المصور الفوتوغرافي المبدع ( لطيف العاني – المولود 1932م) .. يعد الأب المؤسس لفن التصوير الضوئي العراقي، ويمتد مساره المهني التوثيقي منذ أواخر الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات – حاوره : تمارا جلبي – مشاركة : يونس العلوي

FB_IMG_1492538791722

يعد لطيف العاني (المولود 1932) الأب المؤسس لفن التصوير الفوتوغرافي العراقي، ويمتد مساره المهني التوثيقي منذ أواخر الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات، . من خلال عمله مع مجلة النفط العراقية في الخمسينيات، كان العاني أول مصور يلتقط مناظر من الجو للعراق من طائرات صغيرة ومروحيات. وامتزجت في أعماله تيمة التحديث بتيمة الحفظا على التقاليد القديمة. وسوف يركز العرض في جناح العراق على الأعمال التي تنتمي للفترة المبكرة من مسيرته الفنية.

هنا، نقدم مقتطفا من مقابلة أجرتها رئيسة مجلس أدارة مؤسسة رؤيا تمارا جلبي مع لطيف العاني. أما المقابلة الكاملة، التي يتحدث فيها العاني عن معرضه في أمريكا والمهام التي كلف بها في ألمانيا الشرقية، فهي متاحة في كتالوج “الجمال غير المرئي” المنشور من قبل دار موس للنشر.

Baghdad in the 50s. Photograph: Latif al-Ani. Courtesy of Latif al-Ani and the Arab Image Foundation.

كيف أصبحت مصورا فوتوغرافيا محترفا؟

التصوير الفوتوغرافي كان بالنسبة لي هواية. كان هناك مصور يهودي، اسمه نيسان، ولديه ستوديو. كان جارا لأخي في شارع المتنبي. وكنت أزوره عندما كنت أساعد أخي في دكانه. علمني نيسان كيف أستخدم كاميرا الصور الفورية وأعطاني بضع نصائح. بعدها أهداني أخي أول كاميرا عندما رأى مدى اهتمامي بالأمر. وكلفته في ذلك الوقت دينارا ونصف. كان ذلك عام 1947، ولا بد أنني كنت في الخامسة عشرة. كانت كاميرا صندوق من إنتاج كوداك، ولم تكن تفارقني. أول صور التقطها كانت للحياة: النخيل، النباتات، الوجوه، الناس فوق الأسطح. كان التصوير الفوتوغرافي لا يزال جديدا في العراق. وكان عندي صديق اسمه عزيز عجام يعمل محررا بمجلة “أهل النفط”، وهي النسخة العربية من مجلة IPC (شركة النفط العراقية). كانوا يبحثون عن متدربين، وتقدمت. ووظفني جاك بيرسيفال. هناك تعلمت كل شيء. كان رئيسي، ومعلمي، وأبي الروحي. أبي توفي وأنا صغير، وعندما توفي جاك كنت واحدا ممن حملوا نعشه. هكذا كانت وصيته.

كيف تشعر وأنت تنظر عبر العدسة؟

لم أكن أطيق الانتظار حتى تظهير الفيلم حتى أستطيع رؤية النتيجة (…)

كيف كنت تشعر تجاه البريطانيين في شركة النفط العراقية؟ خاصة في أجواء كان فيها الشعور القومي والمعادي للاستعمار يتزايد في العراق؟

كنت مرتاحا جدا في شركة النفط العراقية. كانوا يعاملونني جيدا. لم أشعر بأي نوع من التمييز ضدي. (…)بل إن جاك بيرسيفال أراد أن يعلمني كل ما يعرفه. ذات يوم كنا في مكتبه وكان ممسكا بكتيب إرشادي غليظ عن التصوير الفوتوغرافي. قال لي “يا لطيف، لن أغادر العراق قبل أن أعلمك كل ما في هذا الكتاب”. لقد رأى كم كنت متحمسا. واصطحبني إلى العديد من الرحلات لتدريب عيني؛ بل وساعدني في تقليص مدة خدمتي العسكرية حتى أستطيع أن أسافر معه أكثر.

