التراث اللامادي

كتب الفنان حسن سليمان عن (( اللغة العربية وأنـا )).. هل نحن مصرون على ان نظل كالعرائس الخشبية المعلقة بالخيوط تحركها أصابع خفية ؟ – الاهرام عام 2014م..

162

اللغة العربية وأنـا
أعتدت وأنا صغير على احتدام النقاش بين أمى وعمتها حول مجئ المقرئ الضرير فى غياب أبى كل صباح ، أمى تقول البيوت لها حرمة ، والمقرئ فضولى ، يتطلع مصنتاً لكل شئ عمة أمى تحتد مصرة على قراءة القرآن فى المنزل ، حتى يعتاد الاطفال على اللغة العربية . أخيراً تنتصر وجهة نظر عمة أمى .
ذهب ذلك الوقت الذى كان يقرأ فية القرآن فى المنازل كل صباح واعتاد الاطفال الان على لهجة المسلسلات بعربيتها الركيكة. يرددون كلماتها التى كثيراً ماتكون بلا دلالة واضحة ، فأصبحوا عاجزين عن أن يعبروا بجملة سليمة تفهم .
نشأت وأنا أسمع العربية ، سيان كانت من قراءة القرآن بالمنزل أو المذياع . وما زلت أذكر ` محمد فتحى بية ` فى بدء حياته حين كان مذيعا يصف لنا موكب الملك فى عربية فصحى بالغة ، ذات مرة أخطأ فى نطق كلمة ، فأخذ يعتذر عنها ولم يخجل من اعتذارة مرة أخرى بعد انتهائه إذ كيف لمذيع أن يخطئ فى نطق كلمة عربية . لا أدرى إن أمتد ` عمر محمد فتحى بية ` وانصت إلى التلفزيون والمذياع ؟
فى طفولتى .كانت اللغة العربية شيئا مضنياً ، أصر والدى على أن يستمر معى شيخ أزهرى معمم سورى ، يسمى الشيخ ` عبد العزيز ` قسى على حرصا على تعليمى ، ، أسهل عقوبة عنده أن يمسك بأذنى قارصا ملفاً إياها بقسوة حتى تكاد تنخلع ، فأصرخ من الألم . يصمم على أن أخرج الالفاظ من مخارجها ، وأكتب وفق اصول الرقعة والنسخ يهتم بضرورة دراسة الصرف والنحو كل ذلك على الرغم من صغر سنى مجيئه الى منزلنا كان إيذانا بتعذيبى . الان أحمل له جميلا إذ ترسب فى أعماقى شئ من تعليمه على الرغم من تبرمى من قسوة وصعوبة تلك الدروس حين ذلك .
فى مدرسة الظاهر الابتدائية ، وجدت الشيخ ` عبد العزيز ` بصورة أخرى فإذا به الشيخ ` فتح الله ` كان مغرما بالسير بين صفوف الجالسين من الطلبة، متسليا بضربهم على طرابيشهم بقسوة دون استثناء عند الرجوع الى المنزل كان التعليق والضرب ينتظرانى ، لأن ميزانية الاسرة لم يكن بها بند لإصلاح الطرابيش يوميا فطربوشى قد تكسرت خوصته من الداخل وخلع زره من صفعة يد أستاذى الضخمة وبعد طقوس الضرب والتعنيف تذهب الخادمة إلى الطرابيش لإصلاح ما افسده استاذى المبجل . ذات يوم ضربنى بقسوة فخلع الزر كلية وخشية العقاب فى المنزل ، أصلحت خوصته وثبت الزر بدبوس إبرة من داخل الطربوش إلى أعلاه .
مرت الامسية بسلام ، دون ان يدرى والدى أو والدتى فى اليوم التالى ذهبت به على المدرسة جاء الشيخ ` فتح الله ` ومارس هوايته ، مع نزول يده الغليظة بشدة على طربوشى ، إذ به والدم يخرج من يده ، فالدبوس دخل فى يده بأكمله ولم أفق من صفعاته وركلاته إلا عند الناظر ، الذى طلب منى حضور والدى غدا ، لأنه لم يصدق أننى لم أضع الدبوس عمدا أتى والدى .. وكانت مشاجرة بين والدى الشيخ ` فتح الله ` صاح فيه والدى بعنف : ` عاقبه كيفما تشاء لكن لا تخسرنى نقوداً، أليست الخوصة بنقود ؟أليست المكواة بنقود ؟ أليس تركيب الزر بنقود ؟` . لم يلن والدى للمدرس . تفهم الناظر الوضع ، فصاح الأستاذ : `إنه فصل ملعون ، وأنا مسرور لأننى سأرتاح منهم ، سيأتى لهم اثنان من المطربشين من دار العلوم ، أما أنا فحاصل على العالمية التى هرب منها الاثنان الى دار العلوم ، ستكون النتيجة سيئة فلا خبرة لهما بالتدريس ولا فهم للعربية مثلنا .
