الرجل الذي كاد أن يقتله دون كيشوت.. قصة مخرج وثلاثين عامًا من محاولة إنتاج فيلم

الرجل الذي كاد أن يقتله دون كيشوت.. قصة مخرج وثلاثين عامًا من محاولة إنتاج فيلم

Vulture – موقع أميركي

لا يملك تيري غيليام مكتبا، بل عرينًا. يقع العرين في علية منزل لندن الذي عاش فيه مخرج مونتي بايثون مع عائلته منذ عام 1985، تصل إليه بتسلق أربع أدوار من السلالم الضيقة وعبر زوج من الستائر. إنه مكان سحري عشوائي يمكنك أن تتخيل شخصية من أحد أفلامه تعيش فيه، ربما أستاذ مجنون أو ملك منفي. يزين المكان بالسجاد الفارسي والمنحوتات بكافة أحجامها، الكتب تتناثر في كل مكان؛ على الرفوف والطاولات، مكدسة على الأرضية.

فور دخولك تنجذب عينك إلى العديد من الاكسسوارات التي كانت في أفلام غيليام. هناك تماثيل مجسمات لبارون مونشاوسين وفينوس، والتي استخدمت في العديد من اللقطات والمؤثرات في مغامرات البارون مونشاوسين عام 1988. وهناك “ملاك الموت” الذي يكتنفه اللون الأسود من نفس الفيلم، معلقًا من السقف بجانب مجسم لسام لوري مجنح من فيلم برازيل عام 1985. على أحد الطاولات تقع الخوذة التي ارتداها شون كونري في دور الملك أجاممنون في فيلم Time Bandits عام 1981. وخلفه بجانب الاستريو، نجد صورة مصغرة لمبنى كريمزون للتأمين الدائم، وهي شركة تأمين مقرصنة أرهبت الجميع في المشهد الافتتاحي لفيلم معنى الحياة من مونتي بايثون 1983.

المخرج “تيري غيليام” (مواقع التواصل)

في قلب كل ذلك، يقف غيليام في هيئة متعبة ويعتذر لكونه في آخر يوم له من المضادات الحيوية بعد نوبة أخيرة من الالتهاب الرئوي، ورغم أنه يبدو نشيطًا تمامًا حيث يريني المكان حوله ويشير إلى الاكسسورات المخبأة في الزوايا التي ربما أغفلتها – بما في ذلك الأسماك التي تمتلك وجه إنسان من فيلم “معنى الحياة” والتي تطفو على رف فوق رؤوسنا. يقول: “إنهم يرمونها في نهاية الفيلم، لذا أحاول الاحتفاظ بقدر ما أستطيع منها”.

ليس من المفاجئ أن غيليام، البالغ من العمر 78 عامًا، يشبه إحدى شخصياته؛ فلطالما بدت قصصه عن الحالمين الذين يخوضون معركة ضد قوى القمع قصصًا شخصية للمخرج الذي وجد نفسه دائمًا في حرب مع الاستوديوهات والمنتجين. لكن كلمة “شخصية” لا تقترب من وصف التعلق الغريب الذي حمله لفيلمه الأخير. من بطولة جوناثان برايس وآدم درايفر، فيلم “الرجل الذي قتل دون كيخوته”، والذي عرض أخيرا في مهرجان كان في العام الماضي، بدأ الآن في عرضه على شاشات العرض في الولايات المتحدة. في 19 نيسان/ أبريل، افتتح في إصدار مسرحي محدود، وكذلك على منصات VOD.

