المعركة القومية (1919-1923)

التنظيم

في الثاني من فبراير عام 1919 أُرسل جمال باشا المرسينلى إلى الاناضول لتنظيم الجيوش العثمانية في الجبهة الشرقية ؛ وذلك وفقاً لبنود الهدنة . أمروا الاتراك الموجودين على الجبهة الشرقية بالتسليح وقتل المسيحين وبناءً على ذلك شرعوا في اتخاذ الاجراءات اللازمة . كلف السلطان وحيد الدين محمد السادس مصطفى كمال باشا بقمع الاحتجاجات محددة الاهداف ضد قوات الاحتلال ،و حماية المسيحيين قانطى الولايات الست وذلك بإعطائه كافة الصلاحيات …………………”لقد بذلت الغالى والنفيس لخدمة الوطن ، والآن يُسجل هذا على صفحات التاريخ .امحو ذلك من ذاكرتك فالأهم هو المهمة التي ستنفذها . بإمكانك تحرير البلاد برمتها.”[48] .وفي التاسع عشر من مايو 1919 تحرك مصطفى كمال إلى سامسونا مع كلاً من رفعت بى ومحمد عارف و هسرف بى [49]. وعقب صلح مندروس بدءت انتفاضات منظمة في الاناضول على هيئة مليشيات وطنية . وفي الثاني والعشرين من يونيو من العام نفسه اعلن مصطفى كمال مع روؤف بى وكاظم كارابكير باشا و رفعت بى وعلى فؤاد باشا “أن الشعب سينال استقلاله بالثبات والعزم ” وذلك ما نُشر في آماسيا. شارك في مؤتمر الدفاع عن حقوق مدن الشرق ؛ ذلك المؤتمر الذي نُظم في ارضروم من قبل كاظم كارابكير باشا[50].وباصرار اعضاء المؤتمر استقال عن منصب قيادة الجيش العثماني و تبوء رئاسة المؤتمر. ولتطبيق قرارات مؤتمر سيفاس الذي انعقد فيما بين الرابع والحادي عشر من ديسمبر 1919 ، تشكلت هيئة نيابية وتولى مصطفى كمال رئاستها[51]. اما في السابع والعشرين من الشهر نفسه انتشر هذا الخبر في ارجاء الاناضول و لقى حفاوة كبيرة. وفي الثالث والعشرين من ابريل عام 1920 اُفتُتح المجلس القومى التركى في أنقرة وذلك بسبب قمع نواب المجلس العثماني من قبل قوات الاحتلال في مارس من العام نفسه ، و اعتقال سفراء النوايا الحسنة . وقع الاختيار على مصطفى كمال باشا لرئاسة الحكومة والمجلس بإعتباره سفير ارضروم.