لم تمض أيام قليلية حتى دخل الناظر الفصل مع شابين أنيقين فى مقتبل العمر ، خاطب الفصل :` منذ الان سيتناوب الأستاذان الإبيارى وهارون تدريسكم حتى نهاية الشهادة الابتدائية ، كنوع من التدريب أولا ، وثانيا لأنهما أخذا على عاتقهما تحقيق التراث الاسلامى والمخطوطات النادرة . هناك توصية من الوزارة ، أن يقوما بنصاب أستاذ واحد ليتمكنا من البحث والدراسة ، تعجبنا أناقة الاثنين ، كأنهما يريدان أن يثبتا أنهما لا يقلان عن المدرسين الإنجليز : منذ تلك اللحظة بدأ حظى فى فهم اللغة أفضل .
قال الاثنان يجب ان ننسى أن لنا منهجاً أو واجبات منزلية ، فهما لن يقيدنا بمنهج لقد اتفقنا مع ` على بية الجارم ` أن يكون التدريس لنا تجريبياً الابيارى كان يبدأ ببيت من الشعر خفيف على مسامعنا يكرر هذا البيت ليسمعنا موسيقاه ورنين الالفاظ فية بعد ذلك يعربة لنا باستضافة حتى نفهم النحو والصرف . يشرحة فى لغة عربية صميمة ليظهر بلاغة هذا البيت موضحاً لنا متى قيل والظروف التى قيل فيها وتطور كلماته حتى أصبحت دارجة فى حياتنا ، يستخدم كل حرف وكل فعل فى هذا البيت فى استخدامات أخرى فى حياتنا الدارجة . تمضى الحصة ونحن مسحورون بهذه اللغة ، وهذا الحب لها والتفانى لإدخالها إلى عقولنا ، لنعرف كيف نستطيع أن نستخدمها ناصعة بسيطة فى كلامنا العادى ، وكيف ننطقها بشكل سليم وكيف ستكون كلماتنا أجمل باللغة العربية الفصحى من اللغة العامية . أما هارون فبدأ بطريقة مختلفة إلا أنها تلتقى مع طريقة زميله فى النهاية . كان مصراً على أننا كى نفهم لغة ونحسها يجب ان ننطقها سليمة جداً . يبدأ باى تصرف أو حركة من طالب فيأخذ الحدث وينطلق محللا إياه وفق قواعد النحو والصرف يدفق فى سبب رفع الكلمة ، ولماذا نصبت ، ولم لفظ الحرف بفم مغلق أو خرج من الحنجرة حتى نشعر معه أن الكلمات أصبح لها معنى وصدى ورنين ، يأخذ كل الوقت فى استخدام اللفظ ومتى يكون ، ثم نبدأ فى استخدام كل فعل وكل حرف وكل اسم .
ارتبطنا بهما وأحببنا معهما اللغة العربية ، جاءت النتيجة فى نهاية العام للشهادة الابتدائية مخيبة لأمل الشيخ ` فتح الله ` إذ كانت درجاتنا جميعا تتجاوز الاربعين وتشرف على الدرجات النهائية- للاسف الشديد لم يستمرا بالتدريس إذ تفرغا لإحياء التراث والمخطوطات ولا أعتقد أن أحداً استطاع سد مكانهما فى تدريس اللغة العربية ولا فى إحيائهما لتراثنا العربى -ذلك أظنة يرجع إلى حبهما للغة العربية وثقافتهما الشاملة لتراث لغة القرآن افتديا العربية بعمرهما وذهبا فى صمت نتسائل لماذا لم تعمم طريقتهما ؟ هل مثل هذه الطريقة تحتاج إلى موهوبين ومخلصين للعربية مثل هارون والابيارى ؟
فى الثانوية كان حظى أوفر، إذ درس الشاعر محمود غنيم لفصلى لمدة خمس سنوات ، كان الطلبة يتهامسون على أنه شاعر مشهور ومع أول موضوع إنشاء وجدته يحتجز كراستى بعد أن وزع جميع الكراسات ونادانى وقال لى بلهجة تنم عن الشك والغضب ` من كتب لك هذا الموضوع ؟ أجبته : ` لم يكتبه لى أحد ` قال : ` اجلس أمامى هنا سأعطيك عنوان موضوع أخر واكتبه أمامى ` بعد كتابتى لصفحة أو صفحتين وجدته ينتزع منى الكراسة ويبدأ قارئاً ويكرش رأسه من الخلف ويدفع طربوشة للأمام كأن طربوشه عمامة ، حدق فى وجهى وبالعنف الذى ، كان مشهوراً به قال ` كنت مخطئاً لكنك حتى لو كنت ابن المقفع ينقصك سيبوية ` ثم دفع الكراسة إلى قائلا ` وعلى الرغم من هذا لك حس خاص بك فى الكتابة ، الا أن أخطاءك فى النحو قللت من شأن كتابتك `
كثيراً ماكان ` على بية الجارم ` يأتى بنفسة لقتش علينا فى المدارس الابتدائية والثانوية ، ويسأل المدرسين والطلبة عن النماذج المختارة التى وضعها فى أسس التدريس ، وهل هناك صعوبة فى تدريسها لدى المدرسين وصعوبة لدى الطالب فى فهمها . عند لقاء الشاعر ` على بية الجارم ` مع الشاعر ` محمود غنيم ` يكون اللقاء حاراً نستمتع فية بسلاسة نطقهما ولغتهما وموسيقى كلامهما ، كنا مميزون بتدريس ` محمود غنيم ` لنا إذ ان قصيدته عن الدبابات الانجليزية التى حاصرت قصر عابدين ، لاقت إعجابا كبيرا وشهرة بالأوساط المختلفة بالقاهرة .