فيلم عن فشل فيلم

يعمل غيليام على هذا الفيلم منذ ثلاثة عقود؛ ولطالما اعتبر أحد أعظم الأفلام التي لم تصنع في تاريخ السينما، فقد أصبح الفيلم يعرّف حياته المهنية بكل الطرق غير المتوقعة وكاد يدمره أثناء ذلك. تقول آمي غيليام، ابنة المخرج ومنتجة آخر أعماله إن المشروع كان بالنسبة لأسرته لسنوات “التنين الذي استمر في رفع رأسه لينفث النار”. ينبع جزء من سمعة كيخوته السيئة من الفيلم الوثائقي عام 2002 بعنوان Lost in La Mancha من إنتاج كيث فولتون ولويز بيب، الذي أعقب محاولة غيليام الكارثية لتصوير الفيلم في إسبانيا عام 2000 مع جوني ديب والممثل الفرنسي جان روشفورت في الأدوار الرئيسية.

يصور الفيلم الوثائقي، الذي كان يقصد منه في البداية أن يكون قرص DVD لما وراء كواليس إنتاج الفيلم، العديد من المصائب التي عانى منها طاقم غيليام وممثليه؛ فمثلا كان أحد مواقع التصوير بجوار قاعدة جوية تابعة لحلف الناتو، وهدير الطائرات المقاتلة فوق الصوت يجعل صوت المشاهد غير صالح للاستعمال؛ كما غمرت العواصف الممطرة موقع التصوير وكادت تجرف المعدات تقريبًا؛ وكذلك تم تشخيص روشفورت على الفور بعدوى البروستاتا، مما جعله غير قادر على ركوب الخيل، وعندما خرج الفيلم عن السيطرة، أغلقته شركة التأمين.

قد يكون فيلم Lost in La Mancha فيلمًا وثائقيًا، لكنه يحتوي على قدر من الجنون السريالي المعتاد في أفلام غيليام؛ حتى أن بعض المشاهدين اعتقدوا أنها كانت قصة مكتوبة. في مذكراته لعام 2015 بعنوان “Gilliamesque ” يتذكر المخرج أن فولتون وبيب أرادا العودة إلى الديار بمجرد أن بدأ الإنتاج يخرج عن السيطرة؛ فقال لهم غيليام: “واصلوا التصوير، أيها الحمقى!” وكتب” اضطررت إلى الصراخ عليهم من أعماق اليأس الذي أشعر به، “قد لا يكون لديكم فيلم عن صناعة فيلم، ولكن على الأقل سيكون لديك فيلم عن الفشل في صناعة فيلم، وقد يكون هذا في الواقع أكثر إثارة للاهتمام”.

الأرض والهواء

أثناء محاولته عام 2000، كان غيليام قد أمضى حوالي عقد من الزمن في محاولة لإنتاج فيلم من رواية دون كيخوته التي كتبها ميغيل دي سرفانتس في القرن السابع عشر، حول مغامرات رجل عجوز متوهم يتخيل نفسه فارساً من القرون الوسطى. خطرت الفكرة لغيليام للمرة الأولى بعد صنع فيلم مونشاوسين، ورغم خيبات الأمل المالية لهذا الفيلم وفيلم البرازيل، كان المشروع سهل التمويل، في البداية على الأقل. قال غيليام: “لقد بدأت بجمع المال منذ فترة طويلة، قبل أن أقرأ الكتاب، اتصلت بـجايك إيبرتس (المنتج الحائز على جائزة الأوسكار) وقلت، “جايك، أحتاج إلى 20 مليون دولار، ولدي اسمان لك: أحدهما هو كيخوته والآخر هو غيليام”، فقال لي:”إليك ما تريد”. وكان الأمر بهذه البساطة، وكانت النتيجة بالطبع أن الرواية طولها يزيد عن ألف صفحة وهي قصة واسعة وكثيفة بشكل مدهش. يقول غيليام “في النهاية جلست وقرأتها، فأدركت هول المأزق الذي وضعت نفسي فيه”.