السلام

انتهت حرب الاستقلال بميثاق لوزان الذي عُقد في الرابع والعشرين من يوليو عام 1923 [52]. أصبح هذا الميثاق قيد التنفيذ بميثاق سفر ، وطبقاً لنصوص ميثاق لوزان اُسست الجمهورية التركية . وعقب الصراع القومى ظهر في تركيا ادارة يرئسها زعيمين [53].الف مجلس الشعب التركي الخلافة العثمانية في الحادي من نوفمبر عام 1922 ، وبذلك قضت على الكيان القانونى لحكومة استانبول حيث اقصاء فهد الدين عن العرش. أثناء لقاءٍ صحفى مع ” عزمت هونكار ” في قصره في السادس عشر من يناير عام 1923 ، طُرح عليه قضية الأكراد التي تناولها الكاتب الصحفى احمد امين بى بجريدة الوقت ، فرد-بحذر لانه لم يكن على علم بالوضع الخاص للأكراد-قائلاً” بإعتبار أن الجنس الكردى جنس قائم بذاته ،وطبقاً لنصوص القانون الاساسى لدينا فإنهم يشكلون حكماً ذاتى محلى [54]. في الثامن من ابريل عام 1923 حدد مصطفى كمال اتاتورك قواعد دستوردوكوز عمدة ” و اسس الحزب الشعبى التي كانت حجر الاساس للنظام الجديد [55].كان للحزب الشعبى الحق في المشاركة في انتخابات المجلس الثانى الذي عُقد في ابريل. حدد مصطفى كمال مرشحى الحزب بصفته الرئيس العام له . تبوء فتحى بى منصبى رئيس الوزراء ، ووزير الداخلية في نفس اليوم من الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 1923 ، إلا أنه اشار إلى أنه ترك منصب وزير الداخلية . احتل أيضاً على فؤاد باشا رئاسة المجلس في اليوم نفسه ، إلا أنه انفصل عن منصبه لتعينه مفتش للجيش. حصل نائبى الشعب المعارضين لمصطفى كمال الانتخابات التي عقدت لهاتين المقعدين .فتم اختيار رؤوف بى لمنصب رئاسة المجلس الثانى ، وسابط بى لمنصب رئاسة وزارة الداخلية. في السادس والعشرين من أكتوبر لعام 1923 طلب مصطفى كمال – الذي لم يسعد من هذا الوضع – من رئيس الوزراء فتحى بى أن يُقيل الحكومة بإستثناء رئيس اركان حرب فوزى باشا ، كما أمر بعدم قبول المستقيلين في اى منصب حتى لو تم اختيارهم مرة آخرى . وبالتالى ظهرت ازمة في الحكومة . وأعلن أن أعضاء مجلس الوزراء الجدد سيتم اختيارهم يوم التاسع والعشرين من أكتوبر. وطبقاً لهذه التطورات قرر مصطفى كمال حل الوضع من جذوره ؛ ففى ليلة الثامن والعشرين من أكتوبر لعام 1923 دعا عصمت باشا وبعض الشخصيات إلى اجتماع في تشانكايا واعرب قائلآ ” سنُعلن اقامة الجمهورية غداً ” ،وبعد انصراف المدعوين ابقى عصمت باشا واعدوا معاً لائحة من شأنها احداث تغير في تشكيل القانون الاساسى . وفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1923 عقد في مقر الحزب الشعبى اجتماع لمناقشة كيفية تأسيس مجلس وزراء. وعندما فشلت المساعى لحل المشكلة ، اضطر مصطفى كمال عرض افكاره ،فأوضح أن الطريق الآمن لعبور هذه الأزمة هو تغير الدستور. قدم مصطفى كمال للحزب الشعبى خطة من شأنها اعلان الجمهورية.وبعد قبول رئاسة الحزب الخطة (المشروع) عقدت اللجنة العامة للمجلس الشعب التركى اجتماعاً في الساعة السابعة إلا الربع من مساء اليوم نفسه .وفي الساعة العاشرة والنصف من مساء الاثنين التاسع والعشرين من أكتوبر لعام 1923 اُعلنت الجمهورية التركية وسط تصفيق نواب مجلس الشعب وهتافات تحيا الجمهورية التركية [56].

رئاسة الجمهورية (1923-1938)

الرئيس غازي مصطفى كمال في عام 1923.

تمثال لأتاتورك في اسطنبول وهو يبدل الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية.

الرئيس غازي مصطفى كمال في عام 1924، خلال كلمة ألقاها في بورسا.

أتاتورك يزور جامعة اسطنبول (1933).

انتخب مصطفى كمال- نائب مدينتى بالا وأنقرة[57][58] – كأول رئيس ل الجمهورية التركية بتصويت 158 نائب ممن شاركوا في الانتخابات الرئاسية التي تمت عقب الاعلان الجمهورى[59]. اجرى اتاتورك عدة تغيرات جذرية من شأنها إيصال تركيا إلى مستوى الحضارة المعاصرة . وطبقاً لدستور 1924 ، تبوء مصطفى كمال منصب رئاسة الجمهورية ثلاث فترات آخرى ( 1927- 1931-1935 ) وذلك بعد أن اُختير من قبل المجلس الشعب التركى كرئيس في التاسع و العشرين من أكتوبر عام 1923[60] . وفي فترة رئاسة اتاتورك توالى عصمت انونو ،و فتحى اوكيار ،و جلال بايار على منصب رئاسة الوزراء. كان عصمت انونو هو اكثر من ظل في هذا المنصب اطول فترة ،و اككثر من شكل حكومات . من ابرز الحكومات التي شُكلت في ظل رئاسة اتاتورك هى : الحكومة الاولى للجمهورية التركية ، الحكومة الثانية للجمهورية التركية ، الحكومة الثالثة للجمهورية التركية ، الحكومة الرابعة للجمهورية التركية ، الحكومة الرابعة للجمهورية التركية ، الحكومة الخامسة للجمهورية التركية ، الحكومة السادسة للجمهورية التركية ، الحكومة السابعة للجمهورية التركية ، الحكومة الثامنة للحكومة التركية .