كل من تحدثت عنهم عمالقة أدين لهم كذلك تدين لهم اللغة العربية ومن الصعب أن تجود لنا مصر بمثلهم ثانية خصوصا بعد التغيرات التى لم تكن نتوقع أن تصبح بهذا السوء .
مضى الوقت وحين كنت فى كلية الفنون الجميلة ، وجدت نفسى فى الترام الذى يقطع شارع القصر العينى فوجئت بدخول رهط غريب ـ لم أكن أعلم إن فى تلك المنطقة كلية ` دار العلوم ` التى يدخلها الازهريون الذين يرتدون أن يحولوا مصيرهم إلى تدريس اللغة العربية وأدب اللغة العربية ـ بعضهم يرتدى الجبة والقفطان وبعضهم يرتدى البدلة الافرنجية وقلة ترتدى زيا يسمى ` الكاكولة ` معظم حديثم بعربية فصيحة ويخرجون الالفاظ من مخارجها ، بشكل ذكرنى بنطق الاستاذتين الإبيارى وهارون . فجأة ارتفع صوت أحدى أحد الجالسين فى الترام ببيت شعر فى شكوى الزمان نسيته كلية . لكن ما تلا ذلك اذكره كانه حدث بالامس عند ذلك صاح فية أحد طلبة ` دار العلوم ` ` لا تلحن يا اخى ` لكن الشئ الغريب أنهم اختلفوا فيما بينهم على صحة نطق هذا البيت ، وأخذوا يكررون تفعيلات موسيقية ، استعر النقاش . كدت أنسى ذهب رجل يصيح : ` كفى صراخا وسفسطة وإزعاجا نظروا إلية بإحتقار قائلين ` اللغة العربية هى ديننا ودونها نحن لا شئ ` فإذا بصوت جهورى ينبعث نظرنا ناحيته فإذا به واحد منهم ضرير ، يجلس على مقعد بينهم قائلا : ` إن أردت ياسيدى أن نتحدث بلكنة ` أنكل سام ` أو ` جون بولون ` فعليك بأول الشارع حيث باب الجامعة الأمريكية ، يتسكع علية ساقطى التوجيهية ومن لفظتهم كل الكليات والمدارس ، فوجدوا الملاذ بها هم وخريجات مدارس الاحد والإرساليات ، ذوات الشعر الجعد يحجمونه بالدبابيس فى هذه الجامعة يعالجون بعلم النفس على أنه مريض نفسيا يحتاج إلى تحليل نفسى مغلفين الحقيقة وهى احتياجه الاساسى للرغيف وسيشفى كالحصان . هل هذا ما تريد ؟ أن نغفل لغتنا ونتلعثم فى ألفاظ إنجليزية والنتيجة يخرجون وقد عوجوا ألسنتهم ويخرجون ألفاظاً من أنفهم متحدثين بلكنة أمريكية عامية ، لاهم مجيدين الإنجليزية ولا دراية لهم بالعربية ، ألقى ذلك الرجل الضرير الكلمات بلغة عربية فصحى تختلف عما قلته الان ، فإذا بالترام كله يضج بالضحك . كأن هذا الرجل كان يستنشف ما سيحدث لنا بعد نصف قرن أمضى ذلك الزمن ومضى رونق اللغة العربية مع مضى رونق الحياة وروعة آذان الشيخ محمد رفعت فى الفجر ، وروعة نطقة وإيقاعة السليم للغة العربية ؟ نتحسر على زمن ولدت فية أغنية ` جفنة علم الغزل ` وتدهورت إلى أن أصبحت ` متروحش تبيع المية فى حارة السقايين` . ويا ليت الاغنية العربية وقفت عند ذاك ، بل أخذت تتدهور إلى حد الإسفاف .