من أين نبدأ؟ كانت المشكلة في كل ذلك هي محاولة الهروب من الكتاب دائما. ومع ذلك، اقترب اقتباس قصة سرفانتس المباشر من الحدوث عدة مرات؛ كانت فترة التسعينيات فترة مثمرة لغيليام، مع نجاحات مشهورة مثل فيلم The Fisher King 1991 وفيلم Twelve Monkeys 1995. لكن المخرج- الذي كان يعمل في ذلك الوقت على فيلم البرازيل- والكاتب تشارلز ماكوين، واجها صعوبة في معالجة القصة، وبالاضافة إلى ذلك وجدت مشكلة العثور على ممثل يمكنه جلب المزيج الصحيح من الرقة والوهن والكآبة والسذاجة إلى دور كيخوته. أراد المنتجون في وقت ما الممثل شون كونري، لكن غيليام شعر أن “كونري كان كالأرض، بينما كان كيخوته الهواء”.

في عام 1998، بدأ غيليام العمل مع مساعده في التأليف توني جريسوني الكتابة من زاوية جديدة. كان المخرج يعمل على فيلم مقتبس من عمل مارك توين A Connecticut Yankee in King Arthur’s Court وقرر دمج الفكرتين. في هذه النسخة تتبع القصة مدير تنفيذي شاب، يدعى توبي، الذي يسقط على رأسه ويتخيل نفسه وهو يعود إلى زمن كيخوته. وهناك، يخطئ الفارس المتجول كيخوته ويحسب أنه سانشو بانزا صديقه المؤتمن. كان هذا هو السيناريو الذي دخل حيز الإنتاج في عام 2000، مع جوني ديب في دور توبي وروشفور في دور كيخوته.

مخرج تعس الحظ

قد يبدو غيليام أحيانًا أتعس المخرجين حظًا في العالم. فقد كانت حياته المهنية من المعارك مع المنتجين، والإنتاج خارج البلاد، ونوبات من سوء الحظ الكارثي. فقد خاض في فيلم البرازيل، الذي يعتبر تحفة فنية اليوم، حربًا علنية مع رئيس شركة Universal Pictures سيد شينبرج، الذي رفض إصدار النسخة الأصلية من الفيلم وحاول إعطائها نهاية سعيدة (مضللة للغاية)؛ واشتهر غيليام بإعلان من صفحة كاملة في مجلة “فارايتي” يسأل فيه عن موعد إطلاق فيلم “شينبرج”. واختتم مونشاوسين ضحية تغيير النظام في “كولومبيا بيكتشرز”، والتي ساهمت في تصوير فوضوي سيء للغاية تجاوز الميزانية، مما دفع شركة التأمين إلى التدخل والتهديد برفد غيليا، الذي أعاد بعد ذلك كتابة العديد من المشاهد. بعد ذلك، أعطى نظام كولومبيا العدائي مونشاوسين إصدارًا محدودًا للغاية، ولم يكن للفيلم تأثير يذكر؛ ويعتبر الآن واحد من أفضل أعمال غيليام.

في فيلم الأخوان جريم 2005، اشتبك المخرج مع بوب وهارفي وينشتاين، الذين اعترضوا على حقه في اختيار الممثلة الرئيسية ورفدوا المصور السينمائي. (واعترف جيليام في وقت لاحق أنه كان مترددًا في العمل مع آل وينشتاين، لكنه شعر باليأس في أعقاب انهيار فيلم كيخوته) وكذلك دخل فيلم Imaginarium of Doctor Parnassus 2009 في حالة من الفوضى عندما توفي نجمه هيث ليدجر في منتصف الإنتاج؛ واضطر جيليام إلى تجنيد ثلاثة ممثلين آخرين – ديب وجود لو وكولين فاريل – للعب شخصية ليدجر في بقية الفيلم، في ثلاثة عوالم خيالية مختلفة. وكانت النتائج سلسة بشكل مدهش، رغم أن الفيلم نفسه حصل على تقييمات مختلطة؛ وهذه الحظوظ السيئة فقط في الأفلام التي صنعت بالفعل.