التصوير من الجو كان أمرا جديدا في العراق. فكيف كانت تجربتك؟

(…) في فترة معينة، كانت الحكومة العراقية تريد الإعلان عن طائرتها الجديدة طراز “ترايدنت”. وقررنا أن أفضل وسيلة لذلك هي تصويرها وهي تطير فوق معالم عراقية بارزة. ضريح موسى كاظم على أطراف بغداد، ذو القبتين. كانت تلك فكرة جاك بيرسيفال. صعدنا إلى طائرة “فيسكاونت” التابعة لشركة النفط العراقية لنأخذ اللقطة. ومن الجو، رأيت أشياء مختلفة بطريقة مختلفة. (…) كانت الألوان مختلفة. رأيت التناقض أكثر وضوحا بين القبيح والجميل. كل شيء كان مكشوفا. و شيء يمكن إخفاؤه.

هل لديك صورة مفضلة؟

هي الصورة التي التقطتها عام 1955 تقريبا، في ضواحي دمشق، في الغوطة، صباحا. (…) كنت في مهمة في سوريا لحساب شركة النفط العراقية.

لو كنت لا تزال تعمل مصورا فوتوغرافيا اليوم، في 2015، كيف كنت ستتعامل مع العراق ومع العالم؟ ما الذي يستطيع التصوير الفوتوغرافي أن يقدمه اليوم مقارنة بالأيام التي كنت تعمل فيها؟

لا أظنني أستطيع تصوير أي شيء اليوم. لا شيء جميل. الجمال ليس فقط في المنظر؛ إنه يتعلق أيضا بالتعامل مع الناس في الشارع. ربما خارج العراق أستطيع أن ألتقط صورا. (…) أنا منبهر بالسرعة والزمن اليوم، الصورة الفورية التي تجعلك على علم بما يحدث. (…) لازلت أتذكر صور نيل أرمسترونج التي وصلت من وكالة “أسوشيتيد برس” عبر موجات الراديو عام 1969. وقتها كانت تلك الطريقة سريعة. طبعنا الصورة وعرضناها في ميدان التحرير. كان لدينا مركز صحفي في الميدان لعرض كافة مستجدات الأخبار على الناس لكي يقرأونها.

Ani29

هل كانت هناك دعاية بصرية رسمية للدولة؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فأين كانت صورك من ذلك؟

على مدار سنوات عملي في الدولة- في وزارة الثقافة أولا، ثم في وكالة الأنباء العراقية- مرت البلاد بتغييرات أيديولوجية عديدة كانت كثيرا ما تتناقض مع بعضها البعض. عن نفسي كنت ألتزم بالرسالة العامة لهذه الفترة أو تلك، وأطبقها على الصور التي كانوا يريدونها. على سبيل المثال، بعد ثورة 1958، كانت الدولة تتبنى الأيديولوجية الاشتراكية وأرادت الترويج للطبقات العاملة، فالتقطت الكثير من الصور للصناعات القائمة، والعمال، والمزارعين، وما شابه. وبعد 1963، أصبحت الحكومة قومية النزعة وأبدت اهتماما أكبر بأشكال مختلفة من الحياة السياسية، فانصب تركيزي أكثر على الشخصيات، على التجمعات والخطب، وملت أكثر باتجاه الصور الصحفية. كانوا أكثر اهتماما بإظهار مشروعاتهم، مثل صور توزيع الطعام على الفقراء. مع ذلك، لم أحذف الأشياء التي رأيتها مثيرة للاهتمام، الصور التي أحببتها. بعد 1968، ازدادت الرقابة أكثر وأكثر. (…) كان الرئيس بحاجة لتقديم نفسه في أبهى صورة.

قال الكاتب فرانز كافكا “إننا نصور الأشياء لنطردها من عقولنا. وقصصي هي وسيلة لكي أغمض عينيّ”. هل سبق وأن رغبت في طرد قصة من عقلك عن طريق تصويرها؟

على العكس، كنت أريد التقاط الصورة لكي تستمر معي أبدا.

تعليقات الصور:

بغداد في الخمسينيات، صورة فوتوغرافية: لطيف العاني. إهداء من الفنان والمؤسسة العربية للصورة.

لطيف العاني، جامع مرجان، 1960. إهداء من الفنان.

نُشرت بواسطة

فريد ظفور

مصور محترف حائز على العديد من الجوائز العالمية و المحلية في مجال التصوير الفوتوغرافي.