خلف مقهى الأمريكين ممر مظلم تباع فيه الاشرطة الهابطة للمغنيين ، فوجئت بإعلان ضخم يضئ فوق رأسى ، فإذا به سته رجال ملتحين يبتسمون كالممثلين والمغنين ، يرتدون البذلة الافرنجية ماعدا اثنين منهم يرتديان جلبابا وطاقية ، تحت الإعلان كتب هنا تباع شرائط الداعية الإسلامى فلان وفلان هل اصبح رجل الدين نجما ؟ لقد اختلطت الأمور ، لم يعد فى حياتناً حدود واختلط رجل الدين بالمعنى الهابط ؟ ولم أبطأت هاجم أذنى خليط من أصوات اختلطت فيها ` نانسى عجرم ` مع آخر يشرح آية من القران ، مع شريط يقرأ القرآن على طريقة الوهابيين . يعلو على الخليط شجار الباعة . رحم الله أساتذة الفقة العظام الذين كانوا يرفضون أن يجعلوا من الدين مادة للتكسب، ويصرون على الجبة والقفطان والعمامة كرمز لقوتهم وعزتهم بالله . أما الآن فقد اختفت الجبة والقفطان والعمامة من شوارع القاهرة ، وانتشر بدلا منها زى غريب على أنه اللباس الاسلامى ، رجال ضخام الجثة يطلقون لحاهم كثة شعثة ، يرتدون جلبابا قصيرا وسروالا يظهر ساقية وأحيانا يضع فى قدمية حذاء مطاطيا كيف تكون كل هذه (( السلطة )) زيا إسلاميا ؟ من قال لهم هذا ؟ متى ارتدى المسلمون الذين فتحوا العالم فى أقل من مئة عام مثل هذه الملابس ؟ لماذا لا تزال كل شعوب العالم مصرة على الاحتفاظ بلباس رجل الدين كما هو ؟ أما نحن .. فلماذا نخجل من تراثنا وماضينا كأنه يجلب لنا العار ؟ لقد اختلط كل شئ النقى مع الملوث .
افتقدتهم .. طلبة الازهر يرتدون الجبة والقفطان يغطون ميدان الاأزهر بعمائمهم الحمراء وأنا فى ذهابى أزقة ` الحسين ` كى أرسم وفى رجوعى إلى مرسمى فى درب اللبانة كانوا فى لباسهم هذا يرمزون إلى شئ يخاطب الاعماق ألا وهو العقيدة ، وحرصهم على اللغة العربية كان طلبة الكليات العليا على الرغم من تفوقهم على طلبة الأزهر فى اللغات ينظرون إليهم نظرة إعجاب فهم يتميزون عنهم فى أشياء كثيرة تعجز عقولهم عن استيعابها كعلوم الاصول والمنطق والفقة ، واستيعاب مالاتحوية المخطوطات القديمة من هوامش كثيرة فطلبة الازهر كما قال عنهم يحيى حقى : ` جزء من زلط رمال مصر ، يملكون المقدرة على تفتيت وصياغة حجارة اللغة العربية وتوصيلها لنا كأنها الوشى ` وما كانوا أقل منا حماسة ووطنية بل هم دائما السابقون للإضراب والاعتصام وتاريخ طلبة الأزهر حافل بوطنيتهم ، فثورات مصر كلها ، بدأت من الأزهر من الثورة الأولى ضد نابليون الى ثورة 1919 كان طلبة الأزهر لا يفوتهم احتجاج صريح قوى فى كل لحظات الضنك التى تمر بها البلد ، بل ربما كانتوا أعنف من طلبة الجامعة خلال إضرابات الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات . لماذا كان هذا ؟ فهم يشعرون بأنهم رمز للغة العربية والحصن الذى استطاع أن يقف ضد الهرطقة وضد جحافل الغزاة فلا يكمن فصل اللغة العربية عن الموقف الوطنى . وإذ صدر قرار بتحويل الازهر إلى جامعة لا تختلف عن باقى الجامعات ، وأصبح جميع مشايخ الأزهر أساتذة بدرجات جامعية يتسابقون ويتصارعون للحصول عليها ولم تعد للطالب حرية أختيار أستاذة ، إذ كان للطالب فيما سبق حرية اختيار من سيلقنه العلم دون شروط بل على حسب اقتناعة به . وكان الطالب يحدد الاستاذ الذى سيقوم بالتدريس له ، بناء على أن الاستاذ كان لا يحيد عن الحق حفاظا على مكانته بين الطلبة . أما الان فتدخلت عوامل أخرى لاختيار الطالب لاستاذه غير الدافع الذى يحدوه لاختيار الافضل لقى انتهى العصر الذى انتقل فية طلبة الازهر الى منزل استاذ منعه الخديوى من ان يدرس فى الازهر فرجوه مصرين على ان يدرس لهم فى بيته وأخذ يتوافد على منزله طلبته وجموع أخرى من الازهر كنوع من التحدى لأوامر الخديوى وقف الخديوى صامتا أمام حرية الرأى هذا ماذكره الدكتور طه حسين فى روايته الخالدة ` أديب ` الآن من يدرى ماذا سيحدث لو تم هذا الامر ؟ هل اصبح طالب الازهر مشغولا بأشياء أخرى تصرفة فى المستقبل عن قضية مثل أن يقف بجانب استاذه متحدياً من أجل الحق ؟
منذ سنوات جاءتنى فتاه تقول إنها شاعرة ، تريدنى أن أساعدها من خلال علاقاتى ببعض من أعضاء هيئة التحكيم فى التفرغ .