ربما يكون فيلم The Fisher King هو الفيلم الأكثر شيوعًا الذي صنعه غيليام

مواقع التواصل

تأتي العديد من متاعب غيليام، وكذلك إنجازاته، من مزيج خاص من التأثيرات والدوافع التي حددت حياته المهنية. من بدايته كرسام ومصمم شخصيات، فهو فنان يملك رؤية محددة للغاية في مخيلته حول كيفية ظهور كل مشهد. (في محاولاته السابقة، قام غيليام برسم كل لقطة، وكثيراً -كما يعترف- ما صمم تمامًا على التأكد من أن ما يظهر على الشاشة كان تمامًا كما كان يتخيله). ولكن بصفته عضوًا في مونتي بايثون، فقد فهم أيضًا قيمة التعاون وسعة الحيلة: فبعد كل شيء، يعد فيلم مونتي بايثون الكأس المقدسة، الذي شارك غيليام في إخراجه، فيلمًا يرطم فيه الشخصيات حبات جوز الهند معًا لتقليد الصوت، بدلًا من ركوب الخيل.

وهو في الوقت ذاته مخرج سينمائي مستقل، ينجذب إلى موضوع غريب ومزعج؛ فمثلا ربما يكون فيلم The Fisher King هو الفيلم الأكثر شيوعًا الذي صنعه، وذلك فيلم الذي يطارد فيه الفارس الأحمر الشيطاني البطل غير المستقر عقلياً والمشرد عبر سنترال بارك. مثل هذه المواد تجعل من غير المرجح أن يحصل غيليام على ميزانيات كبيرة. نتيجةً لذلك، ونظرًا لاهتمامه بالقصص الخيالية – القصص الخيالية المظلمة والأساطير والمغامرات الملحمية و ديستوبيا الخيال العلمي، فغالبًا ما سيتعين عليه أن يعتصر كل دولار بأقصى ما يستطيع في الإنفاق، ثم يعتصره أكثر. ويمكن لذلك أن يحدث مشكلات بالطبع؛ حيث تقول آمي غيليام: “الجميع يخبرنا أن نخفض الميزانية حتى بعد أن قمنا بتخفيض الميزانية إلى حد كبير، لكن هناك نقطة لا يسمح فيها تخفيض الميزانية لتيري أن يصنع فيلما يحمل بصمة تيري غيليام”.

عقبة المال

إن قصة تمويل كيخوته هي رحلة متعرجة مرت بالتحديات الغريبة المتمثلة في صناعة أحد أفلام تيري غيليام. ففي عام 2000 بلغت تكلفة تصوير الفيلم 32 مليون دولار، وكان ليكون من أغلى الأفلام التي صنعت بالكامل بأموال أوروبية، على الرغم من أنها لم تكن كافية لتحقيق رؤيته. في وقت إصدار فيلم Lost in La Mancha الوثائقي، كان غيليام يأمل في أن يكون الفيلم الوثائقي يمثل مقطعًا ترويجيًا طويل لنسخته النهائية من فيلم كيخوته، لكن معظم المنتجين ذوي السمعة الطيبة طلبوا منه التخلي عن المشروع. ويقول: “بدا كما لو انتهى أجل، وكان الجميع يقول لي: كفى لا تستمر في العمل عليه”.

ولكن بعد ذلك، ظهرت شخصيات أخرى تشبه كيخوته وكانوا أقل شهرة، ربما على أمل أن يصبحوا هم الفرسان في درع لامع الذين سيتمكنون من إنقاذ حلم المؤلف الأسطوري من الانتهاء إلى كومة خردة السينما الذهبية من الروائع غير المصنوعة. يقول غيليان: “كل واحد منهم يأتي واثقًا بشده، يأتي حاملًا وعوده وكلهم لا يوفون بها”.