السياسة الداخلية

قام مصطفى كمال بإصلاحات عديدة شملت كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحتى على المستوى الديني وعلاقة المؤسسة الدينية بالدولة و النظام السياسي لتركيا الحديثة . أهم ما قم به اتاتورك هو إلغاء نظام الخلافة . وهو شكل من أشكال الأنظمة السياسية القائمة على توارث الحكم ضمن عائلة آل عثمان مستندة على شرعية دينية بإعتبار الخليفة “ظل الله في الأرض” . وقام بفصل الدين عن الدولة ومنع الناس من اعتمار الطربوش والعمامة وروج للباس الغربي، كما منع المدارس الدينية وألغى المحاكم الشرعية، أزال التكايا والأضرحة وألغى الألقاب المذهبية والدينية، وتبنى التقويم الدولي، كتب قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، وفي عام 1928 ألغى استخدام الحرف العربي في الكتابة وأمر باستخدام الحرف اللاتيني في محاولة لقطع ارتباط تركيا بالشرق والعالم الإسلامي[61].

جهود التحديث

قام مصطفى كمال بإعلان تعديلات جذرية تميزت بالإنتقال التام والنهائي من القوانين والسمات التي ميزت العهد العثماني إلى منظومة قانونية وإجتماعية جديدة إتسمت بفصل الشأن الديني عن الشأن العام . وقام اتاتورك بحصر القوانين الدينية فقط بالمجالات ذات الصلة بالدين . وفصل نهائيا فروع القانون الاخرى عن الدين . وفي 1 مارس 1926 دخل القانون الجنائي التركي الجديد حيز النفاذ . وقد اخذ جزء كبير منه من القانون الجنائي الايطالي . وفي 4 أكتوبر 1926 أغلقت المحاكم الشرعية . بالنسبة للمرأة . كانت لدى أتاتورك قناعة كاملة بأنه على المرأة أن تتحرر بشكل تام وأن تندمج من المجتمع وأن تغادر محيطها الضيق وهو البيت والعائلة . وقد بدأ اتاتورك في تطبيق أفكاره عبر توحيد التعليم وتعميمه على الجنسين . وفي 4 أكتوبر 1926 دخلت المجلة المدنية التركية الحديثة حيز النفاذ . وقد اخذ جزء كبير منها من القانون المدني السويسري .