سألتها ` ماذا قرأت ` قالت ` درويش ودنقل وعبد الصبور تعجبت لاجابتها واستدركت : ` والشعر العربى القديم ` لدهشتى كانت إجابتها ` إنه يثير أعصابى ولا أفهم مفرداته ` قاطعتها بسرعة ` أبكل مراحلها فى إصرار أجابت ` أجل ` تمتت لنفسى أتود أن تصبح شاعرة وبصوت خافض سألت `وشوقى وحافظ ` أجابت لماذا أهتم بهما فأنا أكتب الشعر الحر وهم يكتبان شعرا ثقيلا على مسامعى قلت لها ` مثل ماذا ` قالت بلهجة عامية فجة قلبت فيها ` الراء ` لاما ` و ` القاف ` ` كافا ` ريم على القاعة بين البان والعلم أحل سفك دمى فى الاشهر الحرم ` حينئذ أدركت أنها لا تعرف شيئا عن الشعر العربى ولا عن اللغة العربية ، لانها لا تتذكر سوى مطلع أغنية غنتها أم كلثوم ولا تستطيع حتى قراءتها سليمة ، إذا فلماذا أضيع وقتى ؟ فسألتها ` هل تعلمين شيئا عن الصرف والنحت وحوار الشعر وأوزانة ؟ أجابت أنها لم تدرس قواعد اللغة العربية . برما أنهيت المحادثة قلت أنها لن تصير شاعرة إنها تكتب إلا إذا درست بعمق البحور والاوزان والنحو . وقد اتلمس لها العذر فالنماذج التى أصبحت تقر بالمدارس لتعليم مواطن الجمال فى الشعر العربى أصبحت تنفر الطلبة من اللغة العربية بل تنفرنى أنا كذلك ولم يعد هناك أساتذة . وبعد سنوات فوجئت باسمها يتردد فى الصحف كلما تحدثوا عن الشعر ، كأنها ضمن شعراء مصر وذلك لغياب الاساتذة العظام عن الساحة .
رحم الله ` أحمد شوقى ` وهو أعظم شاعر فى العصر الحديث حينما كان يصر على أن يأتى له شيخ أزهرى يقرأ له شعرً عربياً كل يوم ساعتين هذا ما أكدته حفيدته ` ليلى العلايلى ` ورحم الله ` طه حسين ` على الرغم من أنه أزهرى منذ نعومة أظافرة لم يمتنع يوما عن الانصات لمن يقرأ له بالعربية الفصحى فى الاسفار القديمة . ذلك حرصا منهم للحفاظ على مستواهما فى السيطرة على اللغة العربية . هل ضاعت الجدية وتحمل المسئولية ؟
كان ذلك فى ظهيرة يوم من صيف 1964 أسند يحيى حقى ظهرة إلى الحائط وارتكز بيدية على العصا ، بجوار المدرسة التى أعلى السبيل بناصية التنبكشية قال لى ` هل تعرف ياحسن أن الامية ستزيد فى مصر بدرجة قاسية فالتعليم منذ مئات السنين ارتبط بتعليم الدين الفلاح يرسل ابنه إلى الكتاب لكى يتعلم كلام الله ، وبعد ذلك يأتى تعليم اللغة والحساب بالتبعية . فالدين هو القاعدة الشعبية التى تتحرك منها جموع العامة فى منطقة الشرق الاوسط كان الفقية أو شيخ الكتاب يعرف كل عائلة ، ويعرف كل طفل ، فإن غاب طفل ، بعد أن يغلق الكتاب يذهب متطلعا إلى أسباب غياب الطفل ومحاسبة الطفل وأهله . فهو لا يستطيع ان يرفع رأسة فى زقاق الحارة إن لم يستطع أن يعلم طفله . أما المدرسة الالزامية فما الربط والضبط فى أن يذهب الطفل إلى مدرسين أغراب معظمهم أتى من خارج قريته ، الفلاح لن يضحى لمساعدة ابنه فى الحقل إلا أن قيل له إنه سيحمل كلام الله ومن ناحية أخرى ما الوازع والضابط ؟ وما هى حلقة الاتصال التى تجبر المدرس الإلزامى على أن يعلم الطفل فى القرية ؟ إنها فكرة خاطئة جدا الا تساعد الحكومة على استمرارية الكتاتيب ودعمهما بكل الوسائل ، كما كانت فى الماضى مدعمة من ثروات تركت أو من نقود جمعها الفلاحون من أجل الانفاق على الكتاب فتكوينها الاجتماعى والتاريخى المحرك له هو الدين .