وفقًا للمخرج، كان بعضهم من المعجبين حسني النية لا يعرفون جيدًا ما الذي يفعلونه. أما البعض الآخر فكانوا أكثر غموضا؛ ويضحك المخرج وهو يتذكر أحد المنتجين المحتملين الذين تواصلوا معه في وقت ما من عام 2014 تقريبًا: “لقد كانت امرأة لها علاقات إيطالية، وقد جمعت بعض المال الذي كان من المفترض أنه المال الذي سرقه رئيس تونس عندما خرج من الدولة خلال الربيع العربي. وكان الأمر ينطوي على إنشاء شركة خارجية، للوصول إلى هذه الأموال. ولكن يبدو أن الأموال انتقلت من تونس في الخارج إلى مكان ما في سويسرا، ثم انتقلت إلى رجل جديد ادعت أنه يمتلك 50 بالمائة من الثروة المعدنية في العالم. وكان لسبب ما، معجبا بها. وكان يأتي إلى لندن، ثم لم يعد يأتي إلى لندن. ثم أصيب بنوبة قلبية، لذلك تأخر قليلا. ثم فجأة جاء إلى لندن. ولكن بعد ذلك قرر إدارة تمويل الفيلم من خلال الحساب البنكي لابنته. ويزيد الأمر جنونا! نحن نتحدث عن أشخاص يقومون بإجراء مكالمات عبر سكايب يرفعون فيها أجزاء من وثائق تثبت صحة كلامهم، وبعد صفقة التمويل مع قطب عالم المعادن ذاك، في اليوم التالي يتصل محاميه ويقول:”هذه الوثيقة لا تعني شيئًا! “

      

وفقًا لتقديرات غيليان، بذل سبعة منهم جهود صادقة من أجل صنع فيلم كيخوته على مدى السنوات الـ 25 الماضية. (كانت محاولة عام 2000 هي المحاولة الثالثة في الواقع). في كل مرة، كان هناك أموال تجهز، ويُحدد بعض من فريق الممثلين، ويحدد تاريخ البدء. بعد التخلي عن التصوير عام 2000، حاول غيليام إعادة شراء النص من شركة التأمين العودة لصنع الفيلم مرة أخرى. وفي عام 2005، كان يخطط للتصوير مع جوني ديب وجيرارد ديبارديو. بحلول عام 2009، كان روبرت دوفال يفكر في لعب كيخوته، وبحلول عام 2010، حل إيوان ماكجريجور محل ديب.

في عام 2014، تم الإعلان عن أخذ جون هارت دور كيخوته، وطرح اسم جاك أوكونيل للعب توبي. “كانت تلك فترة جيدة” يقول وينظر لخارج النافذة: لا زلت يملك أشرطة جون وجاك في حديقتي وهما يتدربان على الأدوار”. وكان غيليام يشعر بالقلق إزاء الهشاشة التي كان يمكن أن يجلبها هرت للدور، ويقول: “لقد كان ليكون كيخوته ضئيل في وجهه وصوته. لم يكن مضحكا أو مجنونا مثل جوناثان، لكنه كان أكثر مأساوية”.

في يونيو 2015، انضمت شركة أمازون إلى المشروع كموزع. وفي وقت مبكر من العام التالي، أوصت آمي غيليام بأن يلتقي تيري بدرايفر، الذي حقق نجاحًا حديثا يدًا في حرب النجوم: صحوة القوة. انسجم الاثنان معًا ووقع درايفر ليلعب دور توبي. في النهاية بدا أن الأمور تسير وفق هوى غيليام. ولكن حين كانت الكاميرات جاهزة للعمل، أعلن هارت أنه مصاب بسرطان البنكرياس. (ومات في يناير عام 2017) واحتراماً لصديقه، انتظر غيليام قبل أن يعود ويبحث عن ممثل بديل للفيلم. ويقول إنه على الرغم من التشخيص المؤلم، “لن أفكر في البحث عن أي شخص آخر. لقد أجلت كل شيء لمدة ستة أشهر”.