الاحداث السياسية

عقب اعلان الجمهورية ، اسس ( رؤوف بى – كاظم كرابكير باشا – رفعت باشا – على فؤاد باشا ) عدا مصطفى كمال – هؤلاء الاعضاء الأربع للكادر الخماسى الذي بدء الصراع القومى – الحزب الراقى الجمهورى . تم اغلاق ذلك الحزب مع اعلان حالة الطوارى ” الاحكام العرفية ” على اِثْر حادث الشاب (ثورة الشيخ سعيدثورة الشرق) الذي تم في مارس 1925.وفي عام 1926،كان هناك محاولة لاغتياله في ازمير.وفي المؤتمر الثاني للحزب الشعبى الجمهورى الذي عُقد في انقرا فيما بين الخامس عشر والعشرون من أكتوبر عام1927 ،القى خطبة توضح تأسيس الجمهورية ،و حرب الاستقلال[62] . تلك الخطبة التي تضمنت مفهوم حرب الاستقلال من الناحية الحربية ، شكلت اساس للرؤية الرسمية المتعلقة بالصراع القومى الخاص بالجمهورية التركية ،بالاضافة إلى أنها حملت خصيصة الحرب الكلامية تجاه القادة العسكرين والسياسين تلك الحرب التي شنها ونفذها ( رؤوف بى – كارابكير بى مع مصطفى كمال لاشعال فتيل الصراع القومى [63].وفي عام 1927 تقاعد عن العسكرية برتبة مشير . وبتعديل الدستور تم حذف كافة النصوص الدينية من المادة السادسة والعشرين من الدستور التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة ، كما أنها تحدد مهام ومسئوليات المجلس الشعب التركى ، بالاضافة إلى نزع كلمة الله من اليمين الجمهورى. وفي برنامج الحزب الشعبي الجمهورى لعام 1931 ، تم اعلان ذلك كأحد العناصر الأساسية للحزب العلمانى[64].في الثاني عشر من اغسطس عام 1930 اُسس الحزب الجمهورى الحر تكريماً لفتحى بى الصديق المقرب لمصطفى كمال باشا، بهدف تحقيق حياة ديمقراطية وتقديم اقتراحات لحكومة عصمت باشا ، ثم قام بضم اخته مقبولة هانم وصديق الطفولة والدراسة نورى بى لعضوية الحزب [65]. إلا أنه في السابع عشر من نوفمبر عام 1930 تم غلق الحزب نتيجة لتخوف المتشددين من استغلالهم للحزب [66] واستهداف الحزب لمصطفى كمال[67] . قبل خوض هذه التجربة الديمقراطية ، اقر قانون عقاب عسكرى معتقداً أن تدخل الجيش في السياسة سيُلحق الضرر بالشأن الديمقراطى .وطبقاً للمادة 148 من هذا القانون ، تم منع كل من انتسب إلى الجيش من المشاركة في المظاهرات أو الاجتماعات السياسية أو من ان يكون عضواً داخل حزب سياسى ، كما مُنع أيضاً من التواجد في الندوات ذات المقاصد السياسية ، كتابة مقالات سياسية ، إلقاء خطب سياسية . وفي المؤتمر الذي عُقد في التاسع والعشرين من أكتوبر عام1933 بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية التركية ، عُرض على المجتمع التركي وعلى العالم اجمع البنية الأساسية لهذه المنظمة ، بالاضافة إلى الحديث عن المستقبل [68].

الاقتصاد

عهد اتاتورك – في ظل رئاسته – حقوق الملكية لكافة المواطنين وليس للاقطاعين فحسب، بالإضافة إلى أنه في الفترة مابين عام 1923 حتى عام 1938 عمل على تنمية متوسط الاقتصاد التركى بمعدل 7.5 % سنوياً فارتفع الدخل القومى لتركيا من 3.62 وحدة لكل ألف حتى 6.52 وحدة لكل ألف[69] .

السياسة الخارجية

في ظل رئاسة اتاتورك كان يُخيم على الوضع السياسى قضايا هامة أبرزها : قضية الموصل ،و تبادل الاسرى مابين تركيا واليونان ،وتركيا عضو في الجمعية القومية ،.كان مبدؤه ” نحن اَناس نعلم قدرُنا وليس هناك مايكبح طموحاتنا[70][71].اعتنق اتاتورك الفكر الذي يرتسمه الميثاق القومى مقابل التيارات الإسلامية ،و التركية ،و الطورانية[71].تمسك اتاتورك باتفاقية لوزان – التي تم توقيعها في الرابع والعشرين من يوليو عام 1923 – بإعتبارها عصر مميز حيث أنها تبرز حدود الجمهورية التركية بشكل واسع ، كما أنه اتمنح امتيازات على المستوى الاقتصادي لا يمكن التنازل عنها[71].وبالنظر في عبق التاريخ يتبين أهمية تمسك اتاتورك بإتفاقية لوزان ،حيث أنهاالاتفاقية الوحيدة التي لازالت سارية منذ تلك الفترة وحتى الآن [71]، كما أن الاجراءات التي طبقها اتاتورك على السياسة الخارجية تحمل صفة قومية تماماً ،فهي ذو خصيصة أساسية يُحتذى بها حتى يومنا هذا[72] .ظل اتاتورك-الذي تربى في وسط عسكرى منذ مرحلة التعليم الوسطى ،والذي شارك في العديد من الحروب – يسعى نحو تحقيق السلام …حيث أن مقولاته ” نحن نرى أن أول وأهم شرط لتطور الوضع السياسى الدولى هو توحيد الامم حول مبدأ تحقيق السلام [73].

من فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.