تتحقت الآن نبوءة يحيى حقى وزادت الأمية ، وتتزايد فى الوقت الذى استطاعت الصين أن تقضى على الامية كلية .
إن اللغة العربية فى انهيار ، وتركيبة الجمل فى الجرائد المصرية أصبحت أضعف بكثير من صياغة الجمل فى الصحف اللبنانية وهذا شئ مخز ، ولا مقارنة بين الجملة التى تكتب فى صحف القاهرة فى الثلاثينات وما يكتب الآن فى الجرائد كذلك ذهب العظام مثل ` على بيه الجارم ` الذين كانوا يختارون نماذج الشعر ويقررون مناهج اللغة العربية بالمدارس من الابتدائية الى الثانوية وكفت ` دار العلوم ` عن تخريج محاربين أوفياء نزروا انفسهم لنصرة اللغة العربية وإحيائها وبثها فى مشاعر ووجدان الاطفال والشباب كل ذلك انتهى بتحويل الازهر الى جامعة فلم تعد الامتحانات لطلبة الازهر ودار العلوم لها نفس الجدية والقسوة ذاتهما . ولم يصبح الازهر ودار العلوم مصفاة لا يخرج منها إلا كل من كان متمكنا التمكن التام من اللغة العربية . فى الحقيقة أنه لم تعد هناك حتى أمانة جيل طه حسين وجدية ولا جيل من سبقوة وجديته . فقد الادباء المصريون الان صيغة الجملة العربية ونسيجها ، أن طة حسين كان آخر الكتاب العرب فى مصر ، كما كانت أم كلثوم أخر المغنين التى استطاعت أن تنطق اللغة العربية الفصحى والشيخ محمد رفعت آخر من استطاع أن يقرأ القرأن بلهجة سليمة وورع كامل دون تنغيم وزخرف ولا توجد مقارنة الآن بين الأدباء المصريين وزملائهم فى الشام والعراق أليس هذا بعار !
بتحويل الازهر إلى جامعة ، لم تجل بخاطرهم الاخطار التى ستنجم عن هذا فقد كان الازهر موفقا متفردا ، أضف الى ذلك أنه كان أسطورة علم وفكر وفلسفة وكان قيماً على العالم الاسلامى أجمعة . وقد بدأت مع بداية الحكم الفاطمى منذ أن أنشئ الازهر كمدرسة قبل أن يكون مسجداً . فاصبح الازهر قبله العالم الاسلامى كله من أقصى آسيا إلى جنوب روسيا لم يحصل الازهر على هذا الاحترام فى يوم وليلة ، بل من تراكم مئات السنين وجدية أساتذته ووقوفهم مع نصرة الحق ضد كل طغيان ، هذا ما ذكرة المؤرخ الانجليزى ` ستانلى لينبول ` أما الآن وبتحويلة إلى جامعة فلم تعد له هيبته القديمة التى شيدت من تراكم مئات السنين .
هل لنا أن نتساءل : هل انتهى الازهر كأسطورة ومواقف حادة لحماية اللغة العربية والعروبة ومنع التجديف فى الدين تحت ستار التعصب ؟
إن التفريط فى اللغة العربية هو التفريط فى الهوية القومية للعالم العربى كله والازهر كان الحصن الصامد للحفاظ على اللغة العربية والعروبة ـ حتى أنه لم يعد يتدخل فى مضمون شرائط الوعظ وشرح القرآن التى تملأ مجلات الاغانى الهابطة بينما كانت هناك فى الثلاثينات لجنة قوية جدا لها السيطرة على منع المقرئين حتى من قراءة القرأن دون الاصول المورثة لموسيقاها من قرار وجواب وإخراج الأحرف من أماكنها الصحيحة بورع كامل لقد أصبحنا الان نجد بعض المقرئين يلحنون ويخطئون فى النحو ، والأعجب من هذا إنهم خريجو كليات تبعد كل البعد عن اللغة العربية والدين .