جون هارت (مواقع التواصل)

بعد ذلك، تم اختيار مايكل بالين، زميل غيليام، والعضو السابق في بايثون، في دور كيخوته في عام 2016، في وقت قريب من وصول المنتج البرتغالي باولو برانكو. على الرغم من أنه يمتلك سمعة جيدة، فقد تبين أن برانكو من تلك الشخصيات التي تعد بأكثر مما يمكنها تقديمه. وفقًا لغيليام، خلال الأربعة أشهر التي شارك فيها برانكو في المشروع طالب بالتحكم الإبداعي وحاول خفض رواتب طاقم العمل وهو ما أبعد بالين ودفع بأمازون للخروج في النهاية. عندما فشل المنتج في توفير التمويل الذي وعد به، وصل هو وغيليام إلى طريق مسدود، وألغى المنتج التصوير، يقول غيليام متذكرا “كنا جميعًا إما في سيارات متجهة إلى المطار أو فعليًا في المطار على استعداد للسفر إلى لشبونة للتصوير عندما ألغى باولو كل شيء”.

كانت الأموال قد أنفقت بالفعل وأنشئت مواقع التصوير، لذلك استمر المخرج في العمل. ويقول: “لقد اضطررنا إلى إعادة تجميع الأمر بالكامل في غضون ثلاثة أو أربعة أشهر”. مع مغادرة بالين اتصل ببرايس، الذي يقول غيليام إنه كان ينتظر “بصبر لمدة 15 عامًا” وكان برايس قد لعب دور البطولة في فيلم البرازيل وأنتج ثلاثة أفلام مع غيليام قبل كيخوته، لكنه لم يبد أبدًا عجوزا بالقدر الكافي للعب الشخصية – والآن أصبح أخيرا في سن ملائم. (في الإصدارات السابقة من المشروع، كان غيليام قد فكر في تصويره في دور مساند أصغر). ويتذكر الممثل أنه تلقى رسالة من المخرج في منتصف الليل. كان مفادها” حسنًا، أفترض أنك من الأفضل أن تأخذ الدور”.

لكن غيليام كان لا يزال ينقصه 3 ملايين دولار. وبمعجزة، عرضت اليساندرا لو سافيو، وهي صديقة منتجة لإيمي، أن تدفع المال. ذهب كل من إيمي وتيري لمقابلتها بإعجاب. ثم أصيب تيري غيليام بجلطة دماغية. يقول متذكرا: “كانت إيمي تقودني إلى المنزل، فجأة استدارت إلى منتصف الطريق. فقلت، ماذا تفعلين؟ قالت، سأدور حول تلك الحافلة. وقلت، “أية الحافلة؟” لم يشعر تيري بأي شيء، لكن الأطباء أكدوا أن جلطة دموية قد أصابت عصب الرؤية وأخذت جزءً من الرؤية في عينه اليسرى. يقول مازحاً: “أنا الآن لست مخرجًا صاحب رؤية بالقدر نفسه”.

في بعض النواحي، كان عليه أن يكون كذلك. كانت الميزانية النهائية لـ فيلم كيخوته حوالي نصف التكلفة التي كانت مقدرة لعام 2000، ويعزى ذلك جزئيًا إلى التغييرات في النص على مر السنين. يقول غريسوني: “لقد توقفنا عن التفكير في كيخوته كقصة وضعت في الماضي وبدأنا التفكير فيها كقصة معاصرة”. ويشير إلى أن هذا الإصدار من كيخوته أكثر سوداوية من بعض النواحي عما كانوا سيصنعوه قبل عدة سنوات. يقول غريسوني: “العالم المعاصر، عالم توبي، أقسى وأصعب من ذي قبل”. كان هذا جزئياً مجرد نتاج ثانوي للتخلص من عنصر السفر عبر الزمن – فالأشياء تكون دائمًا أكثر انفعالًا عندما يقع أحدهم على رأسه ويعود إلى القرن السابع عشر – ولكنه أيضًا انعكاس لإحباطات غيليام الخاصة بشأن ما يرى من حوله. يقول المخرج: “لقد وصلت إلى نقطة مع العالم الحديث حيث لا أعرف ماذا أفعل، أنا لا أعرف لقد فتح باب جهنم، ونحن نعيش في زمن الفوضى والجنون. من ترمب إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هذا جنون!”

