضي توجهاته الطليعية.

وتحول إنتاج هذا الفنان منذ سنة 1932 إلى الرمز، وأنجز أَثْنَاءَ هذه الفترة التمثال الرمزي المشهور “قصر في الساعة الرابعة صباحا”، وهو بناء غريب تبدو في جدرانه الرمزية حركات حية، توحي بالتنقل والاستقرار في آن واحد.

وفي مرحلة أخرى غيّر النحات السويسري أسلوبه جذريا.

وقد وصف أحد النقاد منحوتات جياكوميتي بأنها “لا تخضع للفكرة السائدة حول النحت، تنتصب أمامنا وتبدو معزولة عما سواها كأنها من طبيعة أخرى، تشعر معها بحالة من الرهبة والقلق، كأننا أمام أصنام سحرية لديانة مجهولة”.

وفي كتابه “الجرح السري.. مرسم ألبرتو جياكوميتي”، يرى الكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه أن فن جياكوميتي هو “اكتشاف الجرح السري عند كل الكائنات وحتى في كل الأشياء لكي يضيئها، ففي لوحاته تتبدى أول ميزة وهي الكشف عن الجوهر الفريد وإبرازه في ثنايا الشخوص، سواء كانت هذه الشخوص جميلة أو مشوهة”.

ارتبط جياكوميتي بصداقة مع أدباء وشعراء، والتقى بأستاذ الفن التجريدي الإسباني بيكاسو (1881-1971)، لأول مرة في أوائل ثلاثينيات القرن الْمُنْصَرِمِ.

كما كان يحب البساطة والتواضع، ولم يمتلك سيارة طوال حياته، بعكس زملاء له من أمثال بيكاسو الذي كان يعيش في رفاهية.

الوفاة
توفي جياكوميتي يوم 11 كَانُونُ الثَّانِي/ينَايرُ 1966 في سويسرا، إثر نوبة قلبية والتهاب مزمن في الشعب الهوائية، تاركا وراءه مجموعة من الأعمال الفنية القيمة، التي لم تقتصر على النحت فقط، إنما امتدت لتشمل عالم التصوير والرسم، كما نظمت له معارض عدة في أماكن مختلفة من بُلْدَانُ الْعَالَمِ. وفقا لما نشر بصحيفة الجزيرة نت .

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.