هل فقد الازهر هيبته فانتشر المدعون الذين يسمون أنفسهم الاصوليين ، ويرمون إلى تجنيد الدين وتحويلة إلى طقوس بعيدة كل البعد عن بنية المجتمع وتقدمة . هم فى الحقيقة لا يهدمون الدين فقط بل يهدمون اللغة العربية ، فهم ، دون وصاية أو دراية باللغة العربية فكثيرا مايفهم المجتمع الديمقراطية أو الحرية فهما خاطئا فإذ كل مأجور أو موتور أو جاهل يدلى بدلوه فى قضايا فكرية أو فلسفية أو ديدنية أو لغوية لا يعرف عنها شيئا ، قضايا تمس المجتمع ككل هذا ما أدركة صلاح الدين ، الذى أعطى أهمية كبرى لإقامة المدارس كجزء أكبر من الجوامع . بذلك انتشر الأساتذة والمدارس التى تدرس اللغة العربية والدين الحنيف للأطفال وفرسانها منذ نعومة أظافرهم .
وحقبه المماليك كانت كلها عبارة عن فتح مدارس تلو مدارس ، حتى لم يكن هناك فصل بين المدرسة والجامع ، فهى مدرسة قبل أن تكون جامعا هذه الصفة كانت مميزة لمعظم الاثار الاسلامية .
استمرت سياسة صلاح الدين ومن تبعة من السلاطين كحصن متين قوى ضد الغزو الاجنبى ، أهم بكثير من الحصون الحربية التى انشاؤها لأنها دون لغة سليمة ، ، لن يكون هناك فهم لعقيدة سامحة تضم شتات الشرق كله ، ودون العقيدة السليمة لم يكن وازع للمحارب أن يحارب لذلك أصبح السلاطين العظام من أشد الناس تعصبا للعربية والشرق وأستمروا فى غزوات مستمرة حتى قضوا على أعتداء الشرق من تتر ومغول وصلبيين وذادوا عن الشرق أجمعة .
هل انتهت كذلك أسطورة مشايخ الأزهر الذى نصحوا نابليون بأن يضعهم موضع تبجيله واحترامه ، ولم يحدث قط أن رد طلبا لأحد منهم بل كانوا موضع تبجيل منه ويأخذ بمشورتهم أحيانا . هل ضاع الأزهر كمركز لسماحة الدين والوحدة العربية ؟ وأصبحت مصر رمزا للتجديف فى الدين بعد أن كانت منبرا لنشر الفكر السليم ومنارة للغة العربية وظهرت الشعوذة الدينية والفهم الخاطئ للمضمون الاسلامى السليم وعم الجمود الدينى ، وانتشرت الخزعبلات إلى درجة تحطيم النماذج الجصية التى استوردت من فرنسا ، من اللوفر ـ وهى من أسس تدريس فن الرسم إلى الآن فى كل العالم ـ على أنهم أصنام . لو كان الاستاذة حارسين على تأدية واجبهم كاملا لطلبوا من اللوفر نسخا أخرى ، وفى الوقت ذاته ، تزداد دهشتى : لماذا أقاموا تماثيل قيمئة فجأة تعبر عن الجهل وضيق الأافق لميادين القاهرة ؟ ولا نستطيع تمييز ملامح التمثال حتى نقرأ الاسم على القاعدة ، تماثيل مشوهة ، شوهوا عمالقة تاريخنا بينما تتحطم نماذج لتماثيل فنية صحيحة فى كلية الفنون على أنها أصنام .