هذا الشعور بالعجز واليأس يمر طوال الفيلم النهائي. الشخصيات كلها في نهاية المطاف تحت رحمة القلة الأثرياء والذين يخدمونهم. يتطابق هذا بشكل جيد مع صورة سرفانتس الكارثية والحديثة بشكل مدهش للطبقة والأرستقراطية. وفي الوقت نفسه، على الرغم من أن غيليام قد رأى في البداية أكثر من ذلك في كيخوته الرومانسي، فقد وجد نفسه يتعاطف بشكل تدريجي مع توبي، الذي أصبح في الإصدار النهائي للفيلم مخرجًا سينمائيا بدد وعده وأصبح مديرًا للإعلانات التجارية. خلال تصوير في إسبانيا، اكتشف نسخة دي في دي من مشروع أطروحته، الرجل الذي قتل دون كيخوته. وأثناء قيامه برحلة قصيرة إلى القرية الصغيرة التي صورها قبل عقد من الزمن، يجد توبي المكان في حالة من الفوضى؛ واتضح أن حياة الناس قد دمرتها جلسة تصويره القصيرة. وأبرزها أن خافيير (يلعب دوره برايس)، الإسكافي القديم الذي كان قد جنده للعب دور كيخوته، لا يزال يعتقد أنه فارس سيرفانتس المتجول.

كان موضوع ذنب توبي – والتأثير المسبب للتغير الذي يمكن أن تحدثه الأفلام على الناس، مثلما فعلت كتب الفروسية عن “الرجل الخيالي” لسيرفانتس – هو شيء أصر عليه غيليام حين أعاد غريسوني كتابة السيناريو. يقول غيليام: ” نحن طاقم الفيلم مثل الفايكنج والقراصنة. أو ربما الجراد”. يتذكر تصوير مونتي بايثون والكأس المقدسة في قرية اسكتلندية في عام 1974 ويقول: ” لقد تفككت الزيجات، وجاء الناس وهم يهرولون إلى لندن خلفنا، حدثت العديد من المشكلات. إن الفيلم يشبه المرض السيئ. وفكرت أن نتماشى مع كل ذلك”. ويتذكر رجلاً خلال تصوير الكأس المقدسة استقل حافلة للتوجه إلى اسكتلندا للعمل في الفيلم، تحمل تكلفة وصوله إلى هناك ووصل وقال “هل يمكنني أن أشارك في الفيلم؟” وكان رائعًا. كان بديلا لغراهام (تشابمان) لفترة من الوقت. وقام بالأعمال المثيرة التي لا يستطيع الآخرون القيام بها. ذلك هو نداء السينما. بعض الناس يتحطمون على الصخور ويكون مصيرهم الغرق، وآخرون يحلقون عاليا ويطيرون”.

   

يمكن القول أن غيليام قام بشيء من كليهما. كان التصوير النهائي لكيخوته سلس بشكل ملحوظ. كانت العديد من المواقع هي نفس المواقع التي أعدها (أو كان يخطط للتصوير فيها) في عام 2000. وقال “إن الطبيعة كانت لطيفة معي هذه المرة”، على الرغم من أنه ذكر أن عاصفة ممطرة ضربت في النهاية خلال المشهد الذي يتطلب الألعاب النارية، وغمرت المياه لفترة وجيزة الموقع. ولكن في أغل الأحيان، كانت تحديات غيليام تتعلق بالإرث المنهك للمشروع. يعترف أنه كان مرعوبًا في البداية من أنه ” لن يكون بجودة ما حلمت به، والأسوأ من ذلك أنه لن يكون بجودة ما يتخيله الآخرون” كان أداء برايس مفاجأة سارة، فهو في العادةً متواضع ومتحفظ، وتبين أنه رجل اتعراضي من الدرجة الأولى. يقول غيليام: “إنه كوميدي رائع، وكيخوته يستحق الفكاهة، وعندما كنا نصور، قلت له” يبدو الأمر كما لو كنت تؤدي كل شخصية شكسبيرية لعبتها من قبل، كل هذا في شخصية واحدة”. لقد جلب الكثير من الجنون والغرور والحلاوة والفكاهة – اعتقدت أنه انفجر عندما وصل إلى الموقع، إنه رائع”.

لكن، بالطبع إنه غيليام، وليس هناك شيء يفعله بسهولة؛ ففي عام 2017 وصل الخلاف مع برانكو إلى المحاكم الفرنسية، وحاول المنتج إيقاف العرض الأول للفيلم في مهرجان كان السينمائي، مدعيا أن الفيلم هو فيلمه. وحكم قاض لصالح غيليام، لكن في المهرجان كان الفيلم مسبوقًا بإخلاء المسئولية الذي أفاد إن عرض المهرجان لا “يخل” بمطالبة برانكو بحقوق كيخوته. وبعد شهر، قضت محكمة استئناف في باريس لصالح برانكو، وبعد ذلك ادعى المنتج أنه يملك حقوقًا في الفيلم. لحسن الحظ، اتضح أن كل المطلوب لإصدار الفيلم كما هو مخطط له هو أن يدفع غيليام إلى برانكو 11،600 دولار كتعويض.

لكن المشاكل القانونية كان لها خسائرها. فقبل العرض الأول في كان في العام الماضي، لاحظت إيمي غيليام أن شيئًا غريبا مع والدها. قالت له: “لقد انخفض جانب وجهك الأيسر بالكامل”، على الرغم من أنه لم يشعر بأي شيء. أكد فحص طبي آخر أن تيري قد عانى من انسداد بأحد الشرايين، وتشير التقارير إلى أنه أصيب بسكتة دماغية أخرى، لكنه يصر على أن ذلك غير دقيق. يقول: “كان هناك انسداد في شيء ما، لكن يبدو أنني بخير”. في كلتا الحالتين، وصل هو (والفيلم) للعرض الأول في الوقت المقرر، ورقص المخرج ومزح مع فريق التمثيل بالسجادة الحمراء وصعود الدرج إلى قاعة لوميير الكبرى قبل أن يرفع أخيرًا ذراعيه بالانتصار. في نهاية العرض، صفق له الجمهور بحرارة لمدة 10 دقائق.

عند عودته إلى لندن، فتح غيليام جهاز الكمبيوتر الخاص به لإلقاء نظرة على بعض الصور التسويقية ثم على فيسبوك. ونظرًا لأن كيخوته شق طريقه ببطء في العروض في أوروبا، فقد حصل على بعض المراجعات الجيدة، رغم أنه لا يزال غير متأكد من كيفية استقبال الفيلم في الولايات المتحدة. ومع قرب خط النهاية، يعترف بأنه ليس متأكدًا تمامًا من السبب في أنه وجد نفسه غير قادر على ترك المشروع. يقول: “أنا أكره أن يخبرني الناس بألا أفعل شيئًا”. “ما زلت مثل طفلاً لن يستمع إلى من يغيظيونه، وأصبح مهووسا للغاية. لماذا يستمر كيخوته نفسه في النهوض؟ لا أدري، ولا أستطيع أن أفسر ذلك”.

—————————————————————–

ترجمة: سارة المصري.

هذا المقال مأخوذ عن Vulture ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.