الكلتعلم التصوير

تعرفوا على تاريخ ونشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق ..الذي يعكس الحياةالسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعاصرة بكل دقة ووضوح..- بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف ..

ميدل ايست أونلاين

نشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف

التصوير الفوتوغرافي في العراق يعكس الحياةالسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعاصرة بكل دقة ووضوح.

طبيعة خام

ليس ثمة من يستطيع أن يحدد تاريخا واضحا لنشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق، ولكن مما لا يمكن تجاهله أن مؤرخي هذا اللون من ألوان الفن والثقافة، يؤكدون أن البواكير الأولى لدخول التصوير الفوتوغرافي في العراق ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر، وفي الموصل تحديدا.

وقد ورد في الدليل الرسمي العراقي لسنة 1936 الذي وضعه الياهو دنكور ومحمود فهمي درويش وطبع ببغداد سنة 1937، ما يفيد أن “صناعة التصوير اقتصرت في العهد العثماني على جماعة في بغداد، وفي زمن الاحتلال البريطاني 1914 ـ 1918، وامتدت إلى المدن العراقية المهمة كالبصرة والعمارة وكربلاء وكركوك والموصل، وقد ظهر فيه غواة، ولكنهم غير بارزين حتى أتيح لبعض المصورين العراقيين العودة إلى وطنهم بعد جولة طويلة في تركيا وروسيا وأوربا، يتمرنون على هذا الفن فتقدمت صناعة التصوير على أيديهم تقدما امتد أثرها على تلامذة المدارس فشاع بينهم هذا الفن.

وقد أورد الدليل بعض الحقائق عن من كان وراء استيراد (الأفلام الخام) المستعملة في التصوير الفوتوغرافي، أو التصوير السينمائي فقال إن التاجر العراقي المعروف حافظ القاضي منذ العشرينيات من القرن الماضي استطاع أن يخطو خطوة مهمة بهذا الاتجاه لذلك نال عطف الملك غازي (1933 ـ 1939).

وممن برع بالتصوير الفوتوغرافي وكان يسمى آنذاك التصوير الشمسي في بغداد، وبلغ فيه الدرجة الممتازة المصور عبوش، فهو يحمل من الأوسمة والشهادات الناطقة من الأمم المختلفة شيئا كثيرا. وقد امتهن فن التصوير في روسيا والأستانة (استانبول) مدة ثماني سنوات وزار أهم معاهد التصوير في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وقد اكتسبت تصاويره في المعرض الدولي في روما سنة 1935 الدرجة الممتازة، ونال عليها شهادة الديبلوما والاستحقاق، وقد دفع هذا الملك غازي لأن يجعله يحمل لقب مصوره الخاص.

إن هذه المقدمة المهمة تدعونا لأن نلج أعتاب التاريخ لنتعرف على البدايات الأولى لنشأة فن التصوير الفوتوغرافي خاصة بعد أن تيسرت لنا روايتان، إحدهما تقول إن نعوم الصائغ، هو أول من أدخل فن التصوير الفوتوغرافي إلى العراق.

وثانيهما تقول إن يوسف الياس سنبل (وهو جد والدة الفنان الفوتوغرافي الراحل حازم باك) هو الذي أدخل التصوير الفوتوغرافي إلى العراق.

المهم إن كلا الروايتين تؤكدان أن الموصل هي منشأ هذا الفن، وقد شهدت بداياته الأولى. ومع أنني أشرفت على رسالة السيد حيدر جاسم عبد عبيس الرويعي التي قدمها بعنوان “الدومنيكان في الموصل: دراسة في نشاطاتهم الطبية والثقافية والاجتماعية 1750ـ 1974” وحصل بموجبها على شهادة الماجستير من كلية التربية بجامعة الموصل بتقدير امتياز سنة 2001.

إلا أنني والطالب لم نعثر على الكثير من المعلومات حول زمن وكيفية وأسلوب دخول التصوير الفوتوغرافي إلى الموصل، مع أنني كنت أسمع أن دخول هذا اللون من الفن تم على يد الآباء الدومنيكان الذين جاءوا إلى الموصل سنة 1750 بقصد التبشير، وتقديم خدمات تعليمية وطبية، وبعد البحث وجدنا أن هناك معلومات تقول إن من الآباء الدومنيكان من قام بتدريب بعض الشبان على التصوير الفوتوغرافي، وقد اطلعت في كنيسة اللاتين بمنطقة الساعة في الموصل على (ألبومات) عديدة تضم صورا التقطت لجوانب من حياة الموصل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومنها على سبيل المثال صورة لحفلة زواج عائلة توفيق داؤد قندلا، كان نعوم داؤد الصائغ قد التقطها بكاميرته.