أليست التماثيل المقامة وفقا منطقهم أصناما كذلك ؟ هذا يدلنا على مدى التخبط الذى يسير فية من يدعونا الغيرة على الاسلام وكان السبب فى هذا أنهم لم يدرسوا اللغة العربية دراسة كاملة وواعية . حتى يستطيعوا أن يحددوا ماهو المحلل وما هو المحرم فتخبطوا . ولم يجدوا مشجبا يعقلون علية أخطائهم سوى الدين أين نحن من حركة التنوير والاجتهاد ؟ التى كانت سببا فى تطوير الأدب والفكر والفن ـ التى بدأها أزهرى درس العربية دراسة سليمة ، ففهم دينه سليما ، واستطاع ان يفرض راية ، وان يقيم الحجج التى لا يستطيع احد أن ينقضها ، وفتح باب الاجتهاد لتعليم الدين السمح ، الذى يبعد عن التعصب الكاذب ، أنه الشيخ محمد عبده الذى كان مصرًاً ومحاربًا وشارساً لإحياء واللغة العربية والدين الاسلامى وتطويرهما . لقد بلغ حرص الشيخ محمد عبده على تقدم مصر ، حين طلبوا منه فتوى لإقامة كلية الفنون الجميلة وإباحة رسم الموديل العارى ، فاخذ على عاتقة أن يكتب مبيحا رسم الموديل العارى ذاكراً أن هذا ساعد على تقدم الحضارة فى الخارج ، إذا فكل ما يساعد على تقدم أمة مباح شرعا إن طلبة الازهر كانوا متقدمين أكثر قبل أن يصبح الازهر جامعة فوفق ما كتبة طه حسين أن طلبة الأزهر جعلوه من الاستاذ الذى اتهم الشيخ محمد عبده وكل من يسافر الى فرنسا بالزنذقة مادة للتهكم فى مجالسهم يوميًا . لقد كان حلم كل ازهرى فى ذلك الوقت هو الذهاب الى باريس ونيل الدكتوراه من السربون لكن مع غلق باب الاجتهاد وتقليص وظيفة الازهر وحجمة كأزهر لا كجامعة انهارت اللغة العربية وفقدت القاعدة الشعبية المنهج السليم الذى ترتكز علية لكى تستطيع أن تبنى معايير اجتماعية واخلاقية سليمة . فكانت النتيجة أن زاد التزمت والتخلف الدينى والارهاب وخلت المنطقة من فهم سليم للتقدم الحضارى والعدل فى المجتمع وابتعد رجال الازهر عن النضال من اجل الحفاظ على اللغة العربية ووحدة الشرق ولم يعد لهم موقف ينهض الحق ويقف لنصرة المجتمع بل هم الان موظفون لا اكثر ولا أقل ولا هم لهم سوى التدرج الوظيفى .
كان للأزهر قيمة ومعنى كبير ، أذكر وأنا طفل أخذتنى أمى لنزور خال أمها الحزينة خال أمها الحزينة ، فوجئت حين ذهابى بحضور كل العائلة ، كان حفلا كبيرا تحقيقا لرغبة أخية الميت الذى أوصى أن يندر ابنه للأزهر ولفقة الدين بعد أن يحفظ القرآن . أقيمت وليمة كبيرة بمناسبة ارتدائة ملابس الازهر ، رغم صغر سنة العمامة والجبة والقفطان يهرول بهم صبيا ، وكل العائلة سعيدة بهذا بينما كان فى استطاعة نقود هذا الرجل الذى توفى أن يذهب ابنه ليدرس بجامعات سويسرا وانجلترا مضى هذا الزمن الذى كانت فية غرة الازهر ووحدة لقوميتنا وتقاليدنا ولغاتنا ولعقائدنا كنا نريد أن نقيم حائطا صلبا ضد شئ خطر يسمى الاستعمار .
فقد الأزهر أهميته واصبح جامعة كباقى الجامعات ، ونسى واجب الحفاظ على تراثنا الفكرى واللغة العربية وأهميتها لتوحيد قوميتنا وصمودنا الافضل ان نبتسم بمرارة
أذكر منذ سنوات كثيرة أن ناصرياً كان يدعى الاشتراكية والقومية العربية فجأة بعد أن جمع نقودا من دولة عربية والله أعلم كيف ؟ تحول مدافعا عن العولمة وعن كل شئ أمريكى ناطقا الانجليزية بركاكة ولهجة أمريكية ، وكأنه لا يعرف العربية . مع أنه كان يذيع بالعربية الفصحى ونسى كل شئ عن جذورة وأصوله ، وإذ به ينقلب فجأة مقلدا سكان نيويورك يرتدى شورتا أحمر حريريا وحذاء مطاطيا ليجرى كل صباح على النيل حيث يقطن. وفى ذهابه ورجوعة كان كلب ينبح مستشارا من شورته الأحمر اللامع ، ولأن الكلب لا يدرك ولا يعرف طبعا عادات أهل نيويورك فإذا به يقفز علية باحثاً عن قطعة لينة فى الشورت الاحمر . وكان الكلب يريده أن يكف عن العولمة أو اى تصرف أمريكى وبعد كل ما قاساة من إحدى وعشرين حقنه مولمة فى بطنة وألم فى قاعدته كف عن تقليد الامريكان فى كل شئ . وتاب عن الحماس لهم وعن تقاليدهم أما ان لنا أن نفتح عيوننا على كل ما يشبة الاستعمار ؟. ام اننا مصرون على ان نظل كالعرائس الخشبية المعلقة بالخيوط تحركها أصابع خفية ؟
حسن سليمان
الاهرام 2014

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى