URSAA

التصوير

حين نتطلع على أي جريدة أو نقرأ أي مجلة لا بد لنا وان نرى جملة من الصور الفوتوغرافية التي قد تبهرنا وتثيرنا لأن نتطلع على ما موجود في الجريدة أو المجلة، وحين نشاهد برامج التلفزيون من أخبار أو تقارير سياسية واقتصادية ورياضية فإن هناك دفق من اللقطات الصورية المتتالية ستظهر مع البرامج التلفزيونية، فهي تشكل متعة ومعلومة مرئية تحفزنا والمتلقين على الاستمرار في المشاهدة لما تحويه تلك اللقطات من تفاصيل معلوماتية بليغة، وكذلك عندما نشاهد فيلماً سينمائياً الذي يضمن هو الأخر مجموعة من اللقطات الصورية الدرامية، تبدو لنا تلك اللقطات وكأنها توثيق لمواقع وشخصيات وآثار وأحداث ومواقف، وهي كثيراً ما تحفزنا على التطبيع مع المعلومات لتـترسخ في ذهننا ولتشكل في النهاية وسيلة من وسائل الأعلام التي تؤثر بنا وتقودنا إلى ما يقود الأعلام ووسائله الأخرى، حيث أن للتصوير قدرة هائلة على تغيير وإعادة تنظيم الأشكال أو الموجودات في الكادر الصوري (من خلال اللقطة الواحدة يمكن أن يتغير ترتيب الأشياء مرارا، إذ أن الحركة داخل اللقطة ( عبر التصوير )  يمكن أن توجه انتباه المتفرج إلى أشياء مطلوبة في اللقطة حسب متطلبات الموقف ويمكن من خلال الحركة أيضا إخفاء أشياء كانت مرئية أو إظهار أشياء كانت خافية(1).
لقد حقق التصوير جملة من المنجزات التي خدمت البشرية أو الإنسانية حيث انه استطاع ان يختصر الكثير من الجهود والكثير من الوقت والمال بحكم الافتراضات الحقيقية التي حققها في العلوم والفن،ان التصوير ارتبط بالعديد من التطورات التكنلوجية التي أسهمت في تحسين وتطوير العديد من المجالات ومجال التلفزيون واحد من تلك المجالات التي استفادت من تقنية التصوير وحققت مجموعة من التطورات، ولعل ما ذكره الأستاذ عبد اللطيف السعدون تأكيد لذلك ( أهم الخصائص التي يتميز بها التلفزيون هي اهميته في العلم والتعليم حيث تمكن التلفزيون من ربط العالم ببعضه على نحو سريع من خلال المحطات الفضائية ومن خلال تبادل الثقافات والمعارف والعلوم المختلفة، وتمكن من نقل الدروس في جميع مراحل التعليم – جامعات على الهواء – نقل العمليات الجراحية والمختبرية)(1)، والواقع ان كل هذه المنجزات لم يكن له ان تتحقق لو لا التصوير.
ان التصوير باختلاف استخداماته وانواعه واشكاله في وسائل الإعلام بات يشكل ضرورة من الضرورات الحتمية في العمل الاعلامي لما له من خواص استقطابية وخواص ابهار وتأثير في المتلقي، فأكثر الجرائد والمجلات والنشرات وما إلى ذلك من الوسائل الصحفية باتت معتمدة بشكل اساسي على ما تحمله اللقطة الفوتوغرافية من قدرات تأثيرية في القارئ أو المتلقي لتحقق النجاح والانتشار، ولو تخيلنا ان الصحف وهي لا تحوي على لقطات فوتوغرافية فاننا سوف نجد ان تلك الصحف مملة وغير مرغوبة لما يبعثه الشكل العام لتلك الصحف من رتابة  وغموض أو ترهيل، ويقول الاستاذ خليل صابات بشان الاهمية والتاثير للصورة ( الصورة تعادل الف كلمة، وان صور الاشخاص تجذب الانتباه أكثر مما تجذب صورة الاشياء الاخرى )(2) لذا كانت اللقطة الفوتوغرافية في الصحف بمثابة التشويق الذي يتبلور في الفلم السينمائي عبر الموضوع والأحداث التي يستعرضها، وكذلك المؤسسات الاعلامية التلفزيونية نراها اليوم تهتم بشكل أو بآخر في تقنيات التصوير التلفزيوني لكي تؤمن آخر الأحداث عبر اللقطات التلفزيونية التي تجذب المشاهد وتعطيه تحيز في الاستمرار والمتابعة ازاء ما يعرضه التلفزيون، فلو استعرض التلفزيون على سبيل المثال الاخبار والتقارير أو البرامج الأخرى دون ان يعتمد على اللقطات المصورة فانه سيفقد حتما نسبة كبيرة من المتلقين الذين يرومون مشاهدة البرامج والاخبار معززة باللقطات الصورية، وهنا الحال يكون أشبه بحال الصحف التي لا تحوي على اللقطات الفوتوغرافية (3).
ان أي عمل سواء كان صحفي أو تلفزيوني يعتمد وبشكل لا يقبل الشك على التأثيرات التي تحققها اللقطات الصورية جراء التفاصيل والمصداقية التي تحملها اللقطة ذاتها، ذلك لان اللقطة الصورية أصبحت بالوقت الحاضر الدلالة التي تعبر عن الحدث او الخبر أو الموقف بالشكل السريع والمؤثر فاللقطة الصورية أصبحت الشفرة أو الرمز للموضوع الذي يختاره المتلقي فهي قد تستقطبه ان كان يرغب موضوع الصورة أو تبعده ان كان لا يملك الوقت لمتابعة موضوع هذه اللقطة أو لا يرغبه، وهي في نفس الوقت ستعطيه تلخيص لمجمل ما تحتويه الصفحة وماهيتها وتعطي تلخيص لما يضمنه البرنامج التلفزيوني ان كانت لقطة تلفزيونية تعرض من على شاشة التلفزيون، وحتى في السينما نلاحظ ان اللقطة الصورية هي الاساس في الانجذاب نحو عمل ما أو النفور عنه، ذلك لطبيعة اللقطة التي تعبر عن طبيعة الموضوع الذي تستعرضه،( للتصوير د ور مهم في اثارة انتباه المشاهد من خلال ما يمتلكه من امكانية في الاقناع والتاثير )(1) فعلى سبيل المثال حين نذهب لاي دار عرض سينمائي فاننا قبل ان ندخل لصالة العرض السينمائي نشاهد مجموعة من الصور الفوتوغرافية ملصقة على جدران دار العرض تبين طبيعة العمل السينمائي الذي ستعرضه الصالة وبالتالي فان اللقطات الفوتوغرافية ستكون بمثابة المنذر لموضوع العمل السينمائي المعروض داخل الصالة أي انها ستكون المرشد أو المعين لما يرغبه المتلقي من أعمال فان كان العمل على سبيل المثال عملا رومانسيا فان اللقطات الملصقة حتما ستعبر عن ذلك وان كان عملا بوليسيا فان اللقطات ستبين ذلك وبالتالي ستقود المتلقي في ان يدخل صالة العرض أو لا يدخل.
لقد تمكن التصوير من ان يدخل العديد من المجالات في حياتنا الشخصية بحكم انه استخدم بالعديد من المنتجات، حيث ان هناك الكثير من الاستخدامات للتصوير في الحياة الشخصية كان تكون على المطبوعات التي انتشرت على كل المنتجات الاستهلاكية، من مواد غذائية واجهزة الكترونية وكهربائية وعلب وملابس وكتب وامور لاتعد ولاتحصى، فاكثر الاعلانات نرى انها تعتمد الصورة الفوتوغرافية اساس للاعلان في تحقيق النجاح، حيث ان اغلب الاعلانات اليوم لايمكن ان تستغني عن التصوير، وذلك للخواص التي يتميز بها التصوير، وفي الواقع ان للصورة جملة من الخصائص او المميزات التي تدعم الاعلانات او المطبوعات وتعود الاسباب الى ما ياتي(1) :
1- اسباب تقنية وتشمل :
أ- وضوح التفاصيل.
ب- الدرجات اللونية المتعددة.
ث- الاختيار الدقيق لمواقع التصوير والموضوعات والتصاميم والمعالجات.
2- اسباب مضمونية وتشمل :
أ- المضامين الاثارية التي تحملها الصورة الاعلانية بضمنها المبالغة في اضهار المنتوج.
ب- الاختيار الامثل في اختيار المشاهير في تمثيل الفكرة الاعلانية.
ت- الاستعانة بافضل الصيغ الاعلانية لتمثيل الفكرة الاعلانية.
ث- المباشرة المغطاة باقصى قدرة تعبيرية للافكار الطروحة التي تطرا عليها.
وهناك ايضا وظائف للصورة في مجال الصحافة، حيث ان من اهم الوظائف هي (2):
1- الوظيفة الاخبارية.
2- الوظيفة السايكولوجية.
3- عنصر تيوغرافي، فالصورة تشترك مع حروف الصحف والعناوين والفواصل والمسافات البيضاء في بناء الجسم العادي للصحيفة ايا كان شكلها وطريقة اخراجها.
4- قيمة جمالية.
5- اضفاء عنصر الواقعية والصدق على الموضوع (3)
ان التصوير ليس فقط طوّر العمل الاعلامي ونشره بالشكل الذي نلاحظه اليوم بل انه هو الاخر تطور ازاء الاعلام ودوره، فلولا الدور الذي شغله الاعلام في استخدام التصوير لما اصبح التصوير متطور لهذه الحدود، فالاعلام حفزّ العملية التصويرية في ان تتقدم لما يحتاج من كميات هائلة من اللقطات الصورية في الاخبار والموضوعات الصحفية أو الموضوعات التلفزيونية، وهو كذلك شكل منافسة في ان تستخدم اللقطات الصورية مع مرور الزمن، وولد حاجة أساس في ان تتطور آلة التصوير لحدود متقدمة، فالعمل الاعلامي وما يحتاجه اسهم في ان يوفر حاجة لتطوير الكاميرا الفوتوغرافية والكاميرا التلفزيونية والسينمائية من قبلها ليكون أساس في تطوير العملية التصويرية بشكل عام، فلولا العمل الاعلامي من توثيق أو تسجيل لكثير من الأحداث في الفترة من العشرينات وحتى الثلاثينات من القرن الفائت الى ان ظهرت الكاميرا السينمائية المحمولة أو المتنقلة بالشكل الايسر وظهرت الكاميرا الفوتوغرافية المتنقلة والتي تنتقل بشكل سريع وسهل لما كانت هناك حاجة لان تتطور الكاميرا الفوتوغرافية أو السينمائية ومن ثم التلفزيونية، وهو الامر الذي اجبر في ان يتطور التصوير إلى هذا الحد ليؤمن ما يحتاجه الاعلام من لقطات تصويرية، ولعل المسابقات التي تقوم بها المؤسسات الاعلامية في مجال التصوير وبشكل مستمر خير دليل على تطور التصوير،فهناك جوائز كبيرة تمنحها المؤسسات الاعلامية للقطات التصويرية تحفز المصورين في التسابق لالتقاط افضل واكثر اللقطات التصويرية، وحتى يومنا هذا نلاحظ ان اغلب المصممين والمخترعين يطورون الكاميرا الفوتوغرافية والتلفزيونية التقليدية منها والرقمية على أساس الحاجة التي توفر سرعة وسهولة في العمل الاعلامي،فلوحظ في الفترة الأخيرة من بداية الالفية الجديدة ظهور كاميرات تلفزيونية وفوتوغرافية بشكل صغير للغاية تؤمن تصوير اكبر كمية من اللقطات باسرع وقت وباسهل طريقة وباقل تكلفة لتيسر العملية التصويرية في العمل الاعلامي، ومن الكاميرات الرقمية الجديدة في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد كاميرات رقمية تصور لقطات فوتوغرافية ولقطات تلفزيونية الامر الذي يطور من عمل الاعلامي وييسره لحدود واسعة.
اذن تطور التصوير على أساس العمل الإعلامي وتطور الاعلام على أساس  العملية التصويرية وما تحققه من نجاح للعمل الإعلامي، فالعمل الاعلامي بات يقترن بما يتضمنه من لقطات صورية وكذلك العمل التصويري بات يتأثر بما تقدمه الكاميرا من خدمات للعملية الاعلامية، وهنا تتضح الصورة في تشابك العملية التصويرية والعملية الاعلامية لما تقدم من معلومات تقود المتلقي للمتابعة.

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.