وقد اعتبرت نعوم الصائغ في مقال نشرته في جريدة الحدباء (الموصلية) يوم 30 أبريل/نيسان 2002 من أبرز رواد التصوير الفوتوغرافي ليس في الموصل فحسب بل وفي العراق كله.

بدأ نعوم الصائغ عمله (مصورا) أواخر القرن التاسع عشر، ومن صوره المهمة صورة التقطها لنفسه. ونعوم هو والد الأديب والكاتب والشاعر الراحل يوسف الصائغ. وقد اخبرني الأستاذ بهنام حبابة، الكاتب والباحث الموصلي المعروف، أن نعوم تزوج مرتين وزوجته الثانية هي أخت يوسف نمرود رسام وقد عمل نعوم الصائغ فترة من الزمن مصححا لمجلة (النجم) الموصلية التي كان يصدرها (المطران ـ المؤرخ سليمان صائغ) صاحب كتاب “تاريخ الموصل” ويقع في ثلاثة أجزاء، في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي.

وقد تدرب نعوم على التصوير عند الدومنيكان، وهو من بيت دلال، وكان شماسا في الكنيسة وأنه كان مثقفا، وله ابن من زوجته الأولى اسمه (سام) وابنة اسمها (جانيت) وقد سجل بعدسته الكثير من الصور المهمة عن الموصل وتوفي سنة 1948.

وقين بنا وبالباحثين والمصورين الفوتوغرافيين العمل على جمع صوره ونشرها والاحتفاء بصاحبها واستذكار جميله وفضله وريادته.

وفيما يتعلق بريادة يوسف الياس سنبل، فإن الفنان الفوتوغرافي حازم باك كان قد استجاب لطلب من الحاج أمري سليم، وهو من المصورين الفوتوغرافيين العراقيين الرواد المعروفين فكتب بضعة صفحات عن نشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق، وأعاد الأستاذ فؤاد شاكر نشر ملخصها في جريدة الصباح البغدادية (العدد 1929 في 28 يناير/كانون الثاني 2007) ويبدو أن الحاج أمري كلفه بذلك أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد مجيء حازم باك إلى بغداد من مدينة الموصل مباشرة.

ومما قاله حازم باك “إن جده لوالدته المرحوم يوسف الياس سنبل كان في ظني أول من احترف التصوير في العراق. وعلى التأكيد في الموصل قبل بداية القرن الماضي بفترة، أي قبل بداية القرن العشرين وبالتحديد أواخر القرن التاسع عشر. وقد احترف سنبل التصوير، وخلد في صوره الأحداث المهمة والاجتماعات العامة والأفراد البارزين ومعالم العمران، بالإضافة إلى تشجيعه المطرد للرواد الآخرين بتيسير المواد والأدوات والمكائن اللازمة لهم عن طريق تعاطيه التجارة واستيراد المعدات من مصادرها البعيدة.”

كان يوسف ابن الخوري الياس بن ججو سنبل وعقيلته السيدة فريدة ابنة الشماس جرجس بن حجو خياط قد ولد في عائلة عريقة متمرسة بالتجارة والعلم والدين في الموصل بدار أسلافه آل سنبل في سوق الشعارين شارع النبي جرجيس وفي محلة القليعات في الربع الثالث من القرن التاسع عشر وتلقى تعليما بيتيا ومحليا، وبعد أن شب على الطوق بدأ يقرأ عن علوم الكيمياء والطب والصيدلة وقد مارس التجارة على غرار ما فعل والده، وقد عقد النية على إكمال دراسته والذهاب إلى استانبول، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك بهدف الحصول شهادة عالية في الصيدلة، لكن والده لم يوافق على ذلك لأنه كان الولد الوحيد له فاضطر إلى العدول عن السفر وانصرف للعمل التجاري والزراعي، لكن ذلك لم يمنعه من التركيز على اهتماماته الأساسية في الكيمياء والصيدلة والطب.

ويقول حازم باك إنه أخذ يغتني من مكتبة الأسرة العامرة بالكتب والمصادر والتي كانت تضم مصادر مهمة عن التصوير الفوتوغرافي باللغة الفرنسية. ويضيف حازم باك أنه يحتفظ بأدلة تشير إلى أن يوسف سنبل قد احتفظ من (دار لوميرفي باريس) بسوالب (نيكتيف) زجاجية ذات طبقة جيلاتينية من الفضة بعد عام 1889 إن لم يكن قبل ذلك وورقا فوتوغرافيا من (دار ماريون) التي اندثرت فيما بعد وفي الحقبة نفسها. ولم يطل الأمر حتى ذاعت شهرة سنبل حتى أصبح يسمى (يوسف سنبل فوطوغرافجي الشمسي بالموصل) أي المصور الفوتوغرافي الشمسي.

وقد أصبح مصور الطبقة الاجتماعية الأولى فضلا عن كونه مصور الدوائر الحكومية المحيطة بالوالي وحاشية ولاية الموصل آنذاك. وهناك بعض الصور التي لابد أنها كانت تلتقط بقصد توثيق الحدث كزيارة ضيف أو عقاب مجرم أو تخليد أثر ما.

وقد كان يوسف سنبل يجيد الطباعة بالألوان المتباينة غير الأسود والأبيض كالأزرق والبني والرمادي، ويستخدم في عمله مركبات الذهب وغيره من المواد. كما استعمل سنبل المناظر الخلفية المختلفة من لوحات ورسوم وآيات وحكم وأمثال وملصقات جداريه ومفروشات وستائر خاصة مستوردة لإغراض التصوير الشخصي والجماعي فضلا عن دمجه أطرًا مزوقة مع الصور المطبوعة أو من الورق المنقوش المحفور والمخرم، وكل هذه الأنواع تجعل منه رائدا من الرواد الأوائل الذين أدخلوا التصوير الفوتوغرافي إلى العراق.

ولم تقتصر استفادة سنبل من ضوء الشمس في التصوير أو الطباعة، يقول حازم باك، بل إنه استفاد أيضا من ضوء شعلة المغنسيوم في إنتاج أعماله فهو أول من استخدم تلك المواد والأدوات البدائية حتى قبل تطوير التصوير.

ومن الطريف الإشارة إلى أن الياس سنبل أخذ يعمل في مجال تسويق الأفلام مع أوراق الطباعة التصويرية منذ سنة 1922 ونجد اليوم من بين أرشيفه صورة تذكارية للملك فيصل الأول (1921 ـ1933) مطبوعة بثماني نسخ مكبرة، وقد استلم عنها مكافأة نقدية مقدارها مئة روبية (الروبية آنذاك 75 فلسا). كما أن من بين أرشيفه صورا لكثيرين من أبناء الموصل.

وقد بلغت واردات سنبل من ريع بيع الصور في سنة 1922 على سبيل المثال (4/عانة و2801 روبية) وازداد ريعه في سنة 1924 ليصل إلى (2 عانة، و3574روبية). وعندما اتسعت حلقة المصورين الفوتوغرافيين في الموصل، تخلى الياس سنبل عن المهنة سنة 1928.

ويذكر حازم باك أن صور سنبل الوثائقية وصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا وسوريا ولبنان والهند وبعض بلاد المشرق العربي الأخرى.

إن الأرشيف التاريخي العراقي يكشف في ضوء ريادة نعوم الصائغ والياس سنبل لفن التصوير الفوتوغرافي في العراق، أن هذا الفن سرعان ما وجد طريقه للتطور فظهر مصورون فوتوغرافيون مشهورون في العشرينيات من القرن الماضي وما بعدها، ولعلنا نورد أسماء بعضهم من الذين كان لهم شأن عظيم في هذا المجال ومن أبرزهم (ارشاك) و(اكوب) و(الحاج أمري سليم) و(مراد الداغستاني), و(كوفاديس) و(يحيى المختار) و(كاكا) وغيرهم وكل أولئك يذكرهم التاريخ بكل احترام تقديرا واعتزازا لما قدموه لبلدهم من خدمة كبيرة تمثلت في أنهم كانوا بمثابة المرآة التي عكست الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العراقية المعاصرة بكل دقة ووضوح.

د. إبراهيم خليل العلاف

مركز الدراسات الإقليمية ـ جامعة الموصل

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى